مكتبتك الصوتية

مستخدم جديد

الاشتراك

كلمة السر أو رمز التفعيل

اسم المستخدم

كـلمـــة الســــر

الأكثر استماعا لهذا الشهر

1

سورة البقرة

742230

عبد الباسط عبد الصمد
2

ماذا بعد رمضان

7990

محمد حسان
3

دعاء ختم القرآن الكريم..

5983

4

تكبيرات العيد وتلبية ا..

2598

(...)
5

قصص الأنبياء - قصة ابر..

2515

طارق السويدان
6

خطبة عيد الفطر المبارك

1533

محمد المنجد
7

دعاء ختم القرآن الكريم..

1463

8

دعاء ختم القرآن الكريم..

1434

9

خطبة عيد الفطر

1406

سعد البريك
10

دعاء ختم القرآن الكريم..

1328

في هذا الدرس بعض صفات العلامة ابن باز، وبديعات مناقبه، وغزارة علمه، وعليات أخلاقه وسماته، وأعماله ومجالاته، مروراً بالتعريف بشخصه ونشأته وطلبه للعلم، خالصاً من ذلك أن شخص الإمام ابن باز يتمثل فيه شخصية الرجل العالم بدينه، العارف بأحول عصره ومصره، الشفيق على أمته، القريب منهم، فحقاً إنه لبقية السلف فلا زالت رحمات الله عليه وابلة ونفحاته إليه واصلة.

الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وسيد المتقين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

عنوان هذه المحاضرة: الممتاز في مناقب ابن باز " وكانت آخر محاضرة بعنوان أبو بكر في عصر الذرة، رضي الله عنه وأرضاه.

 أسباب اختيار موضوع التعريف بابن باز

وأنطلق في هذه المحاضرة" الممتاز في مناقب الشيخ/ ابن باز " من خمس قواعد:

القاعدة الأولى: قاعدة هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] فنثبت الليلة فضل أهل العلم، ومالهم من مكانة بما ورثوه من معلم الخير عليه الصلاة والسلام.

القاعدة الثانية: قاعدة فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] لنرد الأمة إلى علمائها وإلى مثقفيها ومفكريها.

القاعدة الثالثة: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] ونثبت للناس أنهم أقرب الناس إلى الله إذا عرفوا الكتاب والسنة، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد من الله قرباً.

القاعدة الرابعة: العلماء ورثة الأنبياء، فإذا هم الذين يحملون ميراث محمد عليه الصلاة والسلام، ويبلغونه للناس، وهم أمناء على رسالته، وعلى ميراثه وعلى تركته عليه الصلاة والسلام.

القاعدة الخامسة: قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] فإذا هم أهل الفقه والاستنباط، وأهل الفهم الدقيق لمعاني (قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام).

وقد يسأل سائل -وقد حدث هذا السؤال قبل المحاضرة-: ما الفائدة أن تخبرنا بسيرة شيخ شهير وخطير وكبير عرفناه وعرفه الأطفال والنساء والكبار؟

قلت: الفائدة من ذلك ثلاثة أشياء:

أولاً: نحن نعيش فترة حرجة يجب علينا أن نلتف فيها حول علمائنا، وأن نعرف قدرهم ومكانتهم، ومن أئمتهم سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.

ثانياً: توثيق الصلة بين الجيل وبين العلماء.. فجيل بلا علماء جيل ضائع متهور طائش، وعلماء بلا جيل لا مكانة لهم، فإذا التقى العلماء والجيل كونوا مسيرة خالدة وصحوة مباركة، وهي المقصودة بإذن الله.

ثالثاً: الذب عن أعراض الصالحين، فأنا أحتسبها هذه الليلة..

لترم بي المنايا حيث شاءت     إذا لم ترم بي في الحفرتين

أحتسب ذلك ذباً عن الشيخ وعن عرضه؛ لما سمعت من بعض المتعجلين الذين ما أوتوا بصيرة ولا تقوى إذ وقعوا فيه، ومعنى ذلك: أن نضرب على الدماغ مباشرة، وألا يبقى لعلمائنا مكانة.. فأنا محتسب أجرها على الله، عل الله أن يكتبها في الحسنات.

وسوف أبحر بكم هذه الليلة مع ربان العلم والحكمة، وأستاذه سماحة الشيخ؛ لنعرف؛ لا عرفان من يعرف مجملاً من حياته، ولا أين ولد ومتى ولد، وماذا يأكل وماذا يشرب.. فهذا تاريخ الأموات، لكني سوف أتحدث هذه الليلة عن تاريخ الأحياء.

ومن الأسباب التي دعتني لهذه المحاضرة: ألا يقول قائل: ذهب العلماء والصالحون، ولم يبق في الناس بركة.. فنقول: لا. بل بقي فيهم خير، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام عند أحمد وغيره أنه قال: {أمتي كالسيل لا يدرى الخير في أوله، أو في آخره} فلا زال فينا علماء وأدباء وشهداء وشعراء وصالحون وأخيار، فهي أمة معطاءة تنتج كل حين ما دامت متمسكة بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام.

 نسب الشيخ وأسرته

كنية الشيخ: أبو عبد الله.. وهي كنية المحدثين، وكان البخاري والشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل كلهم أبو عبد الله.

واسمه: عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن بن باز؛ أحد الثلة المتقدمة في العلم بالشرع الإسلامي المنزل على خاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام، والممثل في شخصه الكريم مشيخة الإسلام في هذا العصر، والذي وصف بإمام أهل السنة في هذه الفترة؛ المحدث الأثري الفقيه النابغة، مفتي الديار أثابه الله وحفظه.

ولد في الرياض عاصمة المملكة، في اليوم الثاني عشر من ذي الحجة عام ثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة، في أسرة في مجموعها صلاح، ويغلب على بعضها الاشتغال بالزراعة، وبعضها بالحرف، وبعضها علماء.

هم القوم يروون المكارم عن أبٍ     وجدٍ كريمٍ سيدٍ وابن سيد

وهزتهم يوم الندى أريحية     كأن شربوا من طعم صهباء صرخد

ومن أسرته -حفظه الله- الشيخ/ عبد المحسن بن أحمد آل باز؛ تولى القضاء بـالحلوة، والإرشاد في هجرة الأرطاوية في قبيلة مطير، ومنهم الشيخ المبارك/ ابن عبد المحسن؛ تولى القضاء في بلدان كثيرة كـالطائف وبيشة وحريملة والحلوة.

 نشأته وطلبه للعلم

نشأ الشيخ على رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام، ورضع ثدي النبوة على لا إله إلا الله، وأشرقت نفسه على رسالة الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب مجدد التوحيد في الجزيرة وفي كثير من أنحاء العالم الإسلامي، فأخذ العلم أولاً على يد المشيخة، فحفظ كتاب الله عز وجل، وأتاه عمى العينين فازداد قلبه بصيرة، وما ضره عمى عينيه بل زاد حفظاً وورعاً وعلماً.. يقول أحد الشعراء العرب وقد عمي صغيراً:

عميت صغيراً والذكاء من العمى     فجئت همام القلب جم المشاعر

وأنزلت في قلبي سواد محاجري     فما خفت في الدنيا سواد المخاطر

يقول: السواد الذي في عيني أنزلته في قلبي..

واستفاد الشيخ من العمى أموراً أربعةً:

أولها: الأجر والمثوبة من الله إن شاء الله.. ففي صحيح البخاري في الحديث القدسي أن الله يقول: {من ابتليته بحبيبتيه فصبر عوضته عنهما الجنة} والمقصود بالحبيبتين: العينين، وكانوا يقولون لـيزيد بن هارون الواسطي -وهو سيد المحدثين، وقد سئل عنه ابن تيمية فقال: هو أشهر من أن يذكر، وأكبر من أن يتكلم فيه- قيل له: أين العينان الجميلتان؟ قال: أذهبهما -والله- بكاء الأسحار.

ثانيها: الذكاء المفرط.. فالشيخ حافظ العصر في علم الحديث، واسأله في حديث عند الستة أو عند غيرهم؛ فستجده في الغالب مذياعاً فصيحاً يستحضر سنده ومن تكلم فيه ورجاله وشرحه.

فأتوني من أهل العيون المبصرة من يكون كالشيخ في علمه..

وابن اللبون إذا ما شد في قرنٍ     لم يستطع صولة البزل القناعيس

عذرت البزل إن هي قارعتـني     فما بالي وبال ابن اللبون

ثالثها: استفاد الشيخ من عمى عينيه إغفاله مباهج الدنيا وفتنتها وزينتها، فزهد وجمع قلبه على الدار الآخرة، وعلى التواضع والاستكانة لله، ولم يتشتت قلبه.

رابعها: استفاد من مركب النقص في العينين أن ألح على نفسه وحطم نفسه بالجد والمثابرة حتى أصبح من العلماء، وهذه قضية معروفة، ومن قرأ منكم كتاب" دع القلق وابدأ الحياة " لـدايل كارنيجي وهو يتحدث عن ماذا فعل من أصيبوا بعاهات في الدنيا، وكيف أنتجوا؛ أخبرك أن مكتشف علم كذا وكذا كان أصم، ومكتشف علم كذا كان أعمى، ولك أن تراجع الفصل الثالث عشر في هذا الكتاب.

واستمر الشيخ يطلب العلم بعد أن فقد عينيه، ولكن قلبه يزداد نوراً، وعوضه الله بذكاء في القلب.. يقول أحد الشعراء:

رأيتك أعمى العين صار ضياؤها     بقلبك حتى صرت فجراً مبلجاً

فصار سواد العين في القلب فاغتـدى     ينظم من نور الشريعة منهجاً

وقيل لـابن عباس -عالم الدنيا- وقد عمي: أحسن الله عزاءك في عينيك.

إن يأخذ الله من عيني نورهمـا     ففي فؤادي وقلبي منهما نور

عقلي ذكي وقلبي غير ذي عوج     وفي فمي صارم كالسيف مشهور

وقد تقلى الشيخ علومه على يد مشايخ فضلاء، ومن أبرز مشايخه -حفظه الله ورعاه- الشيخ/ محمد بن عبد اللطيف آل الشيخ؛ من الأسرة العامرة الموجهة الخيرة، والشيخ/ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ قاضي الرياض، والشيخ/ سعد بن حمد بن عتيق قاضي الرياض؛ العز بن عبد السلام في هذا العصر، والشيـخ/ حمد بن فارس وكيل بيت المال في الرياض، والشيـخ/ سعد وقاص البخاري؛ من علماء مكة أخذ عنه التجويد، وسماحة الشيخ العظيم الجليل/ محمد بن إبراهيم آل الشيخ؛ المفتي الأجل، لازمه عشر سنوات، واستفاد منه فوائد باهرة.

هؤلاء مشيخة الشيخ، وتستمر الحال بالشيخ، فلا يفتر ليل نهار يبحث عن العلم ويطلبه من مظانه، وفي حياته درس على أن الإنسان بإمكانه مع الفقر والعمى والعوز -إذا صدق مع الله- أن يحصل علماً، وأن يستفيد إذا صدق قلبه.. وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

يقول الشوكاني عالم اليمن: كنت في أثناء الطلب متهاوناً، فقرأت أبياتاً للشريف الرضى يمدح فيها الهمة العالية، فزادتني همة.. يقول الشريف الرضى متحدثاً عن نفسه:

أقسمت أن أوردها مرةً     وقاحةً تحت غلامٍ وقاح

إما فتىً نال المنى فاشتفى     أو فارس زار الردى فاستراح

وقد قلت في بيتين على بيتي الشريف الرضى:

إذا سألت الله في كل ما     أملته نلت المنى والفلاح

بهمةٍ تخرج ماء الصفا     وعزمةٍ ما شابها قول آح

ومما يذكر في الهمم والإصرار والجد والمثابرة: أن عنترة بن شداد كان يغلب الفرسان، وكان يبطح الأبطال، وكان يذبح الكماة.. فقيل له: كيف تصبر؟ كيف تكون مقداماً؟ فقال للقائل: أعطني إصبعك فأعطاه إصبعه، فأخذها في فمه، وأعطاه عنترة إصبعه فوضعها في فمه، ثم قال: عض إصبعي وأعض إصبعك، والصابر منا من يثبت. فعض هذا وعض هذا، فقال ذلك: آه، فانطلقت إصبع عنترة، فقال: بهذا غلبت الناس.

قال الله: إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ [النساء:104] وقال: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140].

سقيناهم كأساً سقونا بمثلها      ولكننا كنا على الموت أ صبرا

والذي يريد أن يحصِّل عليه أن يقرأ سيرة الشيخ.. وأنا أعلم أن من السلف الصالح من هو أعلم بكثير، لكن علينا أن ننظر إلى رجل حي بين أظهرنا يمثل العلم في القمة، وقد حصل عليه مع فقر وعوز، والكتب ليست متوفرة، والطباعة كانت ضعيفة، ووسائل التنقل ما كانت بذاك، والرجل أعمى؛ ومع ذلك حصَّل وحصَّل حتى وصل إلى ما وصل إليه.. فأين الشباب؟ مع أن العلم متوفر، والطباعة سهلة، والمجلدات كثيرة، والجامعات مفتوحة، والأساتذة كثر، والعلماء متوفرون، وفي الثقافة غزارة.. فأين من يطلب العلم؟

خرج القفال الشاشي، وفي الطريق أراد أن يطلب العلم وعمره أربعين سنة.. فنحن نطلب العلم في الأربعين وفي الخمسين وفي الستين، وعلينا ألا نصدِّق كانت ولا ديكارت الذين قالوا: لا. العلم في الصغر فحسب.. يقول البخاري في الصحيح في كتاب العلم: وتعلم أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام في الكبر.. فنتعلم ولو كنا كباراً.

ذهب القفال وعمره أربعون، فقال: كيف أطلب العلم؟ ومتى أحفظ؟ ومتى أفهم؟ ومتى أعلم الناس؟ فرجع، فمر بصاحب سانية يسوق على البقر، وكان هذا الحبل يقطع الصخر من كثرة ما مر، فقال:

اطلب ولا تضجر من مطلـبٍ     فآفة الطالب أن يضجرا

أما ترى الحبل بطول المدى     على صليب الصخر قد أثرا

واستمر يطلب العلم وأصبح إماماً شافعياً من جهابذة الدنيا.

فلا بد من الطموح والهمة العالية، واستعذاب المنايا، والمخاطرة بالنفس؛ حتى تصل إلى المطلوب وإلى الهدف السامي.

حفظ الشيخ -جزاه الله خيراً- القرآن، وتعلم كتب العقيدة على مذهب السلف الصالح، وهو الذي يمثل الآن من العلماء الوجهة الصحيحة لمذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات وفي مجمل وتفاصيل المعتقد، وأكب الشيخ على كتب شيخ الإسلام/ ابن تيمية وابن القيم.. وفيهما النفع الكثير، وهي تغذي طالب العلم غذاءً هائلاً، وهي تختصر المسافات، وفيها بركة من رجلين خطيرين عبقريين أثريا المكتبة الإسلامية والثقافة المؤمنة. وكان الشيخ يعتمد على كتب الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب، وينثرها في محاضراته وخطبه وكلامه، ويدعو إلى المنهج السديد.

 أعماله

أما أعمال الشيخ فألخصها في هذا الموجز:

- ولي القضاء في منطقة الخرج مدة أربعة عشر عاماً من عام (1357-1371هـ).

- عمل في التدريس في معهد الرياض العلمي، وفي كلية الشريعة في الرياض، إلى عام (1380هـ).

- عين نائباً لرئيس الجامعة الإسلامية بـالمدينة المنورة إلى عام (1390هـ).

- عين رئيساً للجامعة الإسلامية بعد وفاة رئيسها، رحمه الله.

- عين في منصب الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برتبة وزير، ولا يزال في هذا العمل إلى الوقت الحالي، حفظه الله ورعاه وبارك فيه.

وأما أعماله التي يشغلها الآن فهي:

- رئيس هيئة كبار العلماء، وهو عالم المسلمين اليوم رئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

- رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي.

- رئيس المجمع الفقهي الإسلامي بـمكة المكرمة.

- رئيس المجلس الأعلى العالمي للمساجد بـمكة المكرمة.

- عضو المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.

- عضو الهيئة العليا للدعوة الإسلامية في المملكة.

إلى جانب الكثير من الأعمال الخيرة في جميع أنحاء العالم.

ومن أحسن من ترجم له: المجذوب في كتاب" علماء ومفكرون عرفتهم " وترجم له الأخوان النبيلان: فهد البدراني وفهد البراك، لكنهما -أثابهما الله- أوجزا كثيراً في سيرة العلماء إيجازاً فيه ما فيه، ولكنهما أجادا في إبراز هؤلاء العلماء، فجزاهما الله خيراً وحفظهما الله.

عمل الشيخ قاضياً في الخرج، فكان الأب المعلم، وكان القريب من قلوب الناس، وكان يجلس بعد الدوام للناس، فيعلمهم في الحديث النبوي والعقيدة، فيأتيه العامي فيتعلم منه الخلق والسماحة، ويجلس معه الأطفال، ويقضي حوائج الناس، وكان كريماً منذ صغره،كان بيته مضيافاً على قلة ذات اليد، ولكن الله بارك في نفقته لكرمه ولصدق نيته وإخلاصه، ولما انتقل من الخرج، بكى عليه الناس، وأكثروا من الهلع على انتقاله وفقدوه، أثابه الله وبارك في وقته.

ثم انتقل الشيخ وعمل في التدريس من أجل إشاعة العلم، ورأى أن القضاء قد يحبسه عن ذلك، فذهب إلى معهد الرياض، وكلية الشريعة، فكان يلقي الدروس ارتجالاً لحافظته القوية، وكان محبباً للطلاب.

 مميزاته

وكان الشيخ -كما تعرفون- واسع الحلم، لا يكاد يغضب، بل سجيته السهولة والرضا واليسر، فكان الأب القريب من طلبته، الذي يعرف متطلباتهم ويقرب منهم، وهذه خاصية يفتقدها كثير من الناس، وهي المؤهلة -بإذن الله- للعالم وللداعية ولطالب العلم أن يؤثر في بيئته.. فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

وإن من أعظم ما يميز الشيخ: الحلم.. وقد رأيناه وجلسنا معه كثيراً، وأخبرنا محبوه وتلاميذه بحلمه الواسع، فهو قليلاً ما يغضب، وإذا غضب، كتم أنفاسه ولم يتكلم. ولا يجرح المشاعر أبداً، وهو كمر النسيم على القلوب؛ ولذلك جعل الله له محبة في القلوب، وهو لا يشهِّر بالطوائف، ولا ينال من الأشخاص، ولا يتهكم الناس، ويحفظ للناس قدرهم وللهيئات قدرها، لأنه رضع من ميراث نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، وتعلم في جامعته الغراء التي أخرجت أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وأبياً ومعاذ بن جبل وأمثالهم.

وحين انتقل الشيخ إلى الجامعة الإسلامية كان مثلاً أعلى في حسن الإدارة، وبعد توفيق الله نعزو كثيراً من نجاح الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة إلى سيرة الشيخ الجليلة وإلى عطاياه السمحة، وإلى ملاحظاته الكيِّسة الفطنة.. وقد كان الشيخ يحضر في إدارة الجامعة ويجتمع بالأساتذة في وقت الفسح، ويوجههم التوجيه السليم، ويدعوهم من منطلق رسالته العلمية إلى الحكمة، وإلى اللين في التعامل، وإلى الاهتمام في التحصيل العلمي، وكان لا يفوت من وقته دقيقة إلا في الخير.. وكان الشيخ يمر على الطلبة في الفصول، فيسلم عليهم، ويسمع ما عندهم، ويفيض في الحديث معهم، وربما ألقى بعض المحاضرات، وكان يفتح مكتبه للطلبة.. وهذه ميزة يفتقدها كثير من المسئولين والموظفين؛ فتراهم يغلقون الأبواب في وجوه المسلمين من ذوي الحاجات.

وأما الشيخ فقد كان يفتح مكتبه، ويستقبل المعاريض، ويسمع من الناس، ويأخذ ويعطي معهم حتى يقضي حاجتهم، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من ولي من أمر أمتي شيئاً فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم احتجب الله يوم القيامة دون حاجته وخلته}.

فكان الشيخ يرى أنه ليس من الحكمة أن يغلق بابه؛ بل يفتحه للطلبة وللموظفين ولمن يأتي من الزائرين والضيوف، فكان يمتلئ بالناس، ويحاورهم الشيخ فيما ينفع، وقد رتب أوقاته بما هو حسن وجميل.

وذكر المجذوب أن أحد العلماء علق على محاضرة للشيخ كان عنوانها" الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب " وقد ألقاها الشيخ عبد العزيز بن باز.. وعلق هذا المعلق فقال: وفي العقائد كان الشيخ ابن باز مثل الاعتدال، لا هو من أولئك المتطرفين الذين يطلقون عبارات الشرك على كل صغيرة وكبيرة، ولا هو من المتساهلين الذين يغضون النظر عن صغار الأمور، بل إنه لينبه على الصغيرة والكبيرة ويضـع كل شيء في موضعـه، وهي الوسطية التي كسبها علمـاء السنة.. وسطية في الفكر وفي العلم، ووسطية في إلقاء الأحكام، ووسطية في الأخلاق والسلوك.. لا إفراط ولا تفريط.

 مكانته في العالم الإسلامي

أما مكانته في العالم الإسلامي، فقد حظي الشيخ بحب العالم الإسلامي، وحمل حبه في جوانحه، وسار الشيخ مثلاً للعالم الذي يمثل العلم في طول العالم الإسلامي وعرضه، ولا أقولها من باب التعصب ولا العاطفة، فلقد رأيت فيما يقارب إحدى عشرة ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية في المراكز والمدارس الإسلامية، وفي الأكاديمية والمساجد أن الثقة عندهم هو الشيخ عبد العزيز بن باز، وله ممثلون في كل ولاية -في الغالب- يمثلون فكره وفتواه ودعوته، وإذا أتت الفتيا منه قبلوها، على حد قول القائل:

إذا قالت حذامِ فصدقوها     فإن القول ما قالت حذامِ

وأخبرنا كثير من الدعاة ممن ذهب إلى آسيا وأفريقيا أن الشيخ يلقى احتراماً واسعاً، وفتواه تقبل في العموم الغالب، ويقدر ويجل من عموم الناس بحمله للعلم الشرعي، وقربه من القلوب، وعدم جرحه للمشاعر، ولما أكسبه الله من القبول.. والقبول بيد الله وليس بيد أحد من الناس، فالشيخ لم يؤت هذه المكانة على كسب الناس في منصبه، فالناس يعرفون ابن باز أعظم من عرفانهم لمنصبه، ولا أوتيها من أسرته فإن أكرمكم عند الله أتقاكم، ولكن من علمه وتقواه وإخلاصه، وفي الصحيح: {إن الله إذا أحب عبداً نادى جبريل: إني أحب فلاناً فأحبَّه؛ فيحبه، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض} وبالعكس من أبغضه الله.. حتى أن الناس ليشربون مع الماء قبول بعض الناس، ويشربون مع الماء بغض بعض الناس، ونعوذ بالله أن تبغضنا قلوب الناس، فأنتم شهداء الله في أرضه.

وأثر الشيخ في العالم الإسلامي ينطلق من أمور:

أولاً: أنه في بلاد الحرمين.. مهبط الوحي، ومسرى الرسالـة، وفيها منارة التوحيـد، ومنها الخلفاء الراشدون، وعلى أرضها نزلت لا إله إلا الله.

ثانياً: أن علمه موثوق؛ إذ هو يمثل علم السلف الصالح أهل السنة والجماعة.

ثالثاً: للشيخ قبول أعطاه الله عز وجل.

رابعاً: الشيخ معطاء يستقبل الوفود، ويقضي حوائجهم، ويراجع مسائلهم، وقد سمعت من بعض المشايخ أن الشيخ في بعض المجالس يذكر له الجهاد الأفغاني وما يصيب المجاهدين من برد هناك وجوع، فتدمع عيونه.

إذا اشتبكت دموعٌ في خـدودٍ     تبين من بكى ممن تباكى

قد استشفيت من داءٍ بداءٍ     فأقتل ما أعلك ما شفاك

وقال أحدهم: وعرض للشيخ مرة مجزرة الفلبين التي صرع على يد الطغاة هناك ألوف المسلمين، فبكى الشيخ حتى اهتز من كثرة البكاء.

وبيت الشيخ -كما تعرفون- في الرياض بفلله مفتوح للضيافة، ومن الغرباء من ينام هناك الأيام الطويلة، وقد رأينا ذلك عياناً لا نقلاً، من يأتي فيجلس على مائدة الشيخ، وسوف أتكلم عنه في فصل:" كرم الشيخ".

والشيخ ملم بأحوال العالم الإسلامي؛ إذ تأتيه البرقيات والرسائل والملحقات والنشرات والكتب والمجلات والصحف، وقد دخلت عليه مرة من المرات فوجدت عنده أحد النواب الرؤساء الأفارقة، والمترجم عنده يترجم، وهو يتكلم عن بلاده وعن وضع الإسلام هناك، وأخبره الشيخ بالوسائل المجدية في نشر الدين، ولما انتهى وإذا بزمرة من الناس ما يقارب العشرة من جاليات غير مسلمة يعلنون إسلامهم بين يدي الشيخ.

 تواضع الشيخ وقضاؤه لحوائج الناس

فهـو لا يفرغ من فتوى، أو كتابة شفاعة، أو تعليم، أو إصلاح بين الناس، أو اتصال، أو مساعدة إنسان، أو وقوف مع محتاج.. وهذا والله هو العمر المبارك، ولعلك إذا داومت معه من الصباح لا تأتي في الظهر إلا وقد أنهى مئات المعاملات.

فحقاً إنه بقية السلف، والحديث عن هذا الشيخ الجليل يذكرنا بالصنف الأصلي والطراز الجميل من أمثال: البخاري ومسلم وأحمد وابن تيمية وابن القيم، فهو يحمل قربى السجية السمحة، ويحمل العلم الوقاد، ويحمل معه السكينة والتواضع، ويروى في الحديث وفي سنده نظر: {تعلموا العلم وتعلموا له السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، ولا تكونوا جبابرة العلماء} والشيخ يمثل قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً [الفرقان:63].

ومن تواضع الشيخ: أنه يجيب الدعوة، وكثيراً ما يذهب مع تلاميذه يجيب دعوتهم في بيوتهم , وإلا فالشيخ -كما تعرفون- أعظم من الزعماء، فيجلس معهم، ويزور بعض العزاب، ويتغدى معهم، ويسمع أغراضهم.. ويوقفه الإنسان في الشمس فيقف معه، وكم رأيناه من مرة عند باب السيارة إذا فتحت يقف للناس في الشمس، ويحاول محبوه أن يدخلوه سيارته، ولكنه يرفض حتى يسمع ويفتي وحتى يقضي حوائج الناس، حتى تظن أنه لا يعرف إلا إياك، أو أنه لا يعرفه إلا أنت.

يقول أحد الشعراء، ويستحقها الشيخ/ عبد العزيز:

يا من له ألف خلٍ     من عاشقٍ وصديق

أراك خليت للناس     منزلاً في الطريق

فالشيخ له ألوف مؤلفة من الأحباب والأصدقاء, ومن سماحته -وأنتم تعرفون ذلك- أنه إذا دخل عليه ضيوف في المكتب، قال: من أنتم؟ أخبرونا بأسمائكم فيبدأ باليمين أخذاً بالسنة، لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، لما أتاه وفد عبد القيس: {من القوم؟ أو من الوفد؟ قالوا: من ربيعة. قال: مرحباً بالقوم غير خزايا ولا ندامى}.

وعند الترمذي بسند فيه ضعف: {إذا عرف أحدكم أخاه، فليسأله عن اسمه وعن نسبه، فإنه واصل المودة}.

والشيخ إذا جلست عنده سألك عن اسمك وعن نسبـك ومن أي قبيلة ومن أي بلـد، وهل أتاكـم أمطار، وكيف أحوال الصالحين في تلك البلدة.

أحادث ضيفي قبل إنزال رحله     ويخصب عندي والمكان جديب

وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى     ولكنما وجه الكريم خصيب

ويستمر الشيخ على هذا الحال النادر صابراً محتسباً يعيش قضايا الأمة الإسلامية، ولعل من أعظم المعالم البارزة في حياته الشخصية ما ترونه في أيام منى أيام الحج يوم يفتح خيمته، فتنهال الأمة عليه ألوف مؤلفة كالسيل وكالغمام، يستفتونه ويقبلون رأسه، ويدعون له ويدعو لهم، ويجلسون معه في سكينة، فإذا حضر غداؤه مد سفرته وأحضر الناس على غدائه، وأكل معهم. رفع الله منزلته.

 كرمه

وأما كرم الشيخ فحدث ولا حرج، وأنا لا أقول هذا من دافع العصبية والعاطفة، لكني أقول: لا أعرف في هذا العصر أكرم منه، وقد سماه بعض محبيه حاتم الطائي في هذا العصر، وهو لا يمسك قليلاً ولا كثيراً، وربما مرت عليه بعض الأشهر وقد استدان على راتبه لكثرة ما ينفق ويعطي.

هو البحر من أي النواحي أتيته     فلجته المعروف والجود ساحله

ولو لم يكن في كفه غير روحه     لجاد بها فليتق الله سائله

وكرمه يتمثل في أمور:

أولاً: عطاؤه المستمر للفقراء والمحتاجين والمساكين.. فهو لا يرد طالباً، وقد حدثنا بعض طلبة العلم الثقات: أن أحد المجاهدين وفد على الشيخ مرة من المرات، وما وجد الشيخ إلا غرضاً مهماً له فباعه وأعطاه قيمته في سبيل الله عز وجل.

ثانياً: أنه ما يدنو وحده على طعام، ولا يعرف أن يكون وحيداً، وإنما إذا حضر طعامه أحضر الناس على طعامه دائماً، وسفرته طويلة، ويحضر طلبة العلم والمفكرون والأدباء والعامة والفقراء والمساكين والمسئولون، فيحيي الجميع ويرحب بهم، وهذا أمر معلوم لا يحتاج أن أثبته لكم، لأن كثيراً منكم رأى ذلك.

يقول حاتم الطائي لامرأته:

إذا ما صنعتي الزاد فالتمسي له     أكيلاً فإني لست آكله وحدي

أخا سفرٍ أو جار بيتٍ فإنني     أخاف مذمات الحوادث من بعدي

وحاتم الطائي من حائل، وقد مات جاهلياً وثنيا، يقول لأمرته: إذا صنعت الطعام وأحضرتيه، فلن أتقدم ولن أغسل يدي ولن آكل حتى تأتي بفقير يأكل معي.

وقالوا: كان إبراهيم عليه السلام من أكرم الناس، فإذا قدموا له الطعام قال لخدمه ومواليـه: من أتى منكـم بضيف فهو حر لوجه الله، فكيف سيكون حرص المولى أن يأتي بضيف ليتحرر؟! وقد ذكر الله كرم إبراهيم عليه السلام، فقال: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] راغ من الكرم سريعاً، وأتى بعجل سمين، أي: تبيع وهو ولد البقرة، فذبحه، وسمين أي: أنه اختار الأجود، ولم يأخذ نحيفاً لا يساوي ثلاثين ريالاً.

وقال في سورة هود: (حنيـذ) فلم يطبخه طبخاً، بل حنَّذه وقدمه مشويـاً، وهذا غاية الكرم، (فقربه إليهم) ولم يقل: قربهم إليه، وقال: (ألا تأكلون) وهذه شيمة الكريم الرحيم القريب المستأنس بالناس.

يقول عروة بن ورد وهو شاعر جاهلي:

أتهزأ مني أن سمنت وأن تـرى     بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ     وأحسو قراح الماء والماء بارد

ويقول عبد الملك بن مروان لوزرائه: من تريدون أن أباكم؟ أي: هل منكم من يريد أن أباه غير أبيه؟ قال كلٌ: لا. ما أريد إلا أبي. قال: أما أنا فأريد أن أبي عروة بن الورد، لأنه يقول:

أتهزأ مني أن سمنت وأن ترى      بوجهي شحوب الحق والحق جاهد

معنى البيتين: كيف تضحك مني لأني نحيل وأنت سمين؟ وما ذاك إلا لأني أوزع جسمي وطعامي، فغدائي وعشائي في بطون المساكين والفقراء، وأنت تأكل وحدك وتغلق الباب، وتقول: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق.

وهذه شيمة البخلاء؛ أنهم يوصدون أبوابهم ويغلقون النوافذ ويكتمون البوابات حتى لا يخرج الدخان، ويكتمون قدر الضغط حتى لا يوصوص على المارة.. فيقول:

أوزع جسمي في جسوم كثيرةٍ     وأحسو قراح الماء والماء بارد

يقول: أشرب الماء والضيوف يأكلون الطعام.

وبهذه الخلائق الرضية استجيب للشيخ في دعوته للآخرين، وأثر أثراً عظيماً، وأصبح تلاميذه مئات، وأصبح له الأثر لا في الرياض وحدها، ولا في المملكة بذاتها، ولا في العالم العربي، ولكن في العالم كل العالم، وأصبح الناس كلمةً موحدةً وإجماعاً، أو شبه إجماع على حبه وعلى أنه من البقية الباقية من علماء السلف الصالح.

عمل اليوم والليلة في حياة الشيخ وبرنامجه اليومي:

يبدأ الشيخ بصلاة الفجر، وغالباً هو الذي يصلي بالناس، ثم يذكر الأذكار الموروثة عن معلم الخير عليه الصلاة والسلام، وشيء عرفته منه، وعرفته من تلاميذه ومن محبيه وهو: أنه لا يترك بعد الأذكار أن يقول مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.. وغالباً ما يكون عنده درس من الفجر إلى طلوع الشمس، وأعظم ما يدرس الشيخ (كتاب فتح الباري وفتاوى ابن تيمية وبلوغ المرام والكتب الستة والطحاوية ونحوها من العلوم) فإذا انتهى الشيخ صلى ركعتين وعاد إلى بيته وأفطر إفطاراً سهلاً ميسراً، وربما ارتاح قليلاً؛ إذ هو يصارع الحوادث وعنده من الهموم والأشغـال والمشاغل ما الله به عليـم، ويرتحل الشيخ إلى مكتبه، وهو دائماً -كما تعرفون- حريص على هذا؛ لينهي أوامر المسلمين، ويسهل مشكلاتهم.. سهل الله عليه يوم العرض الأكبر.

ويبدأ دوام الشيخ الرسمي قرابة الساعة التاسعة من ضحى كل يوم، فإذا وافى مقر الرئاسة وجد المراجعين يملئون الأمكنة المعدة لهم بانتظاره، فيحييهم ويسلم عليهم ويستقبلهم ويصافحهم ويعانق منهم القادم، ثم يأخذ مجلسه وإلى جانبيه كاتبان، وهذا أمر معلوم، عنده في اليمين كاتب وفي اليسار كاتب.

لعظمك في النفوس تبيت ترعى     بحفاظٍ وحراسٍ ثقاتِ

ويأخذ هذا كثيراً من وقت الشيخ، ويرد على المكالمة التي ما تنقطع من القارات الخمس، وإن شئت قلت: الست، فتلفونه نوعان: تلفون داخلي يرد عليه الشيخ، وتلفون خارجي تتصل به الهيئات والجامعات والمؤسسات من أنحاء العالم، ويفتيهم ويرد عليهم الواحد تلو الآخر، وربما صودفت الفتوى عشر مرات، أو صودفت المكالمة عشر مرات، فجزأها الشيخ وانتظر الأول فالأول.

ويبدأ الشيخ في استعراض المعاملات، وعنده الكتبة الذين يهمس في آذانهم بما يمكن أن يكتب وبما يمكن أن يوجه لما فيه المصلحة، ويستحضر الشيخ النية عند كل فتوى وكل معاملة لتنفعه في الآخرة.. فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] ثم يصلي صلاة الظهر، ويعود إلى عمله الذي ينتهي في الثانية والنصف يومياً، ويرتحل وقد سبقه ضيوفه في البيت فيتغدى معهم غداءً جماعياً، ثم تدار -هكذا أنقل من المجذوب - تدار القهوة والشاي والطيب وحسن الحديث الذي لا يفارق محيا الشيخ، ثم يرتحل مع ضيوفه ليصلي العصر، وربما ألقى كلمة بعد صلاة العصر، ويعود بعد الصلاة.. وهذا الوقت غال، فالدقائق محسوبة أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115].

دقات قلب المرء قائلةً له     إن الحياة دقائقٌ وثواني

فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمر ثاني

وربما استراح الشيخ بعد صلاة العصر لما يلقى من أعمال شاقة، ومن إعياء كثير ومن كبر السن، فهو يصارع الآن أكثر من الثمانين، وربما طعن في الثانية أو الثالثة والثمانين يقيناً، فهـو مولود عام (1330هـ) ومع ذلك يزداد عمره بركة.. يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ [الإسراء:71] وهو من أئمة هذا الدين، وقد بارك الله في عمره لاتباعه السنة، ولإخلاصه وصدقه، ولنفعه للناس.

ثم يصلي صلاة المغرب، ثم يعود إلى المنزل للقراءة والنظر في شئون الناس حتى وقت العشاء، وبعد أداء الصلاة يتناول مع الحضور طعام العشاء، ولا ينتهي مجلسه من الزوار والرواد، ولا يزال بين قراءة وإملاء وحديث نافع حتى وقت متأخر، وقلما يتاح له الإخلاد إلى النوم قبل منتصف الليل، وربما ينام الشيخ بين الحادية عشرة إلى الثانية عشرة؛ من أجل أن يستغل هذه الأمور في أعمال الناس، ثم ينام الشيخ ويستيقظ قبل الفجر بوقت طويل فيتهجد.. وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [الإسراء:79].

يقول بعض الفضلاء: رأيت أثر قيام الليل في وجه سماحة الشيـخ/ عبد العزيـز بن باز.. فيقوم يصلي ويدعو، وربما غلبه البكاء في صلاة الليل لخشيته ولتقواه، ثم يأتي لصلاة الفجر، ونراه ينتقل من بيته بواسطة سيارة حتى يصل إلى الجامع الكبير فيصلي بالناس، وعلى قراءته خشوع وسكينة، ثم يعود إلى برنامجه اليومي.

وهناك بعض الأمور كحضور المؤتمرات، وبعض المهمات العلمية التي يقضيها الشيخ قد تغير من هذا البرنامج قليلاً.

 الشورى في حياة الشيخ

وصف الله المؤمنين بأنهم يتشاورون، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] وقال لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران:159] ولقد أخذ بذلك سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، فأخذ يشاور محبيه وطلابه وإخوانه في القضايا، وهذا من تواضعه وقربه من القلوب، فلا يبدأ بقضية إلا بعد أن يشاور، فإذا عزم توكل على الله- عز وجل- وأمضى ما عنده، وكان لا يفض في كثير من المسائل خاصة العلمية إلا بعد أن يشاور أصحاب الفضيلة العلماء، ويراجعهم متثبتاً ورعاً صادقاً.

 الشيخ والفتاوى

نحن نعلم أن أعظم المفتين الآن هو سماحته، وهو يفتي بالدليل (قال الله وقال رسوله عليه الصـلاة والسـلام) وهو أثري النزعة، وقد ذكر عنه أنه يأخذ بأصول أحمد بن حنبل، ولكنه قد يخرج عن المذهب الحنبلي إذا خالف الدليل، فهو يستمسك بالأثر كتاباً وسنةً، ويفتي بما وافق الكتاب والسنة مستدلاً على فتواه، ومن لاحظ الشيخ يسمع منه الفينة بعد الأخرى (قال الله قال رسوله صلى الله عليه وسلم) ويخرج الحديث ويصححه ويضعفه.

 الشيخ محدثـاً وفقيهاً

وأكبر ميزة للشيخ/ عبد العزيز أنه محدث، بل هو محدث العصر، ولا أعلم أحفظ منه للمتون، ولو أن بعض العلماء قد يتفوق في علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، أو التخريج، لكن الشيخ يستحضر المتون، وهو فقيه؛ جد فقيه يستنبط من النص ويستشرب من النصوص، وينثر علمه على الناس بسهولة ويسر.

ومما يميز سماحة الشيخ أنه لا يتكلف في الحديث، ولا يتكلف في الفتوى، ولا يتنطع في الكلام، ولا يتعمق في المسائل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يتنطعون، ولا يتعمقون، ولا يتكلفون، وإنما يرسل الكلام على سجيته، فيجعل الله له قبولاً في قلوب الناس لصدقه ولبركة أنفاسه ولطيب نواياه.. غفر الله له ورفع درجته.

وفقه الشيخ من السنة مباشرة، وهو أشبه ما يكون بمدرسة ابن تيمية وابن القيم، فليسوا بالفقهاء الذين أهملوا النصوص، وليسوا بأهل الظاهر الذين أهملوا كلام أهل العلم وأخذوا بظواهر النصوص، لكنهم يأخذون من النصوص الفقه الجميل الموافق لقواعد الشريعة، وإن أُعدموا ذلك رجعوا إلى كبار علماء السنة، فأخذوا منهم ما يستفيدون.

 شجاعة الشيخ في قول الحق

إن من أعظم ما يميز العالم أن يقول كلمة الحق صادعةً قويةً بحكمة، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول لـأبي ذر كما روى ابن حبان:{قل الحق ولو كان مراً} والعالم يوم تسلب منه ميزة قول الحق يصبح ضعيفاً وجباناً لا أثر له، ولا يستفاد من طالب العلم أن يحفظ الصحيحين والكتب الستة، ثم لا يقول كلمة الحق، ولا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر.

وقد تجلت شجاعة الشيخ في كثير، فبينما هو الرجل السمح السهل القريب الحليم المحب للفقراء؛ سرعان ما ينقلب أسداً لا يرده عن إقامة أمر الله شيء إذا علم بظلم يقع على المسلمين، أو عدوان يقع على شريعة الله عز وجل في الأرض.

ومن أعظم مواقف الشيخ موقفه مع الأستاذ/ سيد قطب رحمه الله؛ فقد قتل هذا الأستاذ المفكر العبقري الفذ ظلماً وعدواناً وطغياناً، فقام الشيـخ وغضب لذلك، وقد ارتج العالم الإسلامـي لمقتل سيد قطب، وأثر أن سيد قطب لما قرب ليشنق شنقاً وإعداماً تبسم، فقال أحد الشعراء:

يا شهيداً رفع الله بـه     جبهة الحق على طول المدى

سوف تبقى في الحنايا     علماً قائداً للجيل رمزاً للفدا

ما بكينا أنت قد علمتنا     بسمة المؤمن في وجه الردى

فغضب الشيخ وأزبد وأرعد تلك الأيام، وأرسل خطاباً، يقول مترجم الشيخ: عندما أصدرت محكمة البغي والعدوان قرارها بإعدام سيد قطب وإخوانه، اعترى الشيخ ما يعتري كل مؤمن من الغم في مثل هذه النازلة، وتأثر الشيخ تأثراً عظيماً، وكلف الشيخ أحد محبيه بصياغة البرقية المناسبة لهذا الموقف، حتى يشهد الله أنه غضب وأنه تعامل مع إخوانـه، وأنه قام في ذلك.. قال: وصيغت البرقية، فزاد الشيـخ في آخر البرقية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93].

وأنا أذكر في الصغر ارتجاج العالم الإسلامي، والمذياع يعلن إعدام ذاك الهمام البطل، صاحب في ظلال القرآن، الذي تعرفونه.. غفر الله له وجمعنا به في الجنة.

وقد رأيت للشيخ خطابات لبعض الزعماء ينكر عليهم أشد النكير عدم تحكيمهم لشرع الله، ورأيت له كتاباً لبعض الزعماء في بعض البلاد الإسلامية ينكر عليه تهجمه على السنة المطهرة وعلى صاحبها عليه الصلاة والسلام.

فالشيخ يقول كلمة الحق، ويتشجع في الإدلاء بها، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ونعرف من سيرته صدقه مع الله وتحمسه وتمعر وجهه إذا انتهكت محارم الله عز وجل.

 الشيخ خطيبـاً

ربما قال قائل: وهل الشيخ يجيد الخطابة؟ والذي يسمع الشيخ ويسمع محاضراته يدرك أن الرجل لا يتكلف الكلام؛ إذ أنه لما فقد بصره ركز على ذهنه وعلى ذاكرته، فكان يرتب الألفاظ والمعاني ويرتب المسائل، وإذا بدأ في محاضرة من ساعتين لا تجده يدخل في مسألة قبل مسألة، بل يوردها سهلة ميسرة يبنيها باباً باباً؛ مستدلاً بالكتاب والسنة وأقوال أهل العلم، ولا يجرح المشاعر، ولا يأتي بكلمة غليظة، ومما يميز الشيخ أنه بعيد عن التقعر، وهو: طلب وحشي الكلام الذي لا يفهمه الناس، وهذا يأخذه بعض الناس رياء وسمعة ليقال: واعظ.

أما الشيخ فقد كان يبتعد عن التقعر في الكلام، بل يأتي بالكلام المعهود السهل القريب الذي يفهمه الناس، ولكن بأسلوبه السهل الممتع رفع الله منزلته.

ومن خصائصه الخطابية: قدرته على ترتيب أفكاره حتى لا تتشتت، وضبطه لعواطفه حتى لا تغلب عقله، ثم سلامة أسلوبه الذي لا يكاد يعتريه اللحن في صغير من القول أو كبير.

وأخيراً: تحرره من كل أثر للتكلف، أو التملق، أو التنطع، أو التعمق، كما سلف.

 منهج ا لشيخ في البحث

والشيخ واسع المعرفة يحب الحوار الهادئ، ولا يغضب من الجدل الحق، ويرحب بالأفكـار المدعومـة بالدليل، ويتراجع عن قوله إذا كان على خلاف الدليل، ويرحب بالأقوال، ولا يتعمد تخطئة الناس، بل يرى أن الخلاف في المسائل كما يرى شيخ الإسلام/ ابن تيمية على قسمين:

1) خلاف التضاد.

2) خلاف التنوع.

فأما خلاف التنوع فالمسألة فيها سعة؛ لأن كلاهما على حق، وقد اختلف الأئمة، والشيخ يعول كثيراً على الدليل من الكتاب والسنة، وقد عرضت للشيخ مسألة دوران الأرض حول الشمس، يقول المترجم: وسئل الشيخ عن رأيه في دوران الأرض، وأصر على أن الأرض لا تدور، ورُد على الشيخ بقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يس:40] فقال الشيخ: إن الأرض في كلا الموضعين من كتاب الله مذكورة على بعد من السبح، أي: أنها لا تسبح مع الأفلاك.. ولا أدري هل رجع الشيخ عن رأيه هذا أم لا، وليس معنى ذلك أن الشيخ معصوم، وهذه قضية أسديها للشباب وطلبة العلم، وهو أمر تعلمونه وهو أن العالم لا يشترط فيه أن يكون معصوماً، فقد يفتي فتوى تكون خطأً، وقد يهم في مسألة، وقد يسهو والله يغفر له.

وفي الصحيح: {إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد} وقد عذر ابن تيمية الأئمة في كتابه الجليل" رفع الملام عن الأئمة الأعلام " وذكر أسباب اختلافهم، وبين أنهم معذورون في اختلافهم، ومنهم وعلى طريقتهم سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز.

وله أقوال يوافق فيها شيخ الإسلام ابن تيمية في مسائـل الطلاق، مثـل: طلاق الثلاث بلفظ واحد أنها لا تقـع إلا واحـدة، والطلاق إذا قصد به اليمين والمنع والخطر بقصد اليمين، ففيه كفارة اليمين، وهذه مسائل يسندها الدليل وهي الراجحة، وعليها فتوى ابن تيمية وابن القيم وابن عبد البر وأمثالهم من أهل العلم.

 الشيخ والنشاط العلمي

للشيخ مؤلفات كثيرة، ولكنه ما تفرغ للتأليف، وإنما يرى أن تعليم الناس وقضاء حوائجهم وفتواهم قد تكون أهم، في عصر كثرت فيه المؤلفات والمجلدات.

أما مؤلفات الشيخ فمنها: الفوائد الجلية في المباحث الفرضية، والشيخ فرضي من الدرجة الأولى، وعالم في الفرائض.

ومنها: " التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة " وأنا أعتبر هذا الكتاب أحسن كتاب للشيخ، ويرى هو أنه أحسن كتاب له.

ثالثاً: " التحذير من البدع ".

رابعاً: " رسالتان موجزتان في الزكاة والصيام ".

خامساً: " العقيدة الصحيحة وما يضادها ".

سادساً: " وجوب العمل بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم وكفر من أنكرها ".

سابعاً: " الدعوة إلى الله وأخلاق الدعاة ".

ثامناً: " وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه ".

تاسعاً: " حكم السفور والحجاب ونكاح الشغار ".

عاشراً: " نقد القومية العربية ".

حادي عشر: " الجواب المفيد في حكم التصوير ".

ثاني عشر: " الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته وسيرته ".

إلى غير ذلك من الرسائل التي تصل إلى العشرات، ولو فرغت الأشرطة المسجلة من محاضرات الشيخ وفتاويه وكلماته وخطبه، لبلغت المجلدات، وأرى الدكتور/ الشويعر قد مضى في هذا المشروع، نسأل الله أن يعينه وأن يتمم له الخير.

ولا يقتصر نشاط الشيخ في التأليف؛ بل هو مهتم بإلقاء المحاضرات في العامة ويرتاح لذلك، ودائماً يشحذ همم طلبة العلم ويدعوهم إلى كثرة المحاضرات وإلى تنوير الطلبة، ويدعو إلى أن يجتهد الطلاب في تعليم الناس، والشيخ مما يميزه أنه داعية عامة، عالم عامة مثل علماء السلف؛ يجلس مع العامة ويعلمهم ويربيهم، وأنا أرى أن العلم القليل المبارك الذي يستفاد منه، خير من الكثير المتخصص الذي نفعه قليل، وبعض الناس قد يتشاغل بجزئيات العلم ونوافله ويترك أصول العلم وتعليمها للناس، فيفقد كثيراً من بركة العلم.

 مجالات الشيخ العلميـة

الشيخ مفتِ، وأعظم ما يميزه الفتاوى، فهو مفتي البلاد كما تعرفون، وقد سدد الله فتواه لتقواه، وأحياناً إذا أشكلت عليه المسألة طلب من السائل أن ينتظر، وربما قال في هدوء وتواضع وشجاعة: لا أدري.. يسأل عن كثير من المسائل، ويقول: لا أدري.. وهي سيرة السلف الصالح فإنهم لا يقتحمون بجهل، وكان ابن سيرين يقول: لا أدري.. وقال علي: [[من أغفل كلمة لا أدري أصيبت مقاتله]] وكان عمر رضي الله عنه وأرضاه يجمع الصحابة لبعض المسائل، واعتذر الإمام مالك من عشرات المسائل لم يعرفها.. فمن حكمة الشيخ أنه يعتذر -أحياناً- عن بعض المسائل حتى يبحثها بحثاً وافياً.

وقد قلت: مما يميز الشيخ أنه يقيم الدليل.. وهذه ميزة المفتي، وأما الكلام المطروح الإنشائي فإنه لا يميز المثقف عن العالم عن السامع المقلد للمسألة.

وميزة العالم أن يستحضر الدليل ووجه الدلالة، ويستنبط منه، ويعرف الدليل صحة وضعفاً.. ناسخاً ومنسوخاً.. مطلقاً ومقيداً.. عاماً وخاصاً، وهذه كلها يحملها الشيخ.

 أدوات الشيخ العلميـة

الشيخ -فيما أعلم- نحوي يجيد اللغة العربية الفصحى، ويشرحها ويمليها على طلابه ويبدع فيها -بارك الله فيه- والشيـخ فرضي ماهر، وأما في الحديث فهو محدث جهبذ، يعرف الرجال، وقد سألتـه قبل أربع سنوات عن حجاج بن أرطأة، فقال: ضعيف ومدلس، وغيره من الرجال.. فهو يحفظ مئـات بل آلاف الرجال في ذهنه، فإذا سألته عن الرجل أخبرك به وبما قيل فيه، وهو مغرم بعلم الرجال، يطالع كثيراً في" تهذيب التهذيب " لـابن حجر، وكتابه المفضل فيما أعلم " فتح الباري "، وقد قرأه مرات من وقت الطلب إلى الآن، وهو الذي تولى الإشراف على إخراجه للناس، وقد مكث فيه ابن حجر يؤلفه مع المقدمة اثنين وثلاثين سنة، ولو كان في العصر معجزة لكان هذا الكتاب، وهو من أبدع ما رأينا في المكتبات، ومن ركز عليه من طلبة العلم وعرف ما فيه وفهمه؛ فهو عالمٌ حقاً إن شاء الله.

والشيخ يحفظ -فيما أعلم- بلـوغ المرام وكثيراً من المتـون، كـألفيـة ابن مالك، وبعض كتب ابن حجر المختصرة، وكتب الشيخ/ محمد بن عبد الوهاب، فعنده مختصرات يحفظها ويكررها، مع حفظه للقرآن، وحدثنا بعض الطلبة: أنه سمَّع للشيخ قبل سنوات في بعض السور، قال: فما أخطأ في حرف واحد، فهو يحفظ القرآن ويقرؤه قائماً وقاعداً وعلى جنبه، وفي سيارته وفي مكتبه، لأنه لا يرى بعينيه كما تعرفون، ولكنه يستحضر كتاب الله، وما سمعت -والله- من العلماء الأحياء أسرع استحضاراً للدليل من كتاب الله عز وجل من سماحة الشيخ/ عبد العزيز.

أنا أعرف من يستحضـر الأبيات والقصص والأحاديث، أما الآيات فما أعرف مثل سماحته فيما أعلم.

 مشهد لا ينسـى

يذكرون في سيرة الشيخ أنه لما ودع من الرياض ليذهب إلى منصبه الجديد في المدينة؛ قام أهل الرياض بعد صلاة العصر وألقوا كلمة واحتشدوا عليه وودعوه وبكوا بكاءً عظيماً، وقام الشيخ فودعهم، ولكن غلبه البكاء، وسمع بكاء الشيخ -كما ينقل المجذوب..

ولما التقينا للوداع عشيةً     سفكنا دموعاً واستثرنا مآقيا

وقفنا وفي العذال منا ملامةٌ     وكنا نرى أن ليس بعد تلاقيا

فودعوه وبكوا عليه، ومن يعاشر الشيخ ويماشيه ويمكث معه فترة لا يطيق فراقه، وهذه هي ميزة المسلم الذي لا يؤذي، المتواضع المحب لا يستطاع فراقه، ولذلك كل من صحبه وجد فيه الخير، قال المجذوب: وكنت فيمن حضر.. وذكر تأثره وبكاءه، قال: وقلت بيتين بتلك المناسبة لما ودعوه في الجامع الكبير وبكوا وبكى الشيخ:

بكينا وفاءً لامرئٍ قل أن يُرى     له في الدعاة العاملين نظير

فخلوا ملامي إن ألح بي البكـا     فإن فراق الصالحين عسير

والشيخ يُمدح من كثير من الناس، وقد مدحه كبار الناس وصغارهم وشعراؤهم وأدباؤهم وعلماؤهم، يقول تقي الدين الهلالي محدث المغرب -وقد توفي من سنوات رحمه الله- في قصيدة عامرة طويلة تقارب الستين بيتاً:

خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا     على آل بازٍ إنهم بالثنا أحرى

وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهـم      رآه رأى فيه المشقة والعسرا

ولـأبي هلالة الشاعر الكبير قصيدة هائلة مبدعة رنانة في سماحة الشيخ.. وللمجذوب قصيدة بديعة من أبياتها:

روى عنك أهل الفضل كل فضيلةٍ     فقلنا حديث الحب ضربٌ من الوهم

فلما تلاقينا وجدناك فوق مـا     سمعنا به     في العلم والأدب الجم

فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا     يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي

والباز هو الصقر، والشيخ اسمه ابن باز.

ولي فيه قصيدة تقارب خمسين بيتاً، من أبياتها:

قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي     فقمت أنشد أشواقي وألطافي

لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا     فهو الغفور لزلاتي وإسرافي

عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم     لأنها ذكرتني سير أسلافي

يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن     أجرى الدموع كمثل الوابل السافي

يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا     بالمغريات وأنت الثابت الوافي

أغراهم المال والدنيا تجاذبهم     ما بين منتعلٍ منهم ومن حافي

مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم     أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي

وأنت جالست أهل العلم فانتظمت     لك المعالي ولم تولع بإرجاف

بين الصحيحين تغدو في خمائلها     كما غدا الطلُّ في إشراقه الضافي

تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى     من دقة الفهم دراً غير أصداف

ومنها:

أراك كالضوء تجري في محاجرنا     فلا تراك عيون الأغلف الجافي

كالشدو تملك أشواقي وتأسرها     بنغمة الوحي من طه ومن قاف

ما أنصفتكَ القوافي وهي عاجزة     وعذرها أنها في عصر أنصاف

يكفي محياك أن القلب يعمره     من حبكم والدي أضعاف أضعافِ

يفديك من جعل الدنيا رسالته      من كل أشكاله تفدى بآلاف

والشيخ محبوب إلينا، نحبه في الله، ونتقرب إلى الله بحبه، والحمد لله رب العالمين.

 محاولة تشويه صورة الشيخ

السؤال: لماذا يطعن بعض الملحدين والضالين في فضيلة الشيخ ويحاولون تشويه صورته؟

الجواب: سنة الله عز وجل في الصالحين قال الله: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان:20] وأكرم الناس وأجلهم وأشرفهم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قالوا: ساحر، وكاهن، ومجنون، وافتروا عليه.

 البيع في المساجد

السؤال: أرجو أن توجه نداءً سريعاً إلى الإخوة الذين يبيعون المساويك داخل المسجد بالخروج؟

الجواب: أرجو من الإخوة الذي يبيعون المساويك داخل المسجد أن يخرجوا من المسجد وينسحبوا بدون قيد ولا شرط، ولهم خمس دقائق فترة الانسحاب، لأن المسجد ليس للبيع والشراء، يقول صلى الله عليه وسلم في الصحيح: {من رأيتموه يبيع في المسجد، فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تبن لهذا}.

 كلمة عن سيد قطب

السؤال: أرجو أن تفيدنا بكلمة عن الشيخ الأستاذ سيد قطب؟

الجواب: هو صاحب الظلال، نسأل الله أن يجعله شهيداً، وهو ممن نشر الفكر الإسلامي العامر في كتبه ورسائله وفي دعواته، والرجل يظهر منه الصدق والإخلاص في كلامه، وهو رجل بصر الواقع وعرفه ودرس الثقافة الغربية والشرقية ما يقارب أربعين سنة، ثم جاء يكتب عن من فهم عميق، وهو أكثر من أثر على الغربيين في نسف حضارتهم بقلمه، لأنه يكتب من واقع القوة -رحمه الله- وقد رأيت له مقالة نقلها الخالدي وهو يرى الحضارة الغربية، قال: والله لقد تحقق في الغـرب قولـه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:110] وفي الظلال ثروة، على أن فيه بعض الملاحظات التي لا يخلو منها بشر، فنسأل الله أن يتغمده بالرحمة، وأن يجمعنا به في دار الكرامة، وله كتب كثيرة منها" معالم في الطريق " وهو من أقوى كتبه على الإطلاق، و" الإسلام والعدالة الاجتماعية "، و" هذا الدين "، و" المستقبل لهذا الدين "، و" مقومات الحضارة "... وغيرها من الرسائل.

 الاختلاف سنة كونية

السؤال: لماذا يختلف الشيخ مع بعض العلماء في الفتاوى؟

الجواب: الاختلاف رحمة واسعة، والإجماع حجة قاطعة، والاختلاف في الفرعيات من عهد الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يعنف أحدهم على الآخر، والاختلاف في الفرعيات موجود، وهذه من سعة الدين، فـأبو حنيفة يخالف مالكاً في بعض المسائل، وأحمد يخالف مالكاً لما رأوه من الدليل، وكما ذكر ابن تيمية أن لهم أعذاراً أربعة:

الأول: أنه قد يبلغ الدليل أحدهم ولا يبلغ الآخر.

الثاني: أن يصح عنده الدليل ولا يصح عند الآخر.

الثالث: أن يكون منسوخاً عنده وثابتاً عند الآخر.

الرابع: أن يفهم منه ما لا يفهم الآخر.

وأما أصول العلم فإن العلماء مجمعون عليها، والحمد لله.

 كثرة أعمال الشيخ

السؤال: لماذا لا يزورنا الشيخ/ عبد العزيز بن باز في أبها؟

الجواب: الشيخ أمور العالم الإسلامي على رأسه، وهو لا يستطيع أن ينتقل من مكان إلى مكان إلا بمهمات، وأما الدعاة المحتسبون فكثير، وهم يقومون بالنيابة عن الشيخ في إلقاء الدروس العلمية، والشيخ دائماً -حفظه الله- يدعو، وكم حرضنا وحرض كثيراً من الإخوة طلبة العلم بالإكثار من المحاضرات والدعوة وتبليغ دين الله، فغفر الله له.

 جمع الشويعر لفتاوى الشيخ

السؤال: هل هناك كتاب يجمع فتاوى الشيخ؟

الجواب: له رسائل كثيرة، لكن بدأ الدكتور الشويعر يجمع فتاوى الشيخ وكلماته في كتب، وأظنه قد أخرج منها ثلاثة أجزاء.

 أهل جيزان

السؤال: كيف وجدت أهل جيزان؟

الجواب: وجدت فيهم ما يرفع الرأس، ويثلج الصدر، بل شيء ما أستطيع أن أتحدث عنه، ولكن اسألوا عنهم الركبان.

أسائل عنهم كل غادٍ ورائـحٍ     وأومي إلى أوطانهم وأسلم

أما والذي شق القلوب وأوجد الـ     ـمحبة فيها حيث لا تتصرم

لأنتم على بعد الديار وقربهـا     أحبتنا إن غبتم أو حضرتم

 تعريف بمحاضرة: (أبو ذر في عصر الكمبيوتر )

السؤال: ما عنوان المحاضرة المقبلة يوم السبت؟

الجواب: عنوان المحاضرة المقبلة إن شاء الله: " أبو ذر في عصر الكمبيوتر"، وسوف أتحدث فيها عن علاقة أبي ذر بالكمبيوتر، وهي ثلاث علاقات:

أولاً: سوف أتحدث عن أبي ذر مع البروستريك التي أتى بها جرباتشوف، لأن كارل ماركس أتى ببعض نظرياته، وظنوا أن أبا ذر يوافقهم في ذلك في قضية الانفتاح في عالم المال، وألفوا رسالة في موسكو في عهد برجنيف تتكلم عن أبي ذر، وصوروه بلحيته وبعكازه وعليه عمامة، وقالوا: وافقنا في مبدأ الماركسية وشيوع المال، وسوف أورد هذا.

الأمر الثاني: هل جرباتشوف لما عارض برجنيف واستالين ولينين وماركس في قضية البروستريكا (أي: الانفتاح) هل يعارض أبا ذر؟ ومن المصيب والمخطئ؟.

الأمر الثالث: ما الذي استفدناه من الكمبيوتر بعد أن مات أبو ذر؟ وهل نقص على أبي ذر شيء من معالم الحياة ومعالم التقنية والعطاء في الدنيا يوم لم يكن عنده كمبيوتر أم لا؟.

وإنما جعلت الكمبيوتر رمزاً سوف أشرحه، إلى قضايـا أخرى تنتظرنـا إن شاء الله محققة بإذن البـاري، فتكون يوم (28/5/1411هـ) في هذا الجامع بعد صلاة المغرب، ويوجد مكان خاص بالنساء، وخاصة أنه يهم النساء أن يسمعن عن الكمبيوتر شيئاً.

وهناك درس مساء الجمعة في" مسند الإمام أحمد " لطلبة العلـم بعد صلاة المغـرب، مساء كل يوم جمعة، يجدر بالإخوة حضوره لعموم الفائدة.

 سبب اختيار ابن باز للترجمة

السؤال: عندنا علماء كثير، فلماذا ميزت الشيخ/ عبد العزيز بن باز؟

الجواب: لأنه أكبر علمائنا، ولأسباب ذكرتها في أول المحاضرة، وإلا فكلهم فضلاء وكلهم أخيار، والذب عنه ذبٌ عن غيره، والله الموفق إلى سواء السبيل.

 نصيحة لمن يتأخر عن المحاضرات

السؤال: يلاحظ في الناس التأخر عن المحاضرات العامة المفيدة؟

الجواب: عليك أن تبلغ ما استطعت، ونحن نحبذ أن يحضروا علَّ الله أن ينفع، وأن ينصر بهم الحق، وأن يوضح بهم، فإنهم لا يخلون في هذا المجلس من أربع فوائد:

1- رحمة من الله عامة.

2- وتنزل السكينة.

3- وحفوف الملائكة.

4- ويذكرهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فيمن عنده.. ورب مجلس واحد يغفر به سبعون مجلساً من مجالس اللغو، وربما سعادة الإنسان تبدأ من هذه الجلسة، وعلى المسلم إذا حضر مجالس الخير والمحاضرات أن يستدعي إخوانه وأصدقاءه وجيرانه حتى يدعوهم إلى الخير كما قال صلى الله عليه وسلم: {من دل على هدى، فله مثل أجر فاعله} ثم إن وقت المغرب والعشاء مستهلك، لكن من يحضر هنا يحصل على الفوائد التي ذكرت وأعظم منها، وما عند الله خيرٌ وأبقى.

 أبناء الشيخ

السؤال: هل يوجد لسماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز أبناء؟

الجواب: نعم، له أبناء كبار، منهم: ابنه الكبير عبد الله ومنهم: أحمد طالب علم في كلية الشريعة وغيرهم والشيخ مبارك ونحن أبناؤه، وكل شاب يحمل لا إله إلا الله من أبناء الشيخ، والشيخ له تلاميذ جهابذة من طلبة العلم الأخيار الدعاة، منهم الشيـخ/ عبد العزيز المشعل، والشيـخ الفاضل العلامة/ عبد العزيز الراجحي، والشيـخ/ عمر العيد، وكثير من طلبة العلم الأخيار حفظهم الله ونفع بهم الأمة.

 اهتمام الشيخ بمشاكل الناس

السؤال: من ميزات سماحة الشيخ أنه إذا بُلغ عن مشكلة مع أنها لا تخصه يقول: سنعمل على حل هذه المشكلة والله المستعان.. نرجو شرح هذه العبارة؟

الجواب: يقصد الشيخ أنه سوف يبذل جهده وشفاعته وطاقته، والشيخ دائماً يبذل جاهه للناس ويشفع ويقدم رسائله ووصاياه، ويقوم مع الفقير والمسكين، وهذه ميزة علماء السنة؛ أنهم لا يجلسون تحت المكيفات ويغلقون الأبواب ويتركون الجيل، ولا يقضون حوائج الناس، لا. بل العالم يتواضع، ويجلس مع الكبير والصغير، ويقضي حوائج الأمة والفقراء، ويسأل عن أحوال الناس، وقد حدثت عن الشيخ: أنه كان إذا مرض أحد الكبار من العوام اتصل به في الهاتف وسأل عن أحواله وربما زاره، وقال لي بعض طلبة العلم: كان الشيخ ساكناً في بيت له قديم وحوله جيران، فلما انتقل الشيخ إلى بيته الجديد في حي آخر كان يزور جيرانه هناك الفينة بعد الفينة، ويتفقد أحوالهم ويسأل عنهم باستمرار، وهذه ميزة العلم الشرعي الذي وفق له الشيخ.

 الشيخ والشعر

السؤال: هل يقول الشيخ الشعر؟

الجواب: ذكر المجذوب: أنه في أول حياته كان يقول الأبيات الشعرية الجميلة، ولكنه اهتم بالعلم وترك الشعر جانباً، فالشيخ عنده ملكة في الشعر والقصائد، وهو يستمع لها ويثني على من قالها إذا أصاب الحق.

 الطريق إلى ما وصل إليه الشيخ

السؤال: كيف نصل إلى ما وصل إليه الشيخ؟

الجواب: ليس هناك حاجب يحجبك أن تصل إلى مثل ما وصل إليه وأحسن وأكثر؛ إذا صدقت وبذلت وتعلمت ودعوت الله كثيراً، فسوف تصل بإذن الله.

والحمد لله رب العالمين.

نسخة نصية للطباعة , الممتاز في مناقب ابن باز للشيخ : ( عائض القرني )

إحصاءات الموقع
عدد مرات الاستماع
2695758451
عدد مرات الحفظ
682304371

المركز الأول في فئة المحتوى الإلكتروني - مسقط 2009