إسلام ويب

من نفس عن مؤمن كربةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المؤمن يمر بكرب وابتلاءات، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم حث على التعاون والمؤانسة بين المسلمين في النوازل والكرب، وقد ذكر الشيخ في هذا الدرس حديث: (من نفس عن مؤمن كربة) وتحدث عن أسباب حدوث الكربة للمؤمن، وذكر بعض أدعية الكرب، وكيف كانت خدمة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، كما يوجد في هذا الدرس قصص لمن فرج الله عنهم بسبب تفريجهم لكرب إخوانهم.

    1.   

    وقفات مع مسلم وصحيحه

    الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بمحمد صلى الله عليه وسلم، عزَّ جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا، والصلاة والسلام على لسان الحق الذي بلغ الدعوة كاملة فما كتم منها من شيء، وما بخل بها صلى الله عليه وسلم.

    والصلاة والسلام على أذن الخير، خير أذن وعت وحي الله وبلغته للناس، نشهد أنه بلغ الأمانة، وأدى الرسالة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    فلقد رأيت كما رأى بعض الإخوة أن يكون هذا الدرس عاماً لا يتقيد بـ صحيح البخاري؛ لأن هناك قطوفاً في السنة وأحاديث جمة غالية، أي غالية في التوحيد والإيمان والسلوك والأحكام والأخلاق، لا توجد في صحيح البخاري، فليكن هذا الدرس مطلقاً في السنة، مرة نعيش مع البخاري في صحيحه العالي، ومرة مع مسلم، ومرة مع الترمذي في تصحيحاته وتضعيفاته، ومرة مع أبي داود في جمعه المحكم لأحاديث الأحكام، ومرة في الموطأ إلى غير ذلك من الرياض الجامعة التي تركها محمد صلى الله عليه وسلم وهي ميراثه، فمن أراد سهمه ونصيبه فليأخذه، فإن الميراث الذي تركه محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا الحديث النبوي.

    من زار بابك لم تبرح جوانبه      تروي أحاديث ما أوليت من منن

    فالعين عن قرة والكف عن صلة      والقلب عن جابر والسمع عن حسن

    حديث: من نفس عن مؤمن كربة

    وقبل البدء بالحديث نقول: إن المهم أن يجتمع مثل هؤلاء النفر ليذكروا الله ويشهدوا بيوته لتتنزل عليهم رحمة الله وسكينة الله وتحفهم ملائكة الله، وهذا الحديث الذي معنا هذه الليلة يدور حول هذه القضايا، وحول هذه المقدمة والديباجة، وهو حديث من قواعد الإسلام، ولكنه لم يروه الإمام البخاري بل رواه العالم الرباني أبو الحسين مسلم بن الحجاج في صحيحه فقال: عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه -استمعوا إلى كلامه صلى الله عليه وسلم يوم يلقى على الأسماع فيربي القلوب- يقول: قال صلى الله عليه وسلم: {من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا نزلت عليهم الرحمة، وغشيتهم السكينة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه} رواه مسلم. ومسلم هذا الذي نسمع اسمه يدوي على منابر المسلمين، وفي حلقات العلم، وفي فصول الدراسة، وفي المجامع العامة، من هو؟

    إنه علم ونجم من نجوم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أخلص لهذا الدين، وسعى لمشروع باهر وهو جمع الأحاديث الصحيحة كما فعل البخاري، فلما اطلع الله عز وجل على نيته وإخلاصه رفعه وحفظ كتابه: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] إن من يتكلم لله يحفظ الله كلامه، ومن يكتب لله يحفظ الله كتابته، ومن يعمل لله يحفظ الله عمله، وأما المراءون والمفترون والدجالون فلا حظ لهم في سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

    جاء أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري فعمل هذا الكتاب العظيم الذي أُرشدكم لمطالعته لتزدادوا إيماناً ويقيناً وعلماً وفهماً وفقهاً في الدين، فلقد أخذت منا الكتب البيضاء -ولا أهاجم كل الكتب البيضاء، لكن الكتب الرخيصة التي لا تساوى حبرها الذي كتبت به- أخذت منا الساعات الثمينة وصدتنا عن كتب السلف فأصبح علمنا محجوزاً وفهمنا للدين ضعيفاً هزيلاً.

    فهل من عودة إلى كتب السنة؟ وهل من جلسة مع صحيح البخاري أو مع صحيح مسلم في الرياض اليانعة، في تلك البساتين الوارفة التي تقودك إلى جنات النعيم.

    بعض صفات الإمام مسلم

    الإمام مسلم ألف كتابه هذا طيلة عشرين سنة ثم قدَّمه للأمة فتقبله الله؛ لأن الله يتقبل من المتقين، وعاش حياته ما بين استغفار وذكر وما بين صلاة وعبادة متقللاً من الدنيا لا يعرف إلا بيته ومسجده، كان خفيفاً لطيفاً كما هي ثياب أهل الحديث ورائحته مسك كما هي رائحة المعلم الأول محمد صلى الله عليه وسلم، يجلس إلى تلاميذه لا كما يُحاضَرُ تلك المحاضرات الرنانة الطنانة، إنما هو حدثنا فلان عن فلان عن أبيه عن أبي هريرة فيقوم تلاميذه وقد امتلئوا إيماناً ويقيناً بالله الواحد الأحد.

    سبب موت الإمام مسلم

    ولا بأس أن نورد لطيفة في سبب موته، يقول ابن كثير في كتاب " البداية والنهاية " و" الذهبي في سير أعلام النبلاء " كان سبب موت مسلم رحمه الله: أنه تحاج وتجادل هو وعالم من علماء الحديث في حديث واحد، فذهب مسلم إلى البيت بعد صلاة العشاء ليبحث عن هذا الحديث، فوضع السراج بجانبه ووضع سلة من التمر أمامه وفتح الكتاب فكان يفتح صفحة ويأكل تمرة وكلما فتح صفحة أكل تمرة ونسي نفسه، والكتاب كان كثير الأوراق ومن كثرة استغراقه في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم نسي أنه يأكل مع كل صفحة تمرة، وهذا التمر الذي يأكله سلق حار جداً من أكثر منه قتله، فلما عثر على الحديث نظر وإذا المجلد قد انتهى وإذا السلة قد انتهت من التمر، فقال: الله المستعان! فتوضأ وصلى الفجر وأتته منيته بعد صلاة الفجر، فرحمه الله رحمة واسعة، وإن كانت الشهادة بالسيف أو بالبندق أو بالعسل أو بتمر السلق فإنما يكون العمل خالصاً لله عز وجل في مرضاته تبارك وتعالى، نسأل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يحشرنا في زمرة الصالحين.

    1.   

    النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم

    وهذا الحديث الذي معنا اعترض عليه أبو الحسن الدار قطني حافظ الدنيا، وعبقري الحديث في المعمورة، ولا بأس أن نورد اعتراضه بسهولة، يقول: إن الأعمش عنعن فيه - الأعمش: سليمان بن مهران - إذا قال عن فمعناه مدلس، كأنه سمع ولم يسمع، ورد الحفاظ على الدار قطني في هذا الحديث وقالوا: هو صحيح، ويكفي أن مسلماً ارتضاه، وأن الناس قبلوا كتاب مسلم، فهو صحيح.

    وهذا الكلام نفاذ أخاذ حار، تعرف كلام الرسول صلى الله عليه وسلم من كلام غيره، تجد الأعرابي في الصحراء يسمع أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من الراوي فيميز بين حديثه وحديث الناس؛ لأن حديثه صلى الله عليه وسلم أغلى من الدر، أو كأنه جواهر تتصبب على الآذان، أو كأنه قطر الغمام صافياً مصفى من السماء؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يقول كما في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أوتيت جوامع الكلم) قال النووي: هي أن يجمع له الله الكلمات الطويلة في جمل صغيرة، وعند الدار قطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوتيت جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه) وعند أبي يعلى الموصلي عن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(أوتيت جوامع الكلم وفواتحه وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصاراً) عليه الصلاة والسلام.

    فهو أفصح من نطق بالضاد، وأنتم تعرفون أنه ما تعلم في شبابه عليه الصلاة والسلام، فقد عاش حتى بلغ الأربعين من عمره ثم قال له الله تعالى: اخرج إلى البشرية فتكلم إليهم، اخرج إلى المعمورة فحدثهم بلا إله إلا الله، فخرج يحدثهم فإذا هو أفصح خطيب وأكبر قاض وأفتى مفتٍ وأبلغ بليغ، ما تلعثم في حياته كلها في كلمة واحدة، وما أراد أن يقول حرفاً فقال الحرف الذي بعده، يبقى في بيته حتى يجتمع الناس، فيقوم فيلقي خطبة تكاد الجدران أن تتباكى، وكذلك الصحابة إذا ألقاها صلى الله عليه وسلم عليهم، ويأتي عليه الصلاة والسلام فيسأله السائلون فيفتيهم في اللحظة؛ لأن كلامه وحي: إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:5].

    1.   

    ذكر كرب يوم القيامة

    يقول في هذا الحديث العظيم الجليل الذي ما سمع الناس به -وإني أوصي نفسي وإياكم لمن وجد في نفسه سعة أن يردد هذا الحديث طويلاً على مسمعه، وأن يعيش معه فإنه أخاذ ومؤثر في قلوب الموحدين- يقول عليه الصلاة والسلام: (من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة).

    إن يوم القيامة له كرب كما في الصحيح، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يخرج الناس من قبورهم فيصيبهم العرق، فمنهم من يصيبه العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يبلغ حلقه أو حنجرته ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً) نسأل الله السلامة، فإن هذا من الكرب، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا جمع الله الأولين والآخرين دنت الشمس من الرءوس واشتد الكرب بالنفوس وبلغ بهم الكرب أيما مبلغ، فذهبوا إلى آدم عليه السلام فقالوا: أما ترى ما نحن فيه؟ اذهب إلى ربك فاستشفع لنا فأنت من أنبياء الله ورسله، أنت أبونا، فيقول: نفسي نفسي، فتأخذ النوبة النبي بعد النبي حتى تصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقوم ويقول: أنا لها..... الحديث).

    واستشفع الناس بأهل العزم في      إراحة العباد من ذا الموقف

    وليس فيهم من رسول نالها      حتى يقول المصطفى أنا لها

    1.   

    الهموم والغموم في الدنيا وأسباب حدوثها

    الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: (من نفس عن مسلم كربة) ما أكثر الكرب التي تصيب المسلمين، ولذلك شرع لنا الرسول صلى الله عليه وسلم دعاء الكرب وعلمه أصحابه، وكان يأتيه صلى الله عليه وسلم الكرب كما يأتي الإنسان، والله يقدر على الناس الهموم والغموم لأسباب، وأسباب هذه الهموم والغموم قد تندرج في ثلاثة أسباب، إذا أتاك هم أو غم أو حزن فاعلم أنها لأسباب ثلاثة:

    الهموم والغموم من أجل تكفير السيئات

    أولاً: إما لذنب أصبته، فأراد الله أن يبتليك بالهم والغم لينقيك من الذنوب والخطايا، فإن كثيراً من الناس لا يريد الله عز وجل أن يعذبهم في القبور، فيعذبهم في الدنيا بالهموم والغموم والأحزان، وعلى ذلك ورد حديث في مسند الإمام أحمد بسند صحيح: { أن الله عز وجل لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم قوله: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً [النساء:123] لما سمع أبو بكر هذه الآية تمَّاط رضي الله عنه حتى سمع أطيط لظهره، ثم قال: يا رسول الله! كيف العمل بعد هذه الآية: من يعمل سوءاً يجز به؟! ومن منا لم يعمل سوءاً؟ قال: غفر الله لك يا أبا بكر! ألست تغتم؟ ألست تمرض؟ ألست تصيبك الأمراض؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فذلك مما تجزون به من الخطايا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ما من مسلم يصيبه هم أو حزن أو غم أو مرض إلا كفر الله به من خطاياه حتى الشوكة يشاكها}.

    فهذا السبب الأول: إن الله قد يبتليك من الهموم والغموم والهم والتعب ما لا يعلمه إلا الله، وفي هذا يحت خطاياك كما تحت الشجرة بالشتاء، فاحمد ربك على هذا؛ لأنه لو تركك بلا هم ولا غم لكان النصف هناك، إما في القبر أو يوم العرض أو في جهنم.

    الهموم والغموم بسبب الذنوب والمعاصي

    السبب الثاني: الإعراض عن الله عز وجل: فإن الله عز وجل جعل لمن أعرض عنه هماً وغماً لازماً: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    يسكن في القصر ويركب السيارة الفاخرة، ويأكل في أحسن المطاعم، ولكن همه معقود على جبينه، لا يعرف ما هو السر، يعرض نفسه على الكتب فيقرأ ويطالع ويبحث ويستذكر، ولكن حقاً ولزاماً من الحي القيوم أنه من أعرض عنه فإنه يرميه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالهم والقلق والضنك فلا يهدأ حتى يعود إلى لا إله إلا الله وإلى بيوت الله وإلى كتابه، ولذلك الهم لازم جد لازم للمعرضين عن الله عز وجل ولا دواء لهم إلا بالعودة.

    الهموم والغموم من أجل رفع الدرجات

    الأمر الثالث: من أسباب الهموم والغموم قال أهل العلم: إنها رفع للدرجات عند الحي القيوم، فالله وضع لكثير من المؤمنين درجات في الجنة قد لا يبلغها العبد بصلاته أو ذكره واستغفاره فيبلغه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ذلك إما بالمصائب وإما بالهموم والغموم فيبتليه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بالهموم والغموم فيزيد من درجاته حتى يرتفع إلى تلك المنـزلة.

    فاعلم أن كل ما وصلك أنه بقضاء الله وقدره.

    1.   

    تكشف الكرب بأمور وأعظمها الاستغفار

    يلتفت الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الأمة ويقول: (من نفس عن مؤمن كربة) وكيف يكرب المؤمن؟ نعم يكرب المؤمن وقد كرب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأفضلهم محمد عليه الصلاة والسلام، فقد أصابته الكرب يقول الصحابة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أصابته كربة أكثر من مس لحيته، وأكثر من المطالعة في السماء وأكثر الاستغفار).

    أذكار وأدعية الكرب

    صادفت الكربة يونس بن متى عليه السلام في ظلامات ثلاث: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة الحوت، فانقطعت الأسباب والوسائل إلا من الحي القيوم، وانقطعت كل وسائل القربى من الناس إلا من الواحد الأحد، فالتفت قلبه إلى محيي القلوب: فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87] فاستجاب الله له، وكشف غمه وفي سنن أبي داود بسند جيد وبعض أهل الحديث يضعف هذا الحديث يقول: {دعوة أخي ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما دعا بها مكروب إلا كشف الله بها كربته}.

    وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {دعاء الكرب أن تقول: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض رب العرش الكريم} إن من يقول هذا الدعاء يكاد ينخلع قلب السامع له؛ لأنه اتصال بالوحدانية.. بالله عز وجل، فعلَّم الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديثابن عباس وللأمة جمعاء.

    فجدير بنا أن نأخذ علاجاتنا من الكتاب والسنة، لا أن يأتي رجل أصابه قلق وهجس نفس فيذهب إلى أناس لا يصلون ويعرض أمراضه عليهم، كيف تطلب الصحة من مريض؟! وكيف تطلب الشفاء من سقيم؟! إن الدواء والبلسم في سنة محمد صلى الله عليه وسلم.

    الاستغفار وفوائده

    في سنن أبي داود قال صلى الله عليه وسلم {من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب} فأوصي نفسي وإياكم أن من أصابه هم أو حزن أو غم بأن يكثر من الاستغفار، فإن فوائد الاستغفار وردت في كتاب الله عز وجل.

    فمن فوائده كما في الكتاب بالاستقراء ثلاث فوائد:-

    أولها: أن الكوارث والحوادث المؤذية لا تصيب المستغفر بإذن الله، قال جعفر الصادق: لو نزلت صاعقة من السماء لأصابت كل الناس إلا المستغفر. فالكوارث الشنيعة والمحن والفتن لا تصيب المستغفر، مصداق ذلك في سورة الأنفال في قول الله تبارك وتعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33] فالاستغفار كشف للبلايا والحوادث والأزمات.

    ثانيها: من أراد سعة الرزق والعافية والمتاع الحسن فعليه بالاستغفار، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المتاع الحسن والرزق والسعة في الاستغفار، وذلك أنه من داوم على الاستغفار فتح الله له فتحاً لا يخطر بالبال ولا في الخيال، ومصداق ذلك قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى على لسان نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:10-13].

    الأمر الثالث: جاء على لسان هود، يقول لقومه وهو يعظهم: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3].

    فإن مما يكشف الكرب ويحطها بإذن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الاستغفار، واعلموا أنه قد وقع أناس كثيرون في الكرب والله عز وجل يكشفها عنهم.

    فمن الكرب: القحط وما ينـزل في الديار والبلاد ولا يكشفه إلا الاستغفار.

    قالوا لأعرابي: ما للقطر لا ينـزل في بلادكم؟ قال: هدأنا من الاستغفار فجف القطار، أي المطر.

    [[وأنس رضي الله عنه وأرضاه مزرعته في البصرة - مزرعة من النخل- أصابها قحط، فقام فصلى ركعتين واستغفر قالوا: مالك؟ قال: أما سمعتم قول الله تعالى على لسان نوح: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً [نوح:10] قال الرواة: فوالله إنه ما قام من مجلسه حتى أتت غمامة فطوقت على مزرعته وأمطرت حتى سالت جداولها، فنظرنا فإذا الماء داخل المزرعة ولا يوجد في خارج حدودها قطرة واحدة]] وهذا من الاستغفار والالتجاء.

    وفي ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه وجعلها في الجنة إنه يقول: إنها لتعجم علي المسألة الواحدة فأستغفر الله ألف مرة أو أكثر فيفتحها الله علي. فبالله ما للذين يهتمون في قاعات الامتحان -وهم يجلسون كأنهم في ساحات الإعدام- لا يلتجئون إلى علام الغيوب؟ ما لهم لا يلتجئون إلى من عنده الفرج ومن بيده تسهيل القضايا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويستغفرون كثيراً ليفتح الله عليهم من فتوحاته؟

    ابن تيمية -بالمناسبة- يقول عنه تقي الدين بن شقير: رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية ما تفتر لسانه عن ذكر الله، فقلنا له: يا أبا العباس! نراك لا تهدأ لسانك أبداً؟ قال: قلبي مثل السمكة، إذا خرجت من الماء ماتت، وأنا قلبي إذا سكت عن الذكر مات، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] قال تقي الدين بن شقير تلميذه: فخرجت وراء شيخ الإسلام مرة من المرات في حديقة من الحدائق بحيث أراه ولا يراني في غوطة دمشق، وقد كان شيخ الإسلام في الشام في سوريا في تلك الفترة؛ لأن دمشق هي العاصمة، فكان يرسل قذائف الحق من دمشق وقد أيده الله ورفع رايته، وقد أوذي في الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أيما إيذاء، ولكن بقي اسمه وذهب أعداؤه وخصومه فيقول: ذهبت خلفه فلما أصبح خالياً رفع طرفه ودمعت عيناه وقال: لا إله إلا الله.

    وأخرج من بين البيوت لعلني      أحدث عنك النفس بالسر خاليا

    وهذا البيت لـمجنون ليلى، وهو يقوله لمحبوبته، ولكن فرق بين الودادين وما بين المحبوبين والمقصودين، فمقصود ابن تيمية: الواحد الأحد.. الفرد الصمد.. الحي القيوم.. ذو الغنى والقوة والعظمة، ومقصود ذلك عبد هزيل فقير لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً.

    يقول ابن القيم في روضة المحبين سئل ابن تيمية رحمه الله: لماذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأنفال:45] لماذا أوصاهم الله بالذكر وقت المعركة، لماذا لم يوصهم قبل المعركة أو بعدها، فهو يقول: إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا [الأنفال:45] أي: وقت ما يصل المؤمنون تجاه الكفار.

    فقال ابن تيمية: إن العرب على عادتهم يفتخرون بذكر المحبوب وقت الأزمات، أما سمعت عنترة يقول:

    ولقد ذكرتك والرماح نواهل      مني وبيض الهند تقطر من دمي

    فوددت تقبيل السيوف لأنها     لمعت كبارق ثغرك المتبسم

    قال: فعوَّض الله المؤمنين بذكره وقت الأزمات، قال: يقول عنترة إنه يذكر محبوبته يوم يضارب ويوم تشجي السيوف وتتقطع على رءوس الأبطال، فيقول الله عز وجل: عوضاً عما يفعل أهل الضلالة والجهالة وأهل البغي والعدوان: عودوا أنتم إلى محبوبكم، ولذلك فعل الصحابة رضوان الله عليهم، حضروا في اليرموك فقال معاذ -وقد قرأ سورة الأنفال على رءوس الأشهاد فما بقى أحد إلا بكى -قال: [[قولوا: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، فقالوا: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله]] ثم هزموا جيشاً قوامه ثلاثمائة ألف، لكن من كان الله في ميزانه وفي حزبه فأنى يغلب، فهو القوة العظمى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟!

    1.   

    نماذج من مؤانسة المكروب

    يقول عليه الصلاة والسلام: (من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة) وبعض الناس يغرق في الكوب الصغير، أي مشكلة تأتى تدمره تدميراً عظيماً، لو انقطعت حذاؤه رأيت الهم والغم في وجهه، كأنها قامت الحرب العالمية الثالثة، فما هو المطلوب منك؟

    المطلوب منك أن تجلس معه فإذا انقطعت حذاؤه وأنت تجلس بجانبه فعليك أن تواسيه: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157].

    وتقول له: أسأل الله أن يحسن عزاءك وأن يكفر خطاياك، وأن يجبر ما أصابك فهو يتسلى ويرتاح ويفرح.

    تفريج الكربات من أفضل العبادات

    قال الحسن البصري: [[يقول أحدكم: أحج، أعتمر، أصلي، أصوم، أزكي هل هذه هي العبادة فحسب؟ لا. فرج عن مكروب.. صل منقطعاً.. صل رحماً فهذه هي العبادة]] وقد صدق، وبعض الناس ما له هم ولا غم إلا الصلاة في كل وقت، لكن إذا رآه الناس كشر بأنيابه في وجوههم، عبس وانقبض، لا يعرف صلة ولا براً ولا خلقاً ولا مساعدة ولا معاونة، أيظن العبد أن الأجور فقط في: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد؟ بل الأجور عدد الأنفاس.

    أرسل الحسن البصري إلى ثابت البناني العابد الكبير، حيث جاءه رجل يريد أن يشفع له ثابت إلى رجل -لأن هذا الرجل يريد مالاً- فذهب إلى الحسن البصري، فقال: أريد من فلان أن يقرضني مالاً، وأريد أن ترسل معي ثابتاً البناني؛ لأن عنده وجهاً -صاحب وجه وجاه- قال الحسن البصري: اذهبوا إلى ثابت في المسجد ليذهب مع هذا الرجل، فذهبوا إلى ثابت فوجدوه يصلي في المسجد فأخبروه الخبر، فقال: لا. أنا أصلي في بيت الله فلا تخرجوني منه، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، قال: اذهبوا إليه وقولوا له: [[يا أعيمش! -أعيمش تصغير أعمش- يا أعيمش! أظننت أن صلاتك هي العبادة كلها؟ والله لذهابك مع أخيك المسلم لقضاء حاجته خير من ألف ركعة]] فلما أخبروه ترك وذهب معهم ليشفع.

    ولذلك من كان عنده جاه فليفرج به الكرب عن المسلمين، وليتوسط ويتوسل في غير حرام، وليشفع بتقديم كلمة أو يذهب بنفسه إلى المسئول ليعرض حاجة من لا يستطيع رفع حاجته، أتظنون أن الناس يستطيعون رفع حوائجهم إلى المسئولين؟ لا. إنهم يبكون على الأرصفة لا يجدون من يرفع حوائجهم واستفساراتهم ومطالبهم، فيموتون وهي في صدورهم.

    يقول صلى الله عليه وسلم: {أولئك جدد القلوب، خلقان الثياب إذا شفعوا لم يشفعوا، وإذا نكحوا لم ينكحوا، وإذا سألوا لم يعطوا، يموت أحدهم وحاجته في صدره} هؤلاء بحاجة إلى أن يمد الإنسان يد العون إليهم.

    رجل يطلب الإمارة ليخدم إخوانه

    قال ابن رجب الحنبلي في كتاب جامع العلوم والحكم: كان أحد الصالحين إذا سافر مع أحبابه وأصحابه في الغزو قال: أشترط عليكم، قالوا: ماذا؟ قال: أن أكون أميركم في هذا السفر، ما يطلب الإمارة إلا إنسان لا يريد بها خيراً، لكن هذا يريد الخير، فقالوا: أنت أميرنا، فكان إذا ذهب معهم قام فقال: لا يقوم أحد منكم، فقام ليصنع الطعام وقام ليجمع الحطب فيقول: أنا الأمير اجلسوا، قال: فإذا أتوا ينامون قام يصلي وكان يحرسهم في الليل فإذا انكشف غطاء أحدهم عن رأسه وجسمه رد غطاءه عليه، فإذا أتوا ليركبوا قرب مركوب كل أحد إليه فأركبه عليه، قال: فلما توفي -وقد ذكر هذا في جامع العلوم والحكم في شرح هذا الحديث- قال: فلما توفي وجدوا على جسمه مكتوباً: براءة له من النار، قال: فأخذه المغسل وهو على جنازة الموت ووجد هذا الكتاب تحت الجلد -بين الجلد واللحم- مكتوب عليه: براءة له من النار.

    فهذا العمل صالح، علمه الله من العبد حيث كان يقدم هذا العمل العظيم، ولكن لا يغفل الله عن أي عمل، ولذلك ورد في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم من رواية أبي هريرة قال: {مرَّ رجل من بني إسرائيل بشجرة كان غصنها في الطريق، فقال: أرفعه لا يؤذي المسلمين -كم من المشقة وجدها وكم من التعب؟! فكسر الغصن وحوله عن الطريق- فشكر الله له وأدخله الجنة}.

    النبي صلى الله عليه وسلم مع بيت خباب

    وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أربعون خصلة أعلاها منيحة العنـز، ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها إلا أدخله الله الجنة} يعني: أعلى الأمور، ويدخل فيها: الابتسام والمصافحة والكلمة الطيبة وأن تفرغ بدلوك في إناء المستقي، وأن تعين أخاك المسلم فتمسك له دابته ليركب عليها، فهذا من المعاونة أو من تنفيس الكرب، وورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه لما سافر خباب بن الأرت -أحد الصحابة- في غزوة، وكان الصحابة من عادتهم ومن عادة العرب جميعاً: أنه لا يحلب الشاة ولا البقرة ولا الناقة إلا الرجل، فالمرأة لا تحلب، فلما سافر خباب بن الأرت في الغزوة أتى صلى الله عليه وسلم إلى أهل خباب يحلب لهم الشياه- أوردها ابن رجب فما وجد عليه الصلاة والسلام إلا شاة واحدة وباقي الشياه كانت حوامل، فأخذ يحلب لهم هذه الشاة، فكانت تملأ إناءً فضفاضاً كبيراً، وكانت تكفي أهل هذا البيت وتكفي جيرانها من بركة يده صلى الله عليه وسلم، فلما عاد خباب أخبروه الخبر فعمد إلى الشاة ليحلبها فوجد حليبها أول مرة قد نقص، وذلك للفرق بين يديه وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أبو بكر الصديق والعجوز العمياء

    وأبو بكر لما توفي الرسول عليه الصلاة والسلام -وهذه قصة مشهورة قد ذكرها ابن القيم وأهل العلم- كان يصلي الفجر في مسجده صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى ضاحية من ضواحي المدينة فتبعه عمر.

    وعمر هو المستساغ عند أبي بكر وهو الرجل الذي يستمع له أبو بكر دائماً، حتى لما كان في سكرات الموت قال لـعثمان: اكتب: والخليفة من بعدي، فسكت، فكتب عثمان -خاف أن تختلف الأمة- عمر بن الخطاب. فأفاق أبو بكر وقال: من كتبت؟ قال: عمر، قال: صدقت، ولو كتبت غيره لأنبتك، حتى في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يعرفون منزلته. فهذا علي أبو الحسن -أمير المؤمنين الذي تقول الرافضة: أن الخلافة كانت له ولكن هضمها وحرمها- يقول على منبر الكوفة: لا يأتي رجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.

    ويقول علي رضي الله عنه وأرضاه: لطالما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: جئت أنا وأبو بكر عمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وخرجت أنا وأبو بكر وعمر. فالمسألة مكشوفة للعيان عند أهل السنة والجماعة، أن الرجلين هما أهل الخلافة ثم يأتي عثمان وعلي. قال الإمام أحمد: من لم يثلث بـعثمان ويربع بـعلي فهو أجهل من حمار أهله -بليد- وهذه تنطبق على الذين فضلوا علياً على الثلاثة، رضي الله عنهم جميعاً ونسأل الله أن يحشرنا معهم جميعاً.

    الشاهد: فـعمر كان يسأل نفسه: مالـأبي بكر يخرج من المسجد كل صباح؟! فقال: لأمشين وراءه هذا اليوم، فمشى وراء أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه -أتظنون أن أبا بكر يذهب للسياحة أو للنـزهة أو يلعب كرة رضي الله عنه وأرضاه- قال عمر: فدخل في خيمة لأعرابية في ناحية من نواحي المدينةعمر في الجبل لا يعلم به أبو بكر - فلما خرج من الخيمة دخلت وراءه فوجدت عجوزاً عمياء حسيرة كسيرة عندها جوارٍ صغار -بنات- وعندها نوق وشياه وشيء من الغنم، فدخل عمر وقال: يا أمة الله! من أنت؟

    قالت: أنا عجوز عمياء حسيرة.

    قال: ومن هذا الرجل الذي يأتيكم؟

    قالت: لا أعرفه -ما أعلمها أنه أبو بكر أو قال لها: أعلمي الناس أن أبا بكر يأتيك كل صباح مثلما يفعل بعض الناس حيث يدفع للفقير ريالاً ثم يتنحنح ليراه جماعة المسجد- فقال: من هذا الرجل؟ قالت: لا أعرفه.

    قال: فماذا يفعل إذا أتى؟

    قالت: يأتي فيقمّ البيت -أي: يكنس البيت- ويصنع لنا إفطارنا ويغسل لنا أشياءنا وينظف لنا ملابسنا، فبكى عمر وقال: أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر. إي والله، أتعب الخلفاء بعده، وهذا هو الإسلام وهذا هو الإيمان وهذا هو القرآن الذي يمشي على الأرض، يوم جعلهم الله خير أمة أخرجت على وجه الأرض، أولها الصحابة.

    ويأتي من بعدهم إنسان ينام عن صلاة الفجر يقال له: لماذا لا تصلي؟ قال: الحمد لله نحن بخير، يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110].

    إن خير أمة أخرجت للناس الذين قطعت لحومهم في سبيل الله، وسكبت دماؤهم في رفع لا إله إلا الله وفي حفظها، خير أمة أخرجت للناس من بلغوا دين الله في أخلاقهم، كان التاجر يذهب إلى جاكرتا في إندونيسيا فلا يدعو ولا يجمع الناس يوم السبت ليلقي عليهم من صحيح البخاري ولا يلقي محاضرة، إنما يتعامل بالصدق والأمانة، يمر من الشارع في جاكرتا وهو تاجر لا يحفظ إلا الفاتحة وقل هو الله أحد وقل أعوذ برب الفلق، فيرون وجهه فإذا عليه النور ويرون معاملته فإذا هي الصدق والوفاء، ويرون معاملته فإذا هو قرآن يمشي فوق الأرض، فيدخلون في دين الله أفواجاً، فلم يدخل جيش جرار ماليزيا ولا إندونيسيا بل دخلها تجار يبيعون ويشترون، فلما علم الله الصدق منهم بلغ دينه ودعوته بهذا.

    فيقول عليه الصلاة والسلام: {من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة} يوم يجتمع الناس في يوم العرض الأكبر فتشتد الكرب عليهم فيكشف الله عن كل من كشف عن المسلمين كربة، كربة بكربة حتى يزيل الله الهم والغم عمن قدم، وهذا واقع، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في صحيح مسلم: {كل امرئ في ظل صدقته حتى يقضى بين الناس} وفي الصحيحين عن عدي بن حاتم الطائي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {يدني الله عبده فيكلمه ليس بينه وبينه ترجمان يوم القيامة، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار، فاتقو النار ولو بشق تمرة}.

    ولكن بماذا يكون تنفيس الكرب؟

    قال أهل العلم: تنفيس الكرب بأنواع وأصناف منها: إطعام الجائع، فهو تنفيس كربة؛ لأنه ليس كل الناس يستطيعون الطعام أو يجدونه. وبعض الناس إذا شبع وأصيب بالتخمة من الكبسات وشرب الشاهي بالنعناع، قال: الحمد لله نحن في نعمة من الله جزيلة، والناس في جنوب أفريقيا وفي موزنبيق يموتون جوعاً، ومن معه ومن في عمارته ويسكن بجانبه يموت جوعاً أو لا يجد هذا النعيم، فلذلك ورد عن أبي هريرة أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: {يقول الله عز وجل: يا بن آدم! جعت فلم تطعمني قال: وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟!

    قال: إن عبدي فلاناً جاع فما أطعمته، أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.

    يا بن آدم! ضمئت فلم تسقني. قال: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟!

    قال: ألم تعلم أن عبدي فلاناً ضمئ ولم تسقه، أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي.

    يا بن آدم! مرضت فلم تعدني. قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟

    قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض، أما إنك لو زرته لوجدت ذلك عندي، فيتمنى الناس بعد ذلك أنهم يعودون إلى الدنيا} وأنهم ملئوا أوقاتهم من الأعمال الصالحة.

    شجاعة وكرم إبراهيم عليه السلام

    وفي سيرة إبراهيم عليه السلام، وقد كان إبراهيم كريماً شجاعاً، وفي القرآن كان لإبراهيم روغتان، فأما الروغة الأولى: فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [الصافات:93] هذه روغه الشجاعة، وهناك: فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات:26] فذكره الله بالشجاعة في القرآن وذكره بالكرم وكلها يقصد بها وجه الله؛ لأن بعض الشجعان يقصدون بها الرياء والسمعة، وأما إبراهيم فهو الشجاع الكريم الذي يريد بشجاعته وجه الله؛ لأنه ما كل إنسان شجاع يكون في الجنة سالماً مسلماً، ولا كل إنسان ينفق أمواله ويفرش السرادقات والمخيمات أنه في الجنة، فمن الذين يؤتى بهم يوم القيامة لتسعر بهم النار العالم والمنفق والشجاع.

    فإبراهيم عليه السلام كانت شجاعته وكرمه لله، حتى يقول عز من قائل: فَرَاغَ [الذاريات:26] يعني: من كرمه ومن سماحته ومن جوده راغ، يعني: اختفى أو ذهب بروغان ليس صمداً عمداً، لم يذهب أمام الضيف، إنما اندس وذهب فذبح عجلاً كبيراً حينئذٍ، ثم حنذه كما في سورة الذاريات أنه سمين، فهو سمين حنيذ، ثم قدمه للضيف؛ لأن البخيل لا يروغ ولا يندس، بل يأخذ شفرته أمام الضيف ثم يسنها ويحدها ويصلي ركعتي الاستخارة ويدعو الله عز وجل إن كان الخير في أن يذبح هذا الكبش إن الله يسهل له أن يذبحه، وإن كان الشر في أن يذبح هذا الكبش فإنه يدعو الله أن يصرف عنه هذا الشر، ثم يقوم ويشاور ويعوذ بالله من الكرب فما يأتي هذا الكبش إلا وعليه من الندامة والأسف كأنك لا تأكل لحماً، بل كأنك تأكل علقماً، لأنهم يقولون: وليمة اللئيم إنما هي سقم يعني: لا يجد الإنسان فيها إلا سقماً، يعني: لا يجد الإنسان فيه شفاءً إنما هي سقم، ولذلك العرب تفتخر بأنها تبش وتهش للضيف قبل أن يصل، ولذلك ليس الكرم في كثرة الضيافة، فبعض الناس يقدم من الأطعمة شيئاً كثيراً لكنه غضبان؛ لأنهم ملئوا المجلس عليه وافترسوا أكله، لكن الكريم من العرب من يهش ويبش، يقول الأزدي:

    أحادث ضيفي قبل إنزال رحله      ويخصب عندي والمكان جديب

    فما عندي في البيت شيء، ولكن قبل أن ينـزل من راحلته أحادثه وأمازحه:

    وما الجود للأضياف أن يكثر القرى      و لكنما وجه الكريم خصيب

    فإبراهيم عليه السلام كان له قصر في فلسطين، وكان هذا القصر له بابان فقال لغلمانه وخدمه: من أتى منكم بضيف فهو حر لوجه الله، فكان هؤلاء العبيد يقفزون الجبال ويذهبون إلى أماكن الفقراء والمساكين ليأتوا بالضيوف، ووصفه الله أنه كريم في القرآن فأوتي بضيف مرة فدخل عليه وإذا بهذا الضيف كافر، يظن إبراهيم أنه موحد، فضيوف إبراهيم خصصهم أنهم موحدون، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام -كما في الترمذي - قال: {لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي} فإبراهيم عليه السلام يرسل ويقول: تعالوا لي بموحدين، فدخلوا برجل فما سأله إبراهيم عليه السلام فلما قرب العشاء له قال إبراهيم: قل باسم الله، قال له: لا. لا أقول بسم الله ولا أعرف الله، قال: والله لا تتعشى، فالولاء والبراء حتى في الطعام.

    كيف لا تقول بسم الله؟ هل علمت إلهاً غير الله، هل لك إله أكبر من الله؟ قال: والله لا تتعشى، فقام هذا الضيف بجوعه فأوحى الله إلى إبراهيم: كم عمر هذا الرجل؟ قال: لا أدري يا رب، قال: عمره خمسون -وقيل: ستون- أطعمه منذ ولدته أمه، وأنت استطعمك ليلة فما أطعمته! ولذلك كم من كافر يهد الجدار اليوم أو فاجر أو معرض عن الله عز وجل لا يعرف المسجد ولا يركع لله ركعة، والله يرزقه ويلبسه ويعطيه سيارة أمريكية فاخرة ويسكنه في القصور؛ لأن الله عز وجل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سوف يرجع إليه الناس حتى يقول أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {يؤتى بأنعم أهل الأرض -يعني: من أهل الضلال- فيغمس في النار غمسة واحدة -في ثوان- ثم يخرج من النار، فيقول الله: هل رأيت نعيماً قط؟ قال: ما رأيت نعيماً قط -نسي كل نعيم- ويؤتى بأهل الخير وأهل الإيمان، من أهل البؤس فيغمسون في الجنة غمسة، فيقول الله: هل رأيت بؤساً قط؟ قال: ما رأيت بؤساً قط} فهذا من كشف الكرب التي جعلها الله عز وجل.

    1.   

    صنائع المعروف تقي مصارع السوء

    ومن كشف الكرب ذكر ابن كثير في البداية والنهاية بين ترجمة الرشيد والمأمون:

    قصة رغيف الخبز

    أن رجلاً من الصالحين عرض له وزير فاجر -وزير من وزراء بني العباس- فحكم عليه بعذاب مهين، فلما كان الوزير ينام في الليل قبل أن ينفذ هذا الحكم كان ينتفض خائفاً من المنام، فينام وإذا بامرأة تشير أمامه في المنام بقطعة خبز، وإذا بهذا الرجل الذي حكم عليه الوزير جالس هناك، كلما أراد الوزير أن يعمد إليه وإذا بهذه المرأة تمنع الوزير بقرص من الرغيف، وبعد ثلاث ليال ما كان ينام فيها، استدعى الرجل وقال: أسألك بالله! قال: لماذا؟ قال: رأيت رؤيا أريدك أن تخبرني بها؟ قال: قلي، قال: بعدما حكمت عليك وأودعتك السجن وأردت أن أنفذ عليك العقوبة رأيت كأن عجوزاً تحول بيني وبينك برغيف وكأنك جالس هناك، قال: أما وقد سألتني فوالله ما نمت ليلة إلا وقرص خبز عند رأسي كانت تصنعه أمي وتجعله عند رأسي، فإذا أتى الصباح تصدقت به على المساكين، فلما كبرت وحضر أمي الموت، قالت: يا بني! لا تترك الوصية، قلت: ماذا؟ قالت: هذا الرغيف لا تتركه أبداً، اصنع رغيفاً واجعله عند رأسك وأعطه المساكين، فإن الله يمنعك [[فإن صنائع المعروف تقي مصارع السوء]] قال: فوالله ما مرت عليَّ ليلة وأردت أن أنام إلا ووضعت هذا الرغيف عند رأسي وأعطيه المساكين، قال الوزير: والله لا تمسك مني عقوبة أبداً، ثم عفا عنه. وقد ذكرها ابن كثير لمن أراد أن يعود إليها: [[فصنائع المعروف تقي مصارع السوء]] كما قال أبو بكر وصحت عنه هذه الكلمة.

    التيسير سبب لدخول الجنة

    قال عليه الصلاة والسلام: {ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة} المعسر: الذي لا يجد سداد الدين أو سداد حقوق الناس، والتيسير: من صاحب دين. فمثلاً: هو أن تؤجله أو أن تنقص من هذا الحق أو أن تسامح فيه، فالرسول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال: {كان فيمن كان قبلكم رجل أتي به إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ليحاكمه، فلما عرضه أمامه قال: خذوه إلى النار، فأخذته الملائكة إلى النار، فقال عز وجل: ردوه، فلما ردوه قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: هل لك من عمل صالح؟ قال: يا رب! والله ما أتذكر شيئاً إلا أنه كان لي تجارة في الدنيا، فكان إذا أتى لي إنسان أو طلب مني حاجة أتجاوز عنه لعل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يتجاوز عني، فقال الله: -في غير رواية الصحيحين - فقال الله: ليس أكرم منا هذا اليوم، أدخلوه الجنة} وهذا بسبب أنه يتجاوز عن الناس وقال عز من قائل: فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [البقرة:280] فبعض الناس إذا كان له دين على الناس، شق عليهم وأخرج لهم النجوم وسط النهار صباح مساء، بعد كل صلاة وهو عند الباب: أعطوني حقي، أخذتم حقي، وهي مائة ريال أو ألف ريال، وهذا من الذين لا يريدون إنظار المعسرين، وهو في غنى وسعة، وقد جهل هذا أجر الله عز وجل، وقد فاته أجر الثواب من الله عز وجل، وهذا ليس إلا فعل اليهود.

    يقولون: اليهود يدينونك ثلاثة أشهر ويأتون ليأخذوا منك بعد شهرين، ولذلك قال ابن جرير في التفسير: " لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم -حول قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89] قال ابن سعية: رأيت علامات الرسول صلى الله عليه وسلم -هذا ابن سعية يهودي وقد رأى العلامات في التوراة، رأى العلامات كلها أمام العين في الرسول صلى الله عليه وسلم- إلا في مسألة واحدة، أنه إذا غضِب يزداد حلماً، فما عرف هذه الخصلة فيه صلى الله عليه وسلم، فأراد هذا اليهودي أن يكتشف خصلة أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا غضب يزداد حلماً فماذا فعل؟ ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: يا أبا القاسم! - لماذا يقولون: يا أبا القاسم؟ لأنهم لا يعترفون برسالته، إن قال: يا محمد! ليس هذا من الأدب وإن قال: يا رسول الله! شهدوا على أنفسهم، فيقولون: يا أبا القاسم- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. قال: علمت أنك وفدت المدينة وأنا تاجر من تجار اليهود عندي مال فخذ هذا المال حتى يفتح الله عليك، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم المال، وظن أن هذا صادق وأنه سوف يؤجله حتى يفتح الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليه، وبعد أربعة أيام أو خمسة إذا باليهودي في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فقام اليهودي وقال: يا بني عبد المطلب! أعطوني مالي إنكم قوم مطل -يعني: أنكم تماطلون وتلعبون بصاحب الدين، انظر إلى الدهاء- فقال صلى الله عليه وسلم: إنك أجلتني حتى يفتح الله علي، قال: لا تماطلني ديني، أعطني حقي يا محمد! إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، قال في الرواية: فقام عمر بن الخطاب -يقول ابن سعية: فرأيت عيناه تتدحرج في رأسه- وقال: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا، فقال صلى الله عليه وسلم: اجلس يا عمر! أنت أولى بأن تأمرني بحسن القضاء وتأمره بحسن الطلب، ولذلك كان خلق رسول الله جليل: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] فجلس عمر فقام عليه الصلاة والسلام إلى هذا اليهودي، وأخذ اليهودي يرفع صوته في المسجد والرسول صلى الله عليه وسلم، كلما رفع اليهودي صوته كلما تبسم عليه السلام وكلما زاد حلمه، ثم أعطاه فلما أعطاه قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، والله! ما قرأت صفة لك في التوراة إلا وجدتها إلا هذه الخصلة، فوجدت أنها ستثبت هذا اليوم فقد ثبتت. فأتى إلى اليهود ليخبرهم، قالوا: لا. أصبح داعية إليهم، فقالوا: ليس بهذا، فقال الله: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89].

    والرسول عليه الصلاة والسلام عندما قدم المدينة، قال عبد الله بن سلام -أحد اليهود الذين أسلموا، وهو من فقرائهم وعلمائهم وأهل الصدارة فيهم- قال: {فلما رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم في السوق انجفل الناس إليه، فانجفلت مع من انجفل من الناس -أي: أسرع الناس إليه، وأخذ يدخل بين الناس حتى رأى وجه الرسول عليه الصلاة والسلام- قال: فلما استثبت منه وإذا بوجهه ليس بوجه كذاب، قال: فدنوت منه، وإذا به يقول للناس -اسمع حتى الكلام كلام رسول، لا يوجد كلام ساقط بل كله كأنه الدر- قال: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا في الليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، قال: فوقع الإسلام في قلبي، فذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعت يدي في يده وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله} ما أسلم من اليهود إلا ثلاثة هذا وكعب، وابن سعية قال صلى الله عليه وسلم: {لو أسلم عشرة من أحبار اليهود لأسلم اليهود عن بكرة أبيهم} لكن ما أسلم إلا ثلاثة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأحقاف:10].

    فالشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام {فأسلم عبد الله بن سلام وقال: يا رسول الله! إن اليهود قوم بهت -أي: يبهتون الإنسان ولذلك بهتوا مريم البتول عليها السلام- فقال: إن اليهود قوم بهت، وإذا سمعوا بإسلامي بهتوني، فاستدعهم يا رسول الله واسألهم عني، فاستدعاهم الرسول صلى الله عليه وسلم ووضعهم أمامه، وابن سلام في مشربة -في غرفة- خلف الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال الرسول لهم: كيف ابن سلام فيكم؟ -وهم لا يدرون أنه أسلم- قالوا: سيدنا وابن سيدنا وعالمنا وابن عالمنا وفقيهنا وابن فقيهنا -وألقوا عليه محاضرة في المجلس- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا أسلم ورزقه الله الإسلام؟ فقالوا: أعاذه الله من ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخرج يـابن سلام، فخرج وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وأحمقنا وابن أحمقنا، فقال ابن سلام: أما قلت لك يا رسول الله؟ قال: نعم. إنهم قوم بهت} فالتيسير على المعسر هي أن تؤجل له في المدة، أو أن تنقص له من القيمة، أو أن تسامحه، وفي الحديث: {أن أبا قتادة رضي الله عنه وأرضاه -هذا في البخاري - وفد إلى رجل فقال: أعندك سداد لمالك؟ قال: والله ما عندي سداد، قال: أسألك بالله ما عندك من سداد؟ قال: والله ما عندي من سداد، قال: والله لقد عفوت عنك لما لا يوجد عندك من سداد، قال: وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة}.

    1.   

    من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة

    ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة) وفي سنن ابن ماجة قال ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من ستر عورة مسلم ستر الله عورته يوم القيامة) فما المقصود بالستر في الحديث؟

    الستر على نوعين:

    أولها: ستر أهل الخير والصلاح وأهل الطاعة الذين تكبو بهم أقدامهم أو تنزل بهم ألسنتهم أو تجد منهم هفوة أو يأتي منهم أمر، فسترهم: أن تقيل عثراتهم ولا تبديها للناس، يقول عليه الصلاة والسلام -كما عند أحمد وغيره-: (أقيلوا لذوي الهيئات عثراتهم) وذوي الهيئات: أهل الصلاح والاستقامة وأهل الخير وأهل المعروف الذين تبدر منهم بادرات أو هفوات أو زلات:

    من ذا الذي ما ساء قط     ومن له الحسنى فقط

    من ذا الذي ترضى سجاياه كلها     كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه

    تريد مهذباً لا عيب فيه     وهل عود يفوح بلا دخان

    أتريد من الإنسان أن يكون معصوماً؟ فإذا كان الإنسان ظاهره الصلاح ويريد الخير، وحسناته أكثر من سيئاته قال: ابن المبارك رحمه الله -كما في كتاب الكفاية عند الخطيب البغدادي -: العدل عندنا -أي: عند أهل السنة والجماعة -: هو الذي زادت حسناته على سيئاته.

    وقال سعيد بن المسيب -كما في ذلك-: ليس مسلم يخلو من ذنب، لكن من زاد صلاحه على فساده فهو المقبول الثقة. فهذا هو الذي يزيد خيره على شره، فإذا كان هذا الخيِّر بدرت منه بادرة فاسكت ولا تخبر واكتم واستر واطلب من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يسترك بهذا، كأن يفعل ذنباً لكن هو صالح، لكنه كتب الله عليه بعض الأفعال من المعاصي والجرائم كتأخير الصلاة يوماً من الأيام بتشاغله بشيء، بدرت منه كلمة ليست بلائقة، أو غضب غضبة فأخرجت منه بعض البذاء أو بعض الفحش، فهذا تستره وتكتم عنه ولا تخبر به، أما أن تجلس إلى الناس وتخبر وتقول: الله المستعان! ظاهرك كأنك تريد أن ترقق له وأنت تريد أن توخزه وتطعنه، ولذلك بعض الناس -كما يقول الغزالي - أذكياء في الغيبة لا يأتون ليجرحوا الناس أمام العين، ولكن يأتون أمام المجلس ويقولون: غفر الله لفلان، ليته ما وقع فيما وقع فيه، نسأل الله أن يغفر له ولنا، وهم يريدون أن يجرحوه ويقطعوا لحمه ويشربوا دمه لا يريدون إلا ذلك ويقول أحدهم: عافانا الله مما ابتلى به فلاناً ويأتي الثالث ويقول: بت البارحة مهموماً ومغموماً، قالوا: ما هو الشيء الذي همك وغمك؟ قال: مما وقع فيه فلان، وهو لا غم ولا هم ولا سهر لكن أراد أن يقطع لحمه في المجلس، فهؤلاء هم الذين يفضحهم الله على رءوس الأشهاد.

    الجزاء من جنس العمل

    يقول ابن رجب: أثر عن بعض الصالحين قال: والله الذي لا إله إلا هو! إنه كان عندنا قوم ستروا عيوب الناس فستر الله عيوبهم، وكانت لهم عيوب، فلما ستروا عيوب الناس ستر الله عيوبهم، وإنه كان عندنا قوم ليس لهم عيوب فكشفوا عيوب الناس فأحدث الله لهم عيوباً، فالجزاء من جنس العمل. إذا وجدت الإنسان يُغتاب بكثرة فاعرف أنه هو أيضاً يغتاب، وإذا وجدت أنه يطعن فاعرف أنه طاعن: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ [آل عمران:185].

    فهذا الجزاء من جنس العمل، كمن يستر على المسلمين فيستره الله، يقول ابن مسعود كما في الزهد للإمام أحمد وقد تبعه الناس يمشون وراءه: [[والله لو علمتم ما عندي من الذنوب لحثوتم التراب على رأسي]] هذا هو صحابي وهو صاحب أيادٍ وصدق في الإسلام، فكيف بنا أهل المعاصي والذنوب؟! فالواجب على المسلم أن يستر أهل الخير وأهل الصلاح.

    وأما القسم الثاني: فهم المجاهرون بالمعاصي المنتهكون لحرمات الله، المعتدون لحدوده، فهؤلاء لا يستر عليهم وإنما يخبر بهم السلطان والمسئول والقاضي ليكون ردعاً لهم، وحداً للجريمة، وتبكيتاً للمعصية، فإنهم لو تركوا لحملوا الناس على المعاصي.

    ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها -في حديث الضحاك بن قيس- فلما ذهب إليها أنيس فاعترفت فرجمها} وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بكثير من الناس فأقام عليهم الحد، لأنهم شهروا بأنفسهم أو لأنهم أعلنوا وتقدموا إليه صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم استتروا لسترهم الله ولما أقام عليهم صلى الله عليه وسلم حداً، يقول صلى الله عليه وسلم: {من ابتلي من هذه القاذورات بشيء فليستتر بستر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى}.

    والواجب على المسلم نحو الذنوب والخطايا التي لا يسلم منها أحد: أن يتوب ويستغفر وأن يفعل من الحسنات الماحية: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] وقال عز وجل: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114] وقال: وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ [الرعد:22] وقال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    فالواجب على المسلم أن يستتر بستتر الله ولا يبدي نفسه وإنما يستتر حتى يتوب الله عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، إلا من جاهر فهذا يخبر به.

    1.   

    طريق طلب العلم

    بقي في الحديث مسائل ولكن الوقت لا يكفي وهناك مسألة عظيمة من أعظم مسائل الحديث، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: (وإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) ثم قال: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) أو (من سلك طريقاً يلتمس به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة) أسأل الله أن يجعل طريقكم هذا وجلوسكم هذا باباً من أبواب الجنة، فإنه قد يكفر بجلسة واحدة الخطايا والذنوب، ولذلك قال عطاء: [[مجلس الذكر يكفِّر سبعين مجلساً من مجالس اللغو]] يعني: مجالس الذنوب.

    فهذا المجلس أو الجلسة الواحدة يكفر الله بها الذنوب أو الخطايا ويكفي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) قال ابن رجب: (ومن سلك طريقاً يلتمس به علماً) قال: إما يلتمس بالمعنى أو يلتمس بنفسه كأن يذهب إلى حلقات الذكر، إلى محاضرات الخير والدروس العلمية، لأنه ليس العجيب أن نسمع إلى الدروس العلمية أو أن نحفظها، أو أن نسمع حديثاً أو نحفظه، لأنه كان بالإمكان أن يقرأ كثير من الناس رياض الصالحين وهو في البيت أو يقرأ صحيح البخاري وصحيح مسلم وهو جالس على أريكته في البيت، ليس هذا هو سر الإسلام ولا سر العلم عند السلف الصالح، بل السر أن يجتمع السلف في بيت من بيوت الله، فيسمعون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ويسمعون (قال الله، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم) (فيباهي الله بهم الملائكة، وتتنزل عليهم الرحمة، وتغشاهم السكينة، وتحفهم الملائكة، ويذكرهم الله فيمن عنده) وإلا فإن الإنسان قد يقرأ أكثر من هذه الأحاديث، لكن وحده قد لا يحصل على مثل هذه الأجور، واجتماع القلوب سبب في إجابة الدعوة، وأغيظ ما يكون لأهل الباطل وأهل البدع مثل هذه المجالس، فهم يموتون منها.

    فمن سلك طريقاً يلتمس به علماً يريد به وجه الله جعل الله هذا الطريق سبيله إلى الجنة، وجعله في حفظه ورعايته.

    قال أهل العلم: الجلوس في مجلس العلم أفضل من الصلاة النافلة، ومن قراءة القرآن. فمن جلس في المسجد أو وقف يصلى ويركع ويقوم فمن جلس هنا أفضل منه بلا شك ففي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم: (أنه عليه الصلاة والسلام دخل وإذا بحلقتين في المسجد قوم يسبحون ويستغفرون وقوم يتدارسون حديثه والعلم، فقال:أما هؤلاء فيدعون الله فإن شاء أعطاهم وإن شاء منعهم، وهؤلاء يتعلمون فإنما بعثت معلماً ثم جلس معهم).

    وورد عند الطبراني: [[لئن أتعلم حديثاً واحداً أو باباً من أبواب العلم خير من أن أصلي مائة ركعة]] قال الإمام أحمد: سماع الحديث وقراءة الحديث خير عندنا من الصلاة النافلة، وقال الشافعي: الجلوس في مجالس العلم خير من الصلاة النافلة.

    أسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالى كما جمعنا في هذا المجلس أن يجمعنا في مستقر رحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالى في جنة النعيم عنده على سندس خضر، وأن يجعلنا من الذين يرون وجهه يوم الزيادة إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

    وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم، وأن يجعل هذه المحاضرات والدروس والكلمات في ميزان الحسنات، وأن يجعلها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى مذكورة عنده.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وسلم تسليماً كثيراً.