إسلام ويب

من مهبط الوحيللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مجال التربية والتعليم هو مجال بناء الرجال، ولم يشهد التاريخ منذ بزوغه معلم ومربِّ مثل النبي صلى الله عليه وسلم، ونجاح تربيته عليه الصلاة والسلام لعوامل وأسباب منها: أنه كان داعية قولاً وعملاً فكان المتأثر بدعوته أولاً هو نفسه، وأن دعوته ارتكزت على أسلوب اللين والحكمة، وبث روح الألفة والمحبة بين أتباعه المدعوين..

    1.   

    فضل مهبط الوحي

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته:

    سلام الله عليكم يا جيران بيت الله! سلام الله عليكم يا سكان الحرم! سلام الله عليكم يا من سكن هذه البقعة الطاهرة! سلام الله عليكم يوم اجتمعت قلوبكم على محبة لا إله إلا الله، وتوحدت أرواحكم في السير في منهج لا إله إلا الله، وأُشْرِبت قلوبكم محبة لا إله إلا الله!

    من مهبط الوحي من هنا سارت لا إله إلا الله قوية، ومن هنا انبعثت لا إله إلا الله متوهجة، ومن هنا غرست لا إله إلا الله في قلب كل موحد، وإن كان لي من شكر في أول اللقاء فإني أشكر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى على أن أجلسني مع هؤلاء الأخيار الأبرار، ثم أشكر مدير هذا المعهد، فضيلة الشيخ/ حمدان السُلمي على تفضله ودعوته للحضور إلى هذا المكان، ثم أشكر الأساتذة وأشكركم يا معشر الطلاب!

    من مهبط الوحي، من هنا، من قلوبكم الصادقة، من أرضكم المنيبة المخبتة سارت لا إله إلا الله، ولا يجدد مسيرة لا إله إلا الله إلا من أتى من مثل هذه البقعة ومن أمثالها، ومن مهبط الوحي بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم للعالمين بشيراً ونذيراً، ومن مهبط الوحي قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] ومن مهبط الوحي وقف أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه خليفةً المسلمين زاهداً وعابداً يبكي الليل والنهار، ليجدد المسيرة بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن مهبط الوحي كان الخليفة عمر رضي الله عنه يقف على المنبر، وعليه برد مرقع بأربعة عشر رقعة، يبكي ويقول لبطنه وهو يقرقر من الجوع: [[قرقر أو لا تقرقر، فوالله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].

    يا من يرى عمراً تكسوه بردته     والزيت أدمٌ له والكوخ مأواه

    يهتز كسرى على كرسيه فرقاً     من خوفه وملوك الروم تخشاه

    عمر الذي كان يضرب أقدامه بالعصا ويقول: [[يا عمر! والله الذي لا إله إلا هو لئن لم تتق ربك ليعذبنك الله عذاباً لم يعذبه أحداً من العالمين]].

    ومن مهبط الوحي نشأ عثمان بن عفان، قال صلى الله عليه وسلم قبل غزوة تبوك: (من يجهز جيش العُسرة وأضمن له الجنة؟ فيقول عثمان: أنا، فتنهار دموعه صلى الله عليه وسلم على خديه، ويقول: اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، اللهم اغفر لـعثمان ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم).

    ومن مهبط الوحي نشأ علي بن أبي طالب يقف في ظلام الليل يبكي ويتململ تململ اليتيم ويبكي بكاء الثليم، ويقول: [[يا دنيا يا دنية! طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها، غري غيري، زادك حقير، وسفرك قصير، وغربتك موحشة، آه من لقاء الموت وبعد السفر ووحشة الطريق]].

    فيا أبناء أبي بكر وعمر، وعثمان وعلي: يا من سكن في مهبط الوحي! يا جيران بيت الله! إن لبيت الله حقوقاً من الجيرة: الحياء من الله عز وجل، والحياء من الله هو: حفظه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وإنكم أهل المنزل وأهل الدار، إنكم أول من يُطالب من الناس بحفظ ورعاية بيت الله، إنكم جيران بيت الله، وللجار حقوق.

    أولها: الحياء.

    حياء من إلهي أن يراني     وقد ودعت صحبك واصطفاكا

    فما دام أن الله جعلكم سكان هذا البيت في مهبط الوحي، أفليس عليكم حقوق أعظم من حقوق العامة من الناس، ومن حقوق البشرية؟ إي والله! إنه حفظ الله تبارك وتعالى في السر والعلن، وكلمتي هذه توجه إلى مدير المعهد، ثم إلى الأساتذة، ثم إلى الطلاب.

    1.   

    مسئولية المدراء

    فأقول لمدير المعهد: سلام الله عليك، إنك كما تعرف أنك مسئول عن هذا الجيل أمام الله، وإنه لا خير فيَّ إذا لم أقل: اتق الله، ولا خير في المنصوح إذا لم يقبلها.

    قال رجل لـعمر رضي الله عنه وأرضاه: [[يا أمير المؤمنين! اتق الله، فوالله إن لم تتق الله ليعذبَّنك، فجلس عمر يبكي، ويقول: لا خير فيَّ إذا لم أقبل قولك -اتق الله- ولا خير فيك إذا لم تقل لي: اتق الله]].

    وهذه هي المسئولية وهي الوصية العامة، قال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] وإنما أقول ذلك لمدير المعهد؛ لأنه هو الموجِّه والمربي والأب لهذا الصَّرح، فحيثما يتجه وحيثما يجعل من نفسه قدوة، سوف يراه هذا الجيل، وسوف يكونون في ميزان حسناته، فوالله الذي لا إله إلا هو لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك من حمر النعم. ما يساوي ذهب الدنيا! ومال الدنيا! وسيارات الدنيا! وكنوز الدنيا؟! كلها والله هباء منثور في جنب هداية هذا الجيل، وهداية شاب واحد إلى الله بالقدوة، وبالكلمة المؤثرة النفَّاذة، وبالتصرف السليم، وبالتربية التي تنتهج تربيته صلى الله عليه وسلم، فحي هلاً بك مديراً تقود هذا الجيل، وتغرس في نفسه لا إله إلا الله، فإن الله سوف يسألك يوم القيامة عن هؤلاء، والله ليست القضية قضية إدارة ومدير فحسب، وليست القضية أنظمة ولوائح فحسب، لكنها مسئوليةٌ مِنَ الذي رفع السماوات بلا عمد، ومسئوليةٌ مِن الذي بسط الأرض على مدد، ومسئوليةٌ مِنَ الذي خلق الإنسان في كبد.

    1.   

    مسئولية الأساتذة

    وأنتم أيها الأساتذة: يا قادة الجيل! يا معلمي أبناء المسلمين! أما علمتم أن آباءنا جعلوا الأبناء بين أيديكم أمانة؟ أما علمتم أن فلذات أكبادنا أرواحنا جلسوا على الكراسي ينظرون ماذا تقولون وما تتصرفون؟ أما علمتم أنكم ورَّاث المصطفى عليه الصلاة والسلام؟ فلا إله إلا الله كم هي المسئولية! ولا إله إلا الله كم هي الأمانة! ولا إله إلا الله ما أعظم التبعة! فيا إخوتي الأساتذة! اتقوا الله في أجيالنا وأكبادنا، فوالله إنهم بكم؛ إن استقمتم استقاموا، وإن اعوججتم اعوجوا، فليست المسئولية أن تلقي درساً، أو حصةً، أو محاضرةً وتخرج، لا. إن فوق ذلك أمراً عظيماً، إنك أتيت خليفة لمحمد صلى الله عليه وسلم لتعلمهم الإيمان، وتغرس في قلوبهم الحب والطموح، فالإيمان تسكبه قبل أن تسكب هذه الحصة، ولو كنت أُستاذاً في أي فن؛ في التفسير أو في الفقه أو في الحديث، أو في التاريخ أو في الجغرافيا، إن الله سوف يسألك يوم القيامة وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    إذا قيل أنتم قد علمتم فما الذي     عملتم وكل في الكتاب مرتب

    فيا ليت شعري ما نقول وما الذي     نجيب به إذ ذاك والأمر أصعب

    إلى الله نشكو قسوةً في قلوبنا     وفي كل يوم واعظ الموت يندب

    أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    يا أساتذة المسلمين: يا مدرسي المسلمين! يا مربي أجيال المسلمين! أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم، وتسكبون لا إله إلا الله في القلوب وما دخلت قلوبكم؟! أتحبون الإيمان أن ينتشر وما نشرتموه في الفصول؟! أتريدون الدعوة المؤثرة في الأجيال وما تأثرت بها نفوسكم؟!

    عجيب! إن هذه الآية صارت قارعة لبني إسرائيل تقرعهم على رءوسهم؛ لأنهم يأمرون ولا يأتمرون، يوجهون ولا يتوجهون، يأمرون بالسنة، ولكن لا تظهر السنة عليهم، فقال الله لهم: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [البقرة:44]. أنتم أساتذة، وأنتم معلمون، وأنتم مربون وتنسون القرآن أفلا تعقلون! أليس هناك عقول تعرف هذه المسئولية! والله- عز وجل- يقول في بني إسرائيل: كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً [الجمعة:5].

    سبحان الله! إن الذي يحمل المعلومات في رأسه، ثم لا يطبقها في دنيا الواقع، ثم لا يكون داعية مؤثراً، ثم لا يكون مستقيماً، ثم لا يكون سنياً على منهج محمد صلى الله عليه وسلم فهذا ذهنه سلة مهملات، وتموت المعلومات في ذهنه، ويطفأ النور في قلبه، وتموت الإرادة في روحه؛ ولا يستفيد من علمه أبداً؛ قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الأعراف:175-176].

    ما أكذب الكلمة التي لا يصدقها العمل! وكثير من الناس يجيدون الأقوال، لكن أين الأعمال؟! كيف نريد أن تستقيم بيوتنا؟ كيف نريد أن يهتدي شبابنا ونحن ما أقمنا الإسلام في أشخاصنا؟!

    فيا أيها الأساتذة: سامحوني -لطف الله بكم- إذا كنت قوي العبارة، أو صعب الأسلوب، فوالله إن هذا الكلام موجه إليَّ قبل أن يوجَّه إليكم.

    أيها الأساتذة الأبرار: أنتم صفوة المجتمع، فإذا أقمتم الإسلام في قلوبكم؛ قام في تلاميذكم وفي طلابكم. فالأستاذ هو القدوة.

    سبحان الله! كيف يتجه الطلاب إلى الخير إذا اتجه الاستاذ إلى الخير، وكيف ينحرفون إلى الشر إذا انحرف إلى الشر، يقول: كونوا صادقين ثم يكذب! يقول: كونوا متبعين لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم يخالف! يأمر بالمحافظة على الصلاة ثم لا يحافظ! يأمر بتلاوة القرآن ثم لا يتلو! أي أسلوب هذا؟!

    إنه الأسلوب الجاف الذي أعلن إخفاقه عند الأمم جميعاً حتى عند الكفار، فهذا الأمريكي الذي كان من أكبر دعاتهم دايل كارنيجي في كتاب دع القلق وابدأ الحياة يقول: إنك لا تعلم تلميذاً من التلاميذ ما لم تقم بعملك. سبحان الله! حتى الكافر عدو الله وحتى الخواجة يعرف أن هذا العلم لا يسري في الناس حتى يكون المعلم متمثلاً لذلك.

    أرأيتم أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أسمعتم بأهدى منه؟! أطرق أذهانكم أعظم منه في التاريخ؟! أطرق العالم أشرف منه؟! لا والله.

    دعها سماوية تجري على قدرٍ     لا تفسدنها برأي منك منكوس

    وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].. لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].. فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63].

    1.   

    الرسول المعلم

    كان تدريسه عليه الصلاة والسلام وتعليمه على ثلاثة أضرب:

    النبي صلى الله عليه وسلم هو المتأثر الأول بدعوته

    أولها: أنه كان هو المتأثر بدعوته صلى الله عليه وسلم لا يأمر الناس بشيء إلا وهو أقرب الناس إليه، وأكثر الناس تمثلاً بهذا الأمر، يقول: يا أيها الناس! اتقوا الله! خافوا الله! اخشوا من الله! فيكون أخوف الناس لربه صلى الله عليه وسلم.

    يقول مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه: {دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يصلي ولصدره أزيز من البكاء كأزيز المرجل} وهو القدر إذا اجتمع غلياناً، ويقول ابن مسعود في الصحيح: قال لي صلى الله عليه وسلم: {اقرأ عليَّ القرآن، قلت: كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟! قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال: فاندفعت أقرأ القرآن، فلما بلغت قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41] قال: حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان}.

    هكذا يكون التأثير بالدعوة، هكذا يكون القيام بحق الدعوة، يقول ابن أبي حاتم: {كان عليه الصلاة والسلام يدور على بيوت الأنصار في الليل الدامس، فسمع امرأة عجوزاً تقرأ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] فأخذ يبكي عليه الصلاة والسلام! وهي لا تدري أنه يستمع إليها، ويقول: نعم أتاني، نعم أتاني}.

    كان أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في التعليم باللين والحكمة

    والأسلوب الذي استخدمه صلى الله عليه وسلم في الدعوة -وأنتم أيها الدعاة والأساتذة والمعلمون!- اللين والحكمة، أرسل الله موسى عليه السلام لفرعون شيخ الطغاة، والدجال الكبير، والأفاك الأثيم، فقال له ولهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    إن العصا لا تغرس الإيمان والحب والطموح، إن العصا ليست وحدها التي تهدي إلى الصراط المستقيم، إن العصا ليست التي تخرج العصاة من الدمار والعار والشنار إلى الإيمان والسلام، والعدل والحب والطموح فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه:44] القول اللين يغرس لا إله إلا الله في القلوب، القول اللين يسكب الدعوة في الأرواح، القول اللين تحبه القلوب وتعشقه النفوس.

    فيا أيها الأساتذة: أسلوبه عليه الصلاة والسلام كما تعرفون: اللين، يعرض الدعوة لا يجرح الشعور، يحب للناس ما يحب لنفسه، رفيقاً رحيماً قريباً من القلوب صلى الله عليه وسلم، يريد أن ينقذ الإنسان، وأنت بمقامك في الفصل اجعل من أكبر مهماتك أن تنقذ أبناء المسلمين من النار، قبل أن ينجحوا في الامتحان ينقذوا من غضب الواحد القهار، ولا يتحصَّل ذلك إلا إذا أحببت لهم ما تحب لنفسك، ومن الأساتذة من يتشفَّى في طلابه، ومنهم مَن ترك الأمانة وراء ظهره، ومنهم من جعل عباد الله خَوَلاً، واستهان بالرسالة، وهذا إن شاء الله قليل، أو لا يوجد في هذا المجتمع، وهذا الصرح مشيد، لكن ينبه خوفاً من أن يقع هذا في بعض الفترات، أو بعض الأزمنة.

    بث النبي صلى الله عليه وسلم روح الألفة والإخاء بين الناس

    والأسلوب الثالث الذي فعله صلى الله عليه وسلم في الأمة أنه بثَّ روح الأُلفة والإخاء، وروح التواد في الناس، يقول الله له: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] والعرب كقرون الثور كلما كسرت قرناً ظهر لك قرن، العرب قبل الإسلام كانوا قتلة متمردين مشاغبين لا يجمعهم ملك ولا إدارة، ولا حضارة ولا ثقافة، فلما جاء عليه الصلاة والسلام وحَّد بين القلوب. فجعل أبا بكر! أخاً لـبلال الحبشي، وجعل عمر القرشي أخاً لـصهيب الرومي، وعثمان العبشمي! أخاً لـسلمان الفارسي، فاجتمعت والله القلوب.

    فمهمة الأستاذ أن يجمع هذه الأرواح تحت مظلة لا إله إلا الله.

    إن كيد مطرف الإخاء فإننا     نغدو ونسري في إخاء تالد

    أو يختلف ماء الوصال فماؤنا     عذب تحدر من غمام واحد

    أو يفترق نسبٌ يؤلف بيننا     دين أقمناه مقام الوالد

    إي والله! ليست مبادئ أبي جهل، ولا أبي لهب الذين وقفوا عند الركن والحطيم وزمزم فكفروا بلا إله إلا الله، فأدخلوا النار، أما بلال فأتى من أثيوبيا (الحبشة) يحمل لا إله إلا الله، فدخل الجنة.

    دين أساسه التقوى، وفاعليته لا إله إلا الله، ومظلته الإخاء، هذا أمر لا يغيب، والأساتذة يوم يخرجون من بيوتهم متوضئين قاصدين بعملهم وجه الله، متوكلين على الله -الله أكبر!- كم يجعل الله على أيديهم من الفتوح؟! الله أكبر كيف يغرس الله بأيديهم شجرات الإيمان؟! الله أكبر كيف تلين لهم القلوب وتنقاد لهم النفوس؟! الله أكبر كيف يجعل الله عز وجل هداية الأجيال على أيديهم؟! هذا في جانب الأساتذة؛ القدوة والأسوة، وضع التكلف، ومعرفة الأمانة وحمل الرسالة، وبث الإخاء وغرس الإيمان، وهذا لا يخفى عليهم إن شاء الله أبداً.

    1.   

    خطاب إلى طلاب العلم

    أما أنتم إخوتي الطلاب: أما أنتم يا زرع المستقبل! أما أنتم يا أيها الأمل المشرق للأمة الإسلامية! يا من على أكتافكم تقام معالم لا إله إلا الله محمد رسول الله! فإني أسألكم بالله الذي لا إله إلا هو بحمل الإيمان، أن نحمل قبل العلم الإيمان وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَاْلإيمَانَ [الروم:56].

    التلازم بين العلم والإيمان

    أيها الإخوة الطلاب: علم بلا إيمان هباء منثور، كتاب بلا إيمان كلام مصفَّف، قصيدة بلا إيمان هذر مذر، طالب بلا إيمان جثة من اللحم، فصل بلا إيمان قطيع من البهائم.

    إخوتي في الله: الإيمان يوم تخرج من بيتك يكون في ذهنك وفي قلبك، إن أكبر الرسائل التي تحملها في الحياة الإيمان؛ الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبما جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم.

    يا إخوتي في الله: إننا يوم نحمل الإيمان يفتح الله لنا كل باب خير ويغلق عنا كل باب شر، ومعنى ذلك: ألا نطلب العلم- كما يفعل الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، يقول عز من قائل: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7] لا يهم إلا علم البطون وعلم القدور، وعلم الفروج وعلم المتع الدنيوية، وعلم الوظائف والمناصب، وعلم السيارات والموديلات، هذا علم لا يوصل صاحبه إلا إلى القبر، ثم يتركه ويعود، لكن أنت يُطلب منك أن تأخذ علماً يوصلك إلى رضوان الله، إن علماً لا يدخل معك القبر ليس بعلم، علم لا يمرُّ بك على الصراط ليس بعلم، علم لا يسقيك من الحوض المورود ليس بعلم؛ لأن الله ذكر العلم في القرآن على ثلاثة أضرب:

    علم ضار.

    علم شرير.

    علم النهي.

    وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ [البقرة:102] وهؤلاء الذين يتعلمون للدنيا وللشهادات وللمناصب وللوظائف، والله يعطيهم من المناصب والوظائف والشهادات ما أرادوا، لكن لا يعطيهم من حرث الآخرة شيئاً مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].

    هذا العلم ليس بنافع، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تبارك وتعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من أعراض الدنيا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً} وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من تعلَّم العلم ليماري به السفهاء أو ليجاري به العلماء، فليتبوأ مقعده من النار} أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    إذا ما لم يفدك العلم خيراً     فليتك ثم ليتك ما علمتا

    وإن ألقاك فهمك في مغاوٍ     فليتك ثم ليتك ما فهمتا

    فناده إذا سجدت له اعترافاً     بما ناداه ذو النون بن متى

    وأكثر ذكره في الأرض دأباً     لتذكر في السماء إذا ذكرتا

    فيا طالب العلم: الإيمان الإيمان! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عن الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7] وقال عنهم: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66].

    تقوى الله ومراقبته

    المسألة الثانية يا إخوتي في الله: رقابة الله تبارك وتعالى، وهي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلبة العلم، يقول في الترمذي بسند حسن لـابن عباس: {احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفْك في الشدَّة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف} ورقابة الله معناها: أن تجعل من الله رقيباً عليك، وهذه هي درجة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك.

    إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل     خلوت ولكن قل عليَّ رقيب

    ولا تحسبن الله يغفل ساعة     ولا أن ما تخفي عليه يغيب

    يا من تستر بالجدران بالمعاصي! الله يراك وهو الواحد الديان، يا من وقف وراء الحيطان وظن أنه يخفى عن نظر الرحمن! الله يراك آناء الليل وأطراف النهار.

    فيا أخي في الله: يا طالب العلم! لا تدنِّس عملك ولا علمك بالمعاصي فالمعاصي تدنيس للعلم، قال أحد الصالحين: نظرت نظرة لا تحل لي فقال أحد العلماء: أتنظر هذه النظرة، والله ليعاقبنَّك الله بها ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة.

    فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] هذا في بني إسرائيل، طلبوا العلم ونقضوا ميثاق الله، وجاهروا الله بالمعاصي، خلوا فانتهكوا المعاصي، واقترفوا حدود الله، وانتهكوا حرماته؛ فلعنهم الله وطبع على قلوبهم، ولذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282].

    أتدري ما هو الذكاء؟ أتدري ما هو التفوُّق العلمي؟ إنه تقوى الله عز وجل. ترجم الذهبي لـابن الراوندي الملحد الزنديق، الفيلسوف الخبيث، قال: كان ذكياً ولم يكن زكياً.. كان يتوقد ذكاءً لكن ذهنه مظلم، وقلبه موحش، ولم تسكن لا إله إلا الله ومحمد رسول الله في قلبه، ثم قال الذهبي: فلعن الله الذكاء بلا إيمان، وحيا الله البلادة بالتقوى.

    ماذا يستفيد الإنسان من ذكاء لا يوصله إلى رضوان الله؟ ماذا يستفيد من شهادة لا تبلغه رضوان الله، ولا تدخله الجنة؟.

    فاعمل لدار غداً رضوان خازنها     الجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    فرقابة الله -يا إخوتي!- وتقوى الله هي التي تراد من هذا العلم.

    تحصيل العلم الشرعي وثمرته

    المسألة الثالثة لطلبة العلم: هو التحصيل العلمي للعلم الشرعي، لا أشرف في الحياة بعد الفرائض من طلب العلم الشرعي! والتحصيل وتحقيق المسائل هو الهدف الأكبر والنبيل الذي يشغف له طلبة العلم.

    ولو كان هناك أشرف من طلبة العلم العاملين لاستشهدهم الله سبحانه على ألوهيته شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].

    فيا طلبة العلم: استشهدكم الله على وحدانيته وعلى ألوهيته؛ فقوموا بالشهادة بحقها وهو العمل والتحصيل، والتحصيل معناه: أن تبذل وقتك وجهدك في تحصيل العلم الشرعي، في تقييد الفوائد، وفي حضور مجالس العلم، وفي استصحاب الكتاب الإسلامي، والشريط الإسلامي، وأن يكون وقتك ويومك، وليلك ونهارك، كله تحصيلاً علمياً.

    إن الوقت رخيص عند المسلمين إلا من رحم الله، لكن عند أعداء الله غالٍ وعزيز، كيف يرخص الوقت عندنا؟! أليس عندنا قرآن وسنة، أما عندنا فرائض ونوافل؟! أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] تعالى الله أن يخلقنا للعبث.

    أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] فيا من سار وراء المجلة الخليعة! أفحسبتم أنما خلقنكم عبثاً؟! ويا من سارت حياته وراء الأغنية الماجنة! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟! ويا من قضى ليله ونهاره في الجلسات التي لا تنفع ولا تجدي! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟! ويا من جلس في المقاهي والملاهي التي تصُدُّ عن ذكر الواحد القهار! أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً؟!

    أنت مسلم، أنت طالب علم ومعنى ذلك: أن تحفظ لحظاتك وسكناتك مع الله، يقول ابن تيمية: إنه لا يحق لي أن أضيع وقتاً من حياتي، إذا فترت بدأت في الذكر - أي من العبادة- ويقول: إنها لتعجم علي المسألة الواحدة فأسبح وأذكر الله وأستغفره أكثر من ألف مرة، فيفتحها الله عليَّ.

    سبحان الله! الله هو الفتاح العليم، فمسألة التحصيل وحفظ الوقت من أعظم القضايا التي ينبغي أن تغرسها في ذهنك، نحن أمة ليست عاطلة، لا ينبغي أن نشكو العطالة والبطالة وأين نقضي الوقت؟! نسمع الشاب يقول: تعال نقضي الوقت، تعال نقطع هذا اليوم، تعال نمضي هذه الساعات، سبحان الله! أمسلم وطالب علم يشتكي من طول الوقت؟ لا والله! يقول عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ}.

    الاستغفار والتوبة

    والمسألة الرابعة التي ينبغي أن يلاحظها طالب العلم هي: مسألة الاستغفار والتوبة دائماً وأبداً وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] ثم إن كثرة الاستغفار معناها: أن تشعر دائماً أنك مذنب، وهذا يحتاج إلى كلام طويل وبسط مديد.

    1.   

    مسائل لابد من التنبيه إليها

    لكن أنبه إلى أربع مسائل وجدت في الساحة الإسلامية بين شباب الصحوة، ولا بد أن ينبه عليها باستمرار.

    أهمية الاهتمام بالنوافل بعد الفرائض

    مسألة عدم الاهتمام بالنوافل بعد الفرائض، لقد وجد شباب مسلم متجه إلى الله، يعمل بالسنة حتى في الثوب واللحية والسواك، وهذا أمر يبشر بالخير ويرفع الرأس، فنحمد الله على ذلك، لكنَّ هذه الاستقامة الظاهرية تحتاج إلى نوافل وإلى وقود، وإلى تربية روحية، فيا طلبة العلم! هل سألنا أنفسنا عن قيام الليل؟ هل سألنا أنفسنا عن ركعتين في السحر حين ينزل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إلى السماء الدنيا؛ نزولاً يليق بجلاله، فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيبه؟

    هل قلنا لأنفسنا: هل قمنا في السحر فرفعنا أيدينا وكفينا وقلنا: يا رب: يا فتاح يا عليم! افتح علينا وعلمنا؟ هل شكونا على الله ما نلاقي من صعوبات؟ هل شكونا عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ذنوبنا وخطايانا؟ هل سألناه العفو والمغفرة؟

    قلت لليل هل بجوفك سرٌ     عامرٌ بالحديث والأسرار

    قال: لم ألق في حياتي حديثاً     كحديث الأحباب في الأسمار

    ركعتا الضحى، فهاتان الركعتان كانتا من أحب شيء عند السلف الصالح، ولا تأخذ منا إلا دقائق، وهي صلاة الأوابين، وهي تعادل ثلاثمائة وستين حسنة، وتكفِّر من الذنوب ما الله به عليم، هل توضأنا في الضحى يوم يشتغل أهل الوظائف في وظائفهم، وأهل الدور بدورهم، وأهل الأعمال بأعمالهم، فتوضأنا وصلينا ركعتي الضحى؟

    القرآن كلام الله عز وجل، هذا الكتاب الخالد، بالله هل سألنا أنفسنا كم لنا من ورد في اليوم والليلة؟ سمعنا أن طالب علم يقول: والله لقد مرت بي ستة أشهر ما قرأت في المصحف، سبحان الله! ستة أشهر ما وقعت عيناك على النور وعلى الصراط المستقيم! ستة أشهر ما وقعت عيناك على كلام الله! وعلى الدواء والبلسم الشافي! ستة أشهر وأنت ما أوردت نفسك وأدخلت في قلبك هذا النور الوهاج! ستة أشهر وأنت تعيش الحرمان والوحشة!

    نعم. وجد من يغلِّب المجلات الإسلامية وأنا أقول: المجلات الإسلامية، وما بالكم إذا كانت المجلات الخليعة، مجلة المرأة الخليعة الماجنة، مجلة البعد والفحش والشر والخبث، هذا لا يتكلم معه في مثل هذه الجلسة؛ لأنني أتكلم في المعهد العلمي في مهبط الوحي في مكة لا أتكلم في هذه الناحية أنه بعيد أن يوجد منا من يغلِّب المجلة الخليعة على القرآن! لكن وجد من يأتي بالمجلة الإسلامية، فتأخذ من وقته الساعات، ثم ينام وما قرأ شيئاً من كتاب الله، سبحان الله! روحك القرآن وهو نورك وطريقك.

    سمعتك يا قرآن والليل سابح     سريت تهز الكون سبحان من أسرى!

    فتحنا بك الدنيا فأشرق نورها     وسرنا على الأفلاك نملؤها أجرا

    فيا سبحان الله! ما هو واقعنا إذا تركنا القرآن؟ وما هي بيوتنا؟ والله تصبح بيوتنا أرخص من الرخص، تصبح بيوتاً ماجنة وحقيرة وهزيلة وصغيرة، وتصبح قلوبنا كتلة من اللحم. فالقلب إذا لم تدخل فيه القرآن أصبح كالبيت الخرب.

    في الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً: {إن الذي ليس في قلبه شيء من القرآن كالبيت الخرب} يقول عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم: {اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرءوا البقرة وآل عمران، اقرءوا الزهراوين؛ فإنهما يأتيان، أو تأتيان كغمامتين، أو غيايتين، أو فرقان من طير صواف}.

    فالله الله في الإقبال على العلم الشرعي، فهذا من التحصيل العلمي الشرعي وحفظ الأوقات، ووجد كذلك في الساحة الإسلامية تغليب النوافل وكثرة الذكر والأوراد الصباحية التي صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام قولها بعد الفجر وبعد المغرب وعند دخول المسجد وعند الخروج.

    أطالب علم وفي المعهد العلمي وليس له أوراد من الذكر؟! نام طالب عند الإمام أحمد، وكان هذا الطالب مسافراً، فوضع له الإمام أحمد ماءً عند الباب؛ ليستيقظ ويصلي في الليل، فقام الإمام أحمد ورأى الماء ولم يصل هذا الطالب، قال الإمام أحمد: سبحان الله! ما صليت البارحة؟! قال: أنا مسافر، قال: سبحان الله! طالب علم ليس لك ورد بالليل!

    مسروق بن الأجدع العالم العراقي، من يوم خرج من العراق إلى أن حج ورجع من مكة ما نام مضطجعاً، إنما إذا أراد أن ينام صلَّى ثم نام ساجداً.

    لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم     ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضر يحل بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمن وفي دعةٍ     فما سقطنا لأن الحافظ الله

    خطر النفرة والتباغض بين شباب الإسلام

    ومما وجد في الساحة الإسلامية بين الشباب النفرة والتباغض إلا عند من رحم الله، من حسد وضغينة وحمل ونميمة في المجالس واستهتار البعض بالبعض والسخرية والاستهزاء، وهذا يخالف كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103] وفي الحديث الذي يروى عنه صلى الله عليه وسلم: أنه نظر إلى الكعبة، فقال: {ما أجلك! وما أعظمك! وما أشد حرمتك! والذي نفسي بيده للمؤمن عند الله أشد حرمةً منك} وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يحقره، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم}.

    فيا إخوتي في الله: نزع الضغينة واجب شرعي، أن نتآخى ونتآلف وأن يصل بعضنا بعضاً وأن نتزاور في الله وأن نتحاب في الله، وأعظم مهمة بيننا معشر الطلاب! أن إذا رأينا المخطئ أخطأ أن نقول له أخطأت، هل ذهب أحد منا إلى أخيه، فأخذه بينه وبينه وسدده ودعاه ونصحه لينقذه من النار؟.

    تعمدني بنصحك في انفراد     وجنبني النصيحة في الجماعة

    فإن النصح بين الناس نوعٌ     من التوبيخ لا أرضى استماعه

    فإن خالفتني وعصيت أمري     فلا تجزع إذا لم تعط طاعة

    1.   

    نصائح للشباب

    إخوتي في الله! ومع هذه الأمور أنصح نفسي وإياكم بالتخلي عن المعاصي التي وجدت في الساحة؛ الشريط الغنائي الماجن، فالأغنية الماجنة أفسدت الجيل وحببت الفواحش إلى الشباب، ودلتهم إلى طريق المرأة الماجنة وإلى الزنا والعياذ بالله.

    الغناء بريد الزنا، ويوم يسمع الشاب الأغنية الماجنة معنى ذلك: أن حب كتاب الله سيخرج من قلبه، ويوم يسمع الأغنية معناه: يتخلَّى عن مبادئه الأصيلة، ويوم يسمع الأغنية معناه: أن نفسه ترغب في الفواحش، إلا من رحم الله.

    والأغنية الماجنة ليس لها مكان في مجتمعنا، والأغنية الماجنة حرام أن تدخل بيوتنا، الأغنية الماجنة هدَّمت من الجيل ومن الشباب ما لم تهدمه قنابل الاستعمار وصواريخه وطائراته في سنوات كثيرة.

    فما هو الحل؟ الحل الشريط الإسلامي أن يدخل البيت وأن يسمع ويشجع وينشر بين الناس، وقد علمت أن هذا المعهد المشيد اهتم بهذه الناحية، فلله الحمد وله الشكر والثناء الحسن، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن القائمين عليه دعاة قبل أن يكونوا مديرين، وقبل أن يكونوا كذلك مسئولين كانوا علماء يقودون النشء والجيل، هذا أمر ينبه عليه.

    وكذلك مما ينبه عليه: المجلة الخليعة التي أخذت مكان صحيح البخاري وصحيح مسلم، وبيت علم ليس فيه صحيح البخاري وصحيح مسلم، أو يتدارس هذا الميراث، ليس بيتاً على المستوى الذي يراد به في الإسلام.

    إن الأصالة في علومنا هي قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، إن العمق في رسالتنا أن تأتي الآية والحديث في الجلسة وفي الدرس.

    العلم ما قيل فيه قال حدثنا     وما سوى ذاك وسواس الشياطين

    فأدخل بيتك قال الله، وأدخل بيتك قال رسول الله، وأدخل قلبك قال الله، وأدخل قلبك قال رسول الله حينها تسعد وتفلح تنجو من غضب الله.

    أسأل الله لي ولكم توفيقاً وهدايةً ورشداً، أشكر الله تبارك وتعالى على أن أراني الوجوه وجوه سكان الحرم، أهل مهبط الوحي الذين أجدادهم حملوا الرسالة العالمية إلى الإنسان إلى أن بلغوها سمرقند وطاشقند ونهر اللوار وأسبانيا الأندلس المفقود، سلام عليكم مرة ثانية، وشكراً لمديركم ولأساتذتكم، وشكراً لكم، وأسأل الله أن يجمعني بكم مرة أخرى، وإن عز اللقاء ففي مواقف الحشر نلقاكم وفي جنة عرضها السماوات والأرض إن شاء الله نسعد بكم، يوم يتقبل الله عنا أحسن ما عملنا، ويتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم     في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً     قد شِبْتُ في الرق فاعتقني من النار

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    مقولة: (هذه سنن يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها) والرد عليها

    السؤال: بماذا أرد على من أقول له: اتق الله وتمسك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ويرد بقوله: إن هذه سنن يثاب فاعلها ولا يُؤثَم تاركها، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، هذا يتبع الرسول في أمور ولكنه لا يتبعه في أمور أخرى، فيأخذ شيئاً ويترك شيئاً وهذا من الخطأ البين.

    يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه     فالخلف يحرم في دنيا المحبينا

    أراك تأخذ شيئاً من شريعته     وتترك البعض تدويناً وتهوينا

    خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به     أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا

    إن على المسلم الذي رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً أن يتبع هذا الرسول عليه الصلاة والسلام، فوالله الذي لا إله إلا هو لا نجاة لك، ولا فلاح، ولا سعادة، ولا تفوق، ولا اتجاه، ولا استقامة إلا أن تتبع هذا الرسول عليه الصلاة والسلام لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] نسب إلى ابن تيمية أنه قال: من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أرسل الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    يا إخوتي في الله! إن علامة من يترخص في السنن أنه سوف يقع في الترخص في الفرائض، وفي الإسلام خطوط ودفاعات ثلاث: الدفاع الأول: الفرائض، والدفاع الثاني: السنن، والدفاع الثالث: الآداب، فمن ترك الآداب عاقبه الله بترك السنن، ومن ترك السنن عاقبه الله بترك الفرائض، ومن ترك الفرائض ابتلاه الله بالكفر، فإذا رأيت إنساناً يخل بالسنن فاعلم أنه سوف يخل بالفرائض، وهذا معناه الترخص وهو شعبة من الفسق -نسأل الله العافية- أما أنت -يا أخي الداعية!- فعليك أن ترفق وأن تلين في دعوتك، وأن تسأل الله الهداية للمدعو، وأن تخبره أن من أتى بالصلاة هو الذي أتى -مثلاً- بتربية اللحية، وأن من أتى بالزكاة هو الذي أتى بتطهير الثوب، فليأخذ الإسلام جملة.

    الفتور وسلبياته

    السؤال: فضيلة الشيخ/ عائض! والله إني أحبك في الله الواحد الأحد وبعد: فإني الآن صرت في فترة أعاني فيها من الفتور في كل شيء؛ في الدعوة والعبادة والزيادة في طلب العلم، وصرت أقترف من الذنوب ما الله به عليم، فما هي النصيحة التي توجهها إليَّ؟

    الجواب: أحبك الله الذي أحببتنا فيه، أولاً: كلنا ذاك الرجل الذي تشكو منه أنت، وحلنا جميعاً أن نتوب ونستغفر الله عز وجل، ومما أوصيك به ونفسي ثلاثة أمور:

    أولها: هذا القرآن أن تشفي به مرضك، وأن تجعله خدنك وأنيسك دائماً وأبداً، وأن يكون المصحف في جيبك، تقرأ منه صباح مساء، آناء الليل وأطراف النهار.

    ثانيها: أن تبتهل إلى الله فإنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الفتاح العليم، وأن إذا سجدت تنادي بصوت خافت أن يفتح عليك، وأن تقول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، ويا مصرف القلوب! صرف قلبي على طاعتك، وأن تدعوه بحرارة وبصدق، وبخشوع وبخضوع فسوف يفتح الله عليك، وتدعو في أدبار الصلوات وفي السحر وفي كل وقت، فسوف ترى الفتح من الله.

    ثالثها: أوصيك بقراءة الحديث النبوي، وقراءة سير الصالحين من الصحابة والتابعين والأئمة كالإمام أحمد، وسفيان الثوري، وابن تيمية، وغير هؤلاء فإنهم سوف يشحذون - إن شاء الله - دينك ويوقدون جذوة الإيمان في قلبك، ويقودونك إلى صراط مستقيم.

    ومن الأمور التي أوصيك بها: ألا ترافق الأشرار وأن تتخذ لك من الأخيار صحبة ترافقهم، فإن رفقة الشرير كالأجرب، فإن الجرباء تعدي الصحيحة، لكن ما سمعنا أن الصحيحة تعدي، أو تجعل الجرباء صحيحة.

    أحب الصالحين ولست منهم     لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي      ولو كنا سوياً في البضاعة

    ثم قلل من كثرة المباحات التي تصرفك عن الطاعات، فكثرة المزاح وكثرة الخلطة وكثرة الكلام بغير ذكر الله تشغل القلب، وما دام أنك اعترفت بالذنب فأنت على صراط مستقيم.

    في الترمذي قوله صلى الله عليه وسلم: {يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، غفرت لك ذلك ولا أبالي، يابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة} غفر الله لي ولك ولكل مسلم.

    معنى قول الله تعالى: وما قدروا الله حق قدره

    السؤال: ما معنى قول الله تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]؟

    الجواب: معنى هذه الآية: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]: أي ما أقاموا لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وقاراً وتقديراً كما ينبغي لجلاله ولعظيم سلطانه ولعظيم قدره، ونوح عليه السلام لام قومه على ذلك، قال: مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً [نوح:13] يعني: ما لكم لا توقرون الله، والتقدير والوقار معناهما: أن يكون لله عز وجل في قلبك من الهيبة والجلال والقداسة ما يستحقه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فإنه أعظم عظيم، وأجل جليل، فحق الله عليك أن تقدره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى حق قدره، وأن توقره حق توقيره وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ [الحج:30] وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32] وهذا التقدير معناه: أن تقدر كل ما يتصل به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فتقدر وتحترم رسوله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأسماء الله وكتابه وبيته، والمسجد وأولياء الله، وكل من له نسبة بالله عز وجل تقدره وتوقره؛ ليحبك الله وليجلك، ومن عظم الله عظمه الله، ومن استهان بشيء من حدود الله، أو بأسمائه، أو بصفاته؛ أهانه الله وأذله وقمعه وخسأه، نسأل الله العافية والسلامة.

    التوبة النصوح والنجاة من الرياء

    السؤال: فضيلة الشيخ: كيف يتوب الشاب إلى الله التوبة النصوح، وكيف النجاة من الرياء؟

    الجواب: أما التوبة النصوح فقد مر حديث عنها في الكلمة، لكن عليك إن تبت أن تكثر من الدعاء والنوافل وقراءة القرآن، وأن تشغل فراغك بالطاعات، فلا تأتي المعصية إلا في الفراغ.

    والأمر الثاني: بالتخلية، ألا تنظر بعينيك إلى حرام، ولا تسمع أذنيك حراماً، ولا ترافق رفقة يقودونك إلى الحرام.

    والأمر الثالث: عليك أن إذا استقمت وتوجهت أن تدعو الله كثيراً بالثبات، نسأل الله أن يثبتنا وإياكم.

    أما الرياء فلك فيه حلان:

    الأول: أن تعتقد أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، لا يحيي ولا يميت إلا الله، ولا يرزق ولا يعدم إلا الله، ولا يحبب ولا يبغض إلا الله، ولا يقرب ولا يبعد إلا الله، فهو بيده النفع والضر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فتتجه بعبوديتك إليه، وتطلب الأجر منه فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً [الكهف:110] وصح عنه صلى الله عليه وسلم: {أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة: عالم، وجواد، وشجاع، يؤتى بالعالم، فيقول: لم تعلمت العلم؟ أما علمتك العلم؟ قال: نعم يا رب! قال: فما عملت فيه؟ قال: تعلمته لوجهك وعلمت الجاهل وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: إنما تعلمت ليقال عالم، وقد قيل خذوه إلى النار، فيجرجر على وجهه حتى يوضع في النار} فنعوذ بالله من ذلك، فهذا مبدأ لا بد أن يفهم.

    الثاني: عليك بدعاء الكفارة الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم لما شكا له الصحابة الشرك والخوف من الرياء، قال: {ليقل أحدكم: اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم}.

    نسيان القرآن.. وعقوبة ذلك

    السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: ما مصير من حفظ أجزاء من القرآن ونسي منه بعض السور، أفيدونا أفادكم الله؟

    الجواب: حفظ القرآن من أشرف الأعمال بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] وفي أثر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي: [[من حفظ القرآن فقد استدرج النبوة غير أنه لا يوحى إليه]] وعنه صلى الله عليه وسلم في حديث يقبل التحسين: {عرضت علي ذنوب العباد، فلم أجد أعظم ذنباً من رجل أوتي سورة من القرآن فنسيها، لا يقل أحدكم نسيت القرآن، ولكن يقول: نُسِّيت، فإن الشيطان هو الذي أنساه} وفي حديث في سنده نظر {من حفظ القرآن ثم نسيه، لقي الله وهو أجذم} قال أبو عبيد القاسم بن سلام: معناه: أقطع لا حجة له.

    إخوتي في الله النسيان له أسباب إما أن يكون جبلي، وإما أن يكون كسبي، وأكثر ما نشكو حالنا إلى الله في الكسبي، وأكبر أسباب نسيان القرآن الذنوب والخطايا والمعاصي، ومنها: ترك مراجعة القرآن، وعليك بأربع وسائل في حفظ القرآن:

    أولها: أن تتقي الله وتكثر من التوبة والاستغفار.

    ثانيها: أن تقلل من المحفوظ الذي تحفظه.

    ثالثها: أن تراجع هذا القرآن.

    رابعها: أن تعمل به، وتصلي به في نوافلك وفي فرائضك، وتطبق ما سمعت من القرآن فإنه لم ينزل إلا للعمل، ولم ينزل لقضية السمر، أو للمتعة، حاشا وكلا.

    تطبيق أمور الشريعة مع ضيق الوقت

    السؤال: فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: إن طلبة العلم في هذا اليوم فيهم رغبة للعمل الصالح ولله الحمد، لكن لا يستطيعون أن يطبقوا كثيراً من الأمور التي يتعلمونها من أمور الشريعة لأسباب منها ضيق الوقت، وأنه لو عمل جميع ما علمه لما بقي وقت للطلب، فما هو العمل؟

    الجواب: أولاً: مسألة الفرائض لا يعذر العبد على تركها أبداً، بل لا بد من القيام بالفرائض، ومن تركها فحكمه معروف لديكم ومفهوم.

    يقول عمر فيما صح عنه: [[إذا أقبلت قلوبكم، فأكثروا من النوافل، وإذا أدبرت فألزموها الفرائض]]. والسنن الظاهرة لا يعذر طالب العلم ولا المسلم في التمسك بها، لأنها لا تحتاج إلى وقت، والسنن الظاهرة التي كان يقوم بها صلى الله عليه وسلم، أما مسألة النوافل فهي على الطاقة والجهد والوقت، لكن لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه} فأنا أدعوكم إلى الاقتصاد في العمل الصالح والمداومة عليه، فأنت لا تكلف نفسك فوق طاقتها طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] لكن عليك بالقليل، وداوم وسوف تلقى الفتح والنجاح، والسعادة والنجاة في الدنيا والآخرة، قال أبو هريرة: {أوصاني صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهم حتى أموت: أن أوتر قبل أن أنام، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى}.

    فعليك بالقصد والمداومة وسوف تلقى خيراً منه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    صفة المكر في القرآن

    السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم: ما معنى قول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [آل عمران:54] مع علمنا بأن صفة المكر ليست من الصفات الحميدة، وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: ورد في القرآن وفي السنة آيات وأحاديث فيها بعض الصفات التي أتت على المقابلة، كقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء:142] قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] وقوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيرُ المَاكِرِين [آل عمران:54] وقوله صلى الله عليه وسلم: {لا يمل الله حتى تملوا} وهذه فيها أقوال لأهل العلم منها: أن هذا على المقابلة، وليس معناها المكر الذي يعرف عند الناس، لأنه صفة مكر، ولا تنسب إليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى صفة المكر، بل له سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أعلى كل صفة وأحسنها، صفات الأولى من صفات الكمال والجلال والعظمة، قالوا: على المقابلة يعني لا يمل: لا يقطع ثوابه.

    وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران:54] قالوا: ليس إلا للمقابلة، وليس مرادفه، لكن يحمل على المجاز، أما هذه الآية وغيرها فإني أكل علمها إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فهو الأعلم به سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، لكن الذي أعتقده ويعتقده أهل السنة والجماعة أن الله عز وجل تنسب له صفات الكمال والجمال، لا نكيف ولا نمثل، ولا نعطل ولا نشبه، أما صفات النقص فننفيها عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وأما مالا نعلمه فنكل علمه إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ونؤمن به، فنعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه.

    الطريقة المثلى للإخلاص

    السؤال: ما هي الطريقة المثلى للإخلاص؟

    الجواب: مر في مبحث الرياء: أن عليك أن تعرف أن الله هو النافع الضار، الخلاق العليم، الرازق المعدم، المحيي المميت، فتطلب الثواب من عنده، وفي صحيح مسلم: {أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إذا جمع الخلائق، قال: أين الذين أشركوا معي في عملهم لي؟ -أو كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى- اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فخذوا أجوركم منهم}.

    ومر بالدعاء {اللهم إني أعوذ بك من أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم} لكن عليك أن تعتقد هذا اعتقاداً جازماً، وأن تطالب نفسك بالإخلاص مع قراءة سيرة المخلصين كالأئمة والصحابة والتابعين وغيرهم.

    حكم الغناء الماجن

    السؤال: ما رأي فضيلتكم في الغناء الغير ماجن؟

    الجواب: الغير ماجن! ما هو الغناء الغير ماجن؟! ما أسكر كثيره فقليله حرام، كل هذا إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، بل هذا بلغ أكثر من قلتين وهو خبث من أصله فهو خبيث من أصله، أما أن يقسم الغناء، ما بقي علينا إلا أن يؤتى غناء إسلامي وغناء غير إسلامي، ثم يتطور الحال نعوذ بالله من ذلك، فيأتي خمر إسلامي، وخمر غير إسلامي.

    ليس في الغناء إلا غناء معروف، والغناء هو: ما أطرب وما هيج وما شجن، فالغناء كله حرام، ولا أعرف أن فيه حلالاً، لكن بعض الناس ترخص فيه، حتى بعض من تنسب إليه الفتيا ترخص في هذا الأمر وهو محجوج بالسنة، وكل يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب ذاك القبر عليه الصلاة والسلام فهو المعصوم، وبضاعة لم تخرج من كيسه فيها شيء من غشش، ودراهم لم تخرج من مكانه، أو من داره عليه الصلاة والسلام فيها بهرج، فأنت عليك ألا تأخذ الكلام إلا من المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، ففي صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري قال: يقول عليه الصلاة والسلام: {ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف} واستحلالها معناه: كان محرماً فحللوه، والغناء محرم.

    قال ابن القيم:

    قال ابن عباس: ويرسل ربنا      ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـ      إنسان كالنغمات بالأوزان

    يا خبية الآذان لا تتعوضي      بلذاذة الأوتار والعيدان

    إلى آخر ما قال...

    فمن سمع الغناء في الدنيا، حرمه الله الغناء في الجنة، وقد ثبت في مسند أحمد رحمه الله مرفوعاً: {إن في الجنة جواري يغنين يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، نحن الناعمات لا نبأس، طوبى لمن كنا له وكان لنا}.

    ومضار الغناء..

    أولاً: أنه ينزع محبة الله عز وجل ومحبة رسولنا من القلب، ويأخذ وقت الذكر والقرآن، ويؤخر عن وقت الصلاة، ويحبب الفواحش، ويأتي بالوحشة، ويهيج الخيال عن الواقعية، حتى إن أهل الغناء دائماً يعيشون في خيال، تجد الناس مهمومين بمصيبة وهو يضحك ويطرب، تجد الناس مسرورين بمناسبة وهو في هم وغم؛ لأن عقله أصبح مثل عقل الفلاسفة، كما يقول الذهبي في عقل واحد من غلاة الصوفية ترك الطعام ثلاثة أيام -مثل أهل الغناء- قال: فرأيت صوراً جميلةً أمامي ما أدري أظنها صورة ملائكة، قال الذهبي: والله ما رأيت ملائكة، ولكن عقلك طاش وخاش وفاش.

    فهؤلاء الذين يعيشون على الوتر والغناء والشريط الماجن والأغنية عقولهم خاشت وفاشت وطاشت، لا علم، لا أصالة، لا عمق، لا توجه، لا إدراك، لا فهم فقط المعشوقة والعشيقة وليلة كذا وليلة حمراء، وعلى جفون القمر، ومع النجم اللامع، ويوم تغرب الشمس، هذا الكلام المنفوش الذي لا يعتمد على أصالة، فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرض [الرعد:17].

    الاستهزاء والسخرية بالشباب الملتزم

    السؤال: فضيلة الشيخ: هناك أمر خطير يقع به بعض الشباب هداهم الله، وهو الاستهزاء بإخوانهم المتبعين لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم والملتزمين لمنهجه الصحيح فما هي نصيحتك لهؤلاء الشباب؟

    الجواب: أنا أحيلهم على كتاب الله عز وجل، فإن الذي يستهزئ بالشباب الملتزم والمستقيم معناه يستهزئ بالإسلام، أتدري أيها المستهزئ بماذا تستهزئ؟ أنت تستهزئ بلا إله إلا الله محمد رسول الله، أنت تستهزئ بالقرآن، أنت تستهزئ بالرسالة الخالدة التي انبعثت من مكة، يعني كأنك تأتي بمعولك لتهدم صرح الإسلام، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] كل شيء يُضحك منه إلا الإسلام حاشا وكلا، اقترب من كل شيء، أو داعب في كل شيء إلا في الدين، وفي هذه الرسالة، وفي هذا الصرح المنيع، وفي هذا الكتاب الخالد، وفي هذه السنة النبوية، وفي العلماء والدعاة والمتقين، حذار حذار! فهو العار والنار واللعنة قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] أناس في معركة تبوك أخذوا يضحكون ويمزحون ويستهزئون بالقراء، فأنزل الله على رسوله هذه الآية.

    يا أيها الإخوة الأبرار! كلنا مجتمع واحد، نحن في الإسلام جمعية كبرى عضوها كل فاضل يتقي الله عز وجل، ليس ما عندنا مطاوعة وعصاة، ليس عندنا رجال دين ورجال دنيا، نحن كلنا ينبغي أن نطيع الله عز وجل، أما مسألة متطرفون، فهذه أنتجتها الصهيونية العالمية، رابين وشامير وموشي ديان، ووزعتها هيئة الإذاعة البريطانية العميلة للصهيونية، وقال: هؤلاء المتطرفون المتزمتون.

    عجيب! متى كان شامير مفتياً يحلل ويحرم وتقبل فتواه، وأخذها السذج عندنا فكتبوها ونشروها، ووزعوها وبرمجوها، وقالوا: هؤلاء مطاوعة، وهؤلاء متزمتون، أئذا تمسك الإنسان واستنار صار متزمتاً؟! أئذا اهتدى صار متطرفاً؟! أئذا اتبع محمداً صلى الله عليه وسلم تطرف؟! أإذا أشرق قلبه وأشرقت روحه واهتدى وعرف الله تطرف؟! أما قبل كان متوسطاً، لا والله! بل المتطرف كل التطرف والهاوي على جرف هارٍ فانهار به في نار جهنم هم الذي لا يعرفون الله، ولا يعرفون القرآن، ولا يعرفون المسجد، وسوف يرون غداً.

    سوف ترى إذا انجلى الغبار     أفرس تحتك أم حمار

    حكم ضرب الطلاب في المدارس

    السؤال: فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا طالب علم ومدرس للقرآن الكريم، هل يجوز لي أن أضرب الطلبة الصغار للتعليم والأدب حيث قال لي بعض الإخوة: لا يجوز ضربهم. وإذا قلت يجوز فما دليلكم؟

    الجواب: أما مسألة أنك أستاذ قرآن فهذا شرف لك في الحياة الدنيا وفي الآخرة، حياك الله وحيا الله مهمتك، وأنت الآن في المقدمة وفي الدرجة الأولى في المسيرة إلى الله عز وجل {خيركم من تعلم القرآن وعلمه} وأما مسألة ضرب بعض الطلبة فلك ذلك، وهذا من باب التعزير، وهو باب مستقل بعد أبواب الحدود عند المحدثين والمفسرين والفقهاء، لكن لا بد في هذا التعزير من حكمة.

    ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضرٌ     كوضع السيف في موضع الندى

    والتعزير يكون في حالة أن تكون المصلحة المترتبة عليه أكبر من المفسدة الجالب لها، وأنت لك أن تعزر هذا الطالب بشيء من الأدب، ولكن باختلاف الطلبة عندك، ولا تجعلهم في مقياس واحد، طالب مهذب مؤدب يخاف الله ويريد الله وما عند الله، وهو صادق في تعلمه، لكن أخطأ مرة، عثر جواده ونبأ سيفه، فلا تضربه ضرباً مبرحاً كضرب الحمير، هذا ليس من الأدب، وفي حديث حسن يقول عليه الصلاة والسلام: {أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم}.

    قال ابن القيم: ليس في الحدود. وذوي الهيئات هم: أهل القيم والأصالة والإبداع، والخير والهدي المستقيم، هذا إذا أخطأ مرة فقل: عفا الله عنك أأنت تفعل هذا؟!

    تأخر عثمان رضي الله عنه وأرضاه يوم الجمعة، فقال له عمر: عثمان وتأتي في هذا الوقت! يقول: ليس غير عثمان! أنت عثمان على جلالتك وقوتك ومكانتك وتأتي في هذا الوقت، قال ابن القيم في مدارج السالكين: موسى عليه السلام أتى بالألواح فألقاها وفيها كلام الله- وهذا خطأ- وأتى إلى أخيه فجره بلحيته وهو نبي- وهذا خطأ- فالله غفر له ذلك، على حد قول الشاعر:

    وإذا الحبيب أتى بذنب واحد      جاءت محاسنه بألف شفيع

    أما طالب متهتك متهوك، مستهتر مستهزئ، فلك أن تؤدبه بشيء من التعزيز، لكن قد جعل الله لكل شيء قدراً.

    القاضي يختار في تأديب الطلاب ألا تزيد عن أربعة أسواط، فلا يضربه أربعين سوطاً كأننا في حدود زنا أو خمر، بل يضرب سوطاً أو سوطين إلى ثلاثة أو إلى أربعة، فإذا وصلت إلى أربعة فأمسك، لكن بعضهم إذا ضرب سوطاً عن عشرة فله أجر عشرة أسواط يعني يضرب بنية صادقة وبإخلاص وبشجاعة وبإقدام كأنه يجاهد مع المجاهدين الأفغان، لكن عليك أربعة أسواط، لكن أسواط ليست على كيفك!

    قصيدة للشيخ/ عائض

    السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم، فضيلة الشيخ: هل تذكر لنا من قصائدك ما تروح به عن أنفسنا قليلاً وجزاكم الله خيراً؟

    الجواب: من القصائد قصيدة المجاهدين الأفغان -على ذكر المجاهدين الأفغان- وقصيدة لسماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، لأنه في صرح علمي، وإلا فهناك قصائد أخرى، لكن لما وجدنا في الصرح العلمي هذا حبذا أن نذكر قصيدة الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز فهو علم ولا تحتاج الأعلام إلى تعريف، ونحن نتقرب إلى الله بحبه، وقد مدحه كثير من الشعراء والأدباء، وبعض طلبة العلم قال لي: سوف يصنف كتاباً اسمه الممتاز في مدائح الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، وممن مدحه تقي الدين الهلالي عالم المغرب والمحدث الكبير حيث يقول:

    خليلي عوجا بي لنغتنم الأجرا     على آل باز إنهم بالثنا أحرى

    وزهدك في الدنيا لو أن ابن أدهم      رآه رأى فيه المشقة والعسرا

    ومن مدح المجذوب يقول:

    روى عنك أهل الفضل كل فضيلة     فقلنا حديث الحب ضرب من الوهم

    فلما تلاقينا وجدناك فوق ما      سمعنا به في العلم والأدب الجم

    فلم أر بازاً قط من قبل شيخنا      يصيد فلا يؤذي المصيد ولا يدمي

    ولي قصيدة فيه جزاه الله خيراً اسمها" البازية" قلت:

    قاسمتك الحب من ينبوعه الصافي     فقمت أنشد أشواقي وألطافي

    لا أبتغي الأجر إلا من كريم عطا     فهو الغفور لزلاتي وإسرافي

    عفواً لك الله قد أحببت طلعتكم     لأنها ذكرتني سير أسلافي

    يا دمع حسبك بخلاً لا تجود لمن     أجرى الدموع كمثل الوابل السافي

    يا شيخ يكفيك أن الناس قد شغلوا     بالمغريات وأنت الثابت الوافي

    أغراهم المال والدنيا تجاذبهم     ما بين منتعلٍ منهم ومن حافي

    مجالس اللغو ذكراهم وروضتهم     أكل اللحوم كأكل الأغطف العافي

    وأنت جالست أهل العلم فانتظمت     لك المعالي ولم تولع بإرجافي

    بين الصحيحين تغدو في خمائلها     كما غدا الطلُّ في إشراقها الضافي

    تشفي بفتياك جهلاً مطبقاً وترى     من دقة الفهم دراً غير أصدافِ

    وبالمناسبة هناك أرجوزة أريد ذكرها، لأن الشباب موجودون ونضع في كل مقام ما يناسبه، وأرواح الشباب لطيفة خفيفة ظريفة وهي تحتاج إلى بحر الرجز، وبحر الرجز خفيف ظريف لطيف، هذه الأرجوزة كانت في سفري إلى أمريكا اسمها أمريكا التي رأيت، سمعها الكثير منكم، لكن نعيدها ففيها معانٍ إسلامية - إن شاء الله - يستفاد منها:

    يقول عائض هو القرني أحمد ربي وهو لي ولي

    مصلياً على رسول الله     مذكراً بالله كل لاهي

    قد جئت من أبها صباحاً باكرا     مشاركاً لحفلكم وشاكرا

    وحملتنا في السما طيارة     تطفح تارة وتهوي تارة

    قائدها أظنه أمريكي      تراه في هيئته كالديك

    يا سائل الأخبار عن أمريكا اسمع رعاك الله من يفتيكا

    وهذه أخبار هذي النشرة     مسافة السير ثلاث عشرة

    من الرياض عفشنا ربطنا     وفي نيويورك ضحىً هبطنا

    أنزلنا في سرعة وحطنا     وقد قصدنا بعدها واشنطنا

    ثم ركبنا بعدها سيارة     مستقبلين جهة السفارة

    منـزلنا في القصر أعني ريديسون     يا كم لقينا من قبيح وحسن

    في بلد أفكاره منكوسة     تثقله بصائر مطموسة

    يقدسون الكلب والخنزيرا     ويبصرون غيرهم حقيرا

    ما عرفوا الله بطرف ساعة     وما أعدوا لقيام الساعة

    فهم قطيع كشويهات الغنم     جد وهزل وضياع ونغم

    فواحش قد أظلمت منها السما     والأرض منها أوشكت أن تقصما

    من قتل العمال في بولندا ومن أتى بالرق في يوغندا

    من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان بالأتراك

    من الذي ناصر إسرائيلا     حتى تصب عنفها الوبيلا

    استيقظوا بالجد يوم نمنا     وبلغوا الفضاء يوم قمنا

    منهم أخذنا العود والسيجارة      وما عرفنا نصنع السيارة

    أما القبائح فأخذت إلى الشرق، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه ما صنعنا طائرة ولا سيارة ولا دفاية ولا ثلاجة.

    أحد العلماء في مجلس يشرح الروض المربع في الفقه الحنبلي، بعض الشباب المتطور -المتدهور وليس المتطور- قال: يا شيخ! الناس صعدوا على سطح القمر وأنت تشرح الروض المربع، قال: نعم، لكنك الحمد لله لا درست الروض المربع ولا صعدت على سطح القمر، لأنه ما جلس معنا على الأرض ولا صعد معهم إلى القمر مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143].

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه صحبه أجمعين.