إسلام ويب

رسالة من تهامةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الزكاة فريضة فرضها الله على المسلمين تخرج من أغنيائهم وترد على فقرائهم، والزكاة تطهر وتزكي النفس والمال، وعاقبة مانع الزكاة في الدنيا وخيمة، وفي هذه المادة دعوةٌ إلى الإنفاق والبذل والتصدق على المسلمين كما أمرنا الله.

    1.   

    أحسن كما أحسن الله إليك

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أشهد أن الله حق، وأن الجنة حق، والنار حق، والنبيين حق، وأن محمداً رسول الله حق، أشهد أن الدين خالد، وأن الرسول خاتم، وأن الكفر خاسر.

    أيها الناس: يقول الله تبارك وتعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:75-80].

    هذا هجوم أدبي على الإقطاعيين في العالم.

    هذا غضب ونقمة على الذين كدسوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وادخروا الأموال في البنوك، وتركوا فقراء الأمة ينامون على الأرصفة.

    هذا غضب من الله للذين لعبوا في أمواله سُبحَانَهُ وَتَعَالى فما أدوا زكاة الأموال، وما اجتنبوا الربا وما تصدقوا.

    هذا وعيد صارم من الله ألا يقبل لهم توبة إذا أتوا بهذه الحالة وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75] كان بعض الناس فقيراً فأغناه الله الواحد الأحد، كان لا يملك درهما ولا ديناراً، فلما أصبح يملك الملايين لوى عنقه لرب العزة سُبحَانَهُ وَتَعَالى، بطر بالأموال وصد بالأموال عن سبيل الله، ورابى بالأموال، وصارت أمواله مصدر حرب على الإسلام والمسلمين وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ [التوبة:75] عهد من الله، فآتاهم الله، وأراد سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن يرى هل يصدقوا أم يكذبون.

    وأنا أذكر قصة صحيحة عند البخاري يوم أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ليجبي الصدقات من الناس، فذهب عمر جابياً للصدقات، فمر على العباس عم الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هات زكاتك قال: لا، ومر على خالد بن الوليد - أبي سليمان سيف الله المسلول- قال: هات زكاتك قال: لا. ومر على ابن جميل وقال: هات زكاتك قال: لا، وليس لـعمر إلا أن ينقل الإجابة كما سمعها للرسول عليه الصلاة والسلام، ووصل عمر وأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أعطاني الناس جميعاً إلا ثلاثة: عمك -هكذا صراحة ووضوح وصدق الإسلام، ليس في دين الله خشخشة ولا مجاملة ولا نفاق- عمك رفض أن يدفع الصدقة وما قال عمر في نفسه: ما دام أنه عم الرسول فنتجاوز عنه، لا. أول من رفض الصدقة عمك وخالد بن الوليد وابن جميل، فتبسم عليه الصلاة والسلام.

    وأتى يخبر بجواب مفصل عن أعذار الثلاثة، قال: (أما عمي فإنها علي ومثلها) يعني زكاة سنتين؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام استعجل، وتعجل منه صدقة عامين، قرضاً وديناً في شئون الإسلام، عليه الصلاة والسلام، ثم قال لـعمر: (أما تدري يا عمر أن عم الرجل صنو أبيه) كالمازح يقول هو عمي ومع ذلك تعجلت صدقته هذه السنة والسنة المقبلة.

    قال عليه الصلاة والسلام: (وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً) خالد مظلوم فـخالد دفع دمه وعرقه ودموعه وسيوفه ورماحه في سبيل الله، خالد أخذ أمواله جميعاً فشرى بها مائة فرس فحبسها في سبيل الله، وشرى مائة سيف فجعلها في سبيل الله، وشرى مائة درع فجعلها في سبيل الله.

    يقولون معن لا زكاة لماله     وكيف يزكي المال من هو باذلة

    هو البحر من أي النواحي أتيته     فدرته المعروف والجود ساحله

    فاعتذر لـخالد وللعباس.

    (وأما ابن جميل -وهذا هو الحية الرقطاء- وأما ابن جميل يقول عليه الصلاة والسلام: فما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيراً فأغناه الله) يقول: أيحق لـابن جميل أن يفعل بنا هذا، بعد أن كان فقيراً مملقاً أغناه الله؟!

    يتنكر للإسلام وللزكاة وللصدقة، أهذا جزاء الإحسان! أهذا رد المعروف! أهذا حفظ اليد البيضاء! هكذا يفعل اللؤم! فرفض ابن جميل ورفض عليه الصلاة والسلام أن يقبل صدقته أبداً، فأنزل الله وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ [التوبة:75] وهو ابن جميل هذا، كان فقيراً في جانب المسجد يأكل من طعام المسجد لا يجد كسرة خبز، فأتى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقال: (يا رسول الله! أريد مالاً، قال: قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه) -قليل تشبع به وتصلي معنا في المسجد وتشكر الله عليه أحسن من الكثير الذي لا تؤدي شكره- (قال: يا رسول الله! ادع الله لي أن يرزقني مالاً، قال صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله لو شئت أن يسير الله لي جبال الدنيا ذهباً وفضة لسيرها لي، ولكني مع ذلك أجوع يوماً وأشبع يوماً، قال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالاً، قال: فإن رزقك مالاً أتؤدي شكره؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فرزقه الله مالاً، فترك صلاة الجماعة ثم تشاغل عن صلاة الجمعة ثم رفض الزكاة).

    وابن جرير وابن أبي حاتم يذكرونها لـثعلبة وفي سندها عن ثعلبة نظر، بل هي عن ابن جميل لقصة البخاري ولسند البخاري، أرسل عمر إليه قال: هذه جزية لا أعترف بالصدقة، قال: كنتَ فقيراً فأغناك الله، قال: لا، أنا ورثت المال كابراً عن كابر، قال الله: فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ [التوبة:77] وهذه قصة ابن جميل تتكرر حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

    1.   

    أهل تهامة يدعونكم للإنفاق

    ونحن يا أيها الناس نعيش مشكلة اجتماعية، واقعاً أعرفه أنا وتعرفه أنت، لأننا من أبناء هذه المنطقة، نعرف الفقراء ونعرف المساكين، بل أعرف منطقة كاملة مشيتها قرية قرية ووادياً وادياً منطقة الساحل وتهامة يعيشون فقراً مدقعاً، ومن يكذب هذا؟! ومن ينكر هذا؟! إن منطقة واسعة وإقليماً يعيش فقراً مدقعاً، والرجل يعيش في عشة لا يجد أحياناً قوت يومه، وبالقرب أغنياء بلغ غناهم السحاب، وهل الإسلام يرضى هذا! وهل محمد صلى الله عليه وسلم إن كان حياً يرضى هذا الوضع! أن تعيش قرى في البادية وقرى في تهامة على التراب، لا تتمتع بأقل ما يتمتع به الإنسان في عصر الحضارة والرقي والتقدم، عصر الكهرباء، عصر الاشعاع، عصر المال والماء، عصر الخبز والفواكه والخضروات والثياب، إنها أمانة يجب عليَّ أن أنقلها لكم وأن تعوها وتسمعوها.

    من عنده زكاة فليذهب إلى هذه المناطق لينقذ أهلها، من عنده صدقة، هم يأتون إلى هنا ونحن ذهبنا إلى هناك، ووالله لقد استودعنا منهم شيوخاً وهم يبكون أن نبلغكم الوديعة، وأن نخبركم بالأمانة، نعم. إن كانت الإغاثة الإسلامية مستعدة لتغطية حاجة هؤلاء دفعنا أموالنا إليها، وإن كانت تقول إنها سوف تدفعها في بلاد أخرى فلا، أموالنا أولى بها أقاربنا وفقراؤنا ومساكيننا، وعند أهل العلم أنه يبدأ أولاً بالمسكين والفقير القريب القريب، فمن يعذر هذه الأمة التي يعيش أغنياؤها ترفاً هائلاً؟ اقرأ المقابلات مع تجار البلاد، الملايين التي تعادل ميزانية كل تاجر منهم ميزانية الدول الأخرى، ومع ذلك هذه المناطق الشاسعة تعيش التراب والفقر المدقع، مسئولية من؟ إنها مسئولية التجار.

    قاصمتا أهل الساحل

    وأصيب هؤلاء المساكين في تهامة الساحل والبادية بخيبتين وقاصمتين: قاصمة فقر العلم والعلماء والدعاة، وقاصمة فقر المال من الأغنياء والتجار، والله يقول عن بني إسرائيل: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:37] فهذا بخل بالعلم وبخل بالمال، وأمامي هنا طلبة علم وأغنياء وتجار، فطلبة العلم أمامهم أمانة من الله أن يذهبوا بعلمهم ليعلموا هؤلاء، والله إن فيهم من لا يحسن قراءة الفاتحة، ومنهم من لا يعرف الغسل من الجنابة، فاجتمع عليهم فقر الدين وفقر الدنيا، وهي مسئوليتنا نحن.

    نعم، من عنده زكاة، وعنده صدقة، ومن أراد أن يرفع هذا الفقر، وهذا الضيم عن هذه القرى، وعن هذا الساحل، وعن البادية فليذهب، لينفق أمواله ليجدها عند الله.

    عاقبة تكديس الأموال

    وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ [التوبة:34] ويدخل فيهم أهل الشركات وأهل الملايين وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لانْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35] ذوقوا هذا كنـزكم، هذه ملايينكم، رأيتم الفقراء، ورأيتم الأمة الضائعة، ورأيتم المحتاجين فما رفعتم ضيماً، هذا كنـزكم، هذا ما كنتم تكنـزون.

    يقول عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم: { والذي نفسي بيده ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا إذا كان يوم القيامة صفحت صفائح، فتكوى بالنار، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله هل إلى جنة أو إلى نار، ووالذي نفسي بيده ما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كانت يوم القيامة صففت بصفصف قرقر، فبطح هو -صاحب الإبل يبطح- ثم تأتي عليه فتطؤه بأخفافها، وتعضه بأفواهها، كلما انتهى أولها ردت على آخرها فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] حتى يقضى بين الناس، والذي نفسي بيده ما من صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطحت له بقاع قرقر، فبطح هو، ثم أتت ليس فيها عطفاء ولا جلحاء ولا عضباء، تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4] كلما انتهى أولها ردت على آخرها حتى يقضى بين الناس}.

    هذا كلام المعلم، هذا كلام المعصوم عليه الصلاة والسلام، هذا كلام الذي رفع رءوسنا، والذي أتى بهذه الفريضة يطهرنا بها خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة:103] لماذا لا يتطهر الإنسان قبل أن يكون أول ما يحاربه في القبر ماله، وفي الحديث الصحيح: {ما من صاحب كنز إلا جُعِلَ له شجاعٌ أقرع -ثعبان له زبيبتان- يلدغه في القبر ويقول: أنا كنزك أنا مالك} هذا الكنـز وهذا المال. وعند الإمام أحمد: أن الصحابة اختلفوا أي الكنـز أحسن؟ أهو الذهب أم هي الفضة أم الإبل أم عروض التجارة؟ فأرسلوا عمر بن الخطاب يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما وصل إليه { قال أي الكنز أحسن يا رسول الله؟ قال: من آتاه الله قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً} هذا هو الكنـز العظيم الذي يكتنـزه المسلم لينفعه في يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].

    رمضان فرصة سانحة للإنفاق

    وإنها فرصة سانحة في رمضان أن تخرجوا صدقاتكم وزكواتكم؛ لأن من ينظر إلى وضع الفقراء وإلى ما يتقدم به الفقراء من مستندات، ثم لا يجد ما يدفع إليهم ويتساءل أين زكاة الناس؟ إلى أين يدفع هؤلاء صدقاتهم وزكواتهم، إذا كانوا صادقين أنهم يدفعون صدقاتهم وزكاتهم؟ فلماذا يبقى هؤلاء القطيع الهائل من الناس فقراء ومحتاجين، ويبقى أحدهم لا يجد ما يفطِّره في رمضان؟ ولا ينكر هذا إلا أحد اثنين:

    إما رجل مكابر: أَعْرِضُ عليه هذه المعلومات، التي رأيتها بعيني وعشتها، ويقول: لا. لا يوجد هذا في المنطقة، فهذا مكابر عنيد.

    أو رجل آخر جاهل لا يعرف الوضع، ولم يداخل الناس ولم يدخل العشش، ولم يرَ كيف يعيش الإنسان في القرن الخامس عشر، هذه مسألة أعرضها عليكم، وأسأل الله عز وجل أن يرفع الضر عن المستضرين، وأن يقضي حاجة المحتاجين، وأن يسد رمق الفقراء والمساكين.

    أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حِكَمُ الإسلام في الزكاة

    الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد:

    عباد الله: فإن للزكاة في الإسلام حِكَماً لا يعرفها إلا من اطلع على أسرار هذا الدين:

    أداء الزكاة زكاة للنفس

    أولاً: زكاة للنفس، تزكيها من أوضار البخل، والشح، وترفع قدرها عند الله، وقد وصف عليه الصلاة والسلام المتصدق والبخيل برجلين عليهما جبتان من حديد، كلما أنفق المنفق اتسعت الجبة حتى تغطي أثره، وكلما أمسك الممسك ضاقت عليه الجبة حتى تخنقه { ولله عز وجل مناديان في كل صباح -كما في الصحيح- ملكان الأول يقول: اللهم اعط منفقاً خلفاً، والآخر يقول: اللهم اعط ممسكاً تلفا} ومن لا يستفيد من المال في الحياة، فلن يستفيد منه بعد أن يموت، فإما حلال فللورثة، وإما حرام يعذب به حتى يلقى الله ويدخله هذا المال النار، وقد رأينا كثيراً من التجار، وسمعنا أخبارهم أنهم شقوا بمالهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    أما في الحياة فبالاستقراء من أخبارهم، تاجر عنده من التجارات الهائلة ما الله به عليم، حضرته الوفاة في منطقة نائية عن منطقته التي فيها قصوره وأمواله وبساتينه ودوره، فلما توفي في المستشفى النائي تصدق عليه الناس بكفن، هذه نتيجة الملايين.

    خذ القناعة من دنياك وارض بها     لو لم يكن لك إلا راحة البدن

    وانظر لمن ملك الدنيا بأجمعها     هل راح منها بغير الطين والكفن

    هكذا هي حياة هؤلاء في الدنيا، وأما بعضهم فقد سعد سعادة بهذا المال وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل:17-21].

    كان ابن هبيرة الوزير تاجر مشهور، يفطر كل يوم في رمضان عشرة آلاف صائم يبني القناطير المقنطرة، يبني المساجد، يبني البرك للحجاج من العراق إلى مكة يشربون ماءً بارداً، وصل إلى منى يقود الحجاج، وفي اليوم الثامن انقطع الماء على الناس، وانتهى الماء، وأصبحوا في أزمة وأشرفوا على الهلاك، فقام هذا الرجل الصالح -وكان من أغنى الأمة الإسلامية في عهد الدولة العباسية- فرفع يديه، قال: اللهم إنك تعلم أني ما أنفقت أموالي إلا ابتغاء مرضاتك، اللهم إن كنت تعلم أني صادق فأغث الحجاج الآن هذه الساعة. قال الراوي: فوالله لقد نـزل الغيث علينا بـمنى وما في السماء قبله سحابة حتى نـزل الثلج مع الماء، فأخذ يأكل الثلج ويبكي ويقول: يا ليتني سألت الله المغفرة، هذا صنف من صنف أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان الذين دفعوا أموالهم وأعطوها سخية أنفسهم، نعم هناك من يحتاج بناء مساجد، وهناك مقاطعات ليس فيها مسجد واحد، هناك قوم يحتاجون إلى برك لإيصال الماء النقي الصحي إليهم لا الماء الملوث الذي يحمل البلهارسيا والموت والسم الزعاف، هناك أناس يحتاجون لبناء بيوت تكنهم من المطر وتظلهم من الشمس، هناك أناس يريدون الحاجة الضرورية، يريدون الخبز -هذا من حوائجهم الضرورية- والأرز والسكر، لا يريدون الكماليات، هناك أناس يريدون اللباس، يتعيد الناس في الألبسة الجديدة والثياب الفاخرة، والواحد منهم يبقى سنة في الثوب الواحد.

    الزكاة إنقاذ للنفس يوم القيامة

    فأنقذوا هؤلاء، وقدموا لأنفسكم ما تجدونه عند الله، يقول عليه الصلاة والسلام {إذا تصدق العبد من كسب طيب -ولا يقبل الله إلا طيباً- فإن الله يتقبله بيمينه، ثم يربيه لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه، حتى إن اللقمة لتبلغ كـجبل أحد} هذا عند الله مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] ويقول تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] وسوف تكون هناك بعض المسائل في الزكاة وزكاة الحلي وزكاة الفطر وزكاة العروض وزكاة الحبوب والثمار والأنعام والنقدين مجالها في الدروس التي تلقى هنا قبل صلاة العشاء من كل ليلة، لأن المجال لا يتسع للبسط، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من كل مكروه.

    خاتمة: أيها الناس: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] فقد قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: {أكثروا من الصلاة علي والسلام ليلة الجمعة ويوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي قالوا: كيف تعرض عليك صلاتنا يا رسول الله! وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء} اللهم صلِّ وسلم عليه، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يارب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد بين صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم ولِّ علينا من يخافك ويرجو لقاءك ويحب دينك، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور، اللهم اعتق رقابنا من النار، اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا عيباً إلا سترته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا عدواً إلا خذلته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.