إسلام ويب

مدرسة الأمواتللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • البعث والنشور من أعظم قضايا الإيمان، بل هو ركن من أركانه، آمن به من آمن، وكفر به من كفر، وقد بعث الرسول عليه الصلاة والسلام إلى قومه، وهم ينكرون البعث والنشور، ولا يؤمنون به، فعالج هذه القضية ليل نهار والقرآن ينزل عليه يعضده في أمره، وما ذكر فيه الإيمان بالله إلا ذكر الإيمان باليوم الآخر، وقد عالج القرآن هذه القضية مرة بالمصارحة ودمغ الباطل، ومرة بالاستقراء والمقارنة، ومرة بالقصص؛ فأخرج الله للأمة على يد الرسول صلى الله عليه وسلم جيلاً لا يشكون طرفة عين في البعث والنشور.

    1.   

    القرآن يعالج الكفر بالبعث والنشور

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير.

    أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ باني صرح الفضيلة، ومزعزع كيان الرذيلة، وصاحب الشفاعة والوسيلة والأخلاق الجميلة، والمناقب الجزيلة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

    أيها الناس: كانت العرب قبل مبعثه عليه الصلاة والسلام لا تؤمن بالبعث والنشور، وترى أن اليوم الآخر خرافة، وأن البعث بعد الموت أسطورة، وأن النشور من القبور خيالٌ لا يمكن أن يصدق، وأكذوبة تأباها العقول، فأتى عليه الصلاة والسلام يعالج هذه القضية ليل نهار، فاستهلكت نصف دعوته.

    كان القرآن إذا ذكر الإيمان بالله وحده ذكر الإيمان باليوم الآخر، وعالج القرآن هذه القضية مرة بالمصارحة بدمغ الباطل والشرك قال تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [التغابن:7].

    ومرة بالاستنتاج والمقارنة قال تعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:9-11].

    ومرةً ثالثة بضرب الأمثلة والقصص العظيمة التي تبين لنا كيف يحيي الله الأموات، أما الكفار فرفضوا رفضاً قاطعاً أمام الرسول عليه الصلاة والسلام أن يؤمنوا باليوم الآخر، قال تعالى: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ [الجاثية:24] يموت بعضنا، ويولد بعضنا، ويميتنا الدهر؛ وليس هناك يوم آخر ولا بعث ولا نشور قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [المؤمنون:82] أهذا كلام يصدق؟ أإذا أصبحنا رفاتاً وحمماً ورماداً من يعيدنا لنكون أحياء؟

    ويأتي المجرم الكبير العاص بن وائل إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وتبلغ به السخرية والاستهزاء والتبجح على الله ورسوله عليه الصلاة والسلام أن يأتي بعظم أجوف -عظم إنسان- فيحتُّه أمام الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ثم ينفخه أمام الوجه الشريف، والعينين الجميلتين، ويقول: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن كان رفاتاً؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: (نعم. ويدخلك الله النار) السؤال واحد بجوابين، كان الجواب أن يقول: نعم. أو لا، لكنه قال: (نعم. ويدخلك الله النار) فيأتي جواب القرآن صريحاً، صادقاً، عظيماً قوياً قال تعالى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً [يس:78] ولم يسم من ضرب المثل؛ لأنه تافه حقير صغير وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ [يس:78] من يعيدها يوم تصبح رفاتاً وتراباً، ورماداً؟! قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ [يس:78-79] الذي خلقها من العدم، وأوجدها بعد أن لم تكن شيئاً، هو المتكفل بإعادتها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لتكون أمةً جديدةً حية تحاسب بين يدي الله.

    قصص تعالج الكفر بالبعث والنشور

    أما القصص: فيقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بعد قصصٍ جميلة من قصص القرآن: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259] هذا عند كثير من المفسرين رجل صالح من بني إسرائيل، أو نبي، خرج بحماره ومعه عنبٌ ولحم على هذا الحمار، وهو طعامه في السفر، فمر على قرية قريبة من بيت لحم في فلسطين، فوقف على القرية وكان عهده بالقرية وهي حية ناطقة، سميعةً بصيرة، تغرد أطيارها وتهتز أشجارها، وتلمع ورودها، وينبس أحياؤها، وإذا بالقرية خامدة ميتة، لا بشر ولا حيوان، ولا طيور ولا شجر، قرية هوت على عروشها، وتهدمت منازلها، فأخذ كفاً بكف وضرب اليمنى على اليسرى، وقال وهو ينظر إلى السماء: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:259] يقول: كيف يحيي الله هذه الأرض؟! كيف يعيدها؟! أين البشر، أين الأحياء، أين العجماوات، أين الشجر والزهر والورد؟ لا شيء، فأراد الله أن يجري عليه عملية الإحياء.

    يقول بعض العصريين: أدخله الله بحماره المختبر، هكذا؛ ليرى هو بنفسه كيف يميته الله ويميت حماره، ويحييه الله هو وحماره، فأماته الله وأمات الحمار مائة سنة، أما خُرجهُ وعنبه ولحمه فما أصابه شيء، لم يتعفن، ولم تصبه آفة، ولم تتغير رائحته، بقي في آنيته في خُرجِ حماره مائة سنة.

    قال أهل العلم: أماته الله في الضحى وبعثه بعد مائة سنة في وقت العصر، فلما بعثه الله نظر إلى الشمس، وقال: تأخرت في منامي وانقطع عني السفر، فأوحى الله إليه: كم لبثت مكانك؟ قال: (يَوْماً) ثم أدركه الورع والصدق، فقال: (أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ).

    قال الله له: أين حمارك؟ قال: لا أدري؛ فنظر فوجد جلد حماره قد بَلي من كثرة السنين التي مرت، وإذا عظام الحمار ناخرةٌ باليةٌ هامدة، أصبحت رماداً، وإذا خُرجُه بطعامه وعنبه ولحمه.

    قال الله عزوجل: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا [البقرة:259] فقال الله للرفات كوني عظاماً، فتركبت عظام الحمار؛ يداه ورجلاه، وصلبه وهيكله، بلا لحم، وبلا عصب، ولا دم، وبلا عيون، ولا آذان، فلما استقامت العظام أمامه؛ أمر الله اللحم أن يكسى على العظم، ثم ركب الله جلد الحمار، ثم عينيه، ثم أذنيه، ثم نفخ فيه الروح، فهز الحمار رأسه، قال: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة:259].

    وقال سبحانه: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259] لم يتغير، من الذي جعل الطعام الذي من طبيعته التغير أن يبقى مائة سنة لا يتغير؟!! وجعل الإنسان والحيوان الذي قد يعيش مائة سنة يموت ويبلى ثم يعود حياً؟!! إنه الله.

    ثم قال: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259] فلا يخطر على بالك وسواس الجاهلية، ولا خرافة الإلحاد والزندقة أن الله لا يبعث من في القبور.

    قصةٌ ثانية: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ [البقرة:126] وهذا إمام التوحيد، وشيخ العقيدة، لا يشك أبداً، ولا يتطرق إليه الشك، إيمانه كالجبال، هو الذي أتى بلا إله إلا الله، وهو الرجل الذي كان يقول وهو بين السماء والأرض، يوم قذف به إلى النار، وقد أتاه جبريل وهو بين السماء والأرض، يقول له: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم، فلما اقترب من النار، قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173].

    خرج إبراهيم عليه السلام مسافراً من أرض العراق. قال بعض العلماء: وصل إلى دجلة، وقيل: الفرات، فوجد بقرةً منحورةً على ضفة النهر، وهذه البقرة أتت إليها نسور السماء والصقور والغربان والذئاب والكلاب والسباع تنهش منها، كل ينهش منها نهشة حتى تركنها عظاماً، فالتفت وقال: يا رب! أتعيد هذه من بطون الوحوش يوم القيامة؟ كيف تعيدها وقد أصبحت هذه البقرة جزراً، وأصبحت نهباً ونهشاً في بطون العجماوات وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى [البقرة:126] هو مؤمن، ولكن يريد أن يرى بعينه كيف يحيي الله الموتى: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ [البقرة:126] أأنت شاك إلى الآن؟ أرسلناك بالتوحيد والعقيدة وأنت تسأل هذا السؤال؟!.

    يقول عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري وقد وصل إلى هذه الآية، وتبسم وقال: {رحم الله إبراهيم، نحن أحق بالشك من إبراهيم} معنى ذلك: لو كان يشك لكنا نحن نشك؛ لأنه أعظم منا إيماناً، وهذا من باب التواضع وهو يريد أن يبرئ إبراهيم عليه السلام.

    قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة:126] قالوا: ليس الخبر كالمعاينة، قال الله: قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ [البقرة:126] أربعة أصناف أخذها إبراهيم. قالوا: من البط والوز والحمام وطائر من عنقاء مغرب، وما علينا إلا أن تكون طيراً كما قال القرآن، أربعة أصناف، فقال الله: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ [البقرة:126] أي: ضمَّهنَّ، وقيل: قطِّعهُنَّ، فقطع رءوس الأربعة الطيور، ثم نثر لحمها وعظامها وريشها، وخلط بعضها ببعض، ثم جعلها على أربعة جبال وعلى كل جبلٍ قطعة من هذه الطيور، وأخذ رءوس الطيور الأربعة بيده، ثم نزل في بطن الوادي، قال الله: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [البقرة:126] فنزل فقال: أيتها الطيور! إن الله يأمركِ أن تأتي، فأقبلت أرجلها، وأيديها، وأجنحتها، وريشها، ولحمها، كل طائر يركب في جسمه ورأسه ولا يركب في رأسٍ آخر.

    فلما أصبحت في يده وركبت فرفرفت فأطلقها فطارت ونفرت بإذن الله.

    هذه قضية البعث والنشور، وهي قضيةٌ كبرى، لا بد أن تعالج في أندية الناس ومجالسهم صباح مساء حتى يعيشوها حياةً واقعيةً يرونها رأي العين؛ ليصلح إيمانهم، وتستقيم أحوالهم، وتصلح أخلاقهم.

    أهل الكفر يعالجون قضية الإيمان باليوم الآخر

    قضية اليوم الآخر قضيةٌ عالجها حتى أهل الكفر، هذا الفيلسوف وعالم النفس الألماني كانت يقول في قانون الوجود: إن في النظر إلى الحياة دليلاً على أن هناك يوماً آخر؛ لأن مسرحية الوجود لم تنته بعد، قيل له: كيف لم تنته مسرحية الوجود؟ قال: لأننا نرى في الحياة ظالماً ومظلوماً، وغالباً ومغلوباً، ثم يموت الظالم والمظلوم، والغالب والمغلوب فلا ينتقم من هذا لهذا، ولا ينتصر لهذا من هذا، دليل على أن هناك يوماً آخر سوف يكون فيه إكمال هذه المسرحية.

    شهد الأنام بصدقه حتى العدا     والحق ما شهدت به الأعداء

    وسوف يكون هناك تعريج على حياة الصحابة، وموقفهم من اليوم والآخر، جعلنا الله وإياكم من المؤمنين الصالحين الصادقين.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم

    1.   

    الصحابة والإيمان باليوم الآخر

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد: فقد رفع عليه الصلاة والسلام قلوب أصحابه إلى درجة أن ترى اليوم الآخر كأنها تراه رأي العين.

    أثر عن علي رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: [[والذي نفسي بيده! لو كشف الله لي الغطاء، ورأيت الجنة والنار، والحوض والصراط والميزان، ما زاد ذلك على ما عندي من إيمان مثقال ذرة]] معنى ذلك: أنه أصبح يتصور اليوم الآخر كيومه الذي يعيشه الآن، وهذا الفارق بيننا وبين الصحابة؛ أن إيماننا إيمان ظن، وإيمانهم يقين، وأنهم يعملون لليوم الآخر كما نعمل نحن ليومنا الحاضر، وأنهم كانوا يتمنون على الله أن يبقي نعيمهم ولذتهم وسعادتهم لليوم الآخر، ونحن نتمنى أن يعجل لنا ربنا سعادتنا وراحتنا ونصرنا في هذه الدار، وكانوا يعيشون طموحاً ليومٍ آخر، إذا رأوا قصور أهل الدنيا تمنوا من الله قصوراً في الجنة، وإذا رأوا بساتين أهل الدنيا سألوا الله بساتين وحدائق الجنة، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً [الفرقان:10].

    مر عمر رضي الله عنه وأرضاه على جابر بن عبد الله، وقد اشترى جابر لحماً من السوق لأهله، فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: [[يا جابر! ما هذا؟ قال: لحمٌ يا أمير المؤمنين، قال: أتأكل اللحم دائماً؟ قال: اشتهيته -يا أمير المؤمنين- فاشتريته، قال: أكلما اشتهيت اشتريت؟! والذي نفسي بيده! إني لأعلمكم بأحسن المطاعم، لكن أخشى أن أعرض على الله مع قومٍ قال فيهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20]]] كان عمر يؤجل أكل اللحم ولذائذ المطعومات والمشروبات والملبوسات ليوم العرض الأكبر، كان يرى أنه إذا قدم شيئاً واستهلك شيئاً إنما هو على حساب نعيمه وسعادته عند الله عزوجل.

    ويحضر الصحابة بدراً، ويخرجون صفوفاً للقاء العدو، ويسلون السيوف، ويقول عليه الصلاة والسلام لهم: (يا أهل بدر! إن الله قد اطلع عليكم فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، يا أهل بدر! والذي نفسي بيده! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة) فيأتي عمير بن الحمام الأنصاري -الذي كان يأكل التمرات من الجوع- فيقول: يا رسول الله! أسألك بالله ما بيننا وبين الجنة إلا أن يقتلنا هؤلاء؟ قال: إي والذي نفسي بيده، فألقى التمرات من يده، وأخذ غمد السيف فكسره على ركبته، وقال: بخٍ بخٍ إنها لحياة طويلة إذا بقيت حتى آكل هذه التمرات، فتقدم وقتل فلقي الله شهيداً، لماذا؟

    لأنه صدَّق موعود الله عز وجل، وعلم أن هذا يقين لا شك فيه.

    علامات عدم اليقين باليوم الآخر

    إن من علامات التسويف وعدم اليقين باليوم الآخر: الركون إلى الدنيا والتلذذ بها، وطلب طول العيش والبقاء، حتى إن البعض يهرب من الموت، ولا يحب مرور ذكره على مسمعه؛ لأنه تنغيص للحياة.

    وتجد بعض الناس يتضايق كثيراً يوم تعاد عليه أنباء الموتى، وأخبار القبور والوعيد والزجر في القرآن، ويقول: دعونا نأكل ونشرب في أمنٍ وسعادة.

    إن بعضهم ركن إلى وظيفته ومنصبه وحياته؛ حتى نسي اليوم الآخر تماماً، ولو كان يصلي، ويزكي، ويَحج ويعتمر.

    قيل للفضيل بن عياض: كيف ذكرك للآخرة؟ قال: والله ما رفعت رجلاً إلا ظننت أني لا أضعها.

    وقال الربيع بن خثيم: إنني أنتظر الموت مع تردد الأنفاس. كلما أُخرِج نفساً أرى أن الله سوف يقبض روحي قبل أن يعود إليَّ النفس.

    هذا فارق بيننا وبين السلف، ومن أعظم ما يذكرنا لقاء الله واليوم الآخر، تدبر القرآن، والوقوف مع آياته، وعجائبه، وزيارة القبور التي شهدت مصرع العظماء والزعماء والأغنياء والشرفاء والنبلاء.

    أتيت القبور فناديتها     أين المعظم والمحتقر

    تفانوا جميعاً فما مخبر     وماتوا جميعاً ومات الخبر

    فيا سائلي عن أناس مضوا     أما لك فيما مضى معتبر

    تروح وتغدوا بنات الثرى     فتمحو محاسن تلك الصور

    هذه قضيته عليه الصلاة والسلام الثانية الكبرى مع قضية التوحيد، قضية البعث والنشور، والتي آمن بها بعض الناس بلسانه ولم يؤمن بها وجدانه وعمله.

    فنسأل الله لنا ولكم إيماناً صادقاً، ويقيناً ثابتاً، وإسلاماً واضحاً، وثباتاً على الحق حتى نلقى الله.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صل على نبيك وحبيبك، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.

    وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين.

    اللهم اهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وثبتنا على الحق حتى نلقاك.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، التي تدلهم على الحق وتجنبهم الباطل.

    اللهم أصلح شباب المسلمين.

    اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في كل مكان.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.