إسلام ويب

رسالة إلى كل مسلم ومسلمةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رسالة إلى الطبيب والمهندس، رسالة إلى العالم والمتعلم، رسالة إلى كل طبقات المجتمع، رسالة تزيدك قرباً من الله؛ لأنها تعرفك بالتوحيد، وتحثك على العمل الصالح، رسالة تزيد الترابط في المجتمع لأنها بينت مالك وما عليك .. نصائح وعبر .. وعد ووعيد .. علامات وأمارات، وللمرأة في هذه الرسالة نصيب... افتحها وابدأ بالقراءة.

    1.   

    التوحيد الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وأفضل الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أما بعــد:

    أيها المسلمون: فقد أشار إليَّ بعض الأحباب -أثابهم الله- أن أقدم شريطاً فيما يهم كل مسلم ومسلمة، شريطاً يخاطب المسئول والموظف، شريطاً يهدى للرجل والمرأة، شريطاً يهم المهندس والطبيب، والأستاذ والفلاح والتاجر.

    شريطاً للطفل الصغير وللشيخ الكبير، فاستعنت بالله عز وجل وتأملت أفكار هذا الموضوع، فوجدت أنه من أهم ما يهم المسلم، أصولاً لا بد أن ينبه عليها في كل مناسبة، وهي دائماً تهم الدعاة وتتعلق بكلامهم، ولا ينبغي لهم أن يقدموا عليها شيئاً من الأمور، فجمعت هذه الأصول على أمل أن ينتفع بها، وعل مهدٍ لهذا الشريط أن يؤجر وأن يثاب.

    فإن هذه الرسالة إلى المسئول فهو بحاجة إليها حاجة ماسة أحوج من الماء الذي يشربه، ومن الهواء الذي يستنشقه.

    وهي رسالة توجه إلى الأستاذ، فهي تناديه وتخاطبه أن يتقي الله في الجيل.

    وهي رسالة توجه إلى الأب المسلم والأم المسلمة في البيت، وإلى الطفل الدارس، وإلى التاجر في أمواله وتجارته، وإلى المزارع في مزرعته، وإلى العامل في عمله، وإلى الطبيب في طبه.

    فأسأل الله أن ينفع، وأن يشفع لهذه الرسالة حباً في الله، وحرصاً على الفائدة والمصلحة العامة لتنفع من سمع؛ عل الله ألا يحرمنا أجرها ومثوبتها، وأعلم علم اليقين أنني ما أعلم مسلماً يسمع هذا ويوجه له الخطاب إلا وبيني وبينه رابطة من الود، وهي تقوى الله، والحب في الله، والنسب الذي أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقول لكم:

    أما والذي شق القلوب وأوجد الـ     ـمحبة فيها حيث لا تتصرم

    وحملها جهد المحب وإنه     ليضعف عن حمل القميص ويألم

    لأنتم على بعد الديار وقربهـا     أحبتنا إن غبتم أو حضرتمُ

    كل من سجد لله وأحب الله نشهد الله على محبته، وعلى التقرب بوده، مسئول، أو موظف، أو تاجر، أو جندي، أو فلاح، أو طبيب، أو مهندس، أو أخ كبير، أو طفل صغير؛ لأننا أمة مؤلفة وهذه الرسالة تدور على مسائل وهي:

    1- التوحيد الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام.

    2- عظم الصلاة.

    3- تحريم قتل النفس المعصومة.

    4- تحريم عقوق الوالدين وقطيعة الرحم.

    5- حق الجار على جاره، حق المسلم على أخيه المسلم.

    6- التوبة النصوح.

    7- التزود بالنوافل بعد الفرائض.

    8- أمور توجه إلى الأم المسلمة في البيت.

    9- شيء في التربية.

    على أنني أقول لكم: سوف يصدر قريباً -إن شاء الله- سلسلة من التربية النبوية للمصطفى عليه الصلاة والسلام، قام بجمع مادتها أحد الدعاة ألا وهو الأخ الأستاذ/ صالح أبو عرّاد الشهري، وسوف أقدمها في أشرطة تجدونها -إن شاء الله- في التسجيلات الإسلامية على أعداد منها:

    - شريط في الذكر.

    - شريط في أدب الطعام.

    - شريط في أدب الشرب.

    - شريط في أدب النوم.

    لتكون على تصور تام بالقدوة العظيم محمد عليه الصلاة والسلام.

    فلعل الله أن ينفع، ولعله أن يلي هذا الشريط شريط في " رسالة إلى أهل البادية " والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل.

    في أول هذه الرسالة أقول كما ورد في كتاب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وهي وصية الله للأولين والآخرين؛ أوصى بها الكبار والصغار؛ والعلماء والتلاميذ؛ والسلاطين والرعية، وهي الزاد في الرحلة، حرص على تبليغها الأول للآخر.

    قال سليمان بن داود عليه السلام: تعلمنا مما تعلم الناس ومما لم يتعلم الناس فما وجدنا كتقوى الله قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:70-71].

    واعلموا -بارك الله فيكم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال لـمعاذ: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) حديث صحيح.

    وقال لـابن عباس رضي الله عنهما: (احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف على الله في الرخاء؛ يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك؛ فلن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك؛ فلن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) حديث صحيح.

    بداية ظهور التوحيد

    بُعث محمد عليه الصلاة والسلام والدنيا مظلمة، شوهاء عمياء، لا تجد طريقاً ولا مسلكاً ولا نوراً ولا هداية، فهدى الله به الناس، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2] فلا إله إلا الله كم بصر به ربه من العمى! وكم أسمع به من الصمم! وكم هدى به من الضلالة! وكم علم به من الجهل! ولا إله إلا الله ما أعظم منته على الناس! لا إله إلا الله ما أشهر نوره! وما أذكر صيته! علم العجوز والطفل والشيخ الإسلام.

    دخلت رسالته إلى الملوك، وخاطبت الفلاحين، وذهبت إلى البادية، فمن اهتدى بهدي محمد هداه الله وكفاه وشفاه ورعاه.

    ومن أعرض عن محمد وعن رسالته، لعنه الله وأخزاه وأضله: عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [البقرة:161] لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

    كل عين عمياء إلا عين رأت هديه، وكل أذن صماء إلا أذن سمعت بدعوته، وكل قلب ملعون إلا قلب استنار بنوره، وكل أرض مظلمة إلا أرض أشرقت عليها شمس رسالته:

    إن البرية يوم مبعث أحمد     نظر الإله لها فبدل حالها

    بل كرم الإنسان حين اختار من     خير البرية نجمها وهلالها

    لبس المرقع وهو قائد أمة     جبت الكنوز فكسرت أغلالها

    لما رآها الله تمشي نحوه     لا تبتغي إلا رضاه سعى لها

    أتى إلينا وكان أجدادنا يعبدون الصنم، ويسجدون للوثن، يزنون، ويخونون، ويغشون، ويغدرون، ويفجرون، ويكذبون فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وعلمهم توحيد الباري فارتفع على الصفا يقول: {يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا}.

    وقال عليه الصلاة والسلام: {أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله} فجرد السيف وأخرج أصحابه كتائب، ودعا إلى طريق الجنة فمن عصاه قاتله، فإن انتصر عليه فالمقتول في النار، وإن هداه الله فإلى الجنة، فقام سوق الجنة وسوق النار، ونصب الميزان، وامتد الصراط على متن جهنم، وتطايرت الصحف، ونزل جبريل، وشهر سيف العدالة وأنشئ منبر العدل فما مضت خمس وعشرون سنة إلا والدنيا على حزبين كما قال الله تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7] فاسأل الله الذي جعلنا في هذا المكان الطاهر أن يجعلنا من حزبه، وأن يحشرنا تحت لوائه، وأن يجمعنا في زمرته، وأن يوفقنا لسنته، وأن يجعلنا من أتباع سيرته، وألا يضلنا بعد إذ هدانا، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هداها، وأن يوجهنا وإياكم وجهة حسنة.

    التوحيد الصافي الجميل

    التوحيد الصافي الجميل أن تعبد الواحد الأحد، وأنا لا أدخل في مصطلحات أهل العلم، ولا في خلافهم لكني أريد عبارة مبسطة يفهمها العالم وطالب العلم، والعامي والأعرابي عل الله أن ينفع بما نقول ونسمع.

    أتى صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، وسره أن تتعلق بالباري، وأن تعتقد أنه لا ينفع إلا الله، ولا يضر إلا الله، ولا يشافي إلا الله، ولا يعافي إلا الله، ولذلك لام الله من اتخذ الأنداد فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3] فأتت العقيدة سهلة مبسطة، عرضها الله في القرآن، يعرفها العامي يوم يقرأها، والأعرابي والبدوي والعجوز.

    يقول سبحانه وهو يضرب أمثلة على قدرته: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية:17-20] ويقول الله عز وجل وهو يضرب لنا الأمثلة عن البعث والنشور: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258] فكانت عقيدة سهلة.

    صح عنه عليه الصلاة والسلام أن أعرابياً سأله: ما هو الدين؟! ومن هو الله؟! فقال: {الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشف عنك الضر} هذه العلامة للواحد الأحد دليل قدرته، فلم يعطه مصطلحات، وما ملأ ذهنه معلومات، بل بسَّط له -وهو الذي إذا مرضت فدعوته كشف عنك الضر قال: وهل نبعث بعد الموت؟ -لأن مشكلة العرب وأزمتهم وجريمتهم في الجاهلية أنهم: ما اعترفوا بالبعث بعد الموت، هضموا كل شيء إلا البعث بعد الموت، أتى العاص بن وائل ففتت العظم أمام المصطفى صلى الله عليه وسلم ونفخ هذا الفتات قال: يا محمد! أتزعم أن ربك يبعث هذا؟ قال: {نعم. ويدخلك النار} قد تولى الله الرد عليه، وأدحض حجته، وكذب مقالته فقال: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] وقال أيضاً: هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2].

    والله عز وجل ضرب بإنزال الغيث وإخراج النبات ما بين ورد أحمر، وأصفر، وأخضر، وبقع جميلة، وأغصان فيحاء في حدائق جميلة، ضرب المثل على البعث، فقال: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:9-11].

    قال: {يا رسول الله! وهل يعيدنا الله عز وجل بعد أن نموت؟ قال: إي والذي نفسي بيده، قال: كيف يعيدنا؟ قال: أما مررت ببقعة قد مات نباتها؟ قال: بلى} انظر إلى العقل، انظر إلى الدين الصادق الذي يصل إلى القلب قبلته المعمورة، وسرى في الناس لأنه يخاطب الفطرة: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم:30] قال: {أما مررت بأرض قد مات نباتها؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: أما مررت عليها بعد فترة وقد حيت واخضرت؟ قال: بلى. قال: فمن أحياها؟ قال: الله. قال: فإن الذي أحياها يحييك بعد أن تموت} فأسلم الأعرابي.

    جاء أعرابي إلى رسول الله فقال: {يا رسول الله! من خلق السماء؟ قال: الله، قال: من خلق الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم. كان متكأ فجلس -سؤال لو وضع على الجبال لدكدكت، أعظم سؤال طرح في الدنيا- قال: أسألك بمن رفع السماء، وبسط الأرض، ونصب الجبال، آلله أمرك أن تأمرنا بخمس صلوات في اليوم والليلة؟ قال: اللهم نعم، فأخذ يسأله حتى انتهى من أركان الإسلام- الدين السهل البسيط الرائع- قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والله لا أزيد على ما سمعت ولا أنقص، أنا ضمام بن ثعلبة أخوه بني سعد بن بكر، ثم ولى، فقال عليه الصلاة والسلام: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا} حياه الله وحيا دينه، ما أسهله! وما أبره! وما أرحمه!

    قال تعالى: طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى [طه:1-2] وقال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] وقال أيضاً: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128].

    التوحيد جميل، التوحيد أبيض كالثوب الأبيض، أي شيء يتدنس به يظهر، التوحيد فيه صلاح أي شيء، لو قلت: ما شاء الله وشاء فلان.. خدشت توحيدك، لو قلت: وأبي.. خدشت توحيدك، لو قلت: وحياتي.. خدشت توحيدك، لو قلت: وشرفي ونجاحي.. خدشت توحيدك، التوحيد أبيض.

    لو اعتقدت في شخص أنه ينفع ويضر من دون الله ثلمت توحيدك، التوحيد شفاف، لو زعمت أن رجلاً يشافي ويعافي ويمرض، وينجح ويرسب من دون الله ثلمت توحيدك؛ لأنه لا ينفع إلا الله، ولا يضر إلا الله قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:66]

    أهمية التوحيد وفوائده

    التوحيد يصلك بالله، فيجعل في قلبك أن كل شيء بيد الله، التوحيد يجعلك تقول: (حسبي الله ونعم الوكيل) فإذا الدنيا أمامك أسفاط، وإذا هيئاتها وأشخاصها وكياناتها لا شيء.

    قال ابن عباس في صحيح البخاري: [[حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم لما أوقدوا النار له فجعلها الله برداً وسلاماً]] وحسبنا الله ونعم الوكيل قالها محمد عليه الصلاة والسلام في أحد لما قيل له: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:173-174].

    (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها خالد بن الوليد لما أقبل عليه جيش الروم كالجبال، كتائب مجندة، وجيوش مجيشة، مقيدون بالسلاسل، يحملون السيوف، وهم أضعاف مضاعفة على أعداد المسلمين، فإذا جيش المسلمين حفنة أمام الجبال من أهل الروم، فقال مسلم لـ أبي سليمان خالد بن الوليد قبل المعركة، يا أبا سليمان! انظر ما أكثرهم وما أقلنا، نفر اليوم إلى جبل سلمى وآجا فدمعت عين خالد -حامل القلب الذي فيه (حسبنا الله ونعم الوكيل) حامل القلب الذي فيه (لا إله إلا الله) خالد الذي تخرج من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم، خالد الذي تعلم في المسجد، وحمل القرآن، وتوضأ كل يوم خمس مرات.

    وما أتت بقعة إلا سمعت بها     الله أكبر تسعى في نواحيها

    ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم     ولا رمى الروم إلا طاش راميها

    فدمعت عين خالد وقال: [[لا والله، بل ما أقل الروم وما أكثرنا، ثم قال: لا نفر إلى جبل سلمى وآجا ولكن إلى الله الملتجأ، حسبنا الله ونعم الوكيل]] فانطلق في المعركة فسحق أعداء الله، قال تعالى: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:45].

    (حسبنا الله ونعم الوكيل) خرج بها الأفغاني الفقير في ثيابه البالية، وبندقيته المجردة البسيطة يقاتل قوة الأرض العاتية الحمراء الروسية بدباباتها، وطائراتها ومدافعها، وهي تقصف الجو، والأرض وهي تهدم المساجد ويقول: (حسبنا الله ونعم الوكيل) فانتصر.

    (حسبنا الله ونعم الوكيل) يخرج بها الضعيف أمام القوي فينهزم القوي، والفقير أمام الغني فيغتني الفقير ويفتقر الغني إذا تجرد عن (حسبنا الله ونعم الوكيل).

    التوحيد جميل يجعلك وأنت على فراش الموت تتصل بالله، دخلوا على أبي بكر الصديق الموحد الكبير، نحيف الجسم لكنه قوي الإرادة، هزيل البنية لكنه كبير القلب، همته تمر مر السحاب صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ [النمل:88] قالوا: ألا ندعو لك طبيباً، قال: الطبيب قد رآني، قال: فعَّال لما يريد، أخذه الشعراء فقال أحدهم:

    كيف أشكو إلى صبيبي ما بـي      والذي أصابني من صبيبي

    دخلوا على عمران بن حصين -أحد الصحابة وقصته في الإصابة - قالوا: يا عمران! مرضت ثلاثين سنة ألا تدع الله، قال: [[ما دام الله يحب هذا المرض فأنا أحبه]]:

    إن كان سركم ما قال حاسدنا     فما لجرح إذا أرضاكم ألم

    هذا التوحيد هو الذي جعل هذه النماذج تظهر للناس، التوحيد أتى بـعمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه على المنبر يوم الجمعة ببردة مرقعة أربع عشرة رقعة، فيصرف الدنيا وذهبها وفضتها الدنيا، ويقول في أول الخطبة: [[إنك تعلم ما أريد]] وصدق، نعلم ما تريد يا أمير المؤمنين، تريد جنة عرضها السماوات والأرض، ولذلك قرقرت بطنه في الخطبة من الجوع، فقال لها: [[قرقري أولا تقرقري والله لا تشبعي حتى يشبع أطفال المسلمين]] كل هذا توحيد وهو من معاني التوحيد، ولن تدرك أسرار التوحيد إلا إذا قرأت تراجم الصحابة؛ لأن الصحابة علموا التوحيد.

    يأتي النبي صلى الله عليه وسلم إلى أبي بن كعب والحديث صحيح قال: يا أبي: {! إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة -الله من السماء يأمر محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقرأ على أبي سورة البينة - قال: أوسماني في الملأ الأعلى؟قال: نعم إن الله سماك، وقال: الحمد لله أو كما قال، ثم اندفع صلى الله عليه وسلم يقرأ}.

    التوحيد أخرج من هذه النماذج أمماً وأجيالاً، يأتي أحدهم إلى جبل أحد فيقال له: عد من المعركة والكفار أمامه صفوف قال: [[إليكم عني، والذي نفسي بيده إني لأجد ريح الجنة من دون أحد]]

    التوحيد يأتي بـجعفر فتقطع يده اليمنى فيأخذ الراية باليسرى، فتقطع اليسرى فيضم الراية ويقول:

    يا حبذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها     كافرة بعيدة أنسابها

    1.   

    حق المسلم على إخوته وجيرانه

    ولما نقص توحيدنا تعطلت المساجد عن الصلوات، الكثير منا جار للمسجد ولكن لا يصلي؛ لأن توحيده ضعيف، ولما ضعف التوحيد في قلوبنا كثرت المعاصي، أموال الكثير من الربا؛ يأكل الربا، ويشرب الربا، ويبني من الربا، ويشتري سيارته من الربا ويقول: (يا رب! يا رب! يا رب! ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟)

    لما ضعف التوحيد في قلوبنا، قطعنا الجار الذي وقف عليه الصلاة والسلام مع جبريل، وجبريل يوصيه بالجار، قال صلى الله عليه وسلم: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) وأكثر خصومات الناس -إلا من رحم ربك- بين الجيران، لأن التوحيد ما رسخ في القلوب.

    جار يعتدي على جاره يسبه فلا يأمنه، إذا غاب ينتهك حرماته، يقف له في كل مرصد، يغير الحدود ومنارات الأرض، فأين حق الجوار؟! يجلس معه عند القاضي مشاكساً مخاصماً مدعياً، مغتاباً نماماً فاحشاً.

    ورد في الحديث: (أن جاراً اشتكى جاره، فأتى صلى الله عليه وسلم إلى الرجل وقال: اصبر واحتسب اصبر واحتسب، لكن ذاك لم يتعظ، قال: يا رسول الله! آذاني وسبني وشتمني، قال: خذ متاعك وانزل إلى الطريق، فنزل بأطفاله وزوجته ومتاعه ومر الناس عليه، فقالوا: ما لك يا فلان؟ قال: أخرجني جاري من داري، قالوا: لعنه الله) فلعنه المصبح، والمغدي، والممسي، وبعدها تاب ذاك الجار لكن بعد أن أخذ لعناً.

    ولذلك يقول ابن القيم: من سعادة الحياة أن يرزقك الله جاراً صالحاً، أما رأيت امرأة فرعون إذ قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] فقدمت الجار قبل الدار، فقالت: (عندك في الجنة)ولم تقل (في الجنة عندك) ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه) فمن ضعف التوحيد في قلوبنا وعدم اتصالنا بالباري كما اتصل الصحابة؛ ضعف هذا الكيان.

    كان عليه الصلاة والسلام وهو معلم التوحيد جاره يهودي، فإذا اشترى الرسول صلى الله عليه وسلم لحماً أو فاكهة أو تمراً أو لباساً فإنه يبدأ بإعطاء اليهودي، وفي الأخير اضطر اليهودي أمام هذا الواقع أن يسلم، أتى إلى المصطفى عليه الصلاة والسلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن دينك الذي جعلك تتعامل معي وأنا خصمك، وأنا يهودي بهذا التعامل لهو دين حق.

    عبد الله بن المبارك سكن مع جار يهودي في خراسان، وكان ابن المبارك مع اليهودي كالأخ مع أخيه، إذا اشترى لحماً لأطفاله قدم اللحم لأطفال الجار، إذا كسا أبناءه كسا أبناء اليهودي، كان اليهودي يؤذيه بنفاياته وزبالاته على بيته، فيسكت ويضمها ويقول لأهله: لا تخبروا اليهودي، وبعد فترة أتى التجار إلى اليهودي قالوا: نشتري بيتك، قال: بيتي بألفي دينار، أما ألف فقيمته، وأما ألف فقيمة جوار ابن المبارك، فأخبر ابن المبارك فدمعت عينه وقال: " اللهم اهده إلى الإسلام " وما هي إلا لحظات ويأتي اليهودي ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، إن ديناً جعلك تتعامل معي هذا التعامل لدين حق.

    أجدادنا وصلوا إلى أندونيسيا وماليزيا ينشرون الجوار والتوحيد فعلم الناس أن دينهم حق، فانتشر بهم الإسلام، فيوم ضعف التوحيد في القلوب؛ وقع هذا التشاكس بين الجيران وهذه الخصومة.

    تحريم عقوق الوالدين

    فيا أيها المسلمون! إن مما ينبغي أن نعظم به التوحيد في قلوبنا: تعاملنا مع الناس.

    ومن نقص التوحيد وضعفه عقوق الوالدين، ولا إله إلا الله كم من شيخ بكى من عقوق ابنه! وكم من أم اشتكت وبكت وناحت من ظلم ابنها! واعلموا إن لم تكونوا قد علمتم أن هناك أمهات بكين -والله- من ضرب أبنائهن لهن، ابن نقص توحيده، ما عرف الباري، ما استنار بنور محمد عليه الصلاة والسلام حمله موت التوحيد ونقص التوحيد، ومرض التوحيد، أن يضرب أمه.

    شيخ كبير يقف ودموعه تسيل على لحيته، ويشكو من هذه المصيبة، ابن رباه وغذاه، وأطعمه وسقاه، وكساه وآواه ثم انقلب هذا الابن بعد أن كبر رعديداً فاجراً مخاصماً لأبيه، كما يقول الأول في ابنه العاق:

    غذوتك مولوداً وعلتك يافعـاً     تعل بما أجري عليك وتنهل

    إذا ليلة ضافتك في السقم لم أبت     لسقمك إلا شاكياً أتململ

    كأني أنا الملدوغ دونك بالذي     لدغت به دوني فعيناي تهمل

    فلما بلغت السن والغاية الـتي     إليها مدى ما كنت فيك أؤمل

    جعلت جزائي غلظة وفظاظـة     كأنك أنت المنعم المتفضل

    فليتك إذ لم ترع حق أبوتي     فعلت كما الجار المجاور يفعل

    وقال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً [الإسراء:23-24] وقال تعالى: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً [لقمان:15]. ولذلك قال صحابي: {يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أبوك} فسبحان الله كم للوالدين من حقوق!! تقبيل اليد، الطاعة، الكلمة الطيبة، تلبية الطلب، الدعاء.

    قال أنصاري كما صح: {يا رسول الله! هل بقي من بري أبوي شيء أبرهما به بعد وفاتهما قال: نعم. بالاستغفار لهما، وبالدعاء لهما، وبالصدقة، وبصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالبر البر يا مسلمون! بر الوالدين وطاعتهم من طاعة الباري سبحانه وتعالى.

    تحرم قتل النفس المعصومة

    لما نقص التوحيد من القلوب سمعنا بقضايا القتل والنهب والسلب والاعتداءات على الأرواح المعصومة، والمصطفى عليه الصلاة والسلام صح عنه أنه قال: {لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة} ولكن يوم أن ضعف التوحيد أخذ ذاك السيف أو الخنجر، أو الرشاش أو المسدس، واعتدى على أخيه المسلم فقتله، اسمع إلى قول الله عز وجل: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93]

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الفرقان:68-70]

    ويروى في الأثر:" لو اجتمع أهل الأرض وأهل السماء على قتل امرئ مسلم بغير حق كبهم الله جميعاً على وجوههم في النار".

    ويروى في الأثر: " ما من جريمة إلا وتهون بعد الشرك إلا قتل النفس المعصومة، ولزوال الدنيا بأسرها أهون عند الله عز وجل من قتل امرئ مسلم " والعجيب أنه لما قتل أحد أبناء آدم أخاه ما جف الدم من ذاك الوقت إلى اليوم، فدم المعصوم ودم المسلم لا يجف من الأرض وإليكم شاهداً عليه:

    جاء رجل عند ابن عمر يبكي ويقول دلني على الجنة قال: [[إن استطعت ألا تجعل بينك وبين الجنة حفنة من دم فافعل]] {من حمل علينا السلاح فليس منا} وهو تحت المشيئة، ولكنه استوجب غضب الله ولعنته.

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه}.

    تحريم قطيعة الرحم

    واعلموا -أيها المسلمون- أن من أعظم نتائج نقص التوحيد من نفوسنا قطيعة الرحم، وقطيعة الرحم جريمة ما سمع الناس بمثلها، أما رأيت القطر كيف جف؟! أما رأيت البلبل سكت وغاب عن البستان؟! أما رأيت الزهر كيف مات من القحط؟! أما رأيت قلة البركة في الأمطار بقطيعة الرحم! أما رأيت قسوة القلوب وجفاف الأرواح بقطيعة الرحم! أما رأيت البغضاء والحسد، والحقد والغل بقطيعة الرحم أما رأيت فساد بعض النشء بقطيعة الرحم قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23]

    يقول عليه الصلاة والسلام: {لا يدخل الجنة قاطع رحم} ونروي هذا الحديث على ظاهره لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق:37].

    أخت تشكو أخاها حرمها ميراثها، أخت تشكو أخاها لم يزرها منذ عشر سنوات.

    أخ يبكي من أخيه هجره وقطعه، ما سلم عليه عشرات السنوات من أجل أرض، من أجل تراب، من أجل سيارة، من أجل حمار، من أجل شيء حقير لا رد الله عز وجل هذه الأرض، ولا رحم من شاجر من أجلها إلا أن يتوب.

    قطيعة الرحم أمرها عجيب، يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها} يعني: ليس المعنى أنك المواصل، إذا وصلك أخوك وصلته، إنما المقصود: الواصل من إذا قطعك وصلته أنت، أو حرمك أعطيته، أو ظلمك رحمته، ولذلك روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إن الله أمرني أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني} وصدقت والله، لقد وصلت من قطعك، وأعطيت من حرمك، وعفوت عمن ظلمك. قطعك الأقارب فأتيت إليهم يوم مكة فقلت: {اذهبوا فأنتم الطلقاء} وقلت: {عفا الله عنكم} بعد أن أخرجوك وضربوا بناتك، وقاتلوك، وشتموك، وباعوا ديارك، فعفوت عنهم فقال الله لك: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    يقول أحد الشعراء:

    وإن الذي بيني وبين بني أبـي     وبين بني عمي لمختلف جدا

    إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم     وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا

    ولا أحمل الحقد القديم عليهـم     وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

    صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {لما خلق الله الرحم تعلقت بالعرش، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذلك لكِ، فأنزلها الله على ذلك} فهو شرط من الله وعهد من الله من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.

    وفي صحيح مسلم أن رجلاً قال: {إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني} وهذا الصنف يوجد في القرى والقبائل، وفي المدن والبوادي تجد قريباً رحيماً بأقاربه وهم وراءه بالفئوس والشتائم والأحقاد والأحساد والمشكلات والعقبات، قال: {يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم فيسيئون إلي، وأعفو عنهم ويظلمونني، قال: إن كنت كما تقول؛ فلا يزال معك عليهم من الله ظهير، وكأنما تسفهم المل} والمل: هو الرماد الحار، يقول: لا يزال الله معك، والله نصيرك، والله في حزبك لأنك المصيب وهم المخطئون.

    فوصيتي بصلت الرحم، بالزيارة والعدل وإعطاء الميراث، والكف عن الأذى، وإذا قطعوا فصلهم، وإذ ظلموا فاعف عنهم، وإذا منعوا فأعطهم، هذه أخلاق الإسلام.

    تحريم شهادة الزور

    ويوم أن ضعف التوحيد أتت شهادة الزور حتى أصبحت ظاهرة في المجتمع المسلم، ولم تكن من قبل فيه ظاهرة؟!

    يوم ضعف التوحيد، وضعفت مراقبة الباري يأتي الشيخ الكبير في السن، في الستين أو في السبعين وقد شابت لحيته، ورق عظمه ودنا أجله وأصبح بينه وبين القبر قاب قوسين أو أدنى، فيذهب إلى القاضي ليبيع دينه وذمته وعهده في شهادة الزور، شهادة الزور التي قرنها الله عز وجل بالشرك فقال سبحانه: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30].

    والرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الشرك بالله، وعقوق بالوالدين، وكان متكئاً فجلس وقال: ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت}.

    في بعض المجتمعات يأتي مسلم لم يحمل التوحيد فيبيع شهادته بآلاف، بعضهم يأخذ عشرة آلاف، وبعضهم مائة ألف، والله الذي لا إله إلا هو لو ملئت له الدنيا ذهباً وفضة في شهادة زور لهو الخسران الممحوق البركة.. سبحان الله! أتعادل أمانتك وذمتك بشيء من المال؟! قال سبحانه في أوليائه: وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً [الفرقان:72].

    شهادة الزور فيها ثلاث مصائب:

    1- تضل القاضي فتجعله أعمى يحكم وهو معذور، ويكتب بقلمه ويوقع بخاتمه ولا يدري.

    2- أنها تحرم المسلمين حقوقهم وتصرفها إلى هؤلاء الظلمة.

    3- أنها تحبط سعي هذا المثبط وتوقعه على وجهه في نار جهنم والعياذ بالله.

    ويوم ضعف التوحيد في القلوب أتت اليمين الغموس واقتطعت الأموال، وحلف الفاجر على أراضي الناس وأموالهم وممتلكاتهم ولو راقب الباري؛ لعلم أن بينه وبين الله خيطاً من التوحيد ولكنه قطع هذا الخيط.

    جلس رجل عند القاضي شريح يريد أن يشهد، أحد الخصوم وهو يبكي ودموع الخصم تسيل على لحيته، قال: " يا أيها القاضي يا شريح! والله الذي لا إله إلا هو، والله الذي شق البحر لموسى إن هذا الشاهد يشهد علي زوراً ويأخذ بالزور أموالي" فقال شريح -وكان حكيماً ذكياً فطناً- للخصمين: اخرجا، فخرج الخصمان فأغلق الباب، وقال لشاهد الزور: يا شاهد الزور! سمعنا والله الذي لا إله إلا هو أن الله إذا جمع الأولين والآخرين في يوم لا ريب فيه، أسقطت الطيور ما في حواصلها من الخوف، ووضعت الحامل ما حملت، والمرضع ما أرضعت، ولا يفصل بين الناس حتى يصلى شاهد الزور النار " فبكى الشاهد وقال: أشهدك أني أعود عن شهادتي ثم خرج.

    هذا في شهادة الزور؛ ويدخل فيها اقتطاع أموال المسلمين ظلماً وعتواً، يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: {من اقتطع مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، قالوا: ولو شيئاً يسيراً يا رسول الله، قال: ولو كان قضيباً من أراك} راوي هذا الحديث سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد أتت امرأة من ضواحي المدينة في العقيق تشكوه إلى أحد الأمراء إلى مروان بن عبد الملك، قالت: غصبني مزرعتي سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، فحاكمهما مروان في المسجد، قال: رد لها مزرعتها، قال: أنا أصبتها، قال: رد لها مزرعتها، قال: والله الذي لا إله إلا هو ما كنت أغصبها مزرعتها وقد سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {من اقتطع مال امرئ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان} اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها واقتلها في مزرعتها، ثم أعطاها المزرعة، فبدأت هذه الأمور: عميت ثم ذهبت تريد الماء فانزلقت فوقعت على رأسها في البئر فماتت.

    وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طوَّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة} حديث صحيح، قال بعض العلماء: طوَّق، والطوق من كل أرض بمقدارها، حتى يصبح في عنقه كالحديد لا يخرج ولا يلوس، والأرض طبقات بعضها فوق بعض متلاصقة، فالله يطوقه في هذا الشبر يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.

    1.   

    النفاق والمعاصي

    يوم ضعف التوحيد في القلوب، التوحيد الجميل الرائع البديع، التوحيد الحي الناصع أتت علامات النفاق، فكثر النفاق في الناس، والذي لا يخاف النفاق منافق، فالصالحون بكوا من النفاق وخافوا منه، أتى عمر رضي الله عنه وأرضاه إلى حذيفة وقال: [[سألتك بالله يا حذيفة! أسماني صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟ قال: لا والله، ولا أزكي أحداً بعدك]]

    قال الحسن: [[ما خافه إلا مؤمن وما أمنه إلا منافق]] فليحذر العبد النفاق فإن له علامات:

    منها: الكذب في القول، وخيانة الأمانة، وخلف الوعد، والفجور عند اليمين، والغدر في العهد.

    ومنها: الاستهزاء بقيم الدين الإسلامي ومبادئه من الكتاب والسنة، والاستهزاء بالصالحين والأخيار.

    ومنها: التكاسل عن الصلاة، وما أعظم نفاق من ترك المسجد وهو جواره وترك الصلاة فيه..!

    ومنها: مراءاة الناس بالعمل، وطلب السمعة.

    ومنها: قلة الذكر -والعياذ بالله- إلى غيرها من الأمور، وهناك شريط بعنوان ثلاثون علامة للمنافقين، أو نحو ذلك؛ فاحرصوا على استماعه.

    اعلموا أنه لما ضعف التوحيد في القلوب خوطب كثير من الناس بتحريم الربا لكنهم ما استفاقوا، تخمرت العقول وأصابها سكر المعصية فما أصبحوا يسمعون قولاً، ولا يجيبون دعوة.

    ضعف التوحيد والمراقبة فجعلوا أموالهم ربا، وأكلوا ربا ولبسوا ربا قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:130] وقال سبحانه: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:275-276].

    ثم قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279].

    قال عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (لعن الله آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء) وعند الحاكم وصححه، وابن ماجة في السنن من حديث عبد الله بن مسعود: (الربا ثلاث وسبعون باباً، أهونه مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم) والربا قسمان: ربا فضل، وربا نسيئة.

    فربا الفضل يدخل في أجناس الذهب والفضة والبر والشعير، والمأكولات، والموزونات فلا بد فيها من شرطين: التطابق والمساواة والحلول؛ فالبر بالبر رباً، والذهب بالذهب رباً، إلا مثلاً بمثل سواء بسواء، والفضة بالفضة رباً، إلا مثلاً بمثل سواء بسواء، هاء وهاء، وكذلك الذهب والملح وقس عليها المكيلات، والموزونات، لا يجوز التأجيل فيها، ولا تجوز الزيادة في هذه الأصناف.

    وربا النسيئة: وهي المزايدة كأن تعطيه ذهباً بذهب ديناً ثم يكون فيه زيادة، وهذه الأصناف سواء كان فيها زيادة، أو بدون زيادة ففيها الربا.

    ومن ربا النسيئة ما يفعله المرابون في البنوك، يقدم ماله لتصرف له فائدة على هذا المال، فإذا كان هذا الشرط فهو رباً، أو يأخذ قرضاً فيأخذون من هذا القرض مائة ألف، أو عشرة آلاف فيسدد على أنه مائة ألف فهو رباً، فليحذر المؤمن هذا الأمر، فإنه من أعظم ما يستوجب به غضب الله ولعنته، وقلة البركة من الله، ويدخل به النار، وقد توعدهم الله عز وجل بالحرب في الدنيا والآخرة.

    وصاحب الربا لا بركة له، ولا ثمرة، ولا مستقبل، ولا نور، ولا هداية، نعوذ بالله من الربا.

    1.   

    أمور توجه للمرأة المسلمة

    واعلموا -أيها المسلمون- أن من ضعف التوحيد في القلوب: عدم الاهتمام بالمرأة، ونسيان المرأة في البيت، وعدم تربيتها على الكتاب والسنة.

    وإن للمرأة المسلمة صفات وهناك محاضرة اسمها: (صفات المرأة المسلمة):

    فهي تؤمن بالواحد الأحد، وزوجها وابنها وأخوها يربون في قلبها الإيمان حتى يكون كالجبال، يغرسون في قلبها لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي مؤمنة بالله، حافظة للغيب بما حفظ الله، تحفظ زوجها في نفسها، وفي ماله، وفي أطفاله، وفي عرضها فهذه هي المؤمنة الصالحة المنيبة.

    التزود بالصالحات والتزود بالنوافل، وألا يخلو بيتها من ذكر الله، بيتها سليم من الآثام، بيتها خال من الأغاني، ليس فيه ملاهٍ، بيتها نير، بيتها يستفيق على لا إله إلا الله، ويمسي على لا إله إلا الله، القرآن يدوي في بيتها، الحديث والسيرة، تربية الأطفال قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    الملعونات من النساء

    المرأة المسلمة لا تتشبه بالكافرات، فقد قال عليه الصلاة والسلام: {من تشبه بقوم فهو منهم} المرأة المسلمة لا تتشبه بالرجال، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال} فخلقها الله امرأة، مواصفاتها امرأة، ومؤهلاتها امرأة، وفطرتها امرأة، فإذا حرفت فطرتها لتكون رجلاً بعملها، ومشيتها، وفي كلامها ولبستها؛ فهي ملعونة، وقد لعن في النساء أصناف:

    الواشرة: وهي التي تحد أسنانها لتتظاهر بأنها فتاة.

    النامصة: هي التي تقلع حواجبها لغير حاجة.

    الواشمة: وهي التي تغرز الحبر وما أشبهه في خدها، أو في أنفها، أو في وجنتها.

    المفلجة: وهي التي تفرق بين ثناياها وأسنانها لغير حاجة.

    الواصلة: وهي التي تصل شعر غيرها بشعرها، فهذه ملعونة على لسان محمد عليه الصلاة والسلام وجميع من سبق ملعونات.

    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: {أنه سوف يأتي صنف من النساء في آخر الزمان، رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، مائلات مميلات، فاتنات مفتونات، لا يرحن رائحة الجنة} يركبن الشعر على الرأس، ثم ينزلن إلى الأسواق، ويلبسن كل موضة تخالف اللباس الشرعي من قصير، أو شفاف، أو ضيق، أو ما يبدي الزينة، ثم تتعرض لعيون الأجانب فتمر على الخياطين، وعلى باعة الذهب، وعلى كل فاجر تعرض نفسها وتستوجب غضب ربها ولعنة الملائكة.

    صفات المرأة المؤمنة

    المرأة المسلمة تحيا بحياة الله، وتنقل حياة الإيمان إلى أخواتها، داعية تتصل بأخواتها، تدعوهن بالهاتف، بالكتيب، بالشريط، بالكلمة الطيبة، وبالنصيحة.

    المرأة المسلمة تحفظ زوجها في أطفاله فتربيهم على سنة محمد صلى الله عليه وسلم منذ أن يصبحوا إلى أن يمسوا؛ في لباسهم وطعامهم، تسمي على الطفل في غسله، في لباسه، وفي طعامه، وفي نومه واستيقاظه، تعلمه الصلاة، تعلمه القرآن، تعلمه آداب الإسلام، تذكر له سيرة الصحابة الأخيار، هذه المرأة المسلمة فلا يضعف توحيدها ويقينها، نسأل الله أن يصلح نساءنا وأن يجعلهن من المؤمنات الصالحات، فإن الله قال بعد أن ذكر الصالحين: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [آل عمران:195].

    1.   

    التوبة النصوح

    دعوة إلى التوبة

    واعلموا أن التوحيد لما ضعف قل ارتياد المسلم للتوبة.

    التوبة أمر عظيم، ولولا وجود التوبة لي ولك لمتنا يأساً.

    التوبة حبل، التوبة باب، التوبة طريق، التوبة كالماء البارد، تقسو قلوبنا، تنقطع حبالنا، تيأس أرواحنا، تدمع عيوننا فنتذكر باب التوبة المفتوح: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    يا موظفاً أسرف على نفسه في وظيفته وأساء! باب التوبة أمامك مفتوح لتكون كالأخيار من صحابة محمد صلى الله عليه وسلم يوم رعوا الله في وظائفهم ومسئولياتهم، وفي إمرتهم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته} وقال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ َالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً [الأحزاب:72].

    يا أستاذاً أساء في تدريسه، لم يحضِّر مادته، ولم يدع إلى الله، وما صدق في تدريسه، ولا أخلص ولا راقب الله! أنت مدعو لكي تتوب وتراجع حسابك مع الله، وأن تكون معلماً كما كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم معلمين: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:44].

    يا معلماً أتى إلى أبناء المسلمين لكي يعلمهم! أدعوك إلى أن تطهر مسيرتك منذ اليوم.

    يا تاجراً تعامل بالربا.. يا تاجراً ما صدق في بيعه وشرائه! يا تاجراً ما أنفق وما قدم لنفسه! يا تاجراً ما مهد لقبره! أنت مدعو اليوم للتوبة، وإلى مراجعة حساباتك في تجارتك، وطلب الحلال، والإنفاق منه، واعلم أنك إن لم تتب كان مالك وبالاً عليك، وكان الشجاع الأقرع رفيقك ولادغك في قبرك.

    ويا أعرابياً ما تعلم السنة في البادية! تجيد قيادة السيارة، ولبس الثوب، وأكل الطعام، وبناء البيت، وركوب الطائرة، لكنك ما حفظت الفاتحة! أنت مدعو لطلب الفقه في الدين، واجب عليك أن ترتحل، ولو كلَّ جوادك وتعب جسمك، ولو أنفقت من مالك، إلى أن تتعلم وتتثبت من طلبة العلم والدعاة فتتعلم كل ما يهمك.

    يا أعرابياً أشرك بالله! أنت مدعو إلى أن تتوب، وأن تعرف أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله. الذهاب إلى الكاهن شرك، وإلى العراف شرك، وإلى الجاحد شرك، صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً} وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {من أتى عرافاً فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد}.

    يا امرأة مسلمة! أنت مدعوة اليوم إلى التوبة، وإلى العودة إلى الواحد الأحد.

    ويا طالب علم، طلب العلم للدنيا وللظهور والشهرة وأساء بطلب العلم، ولم يعمل بعلمه! أنت مدعو إلى أن تتقي الله بعلمك:

    إذا ما لم يزدك العلم خيراً     فليتك ثم ليتك ما علمتا

    وإن ألقاك فهمك في مهاوٍ     فليتك ثم ليتك ما فهمتا

    ويا طبيباً في مستشفيات المسلمين! اتق الله في أمور: أولاها أن تخلص في علمك؛ لينفع الله بك، وأن تحتسب الأجر على الله.

    ثانيها: عندما تحاول أن تعالج الأجسام، حاول أن تعالج الأرواح، فإن المريض بين يديك كالغريق في البحر يتعلق في القشة، فأدنى كلمة منك وهو في المرض تدعوه فيها إلى الله تنفعه بإذن الله، لقنه مع إبرتك وحقنتك، ومع أدواتك ومع علاجك التوحيد، اغرس الإيمان في قلبه قل له: لا إله إلا الله، قل له: اعلم أني أنا الطبيب لا أنفع ولا أضر، الطبيب هو الله:

    قل للطبيب تخطفته يد الـردى     من يا طبيب بطبه أرداكا

    قل المريض نجا وعوفي بعدمـا     عجزت فنون الطب من عافاكا

    ثالثها: أن اتق الله في أعراض المسلمين، لا يجوز لك أن تخلو بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا يجوز لك أن تنظر نظر ريبة ومعصية، فلتتق الله عز وجل، ولتعلم أنك في مسئولية عظيمة، وفي أمر جسيم، وأنت معرض لأمرين: إما أن تنقذ نفسك؛ فتكون من أحسن الناس إلى الجنة، وإما أن تعرض نفسك للبوار في الدنيا والآخرة نسأل الله العافية.

    التزود بالنوافل بعد الفرائض

    ومما يجب على المسلم أن يعلمه وأن يفعله دائماً؛ أن يحافظ على الفرائض؛ فإنها رأس ماله، ليس معه إلا الفرائض، والله لا مال، ولا تجارة، ولا منصب، ولا وظيفة:

    زيادة المرء في دنياه نقصـان     وربحه غير محض الخير خسران

    وكل وجدان قوم لا أساس له      فإنما هو في التحقيق خسران

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته      أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يقول الله عز وجل: وما تقرب إلي عبدي بأحب إليَّ مما افترضته عليه} إذا ضاعت فريضتك فأين رأس مالك؟! بالله قل لي: من ضيع الصلوات في أوقاتها بخشوعها، وركوعها أين رأس ماله؟! الصلوات التي هي الإسلام، والإسلام هو الصلاة، الصلاة التي من تركها فقد كفر ويصبح كالبهيمة، يقول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: {بين المسلم والكافر ترك الصلاة} يوم يترك الصلاة يكفر، يوم يترك الصلاة يحل دمه، يوم يترك الصلاة يلعن، يوم يترك الصلاة يحل عرضه، يوم يترك الصلاة يحل ماله، يوم يترك الصلاة تخرج زوجته من عصمته ولا يجوز لها البقاء معه، يوم يترك الصلاة لا يصلى عليه، ولا يكفن، ولا يغسل، ولا يدفن في مقابر المسلمين، قال الحبيب المصطفى: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر}.

    واعلم أن من آثار التوحيد الجميلة أن تتزود بالنوافل، وكما قال عليه الصلاة والسلام: {قال الله: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به} جاء رجل قال: {يا رسول الله! أريد مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة}.

    وعليك بالذكر فقد قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28] وقال أيضاً: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] وقال أيضاً: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً [الأحزاب:41].

    التسبيح، التحميد، وأكثر من ذكره في الأرض دائماً لتذكر في السماء:

    إذا مرضنا تداوينا بذكركم     ونترك الذكر أحياناً فننتكس

    أيها المسلمون: هذه وصايا وأنا أردت من هذا الشريط كل طبقات الناس؛ فإنه رسالة لكل مسلم، لعل الله أن ينفع به، لعل رجلاً صالحاً أن يهديه إلى أخيه، أو صديقه، أو جاره فيهتدي بسببه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: {لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم} وسوف يكون هناك قضايا؛ لكنني لم أعلم قضية من الكبار والخطوط العريضة والمجملة التي تهمنا جميعاً إلا وذكرتها هنا.

    وهناك ذنوب نقع فيها دائماً ونكررها، وليس لنا نجاة ولا فلاح إلا أن نتوب ونتخلى عنها، منها: الغيبة وانتهاك أعراض المسلمين في المجالس، فالغيبة أمرها عظيم قال تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ [الحجرات:12].

    الغيبة: هي ذكرك أخاك بما يكره، بالغيبة كأنك تذبح المسلم وتأكل لحمه وتشرب دمه، فالله الله في المسلم أن يحفظ لسانه، وأن يرعى أعراض المسلمين {فإن من تتبع عورة المسلمين تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه الله ولو في عقر داره}.

    نسأل الله السداد والتوفيق والرشد والهداية، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يتجاوز عنا وعنكم، سيئاتنا، وأن يقبلنا فيمن قبل.

    هذا وصلى الله على نبيه وخليله محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    قضايا متفرقة

    من القضايا التي تلحق بهذا الدرس مسائل تنتشر في الناس وهي: اللعن وانتشار الغناء، والإسبال أو مخالفة السنة في كثير من السلوك، ضياع الوقت، جلساء السوء وهذه قضايا كبرى.

    اللعن معناه وحكمه

    أما اللعن: فهو كبيرة من الكبائر، صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: {لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة} وقال: {ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء}.

    اللعن معناه: أن تدعو على الملعون بالطرد والإبعاد من رحمة الله، ولعن المؤمن كقتله؛ فإذا لعنته، فإن استحقها أخذها، وإلا عادت على اللاعن نفسه، نعوذ بالله من اللعن، فالله الله في تجنيب الألسنة هذه الخصلة الذميمة، ونهي الأبناء والنساء والجيران والإخوان عن استخدام هذه الألفاظ؛ لأن ديننا يأمرنا أن نحفظ ألسنتنا.

    ومن أعظم ما يخدش وقار اللسان وجماله: اللعن، وهي ظلمة في وجه العبد، وهي طرد وإبعاد ومحق.

    وقد يدعو الإنسان، أو أحد أبنائه أو قرابته فتوافق من الله ساعة إجابة، لا يسأل الله فيها شيئاً إلا أعطاه، فتصيبه هذه اللعنة.

    والرسول عليه الصلاة والسلام رأى امرأة تلعن ناقتها، فقال: {خذي ما عليها من متاعك واتركي هذه الناقة لا تصحبونا بملعون} فكيف بمن يلعن أطفاله وأهله وقرابته ومواشيه؛ نعوذ بالله من ذلك الخسران ومن هذا الذنب العظيم.

    الغناء حكمه وعقوباته

    ومنها: الغناء وهو منتشر عند كثير من الناس، وأبوا أن يتوبوا منه لأن الهوى غلب على عقولهم، ولو استفاقت من سباتها ومن نومها، وموتها لعرفت طريقها وخافت ربها.

    الغناء ذميم، الغناء خمر الأرواح، الأئمة الأربعة أجمعوا على تحريمه، قال ابن تيمية فيما ينقل عنه: " الغناء بريد الزنا " وما داوم عبد على الغناء إلا أصيب بأربع مصائب:

    1- قسوة القلب: فلا يجد للموعظة طعماً ولا مذاقاً ولا حلاوة ولا تأثيراً، قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13].

    2- لا يحب الذكر؛ لأن قلبه امتلأ من الران والخبث.

    3- وحشة بينه وبين الله: فإن أحباب الله يحبون ذكر الله، ويحبون ما يقربهم من الله، ويحبون ذكر رسول الله صلى الله عليه وسنته رسوله بخلاف المغني.

    4- يحرم الغناء في الجنة: وفي الجنة غناء مباح، فيه تلذذ، ونعيم مقيم،

    قال ابن مسعود ويرسل ربنا     ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع      الإنسان كالنغمات بالأوزان

    يا خيبة الآذان لا تتعوضي     بلذاذة الأوتار والعيدان

    إهمال السنن

    ومن الظواهر عند بعض الناس ولو كان فيهم خير من إقامة الفرائض لكن نقصهم في السنة، عدم اعتنائهم بالسنة، وادعاؤهم أن هذه قشور، وأن الإسلام لم يركز عليها، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يهتم بها وليست من أصول الدين،ونحن نقول:

    أما قولكم إنها ليست من أصول الدين فقد نوافقكم، وأما قولكم إنها قشور فليس في الدين قشور بل هو لباب كله، وخير كله، ونفع كله، الدين جميل، الذي أتى بلا إله إلا الله أتى بإماطة الأذى عن الطريق، الذي أتى باليوم الآخر أتى بتربية اللحية، الذي أتى بذكر الميزان والصراط والحوض وأركان الإسلام أتى بتحريم إسبال الثوب، فخذ الدين كله، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21]

    إن شاء الله إذا خرجت السلسلة التربوية من هديه صلى الله عليه وسلم، التي وعدت بها سوف تجدون شخصية محمد صلى الله عليه وسلم تلاحقكم في كل مكان، فهو إمام لك في الصلاة، وإمام لك في الحج، وإمام لك وأنت على المائدة، وإمام لك وأنت تتوضأ، وإمام لك وأنت نائم على فراشك، وإمام لك في الدكان، وفي المزرعة والمكتب والفصل، شخصية عملاقة وهذه عظمة الإسلام، تأكل اللقمة ومعك هدي، وتتمضمض ومعك هدي، وتخطو الخطوة ومعك هدي، وتخرج من المسجد وتدخل البيت ومعك هدي، هذا هو النور الذي أتى به هو محمد عليه الصلاة والسلام، فحذار حذار من قوم استهانوا بالسنة، وجعلوها قشوراً وخلت مظاهرهم من تطبيق معالم الهدى، فالأشرف لك اتباع محمد عليه الصلاة والسلام.

    ضياع الوقت

    ما أرخص الوقت عند المسلمين! لو أخذ الموظف على مكتبه المصحف كلما خلا، وما أكثر ما يخلو بنفسه أخذ المصحف وقرأ، ليتصل بالواحد الأحد، يجلس بعضهم على المكتب ساعات طويلة لا ينهي معاملة للمسلمين، معاملته من أسابيع، وهي واحدة، وكلما تراص الناس أمامه قال: غداً..بعد غد:

    كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً     وما مواعيده إلا الأباطيل

    ويتشاغل بهذا الأمر ويدعي، والمتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، كم يخلو في المكتب! لكن ليس عنده مصحف إما يهمهم أو يوسوس أو يتغنى، أو يخرج من مكتبه إن لم يكن عنده أمانة، وكذلك يوجد بين الأساتذة فراغ عند الحصص وفي الفسح، والطلبة كذلك، وصاحب الدكان في دكانه، كثير من الناس ليس عنده إلا مجموعة من (القواطي) والمشروبات ومن المأكولات يفتح من بعد صلاة الصبح، ولا يأتيه الزبائن إلا في الساعة العاشرة، فلو فتح مصحفه وقرأ آيات الله، واستنار بنور الله لأتاه الرزق، رزق القلب ورزق البدن، وأنعم الله عليه في الدارين، وبارك له فيما أعطاه.

    وكذلك منتظر الباص، والواقف على الطريق والمزارع؛ عندهم وقت فراغ عظيم، لكن من يحفظ الفراغ؟! قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116].

    المرأة في بيتها تخلو ساعات طويلة، تنتهي من عملها في البيت وتبقى ساعات؛ فوصيتي أن تستمع شريطاً.

    حدثنا أحد الدعاة: أن امرأته وهي تعمل في مطبخها سمعت في فترة أسابيع قليلة: ثلاثة وعشرين شريطاً، وفهمت أكثر قضايا الأشرطة، وأصبحت عالمة؛ لأنها حفظت وقتها، فالوقت الوقت:

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثواني

    فارفع لنفسك قبل موتك ذكرها     فالذكر للإنسان عمر ثاني

    جلساء السوء

    أحذركم ونفسي من جلساء السوء:

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     كان الخراب لها أعدى من الجرب

    قال تعالى: الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]

    الخليل هذا إمام صالح، يصلحك في الدنيا والآخرة، إذا دخل عليك في البيت فهو نور، وإذا جلس معك بركة، وإذا حدثك ذكرك بالله، فيقول الله لك وله من المجلس: انصرفوا مغفوراً لكم قد رضيت عنكم وأرضيتموني.

    وأما جليس السوء يدخل عليك الظلمة والمحق، إن تكلم تكلم بإثم، وإن قادك قادك لإثم، وإن نظر إليك الناس اتهموك لأنك معه:

    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه     فكل قرين بالمقارن يقتدي

    يقول الشافعي رفع الله منزلته:

    أحب الصالحين ولست منهـم     لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعـاصي     ولو كنا سواء في البضاعة

    أنت من الصالحين وتحب الصالحين و{المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل} {والمرء يحشر مع من أحب} جالس الأخيار، زر الدعاة، جالس طلبة العلم، أحببهم، ادع لهم عل الله أن يحشرك معهم.

    هذه قضايا عل الله أن ينفع بها، والأسئلة كما ترون كثيرة وأنا أريد الإبقاء على ضميمة الدرس؛ ليكون متناسب الأجزاء مترافق الأطراف، ولتكون القضية واحدة.

    هنا رسالة مطولة كتبها أحد الأخوة فيها بعض الأمور يقول: هناك ظاهرة طيبة وهي وجود من يدعو إلى شراء الكتب الإسلامية والأشرطة وهذا والحمد لله نعمة نحمد الله عليها...إلى آخر ما قال، المهم أنه ينبه إلى أهمية أن يعتني المسلم بإدخال هذا إلى بيته والاهتمام به، وإهدائه إلى المسلمين.

    أقول: شكر الله لك وقد أحسنت كل الإحسان، فلا يلزم من الداعية أن يكون متكلماً أو واعظاً أو محاضراً، بل شريط تنقله إلى المسلم قد يهتدي به، فيكون هذا المسلم في ميزان حسناتك، والشريط ما هو إلا بخمسة ريالات، خمسة ريالات تدخلها البيت بهذا الشريط فيصلح به ثلاثين أو أربعين في البيت أو أسرة، أو قبيلة فيكونون في ميزان حسناتك يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ، إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.

    وقد رأينا وسمعنا أن قوماً من أهل الفضل والخير ذهبوا بأموالهم الحلال، فأخذوا أشرطة فوزعوها على الناس فأصلح الله أسراً وقبائل وقرى، فوالله الذي لا إله إلا هو إني أعتقد أن توزيع الشريط الإسلامي في البيوت وفي الأسر والبوادي، وفي القرى أعظم ممن يوزع عليهم الأرز والسكر والطعام؛ لأن هذا حياة القلوب، وتلك حياة الأبدان، وحياة القلوب بالإيمان، وإذا فات الإيمان فالنار، وحياة الأبدان الموت، والموت أمره سهل، وقد ذكر ما يشبه هذا ابن القيم فأسأل الله عز وجل أن يجعل العمل خالصاً لوجهه.

    أسأل الله الواحد الأحد الذي جمعنا وإياكم في هذا المكان أن يخلص أعمالنا وأعمالكم لوجهه الكريم، وأن يجعل ما نقول وما نعمل خالصاً لوجهه الكريم لا رياء فيه، ولا سمعة، وأسأله أن يغفر لنا ولكم خطايانا، وأسأله أن يجازي كل من نشر الخير واستطاع بأي وسيلة أن ينشر الدعوة، وأن يوصلها إلى قلوب الناس، وإلى بيوتهم وسياراتهم أن يتوفاه مسلماً مؤمناً مثبتاً على الحق حتى يلقاه، وأن يبيض وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.

    سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2737160972

    عدد مرات الحفظ

    684505016