إسلام ويب

صور من التحدي اليهوديللشيخ : إبراهيم الفارس

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا يخفى على ذي لب وباحث في التاريخ أن اليهود وراء معظم جرائم التاريخ ونكباته، فهم قتلة الأنبياء، والمتطاولون على الذات الإلهية، وهم يكيدون لهذه الأمة منذ عهد النبوة، وبسببهم تفرقت هذه الأمة واختلفت، وهم مع ذلك لم يكلوا ولم يملوا من التخطيط للكيد بهذه الأمة.

    1.   

    من صور التحدي اليهودي

    عرض لجهود اليهود في حرب الدعوة الإسلامية في نشأتها الأولى

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

    فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا الدين سيظهر وينتشر ويعم البلاد، بل ويظهر في كل الكرة الأرضية.

    هذا الدين الذي سيظهر وقف له أعداء، ووجد له معادون، وهؤلاء الأعداء كثر ومتعددون، ولعل من أبرزهم: اليهود.

    وما سألقيه اليوم عبارة عن محاضرة ألقيتها في الرياض بعنوان: صور من التحدي اليهودي، وقد ألقيتها هناك لظروف خاصة مرتبطة بقضية الهجمة اليهودية الأخيرة بمساعدة جم هائل من النصارى والعلمانيين والزعامات النفعية التي تريد الاستسلام لهؤلاء اليهود والتسليم لهم.

    عندما أطرق هذا الموضوع عليكم بالذات أطرقه من نواح علمية خاصة؛ لأني أرى هذه الوجوه الطيبة المباركة تصبو إلى العلم، وتسمو إلى العلم، وتطلب العلم، ولعلي أستسمحكم عذراً أولاً وآخراً إذا أطلت عليكم أو أثقلت، فالعلم حمل ثقيل، ولابد من أن نتحمل، فلا علم إلا بتعب، ولا طلب إلا بتعب، والعلم لا يؤخذ كشربة ماء بل يؤخذ كشربة علقم، فإذا صبرت وصابرت فإنك ستشفى إذا أخذتها كدواء.

    ولعل بعضاً منكم يقرأ في كتاب الله تعالى نصوصاً متعددة وكثيرة تتحدث عن اليهود، وتتكلم عنهم فيتساءل ويقول: لماذا أطال القرآن الكلام عن فئة وشرذمة قليلة مقارنة بمجموعات وتجمعات بشرية أكثر من اليهود؟!

    علماً بأن النصارى في وقت نزول القرآن كانوا أضعاف اليهود، والمجوس والهندوس كانوا أضعاف اليهود، فلماذا التركيز على اليهود بالذات؟ هذا سؤال ينبغي أن نجد له إجابة، والإجابة على هذا السؤال هي ما سنلقيه في هذه المحاضرة.

    لا بد أن نعلم أننا عندما نناقش ونتحدث عن اليهود فإننا لا نناقش تحدي اليهود للنصارى أو للعلمانيين أو غير ذلك، بل نناقش تحديهم للمسلمين فقط، هذا هو الذي سيطرق، وهذا هو الذي سيطرح، ولعل الناحية التأصيلية لهذه القضية تأخذ الاتجاه التالي:

    أولاً: تمهيد وتوطئة: وهو عبارة عن عرض موجز مختصر عن جهود اليهود في حرب الدعوة الإسلامية في نشأتها الأولى، ثم الصورة الأولى من صور التحدي: المساهمة في إبراز المنهج الكلامي، ثم الصورة الثانية من صور التحدي اليهودي: المساهمة في إبراز المنهج الباطل، أما الصورة الثالثة من صور التحدي: فهي نقل النجاح من موقع إلى موقع جديد، والرابعة: تأخذ مظلة الإعلام والإفساد الشبابي، أما المظلة الخامسة: فالضغط والتحكم، والسادسة: السيطرة والتطبيع، ثم نتوقف وقفات مع صور من المواجهة؛ نطرق الدفاع ثم نطرق الهجوم ثم وقفة أخيرة، ثم ننهي المحاضرة على خير إن شاء الله تعالى.

    أما التمهيد والتوطئة في هذه المسألة: فإن اليهود ما فتئوا يكيدون للإسلام والمسلمين منذ بعث المصطفى البشير عليه السلام، ولا أريد أن أرجع إلى الوراء لأناقش لماذا وجد اليهود في المدينة وهم من أهل الشام أصلاً؟ لن أناقش هذا؛ باعتبار أن هذا موضوع تاريخي يحتاج إلى عرض، فإن كان هناك مجال عرضناه في الأسئلة إن كان هناك نشاط من قبلكم.

    فمن مناهج اليهود في تحدي المسلمين في نشأة الإسلام الأولى: طرح الأسئلة المعجزة؛ وذلك لتثبيط الإسلام والمسلمين، والدعوة والدعاة، عن طريق دعم هؤلاء المشركين بأسئلة التحدي المستمر، كسؤالهم عن الروح، أو عن الرجل الذي طاف البلاد، وعن الفتية الذين ذهبوا وتاهوا أول الدهر وغيرها.

    فالمشركون يتلقون ويسألون ليستخرجوا تحدياً معيناً، فينشرون بين الناس: أن هذا الرجل لا يفهم، وأن هذا الرجل لا يعي، فيجدون ثغرة بين هذا الرجل الداعية وبين الناس.

    ولعلكم تعرفون ما حصل من اليهود: يوم أن جاء المشركون إليهم وقالوا: أنتم أهل كتاب، وأنتم أهل علم، وأنتم أهل معرفة، فأينا على الصواب نحن أم هذا الرجل ومن معه؟ فقالوا: بل أنتم أيها المشركون! على صواب، وهؤلاء على باطل؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى فيهم: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51].

    إذاً: هذا منهج مساندة المشركين في مكة، لكن كانت الفجوة المكانية بين اليهود والمسلمين عاملاً من عوامل ضعف التأثير، لكن عندما هاجر الرسول بدأ التحذير القرآني يتتابع وينزل، ولعل خير مثال على ذلك: سورة البقرة، السورة المدنية التي نزلت أول ما نزلت في أثناء الهجرة إلى المدينة، وفيها قصة كاملة لليهود، لأوضاعهم، لقضيتهم، لأسئلتهم، لمشاكلهم، لمصائبهم؛ وذلك لينتبه المصطفى لهؤلاء ويحذرهم، ولذلك ما إن قدم المدينة حتى أخذ عليهم العهود والمواثيق، فهذا عهد مع بني قريظة، وهذا ميثاق مع بني النضير، وهذه معاهدة مع يهود بني قينقاع، وفعلاً سارت الأمور على ما هي عليه، لكن هؤلاء قوم غدر وخيانة، فبعد الهجرة عملوا جملة أعمال.

    فأول عمل عملوه أن قالوا: إن هذا الإسلام الذي ظهر سيقضي على ديننا وعقيدتنا، فلا بد من القضاء عليه، وأبرز قضية هي: أن نقضي على الرمز وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، فعندما ذهب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يهود بني النضير ليستعين بهم في دية قتيل معينة باعتبار المعاهدة، فعندما جلس مستنداً عليه السلام إلى أصل حصن من حصونهم قام عمرو بن جحاش بن غريب! وصعد إلى أعلى الحصن ليرمي على رسول الله حجر الرحى لعله يشق رأسه فيموت.

    فجاءه الوحي فخرج وعرف الخيانة وقضى على هؤلاء، لكنهم لم يأخذوا الدرس ولا العبرة، فقام رجل آخر: وهو لبيد بن الأعصم بعمل سحر للرسول صلى الله عليه وسلم، فسحره حتى إنه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله، وقد استمر شهراً كاملاً بهذه الطريقة.

    وهذا الرسول هو أفضل البشر، ويوحى إليه من الله، لكن لا يعلم من سحره، ويخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله، وكان هذا التنفير سينجح لو كان المؤمنون أصحاب قاعدة هشة، لكن المصطفى عليه السلام كان يربي ويقوي القاعدة، ولم يكن يبذر البذرة ويدعها تخرج وينتهي الأمر، بل بذر وسقى وجعلهم يترعرعون حتى صلب عودهم فتحدوا كل شيء يأتيهم، ولذلك كانت قاعدة صلبة لم تتأثر، وأفشل الله خطة اليهود، لكن هل سكتوا؟

    قامت زينب بنت الحارث الخيبرية بوضع السم في شاة أكل الرسول منها ومعه بشر بن البراء بن معرور رضي الله تعالى عنه، فمات بعد أن ازدرد اللقمة، أما الرسول عليه السلام فعلم وأخرجها من فمه، وقيل: إنه مات منها، فكان نبياً شهيداً صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: لم تنجح هذه الطريقة فماذا نفعل؟ قالوا: لننتقل إلى طريقة أخرى، وفعلاً انتقلوا إلى طريقة أخرى، والطريقة الأخرى: هي أن ننشئ طابوراً إضافياً خاصاً داخلياً مستوراً يبث الفرقة بين المسلمين، فأنشئوا المنافقين؛ ولذلك تجد غالب المنافقين لهم ارتباط باليهود بأي صورة وبأي كيفية وفي أي زمان وفي أي مكان.

    والمنافقون في هذا الزمان (الطابور الخامس) مرتبطون باليهود، ولذلك لو رأيت أحد الصحفيين الذين يكيدون للإسلام والمسلمين فارجع إلى تاريخه فستجد أنه تتلمذ على اليهود مباشرة أو كتابة أو غير ذلك، ولكن هذا الطابور لم ينجح؛ لأن الوحي ينزل ويحذر، وتأتي الآيات المتتابعة التي تفضح هؤلاء واحداً تلو الآخر، فهذا يقول: ائذن لي ولا تفتني، إذاً: هو الرجل فلان! وهؤلاء أنشئوا مسجد الضرار، وهم فلان وفلان .. وفلان! وهذا يقول: لا تنفروا في الحر، إذاً: هذا فلان! ففضحهم الله واحداً بعد الآخر، وفي نهاية المطاف تساقطوا ولم ينجح هذا المنهج.

    إذاً: ننتهج منهجاً ثالثاً: وهو الحرب الجماعية؛ فنحن أقوياء متمرسون على القتال، ولدينا عتاد وأفراد وسلاح، فلنرفعها في وجه هذه القلة القليلة، فحاربت بنو النضير وبنو قينقاع وبنو قريظة ويهود خيبر وفشلوا وتحطموا جميعاً واحداً تلو الآخر.

    إذاً: لم تنجح الحرب الجماعية فانتقلوا إلى منهج آخر: فقد مات الرسول عليه الصلاة والسلام والأمة قوية ومسيطرة ومتمكنة وتمتد بسرعة فأخذوا يساهمون في اغتيال من ينوب عن هذا الإمام: كـأبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، فـعمر بن الخطاب قتل على يد أبي لؤلؤة المجوسي ومعه جماعة، تقول بعض كتب التاريخ: إن لليهود في ذلك دوراً غير مباشر، فقد كانوا هم الذين استقدموا أبا لؤلؤة المجوسي وباعوه للمغيرة بن شعبة، ويقولون: إن الهرمزان كان مدعوماً كذلك من قبل اليهود، ويقولون: إن الخنجر المسموم ذا الرأسين سمه اليهود منذ فترة طويلة الزمن.

    إذاً: فقد ساهموا في هذا كما ساهموا أيضاً في اغتيال عثمان عن طريق عبد الله بن سبأ كما سنعرف بعد قليل، وساهموا في أشياء كثيرة، والقضية أنهم ساهموا في اغتيال الزعامات المشهورة.

    لكن هذا المنهج لم ينجح؛ لأن الرجل من هؤلاء إذا سقط قام بدلاً عنه شخص آخر له نفس الإمكانيات أو أقل قليلاً، فلم ينجح هذا المنهج، فحاولوا بمنهج آخر: تذكية الفتنة بين المسلمين، فلما قتل عثمان وتولى علي قامت الفتنة فقام أهل الخير من الصحابة وغيرهم للم الشمل وللقضاء على مصدر الفتنة؛ وقامت عائشة تطالب بدم عثمان، وكان هناك اختلاف في وجهات النظر.

    وكادت أن ترجع المياه إلى مجاريها، لكن اليهود ساهموا في إيقاظها من جديد؛ ولذلك تروي كتب التاريخ: أن وفود صلح التقت من جيشي علي وعائشة لفض الخلاف، وليرجع كل جيش إلى مكانه، فعندما رأى اليهود أن هذا الصلح يكاد أن يتم التقوا ليلاً واتفقوا فيما بينهم على أن يقوموا بالحرب مباشرة هذا من هنا وهذا من هنا، وفعلاً بدءوها وتوقع كل فريق من الصحابة أن الخيانة صدرت من الجيش المقابل، فقامت المعركة المريعة المخيفة الهائلة التي ذهب ضحيتها عشرة آلاف من المسلمين. فهل سكتوا؟

    لا، بل انتقلوا بعد ذلك إلى إذكاء الحرب بين علي ، ومعاوية.

    فقامت معركة صفين، وطبق فيها نفس المنهج الذي طبق يوم الجمل، وراح ضحيتها سبعون ألفاً من المسلمين.

    لكن الصلح عاد والمياه عادت إلى مجاريها، وعادت الأمة الإسلامية إلى الجهاد والحرب.

    فبدءوا يفكرون، فقالوا: نحن نتذكر منذ أمد قريب أن العرب الذين يعيشون في البادية كانوا من أخس الناس ومن أجهل الناس يتقاتلون على أتفه الأشياء، فحرب داحس والغبراء استمرت مائة سنة، والسبب فيها: أن زعيم عبس وزعيم ذبيان تراهنا على مائة من الإبل، فخشي زعيم ذبيان أن يفقد المائة فقال لواحد من عبيده: انظر إلينا فإذا رأيتني سبقته فاتركني، وإذا رأيت زعيم عبس سبقني فضع تحت فرسه قطعة من الخشب ليسقط، وفعلاً وضعها بعد أن سبق فرسه فسقط الفرس فقام هذا وقتل هذا ثم قامت معركة دامت أربعين سنة بسبب سباق فرس.

    وكذلك تذكروا حرب البسوس بين بكر وتغلب التي استمرت أربعين سنة بسبب: أن ناقة لامرأة فقيرة مستجيرة بـجساس بن مرة الذي ينتسب إلى بكر دخلت في أرض خضراء مما يحميه هؤلاء المتسلطون لترعى، فقام كليب بن وائل وضربها بقوس فأدمى ضرعها، فصاحت المرأة: وا جساساه ! فقام جساس وضرب كليباً فقتله، فقامت معركة لمدة أربعين سنة، فبدءوا يفكرون في أن هؤلاء يقتلون أولادهم خشية الفقر، ويقتلون بناتهم خشية العار فماذا نفعل؟

    فتذكروا حادثة مرت على الرسول صلى الله عليه وسلم، رجل يدخل على المصطفى عليه السلام وهو جالس بين أصحابه -هذه الرواية ذكرها الإمام الطبري في تفسيره- فيقول: يا رسول الله! كنت إذا رزقني الله ببنات أدفنهن وهن أحياء، وفي مرة من المرات رزقني الله ببنت فبدأت زوجتي تبكي وتترجاني أن أبقيها فأبقيت هذه البنت، وعندما كبرت وترعرعت صارت من أجمل النساء وأحسنهن فأخذتني الغيرة؛ لأن الخطاب بدءوا يتوافدون علي من كل اتجاه فقررت أن أقتلها، فقلت لزوجتي: أريد أن أزور أقربائي في القرية الفلانية، فأخذت علي العهود والمواثيق ألا أتعدى عليها، وفي النهاية سمحت لي فأخذتها معي، وعندما سرنا في الطريق أخذت طريقاً مهجوراً، وذهبت إلى بئر مهجورة، فعندما رأتني عند هذه البئر بدأت تبكي وتتمسح بقدمي وتصيح، وأنا أنظر إليها فتأخذني الرحمة، وأنظر إلى البئر فتأخذني العزة، وأخيراً تغلب العقل على العاطفة فسحبتها بكل قوة وألقيتها في البئر وهي تصرخ: قتلتني يا أبي! قتلتني يا أبي! إلى أن ماتت.

    فرفع رأسه وإذا بالرسول عليه السلام -بأبي هو وأمي- تذرف عيناه من الدمع، والصحابة كذلك فقال: (والله لو كنت معاقباً أحداً لعاقبتك، ولكن الإسلام يجب ما قبله)، يتذكر اليهود هذه الحوادث عن الجاهلية فما الذي غير حالهم؟ إنه الإسلام، والعقيدة الإسلامية.

    إذاً: فلا بد من إنشاء مظلات جانبية تنمو وتترعرع وتكبر حتى تقضي أو تنافس المظلة الأصلية، فتحاربها وتجعلها دائماً في صراع معها، وفعلاً فكروا ونجحوا، أما كيف نجحوا؟ فهذا ما سنطرقه في القضايا التالية:

    المساهمة في إبراز المنهج الكلامي

    إذاً: المظلة الأولى: قالوا: هذه العقيدة الصافية السلسة السمحة هي التي وحدت المسلمين، وجعلتهم بهذه الصورة، فلننشئ مظلة عقائدية تسحب عدداً منهم وتجعلهم ينافسون المظلة الأم.

    قالوا: من أكبر علمائنا: لبيد بن الأعصم الذي سحر الرسول، فقالوا له: عندك عقائد قوية يا لبيد ! فأخرجها، قال: والله لا أستطيع إخراجها؛ لأن عندي أناساً أقوياء من الصحابة، فلو أخرجت كلمة واحدة لأسكتوني وأنا ذمي.

    إذاً: هل تموت ويموت علمك معك؟ قال: لا، بل سآتي بواحد وأدرسه عقائدي، وهذا الرجل هو: طالوت ابن أخت لبيد ، وفعلاً تربى طالوت على هذا المنهج، ثم بعد ذلك جاء طالوت ليبث هذه العقائد، لكنه وجد التابعين، إذاً: لم ينجح هذا وهو يهودي، فصار يطبق نفس المنهج على رجل مسلم اسمه: بيان بن سمعان التميمي ، وهو رجل ضال مضل ساذج، فأخذه وعلمه، ثم قام بيان بتعليم الناس وإغواء السذج، وما أكثر الذين يستجيبون للسذاجة خصوصاً عامة الناس.

    ولا بد أن نعي أن هؤلاء العامة يسيرون مع كل أحد؛ ولذلك يقول أبو الدرداء عن هؤلاء: الناس صنفان: عالم ومتعلم، وباقي الناس همج ولا خير فيهم. فإما أن يكون عالماً، وإما أن يكون متعلماً، فإن لم يكن عالماً ولا سائلاً عن منهج العلم، فإن هذا من الذين لا خير فيهم.

    ولذلك بدأ هذا يؤثر في العامة، فجمع له عامة كثيرين جداً، وترتب على هذا أنه أغواهم واستهواهم حتى إنه ادعى في آخر الأمر أنه نبي، وهو الذي يقول: إن الله أنزل في قرآناً عندما قال: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ [آل عمران:138]؛ لأن اسمه: بيان بن سمعان التميمي .

    وكان من تلامذته: الجعد بن درهم ، فعندما وصل الأمر في نهاية المطاف إلى أنه ادعى أن الإله حل فيه وادعى الألوهية نفر منه تلميذه الجعد وتركه، فجاء بآراء منها: أن الإله لا يمكن أن يحل شيء فيه، وبالتالي لا يمكن أن يرى ولا يشاهد وليس له صفات، فنفى الصفات تماماً، وكانت هذه ردة فعل قوية لعمل بيان بن سمعان هذا الذي وصل إلى قمة التشبيه.

    وفعلاً نجح الجعد في تكوين جماعة، وكان من جماعته أو حزبه: الجهم بن صفوان ، وهذا الجعد قبض عليه، وحقق معه فأقر واعترف، فحكم عليه بالقتل، وقتله خالد بن عبد الله القسري حيث ذبحه كما تذبح الشياه في أصل المنبر، فإنه قال في الخطبة: ضحوا تقبل الله ضحايكم! فإني مضح بـالجعد بن درهم ؛ فإنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً، ثم نزل وذبحه في أصل المنبر كما تذبح الشياه.

    فعندما رأى الجهم هذه القضية هرب إلى اليهود في حران في شمال العراق، وتلقى منهم علماً غير العلم الذي تلقاه من الجعد ، ثم كان الطلب عليه قوياً فهرب إلى الهند، ومكث في الهند فترة عند الهندوس، وتلقى منهم علماً، ثم رجع مرة أخرى واختفى في العراق عند الصابئة الذين يعبدون الكواكب، وتلقى منهم علماً، وانظروا إلى هذا الخليط من العقائد التي أخذها، ثم بدأ يدرس في طرف من أطراف العالم الإسلامي.

    لكن المسلمين كانوا له بالمرصاد، فكانت هناك قصة عجيبة طويلة لا أذكرها لكم إلا بشكل موجز: فقد كان يدرس أتباعه في نفي الصفات والأسماء وغير ذلك، فوقف أعرابي يستمع إليه، ثم عندما انتهى هذا من درسه قام الأعرابي وارتجز قصيدة سهلة:

    ألا إن جهماً كافراً بان كفره ومن قال قول جهم يوماً فقد كفر

    لقد جن جهم إذ يسمي إلهه سميعاً بلا سمع بصيراً بلا بصر

    إلى آخر الأبيات الطويلة، وقد ذكرها الألوسي في (جلاء العينين)، فترتب على ذلك أن سلم بن الأحوز حاكم الأمويين آنذاك قبض عليه فقتله، لكن هل انتهى مذهب الجهمية الذي أسسه الجهم بن صفوان ؟ لا لم ينته.

    إذاً: فمنهج الجهمية ينسب إلى اليهود، لكن جاءت المعتزلة بعد ذلك وأخذت مذهب الجهمية فرممته من هنا وهناك وأخرجته للناس، واستجابت السلطة لمنهج المعتزلة وفرضته فرضاً على الناس، واستجاب الناس له بقوة السلاح والحديد والنار، إلا ذلك العالم العظيم أحمد بن حنبل الذي وقف وقفة عجيبة قوية في وجه هؤلاء.

    ولذلك يقول العلماء: إن الناس ثلاثة: أبو بكر في وقفته في حروب الردة، وعمر في وقفته في وجوه بني أمية، وأحمد بن حنبل في وقفته تجاه المعتزلة. فقد وقف لهم وحيداً وتحداهم ونصره الله سبحانه وتعالى عليهم، ثم قامت فئة أخرى وأخرجوا لنا مذهب الأشاعرة.

    إذاً: منهج الأشاعرة يرجع إلى المعتزلة، والمعتزلة يرجع إلى الجهمية، والجهمية يرجع إلى اليهود، وهذه نقطة مهمة لا بد أن نعيها جميعاً، فهذه المظلة التي كانت خاصة بالمنهج الكلامي، وقد كان لها قوة عجيبة في مسألة حرب المظلة الأساسية: وهي مظلة العقيدة الصافية، وقد يقول قائل: كيف الحرب؟ أقول: تذكروا واعرفوا ماذا فعلت المعتزلة من أفاعيل عجيبة في ضرب التوحيد وأهل السنة؟ ماذا فعل الأشاعرة عندما نشروا المذهب الأشعري في كل مكان وحاصروا أهل السنة؟

    صور من إبراز اليهود للمناهج الباطلة ودعمها إياها لتقويض أركان الأمة المحمدية

    لكن اليهود وجدوا أن هذه المظلة قد تجد قبولاً من أناس، لكنها ربما لا تجد قبولاً من أناس آخرين، ففكروا في إنشاء مظلة أخرى تستهوي أناساً آخرين، فجاءوا لرجل منهم يمتاز بالذكاء والحصافة والقدرة والقوة، وهو عبد الله بن سبأ الصنعاني اليهودي من اليمن، دخل المدينة فأعلن الإسلام وبدأ يعكف على العبادة، ويعكف على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لكي يراه الجميع.

    فصار يدخل الأسواق ويأمر وينهى، فأحبه كل الصحابة، وعندما زرع الثقة القوية في قلوبهم قال: إنني مسافر لأنشر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع أرجاء العالم الإسلامي، فذهب إلى البصرة والكوفة والشام ومصر، لكنه كان يدعو ظاهراً وينظر إلى أناس من اليهود أو المجوس أو المنافقين فيحتك بهم، فكون خلايا ترعرعت ونمت شيئاً فشيئاً إلى أن كبرت.

    وفي عهد عثمان نشأت هذه التجمعات الصغيرة، وبدأ يثير هؤلاء في أواخر خلافة عثمان على عثمان ، فبدأت هذه التجمعات تدعو في الظاهر إلى نقد منهج عثمان في الحكم فقط، هذا هو الأمر الأساسي.

    وفعلاً هذا هو الذي بدر منهم، لكن اندس بينهم الذين ينهجون المنهج العقائدي الذي تبناه ابن سبأ ، فتجمعوا وكبروا، وكانت النتيجة مقتل عثمان وظهور الفتنة، بعد ذلك نشر عبد الله بن سبأ في أتباعه الخلص عقائده التي يريد، من الرجعة والعصمة والتقية والبداء وغير ذلك من العقائد التي أخذ بها الشيعة الرافضة إلى زماننا هذا.

    فنشأ هذا المنهج وترعرع شيئاً فشيئاً، وصار شوكة عجيبة في جسد الأمة الإسلامية، بل وكان له قدرة وقوة في كثير من الأزمنة على ضرب الأمة وإجهاض كثير من مقدراتها، ومن أمثلة ذلك: الدولة العبيدية التي استمرت قريباً من 270 سنة، وهي تضرب في الأمة الإسلامية التي تسمى ظلماً وعدواناً: الدولة الفاطمية، فقد قضت على العلماء وعلى الإسلام والمسلمين داخل مصر، بل إن آثار هذه الدولة موجودة إلى الآن في مصر، ومن مظاهر ذلك: الكتب التي أنشأها الفاطميون لتشغل الناس عن ذكر الله تعالى، مثل كتاب: تغريبة بني هلال، أو كتاب حمزة البهلوان ، أو كتاب سيف بن ذي يزن في أربعة مجلدات، وهي كتب قوية وفيها تشويق وباللغة الشعبية العامية وأشعار وغير ذلك.

    ومن آثارها كذلك مثلاً: ما يسمى بعيد شم النسيم، وهو عيد النيروز (العيد المجوسي المعروف) وهو موجود في مصر، والدولة العبيدية نجحت نجاحاً باهراً في سبيل تقويض كثير من مقدرات الأمة، بل كان لها قدم قوية في استجلاب الصليبيين لضرب الأمة الإسلامية، واستنجاد هؤلاء بالصليبيين لا يخفى على أحد.

    ومن النكت اللطيفة في هذا الجانب: أن العبيديين أو الدولة الفاطمية عندما وقفت وقفة عجيبة ضد المسلمين تنبه المسلمون وبدأت تظهر صحوة في القاهرة، هذه الصحوة التي بدأت تظهر وجدت مجابهة رهيبة من قبل هؤلاء، وكانت هذه الصحوة في وقت الحاكم بأمر الله الفاطمي المعروف، فكان يأمر عبيده الذين يبلغون الآلاف بأن يهاجموا هؤلاء الذين التزموا الحق، فصاروا يهاجمونهم في المساجد ويقتلونهم، فقامت معركة بين أهل القاهرة وبين هؤلاء العبيد، فكان الخليفة الفاطمي يخرج ويرى المعركة في النهار فيبكي، وفي الليل يأمرهم بالضرب فيهم والجلد معهم، بل إنه يعتق الشجعان منهم، ولعل هذا المنهج هو منهج الشيعة الآن.

    تجد مثلاً: نبيه بري أو (منظمة أمل) أو (حزب الله) أو (إيران) تتباكى على فلسطين وعلى القدس وعلى الفلسطينيين، ومع ذلك لم يضرب الفلسطينيين مثل هؤلاء، ولم يقض على الفلسطينيين مثل هؤلاء، فقد قتلوهم في تل الزعتر، وفي مذبحة صبرة وشاتيلا، وهم الذين ساندوا اليهود في مخيم نهر البارد، ثم يدعون أنهم ينصرون الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

    فهم يستخدمون منهج الحاكم بأمر الله حرفاً بحرف وسهماً بسهم.

    ومن الأمثلة كذلك: الدولة البويهية التي ظهرت إبان الخلافة العباسية، وكان لها دور قوي جداً في نصرة المذهب الشيعي، بل وصل الأمر بهم إلى منع أهل السنة من الدروس واللقاءات، وكانت الأوضاع آنذاك مأساوية كما ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله تعالى.

    وأما الشيعة فدروسهم عامرة، ومساجدهم ظاهرة، والفرح والسرور بادٍ على وجوههم؛ لأن الوزارة بأيديهم؛ وزارة الدولة البويهية.

    وكذلك القرامطة، فقد فعلوا الأعاجيب عندما سيطروا على نجد والحجاز وجنوب العراق وجنوب سوريا، فقد سيطروا عليها سيطرة تامة، فقد كانوا يقتلون الحجاج، ويرمونهم في بئر زمزم، في حقد عجيب على الأمة المسلمة، مثلاً: الدولة الصليحية في اليمن، فعلت الأعاجيب، وكذلك علي بن الفضل كان من زعماء الصليحيين في اليمن، وهو الذي نشر المذهب الباطني، وهم الآن موجودون في نجران وفي اليمن، وهذا بفعل جهود علي بن الفضل .

    ولعلي أذكر لكم طرفة: علي بن الفضل هذا كان يحمي نفسه بحراسة شديدة جداً ففكر أحد الصلحاء في قتله، لكن كيف يقتله مع هذه الحراسة؟ فادعى أنه طبيب، فتعلم الطب فصار يطبب الناس، وفعلاً ظهرت آثاره، فاحتاج علي بن الفضل هذا إلى أن يحتجم فقال: جاءتني فرصة؛ لأنهم طلبوه ليحجم علي بن الفضل ، لكنه عرف أن هؤلاء إذا جاءهم الشخص غيروا ثيابه وأخذوا الأدوات كلها، وغسلوها بالماء الحار، فلا يستطاع على قتله بأي شيء، فوضع سماً أسود في لحيته، ووضع عليه نوعاً من العود فصارت لحيته لحية إنسان متطيب، ثم ذهب إليه.

    وعندما أخذ المحجم ليضعه مرره بسرعة عفوية دون أن يشعر به أحد على لحيته، فالتصق السم بها ثم وضعه على رقبته فمات بعد دقائق معدودة لقوة السم، فلما علموا به أخذوه وقتلوه.

    ومن ضمن النماذج كذلك: الدولة الصفوية في إيران، وإيران كانت دولة سنية إلى عام (1150هـ) ثم ظهرت الدولة الصفوية وكان من أبرز زعمائها: إسماعيل الصفوي ، وهذا الرجل تذكر كتب التاريخ التي تحدثت عن هذه الدولة -ومن أبرزها كتاب العصامي (سمط النجوم العوالي)- تقول: إنه في يوم واحد قتل مائة ألف سني في مدينة واحدة في مجزرة لا يتخيلها عقل، وذلك لأنهم تحدوه ورفضوا أن ينضموا إلى التشيع، ثم نقل المنطقة كلها من التسنن إلى التشيع.

    ومن النماذج الأخرى: ما فعله مؤيد الدين بن العلقمي ، ونصير الدين الطوسي في مسألة القضاء على الخلافة العباسية؛ فقد أرسل ابن العلقمي خطاباً إلى هولاكو يحثه على دخول بغداد لكي تسقط الخلافة السنية، فيقيم خلافة شيعية بدلاً عنها.

    فأرسل له هولاكو يعتذر عن دخول بغداد؛ لوجود مائة ألف جندي مدربين وأقوياء، فتعهد له ابن العلقمي بصرفهم جميعاً، ولم يبق في بغداد آنذاك إلا مائة ألف جندي كلهم ضعفاء، فقدم هولاكو وحاصر بغداد حصاراً يسيراً فسقطت، وفعل بها الأفاعيل، وكان الشيعة يقودون الجند المغول ويقولون: هذا بيت فلان! وهذا بيت العالم فلان! وهذا بيت المؤرخ فلان! فيدخلونها ويقتلونهم واحداً تلو الآخر، فقضي على أعداد كبيرة، ولم يبق عالم ولا طالب علم من السنة إلا قضي عليه من قبل هؤلاء الشيعة.

    إذاً: فقد نجحت هذه المظلة في أن تقضي على كثير من مقدرات المظلة الأساسية الأم، ولكن الله سبحانه وتعالى تعهد بحفظ هذه المظلة، ولم يوكل حفظها لنا نحن، بل قال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]، فإذا حفظ الله القرآن حفظ بحفظ القرآن أهل القرآن، فكانت المسألة مسألة شد وجذب، فينخفضون ويقلون لكنهم باقون: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم إلى أن يأتي الله بأمره)، والنماذج الحالية الآن في هذا الزمان: إيران وسوريا وما يحصل في الأحساء، وما يحصل في الكويت الآن، فهم يبرزون الشيعة قليلاً .. قليلاً، ويظهرونهم ظهوراً قوياً، وهؤلاء يخططون ليس على مدار سنة أو سنتين، بل على مدار سنين طويلة، فإذا ظهروا فسيضربون ضربتهم، فوالله إن كتبهم لتفوح بالحقد المرير علينا، الآن في المنطقة الشرقية: يتناسلون تناسلاً عجيباً ويقولون لأتباعهم ولأفرادهم: إن من يتزوج زوجة ثانية فله كذا وكذا من المال، ومن أنجب أطفالاً فوق العدد الفلاني فله مصروف مغر وهكذا.

    نقل النجاح من مكان إلى مكان آخر

    أما المظلة الثالثة: فهي نقل النجاح من مكان إلى آخر، ولعلكم تعرفون أن الحكومة الرومانية حاولت بعد رفع عيسى عليه السلام إلى السماء، وبعد أن رأى اليهود هؤلاء النصارى يتغلبون عليهم واحداً تلو الآخر، ومعركة تلو الأخرى، فحاول اليهود إفساد الديانة النصرانية، فجاء شاءول اليهودي ودخل في دين النصرانية محاولاً إفساد ديانتهم، وسمى نفسه: بولس، فبدأ يتلقى عقائد الرومان، ويدخلها بسهولة وبيسر في عقائد النصارى ويستجيبون له، فأدخل التثليث والصلب والفداء وقضايا كثيرة، إلى أن جعل عقيدة النصارى متفرقة شيعاً وأحزاباً، فقام اليهود بالقضاء عليهم واحداً تلو الآخر.

    ثم تجاوز اليهود حدهم فناوشوا الرومان، فعندما رأى الرومان هؤلاء اليهود قد كبروا أكثر من اللازم شردوهم وقضوا عليهم وطردوهم، فتشردوا في بلاد الله الواسعة، وذهبوا إلى أوروبا وتشردوا فيها، والأوروبيون آنذاك يعرفون أن الذي قتل عيسى ابن مريم هم اليهود، إذاً: لا بد من محاصرتهم والقضاء عليهم ومضايقتهم، وفعلاً ضايقوهم مضايقة عجيبة، وجعلوهم ينحصرون فيما يسمى: بالغيتو أو الفيتو، وهو: عبارة عن تجمعات صغيرة مجاورة للمدن، حتى إنه وضع عليها أسلاك شائكة لا يدخل اليهودي ولا يخرج إلا باستئذان، فبدأ اليهود يفكرون في القضاء على الكنيسة المسيطرة آنذاك على أوروبا، فبدءوا باستخدام المال والنساء في إغواء الطبقة القوية، والطبقات آنذاك كانت طبقتين: طبقة الإقطاعيين، وطبقة العمال، فبدءوا بالاحتكاك بالنبلاء على أن يعطوهم الاحترام والتقدير في بداية الأمر، ثم بدءوا بالتركيز على فرنسا؛ حتى لا يتشتتوا، فبدأ النبلاء الفرنسيون يثقون باليهود، فصار اليهود يتحكمون بهم، ثم بعد ذلك أشاروا على النبلاء هؤلاء بالخروج على الكنيسة فوافقوهم، وحصلت الثورة الفرنسية في القرن السابع عشر بقيادة اليهود.

    وعندما نجحت الثورة قام اليهود لهؤلاء العمال فأعطوهم الأموال الطائلة، والأراضي والمزارع، فلما رأت ذلك البلدان الكنسية طمعوا في الوصول إلى مستوى فرنسا المعيشي فحصلت بعد ذلك الثورات وتتابعت، وكل يدرى أن السبب الرئيسي في الجوع والفقر هو الكنيسة، فأسقطت الكنيسة وحوصرت في منطقتها، واستطاع اليهود بنجاح فصل الناس عن دينهم، ثم أخذوا ببث أبواقهم التي تدعو إلى عقائد منحرفة من نسيج خيال اليهود، فظهر أمثال: فرويد داروين ، ودور كليم ، وأسبينوزا ، وسارتر ، وماركس ، وأنجلز ، وهيقل ، فبدءوا ينشرون أفكارهم وعقائدهم حتى صارت أوروبا أحزاباً وشيعاً يتحكم بها اليهود كيفما شاءوا.

    فاليهود الآن يتحكمون في أوروبا وفي أمريكا، وأمريكا تعتبر امتداداً لأوروبا، فعندما رأى اليهود النجاح الذي حققوه في أوروبا طمعوا في نقل هذا النجاح إلى العالم الإسلامي، فلجئوا إلى المظلة الرابعة.

    والمظلة الرابعة تختص بالأفكار والمذاهب المعاصرة، كالعلمانية، والحداثة، والاشتراكية، والماركسية، والقومية، وقد وجدت هذه الأفكار من يتلقفها واحداً تلو الآخر، ثم نقلوها إلى العالم الإسلامي، ثم ظهرت الطريقة العسكرية عن طريق الاستعمار الحديث الذي فرضه الأعداء على دول كثيرة: كالجزائر وتونس والمغرب والعراق ولبنان وغيرها، وهناك طريقة أخرى غير مباشرة: إما عن طريق بعثات التعليم التي ذهبت وتلقت العلم ثم رجعت تنفذ الأهداف، وإما عن طريق النصارى العرب الموجودين داخل المجتمع المسلم.

    الإفساد الشبابي من خلال الإعلام المقروء والمسموع والمشاهد

    أما الصورة الخامسة: فتختص بالإعلام والإفساد الشبابي، فقد وجدوا أن كثيراً من الشباب والفتيات غير مستعدين أن يستخدموا عقولهم، فبدءوا يبثون فيهم قضية الرياضة والفن والتمثيل وما إلى ذلك.

    ولذلك يقولون في البروتوكول الرابع عشر لهم: علينا أن نشغل الشعوب بالفن والرياضة؛ حتى يسهل علينا تمرير مخططاتنا عليهم. وفعلاً الآن ترى كأس العالم للشباب، كأس العالم للناشئين، وكأس آسيا، وكأس أفريقيا، وكأس الخليج، وكأس العرب، وكأس الملك، وكأس ولي العهد، وهكذا كئوس مستمرة واحداً تلو الآخر، فما ينتهي هذا إلا ويأتي هذا، والشاب مسكين إذا انتهى من مشاهدة المباراة انتقل للجريدة، ويبدأ يقرأ المعركة وكأنهم يصفون معركة بدر! فينشغل بها الشاب طول وقته.

    وفعلاً: نجحوا بهذه الكيفية فشغلوا عدداً كبيراً من الشباب، ولعلي أضرب لكم مثالاً على هذا: روبرت ماكسوي هذا اليهودي الذي يملك عدداً كبيراً من الصحف في أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، وله صحيفة: معاريف الإسرائيلية، الصحافة المسلمة التي في بلاد التوحيد عندما مات أقامت الدنيا وأقعدتها، وتحدثت عنه وعن جميع ما يتعلق به، وهو يهودي ماكر كان همه الأول هدم الإسلام والمسلمين، وقد كان أيضاً من هؤلاء الذين ركزوا على الجانب الإعلامي، وعندما تحدثت الصحافة عن جبهة الإنقاذ، وعن عباس المدني مثلاً، وعن حسن الترابي ، وعن الغنوشي -على ما عندهم من أخطاء- إلا أن التركيز لم يكن على أخطائهم الخاصة؛ لأنهم مسلمون، وبدأت الصحف تنقل ما قالته صحيفة واشنطن بوست أو التايم، وتنشره كما هو تقليد الإعلام في أيديهم، وهذه كلها بأيدي اليهود.

    إذاً: فهذه سيطرة إعلامية رهيبة جعلتنا نرضخ ونسير في اتجاهها، والآن البث المباشر الذي بدأ يبرز ويظهر وسيكون له أثر أكبر وأكبر فيما بعد.

    تدريب اليهود للقادة والحكام المسلمين بأساليب مباشرة أو غير مباشرة

    أما الصورة السادسة: فتختص بالسلطات والحكام والرؤساء الذين تربوا عندهم، سواء عن طريق التربي في المناهج أو في المحافل الماسونية المعروفة، فيؤخذ عليه ما يؤخذ، وبالتالي إما أن ينفذ هذا الحاكم أو يفضحونه أو ينقلبون عليه أو يقطعون عنه الدعم، فيقوم هذا الرئيس المسكين وهذا الزعيم الذليل بالضغط على الشعوب أو تنفيذ طلبات رؤسائه، فلا يجد الناس وقتاً كافياً للدعوة إلى الله تعالى؛ لأنهم مشغولون أكثر الوقت في البحث عن لقمة العيش، فنجحوا فترة من الزمن.

    ولذلك ترون الآن أن الدول الإسلامية كلها تعيش في الفقر مع غناها العجيب، مثاله: ما يحصل وترون في المغرب، والجزائر، وتونس، ومصر، والسودان، وسوريا، ولبنان، والأردن، والعراق، واذهبوا إلى الجهة الشرقية فكلها فقيرة، ولم يبق إلا دول الخليج، ودول الخليج الآن جاءها الدور، فالفقر يبرز في غلاء الأسعار، وانخفاض معدل الرواتب وما إلى ذلك.

    السيطرة والتطبيع

    أما الصورة التي تليها فهي: قضية السيطرة والتطبيع، فقد وجدوا الآن أن العالم الإسلامي صار في أيديهم؛ لأن الزعامات في أيديهم، فسيطروا على مناهج التعليم، وبدءوا يقولون للناس: اليهود هؤلاء أحبابكم وأصدقاؤكم وأبناء عمومتكم، فلماذا تبتعدون عنهم؟ إذاً: احذفوا شيئاً اسمه: المقاطعة أو العدو الصهيوني أو الإسرائيلي، وهم يأملون في أن يجدوا اليهودي عالماً أو سائحاً أو غيره يجوب العالم الإسلامي وكأن هذه البلدان أصبحت بلداً له، ولعلكم قد سمعتم شريط (التطبيع) للشيخ سلمان العودة ففيه خير عظيم تجاه هذه القضية.

    1.   

    كيف نواجه الأعداء

    أما النقطة الأخرى -وهي النقطة قبل الأخيرة- فهي: أسلوب المواجهه، إذاً فهؤلاء الأعداء ضغطوا علينا لأن المظلة الأساسية وهي مظلة العقيدة لا يريدونها، ويريدون القضاء عليها، فهذه المظلة مظلتنا لا نريد لها أن تتناقص بفعل نمو هذه المظلات الكبيرة القوية، بل لا بد أن نتوسع ونكبر هذه المظلة؛ لتسيطر على هذه المظلات، بل ولتقضي عليها، فما هو الأسلوب الذي نستخدمه؟

    هناك أسلوبان: أسلوب المواجهة، وأسلوب الهجوم.

    فالتلفزيون والغزو الفضائي الذي يستهوي الشباب عبارة عن هجوم، والنصيحة لهؤلاء الشباب وترشيدهم وبيان خطر هذا الغزو عليهم بالتي هي أحسن عبارة عن دفع لهذا الهجوم، والأمثلة على ذلك كثيرة.

    ولابد أن يعلم الداعية أن لدى كل إنسان غريزة تقبل الوعظ والإرشاد إذا كان بأسلوب حسن وطريقة طيبة، فقد فطره الله على ذلك وجبله، يقول سبحانه في الحديث القدسي: (خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه).

    إذاً فهناك شياطين حرفتهم، فأنت تحاول أن تعدل المسار بهذه الكيفية وبهذه الطريقة.

    لأغلبن أنا ورسلي

    وفي خاتمة هذا الموضوع: لا بد أن تعي -أيها الأخ المؤمن- أن العزة والنصر لهذا الدين، قال تعالى: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [المجادلة:21]، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40].

    فالنصر لنا بإذن الله سبحانه وتعالى، لكن النصر يحتاج إلى صبر ومجاهدة، والرسول صلى الله عليه وسلم في إمكانه أن يرفع يديه إلى السماء ويدعو بالنصر مرة واحدة فيقضي الله سبحانه وتعالى على المشركين أجمعين، لكنه مكث ثلاثاً وعشرين سنة وهو يصبر ويصابر ويدعو شيئاً فشيئاً إلى أن تكونت الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي يسعى اليهود والشيعة إلى تقويض بنيانها، ولعلكم تعرفون أن هناك نشرة يصدرها الشيعة يكتبون فيها: الإمبراطورية الإسلامية الشيعية العظمى، التي تشمل إيران وأجزاء من أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان والأردن والخليج العربي بأجمعه والمدينة المنورة كاملة، كل هذه داخلة في الإمبراطورية الإسلامية الشيعية العظمى التي يخططون لنشأتها.

    والواجب علينا أن نعي خطط الأعداء ونعرفها، فإذا وعيناها أخذنا الحيطة والحذر، ولعل الله سبحانه وتعالى يجعل ما قلت نافعاً لكم ولي قبل ذلك، في تثبيت ما قلت من علم أو من معلومات، والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    1.   

    الأسئلة

    حقيقة وقوف إيران بجانب الجزائر في الانتخابات النيابية

    السؤال: إيران من أقوى الدول التي وقفت ظاهرياً مع انتخابات الجزائر، حيث وصل بها الأمر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الجزائر بسبب قمع الإسلاميين، فهل هذا وقوف ظاهري؟

    الجواب: نعم، طبعاً لا بد أن تعلموا مبدأ التقية عند هؤلاء، وهو من المبادئ التي يتعبدون الله بها، فمثلاً: الخميني يدعو إلى قتل سلمان رشدي وأنه سيدفع مليون دولار لمن يقتل هذا الرجل؛ لأنه ألف كتاب: (آيات شيطانية) ولم يرد بذلك وجه الله سبحانه وتعالى، بل أراد الدعاية والشهرة والانتشار لهذا المذهب، وإلا فكتب الشيعة الموجودة المطبوعة الآن تفوق كتاب (آيات شيطانية) خسة ونذالة وعهراً وكذباً ونفاقاً تجاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فهم يأخذون هذا المبدأ لمجابهة هؤلاء الأعداء؛ ولتوضيح أنهم مع الحق باستمرار، فيصدقهم السذج ويسيرون في ركابهم، وبالتالي يتشيعون أو ينهجون منهج التشيع، ولذلك يستخدمون مناهج الكذب باستمرار، فالكذب على أهل السنة يعد فضيلة بالنسبة لهم.

    عدم صحة نسبة الاستعاذة إلى الله كلاماً له

    السؤال: نود معرفة معنى قولك: إنه غير صحيح أن تقول: يقول الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟

    الجواب: المقصود أنك عندما تقول: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ [العصر:1-2]، الله سبحانه وتعالى ما قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالْعَصْرِ [العصر:1]، يعني: أنه لم يرد في القرآن الكريم أن الله قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بهذه الصيغة أو بهذا النص.

    لكن الإنسان يقول ذلك من باب حسن النية، كما قال تعالى: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [النحل:98].

    واجبنا تجاه أصحاب العقائد الفاسدة والمنحرفة

    السؤال: ما هو واجبنا من أصحاب العقائد الفاسدة كالأشاعرة والجهمية وغيرهم؟

    الجواب: الموقف من أصحاب هذه العقائد كأشاعرة أو معتزلة أو جهمية أو رافضة أو غير ذلك، أن المؤمن مطالب بالتزام العقيدة الصحيحة خصوصاً في هذا الزمان؛ لأن الصراع بين جميع الناس بلا استثناء صراع في مجال العقيدة، فصراعنا مع الرافضة في العقيدة، وصراع المعتزلة مع أهل السنة في العقيدة، وصراع الأشاعرة مع أهل السنة في العقيدة، وصراع اليهود مع المسلمين أو اليهود مع النصارى أو الملاحدة مع كذا أو كذا صراع في العقيدة، بل إن صراع الملاحدة مع بعضهم البعض صراع في العقيدة.

    عندما اختلفت الصين مع روسيا قبل انهيارها كان هذا الاختلاف بسبب العقيدة؛ لأن هؤلاء يطبقون مناهج لينين ، وهؤلاء يطبقون مناهج استالين ؛ لأن استالين حرف بعضاً من أقوال لينين فصار هناك خلاف عقائدي بينهما.

    إذاً: أولاً: الاهتمام بالعقيدة التي تحرك الناس، ولا يمكن أن يوجد إنسان على وجه هذه البسيطة ليس في قلبه عقيدة، فكل الناس في قلوبهم عقائد، لكن هذا مسلم وهذا بوذي وهذا هندوسي وهذا نصراني وهذا ملحد يعبد هواه وهذا ماركسي إلى آخره، لذلك أقول: موقفنا جميعاً من هؤلاء يختلف بحسب هذا المنهج.

    ثانياً: أن تبدأ في نقاشهم إذا كنت ممن يستطيع، وإلا فرد ذلك إلى أهل العلم.

    نصيحة لطلاب العلم

    السؤال: ما هي نصيحتكم لطالب العلم؟

    الجواب: النصيحة الأولى لطالب العلم: أن تضع نصب عينيك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يريد بذلك إلا عرض الدنيا لم يرح ريح الجنة).

    إذاً: لا بد أن يكون طلبك للعلم خالصاً لوجه الله تعالى، وألا تشوب ذلك شائبة من عجب أو رياء أو تطلع إلى منصب أو جاه.

    الثانية: العكوف المستمر على طلب العلم؛ لأنك إذا أعطيته كلك أعطاك بعضه.

    النصيحة الثالثة: أن العلم صيد والكتابة قيد، فيجب عليك أن تقيد وتراجع وتستمر على هذه المراجعة دائماً، وقد كان الشيخ ابن باز يقرأ عليه من بعض الكتب وهو يحفظها عن بكرة أبيها لتثبت المعلومة، فلعله قد نسيها أو فاتت منه.