إسلام ويب

نصيحة للشبابللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الشباب هم أمل الأمة المرجو، والدعامة التي سوف تتحمل مسئولية هذا الدين، فما علاقة هذا الشاب بكتاب الله؟

    وما هو موقفه من الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته؟

    وكيف يصرف وقته ويقضي حياته؟

    وما موقف هذا الشاب من المعاصي؟

    إجابات هذه الأسئلة هي محتوى هذه المادة التي بين أيديكم.

    1.   

    علاقتنا بكتاب الله

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بمحمد صلى الله عليه وسلم، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، والصلاة والسلام على من أرسلته معلماً للبشرية، وهادياً للإنسانية، ومزعزعاً لكيان الوثنية، أدَّى الرسالة، وبلغ الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    سلام عليكم يوم تواضعتم واجتمعتم منصتين لتسمعوا ما يقال، وسلام عليكم حينما حييتم من أتاكم زائراً ومحباً، وإن كان هناك من شكر فإني أتوجه إلى الله العلي العظيم بالشكر، الذي وفقنا لأن نجتمع بهذه الوجوه المباركة الخيرة النيرة، ثم أشكر أستاذ ومدير هذه المدارس الأستاذ الكريم محمد الزيداني وهيئة التدريس، وأشكركم أيها الإخوة الأخيار، واعلموا بارك الله فيكم أن موضوعنا ليس بجديد، بل هو قديم في الأخوة، وقديم في العراقة، وقديم في النصوص؛ ولكنه جديد في اللقاء، وتدور هذه الكلمة على أربعة عناصر لا خامس لها، هي مفاد كلمة هذا اليوم إليكم أيها الأخيار:

    العنصر الأول: علاقتنا بكتاب الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    العنصر الثاني: المعاصي التي دمرت علينا مستقبلنا، وضيعت علينا أعمارنا وأفكارنا وذكاءنا وإنتاجنا، وجعلت منا تلك الثلة التي انحرفت عن منهج الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    العنصر الثالث: الوقت -حياتنا وأعمارنا- فيم نصرفه؟

    العنصر الرابع: موقفنا من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ارتباط الحضارة العربية بالإسلام

    اعلموا -بارك الله فيكم- أننا كنا قبل القرآن وقبل محمد صلى الله عليه وسلم أمة أعرابية بدوية لا تعرف شيئاً، كانت أمتنا تتقاتل وتتنازع على موارد الماء، كان الزنا والفحش والعهر فيها فاشياً، حتى أن الأمم غير أمة الإسلام لم تكن تعرف أمة الإسلام ولم تكن تعرف الأمة العربية.

    يقول أهل القومية الآن: " إن تاريخنا بدأ من فجر البشرية "، فما صدقوا في ذلك بل كذبوا، فإنه تاريخنا لم يبدأ إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك أثبت التاريخ أن الأمم لم تكن تعترف بنا.

    دخل ربعي بن عامر على رستم قائد فارس في معركة القادسية، فلما دخل ربعي -وهو مجاهد من المجاهدين- دخل بثياب ممزقة، وفرس هزيل، ورمح مثلَّم، فضحك رستم منه؛ وقد أرسله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه قائد المسلمين؛ ليفاوض رستم قبل المعركة، فقال رستم: بماذا جئتم؟! هل جئتم تفتحون الدنيا بهذا الفرس الهزيل وهذا الرمح المثلم؟! قال ربعي: [[بعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان إلى سعة الإسلام]] قال رستم: والله لا تخرج حتى تأخذ تراباً على رأسك من تراب بساطي. فحمَّله التراب على رأسه وخرج من عنده، ولما خرج من هناك قال المنجمون: هذه علامة على أنه سوف يسلب ملكك وملك آبائك وأجدادك، وخرج رستم ليشاهد المسلمين وهم يصلون صلاة الظهر، فوجدهم يركعون بعد سعد رضي الله عنه ويرفعون بعده، إذا قال: (الله أكبر) كبروا، وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) قالوا: ربنا ولك الحمد، فعضَّ أنامله الخمس، وقال: علَّم محمدٌ الكلابَ الأدب -وهو الكلب-.

    كانوا يتصورون أن العرب قبل الإسلام في هيئة الكلاب، لم تكن لهم حضارة ولا معرفة ولا ثقافة ولا أدب، حتى يقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2].

    واجبنا تجاه القرآن

    إن مطالب القرآن التي تتجه إلينا ثلاثة مطالب:

    الأول: أن نعده أعظم ثقافة عرفتها البشرية، وأن نقرأه آناء الليل وأطراف النهار.

    الثاني: أن نحفظ ما تيسر منه.

    الثالث: أن نجعله تعاليم سلوكية، وأدبية واجتماعية، ونعمل بها ونلقى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى به.

    يقول عليه الصلاة والسلام: {اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه} ويقول عليه الصلاة والسلام: {اقرؤا الزهراوين؛ البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان كغمامتين أو غيايتين أو كطيرين من طيرٍ صواف} وكان عليه الصلاة والسلام يجلس مع تلاميذه الأخيار الذين تأثروا بالقرآن فيقول عليه الصلاة والسلام: {أريد أن أسمعه من غيري} يقول ابن مسعود.. وكلكم يعرف من هو ابن مسعود، وليس أنتم فحسب في أبها تعرفونه، بل يعرفه كل من في الجزيرة العربية، ويعرفه سكان الدول العربية وأهل الشرق الأوسط، ويعرفه مسلم اليابان ومسلم الصين ومسلم أمريكا، كلهم يعرفون ابن مسعود؛ لأنه اتجه بهذا القرآن ورفع الله قدره به، كانت قامة ابن مسعود على قدر جلوس الرجل، أي: يوازيك وأنت جالس برأسه من نحافته وهزاله وضعفه، لكن القرآن لما دخل قلبه جعله أمة، حتى أن الصحابة لما صعد شجرة ضحكوا من دقة ساقيه، حتى كاد يسقط من على غصن الشجرة كأنه طائر، فقال صلى الله عليه وسلم: {أتضحكون من دقة ساقيه؟! والله إنهما في الميزان يوم القيامة أثقل من جبل أحد}.

    يقول صلى الله عليه وسلم لـابن مسعود: {اقرأ علي القرآن. قال ابن مسعود: أأقرأ عليك القرآن وعليك أُنْزِل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ ابن مسعود من سورة النساء قال: فلما بلغت قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41] قال: حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان} تأثر أيما تأثر بهذا القرآن.

    ولذلك ليس لنا ثقافة نقدمها ولا تاريخ ولا معرفة ولا تربية ولا علم نفس نقدمه على القرآن، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " من ظن أنه سوف يهتدي بهدي غير القرآن فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ويقول: كل أرض لم تشرق عليها شمس القرآن فهي أرض ملعونة، وكل قلب لم يشرق عليه هدى القرآن فهو قلب مغضوب مسخوط عليه.

    فأنت -أيها الأخ الكريم- إذا غربت عليك شمس يومك ولم تقرأ فيه آيات، أو لم تعش فيه مع المصحف، أو لم تتدبر آيات؛ فاعتبر ذلك اليوم منسياً من عمرك، وأنك خاسر ومغبون فيه، لأن ثقافتنا نأخذها من القرآن، يقول سيد قطب في ظلال القرآن.. هذا الكتاب الذي أنصحكم وأرشدكم باقتنائه، الذي يعلمكم فيه حياة الواقع وردها إلى القرآن الكريم.

    صاحب هذه الظلال عاش أربعين سنة في الضَّلال، عاش في الضياع كما يضيع الكثير منا الآن، يضيعون ويتيهون بلا رسالة في الشوارع، في الذهاب والإياب، وفي المقاهي ومع جلساء السوء، لا يعلمون أنهم من خير أمة أخرجت للناس، ولا يعلمون أن أجدادهم فتحوا الدنيا وعمروا التاريخ، وبنوا منابر الحق.. سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل أرض في الأرض عنا، ما أوجد العدل إلا أجدادنا، فهذا الشاب الذي يضيع كأنه يتلاشى ويكذب ما فعل أجداده.

    يقول سيد قطب: عشت أربعين سنة في الضياع، فلما عدت للقرآن تهولت منه، وأن الله من فوق سبع سماوات يخاطبني، وأنا العبد الضعيف المسكين... قال: وكنت أقرأ أن الصحابة يتأثرون بالقرآن ويبكون منه، فلم أشعر بذلك حتى سافرت مرة من المرات في سفينة من مصر إلى أوروبا، وكان معي شباب من العرب يريدون أوروبا، فركبوا معي في السفينة ومعنا جاليات، منها جالية من يوغسلافيا فرت من بلادها، ومعهم امرأة يوغسلافية جالسة في الجالية، فلما أتت صلاة الجمعة قمت فصليت بزملائي وقرأت بعد الفاتحة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [الأعلى:1] وسورة الغاشية، ثم انصرفت من الصلاة، والتفت فإذا هذه المرأة اليوغسلافية التي لا تعرف اللغة العربية تبكي، فقلت للترجمان: ما يبكيها؟! قال الترجمان: قالت: إنها تبكي لأنها سمعت إيقاعاً منك خاصاً أثر عليها في قلبها، إيقاعاً من القرآن فهي تسألك كلام من هذا؟! قلت: أخبرها أنه كلام رب السماوات والأرض، فلما أخبرها زاد بكاؤها بكاءً ونحيبها نحيباً.

    ثم يورد سيد قطب قصة الرسول صلى الله عليه وسلم مع الصحابة فيقول: " كان من هديه صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث ثابت وصحيح-: { أنه صلى الله عليه وسلم كان يدور على أصحابه آخر الليل ليسمع من يقرأ القرآن، فاستمع مرة من المرات من وراء الباب إلى عجوز تقرأ قوله تعالى: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية:1] وتردد مرات والرسول صلى الله عليه وسلم يردد معها ويقول: نعم أتاني، نعم أتاني}.

    فالذي أدعو نفسي وإياكم -يا شباب الإسلام، يا أيها الأخيار، يا أيها الأحبة، لأنكم أنتم أمل هذه الأمة- أن تجعلوا وقتاً من أيامكم لهذا الكتاب العظيم، اعتبر وقتك إذا لم تقرأ فيه القرآن أنه يوم ضائع مغبون عليه.

    يقول الحسن البصري رحمه الله: كل يوم تشرق فيه الشمس يقول: يا بن آدم! اغتنمني فوالله لا أعود إليك أبد الدهر.

    حال شباب الصحابة عندما أخذوا بالقرآن

    نعجب كيف ساءت أخلاقنا، وكيف فسدت بيوتنا وفسد شبابنا! لأننا أخذنا تعاليمنا من غير القرآن، أخذناها من المجلة الخليعة والأغنية الماجنة، ومن جلساء السوء، حتى إن أحدهم يعرف المغنين والمغنيات والفاجرين والفاجرات الأحياء منهم والأموات، ولا يعرف حياة صحابة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين فتحوا الدنيا وعمروا المعمورة ونوروا عقول البشرية، ولا يتحاشى أحدنا أن يحفظ الأغنية بحروفها وبلحنها وبطولها وبعرضها، ومَن لحَّنها، ومَن أنتجها، ولا يحفظ سورة من كتاب الله عز وجل! أي خيبة وصلت إليها الأمة بعد هذه الخيبة؟! وأي حسرة وصلنا إليها بعد هذه الحسرة؟!

    فبعد حياة كنا فيها أرقى الأمم، حتى إن الصحابي كان يقف عند الرسول صلى الله عليه وسلم وهو شاب في سن الشباب، فيأتي في معركة أحد ويقول: يا رسول الله! إنني ذاهب إلى الجنة والله لا أعود. جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

    يأتي عبد الله بن عمرو الأنصاري الشاب فيستشهد ويقطع بالسيف أمام الرسول صلى الله عليه وسلم، فيبكي عليه ابنه، فيقول عليه الصلاة والسلام: { إن الله كلمه كفاحاً -أي: بلا ترجمان- فقال الله عز وجل: تَمَنَّ يا عبدي، قال: أتمنى أن أُعاد إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانية، قال: إني كتبتُ على نفسي أنهم إليها لا يرجعون، فتَمَنَّ، قال: أن ترضى عني فإني قد رضيت عنك، قال: فإني قد أحللت عليك رضاي فلا أسخط بعده أبداً، فجعل الله روحه في حواصل طير ترد ماء الجنة تشرب منه وتأكل من شجر الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة في السماء}.

    ويأتي شاب آخر ويقول: إني أجد ريح الجنة من دون أحد؛ فيُقتل ويُضرب بالسيف سبعين ضربة حتى مات، فلم يعرفه إلا أخته ببنانه.

    وجاء في الحديث الصحيح: {أن ابن الزبير دخل على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم، -والحجامة: إخراج الدم الفاسد- فأُخرج الدم منه صلى الله عليه وسلم ووُضِع في إناء، فقال لـابن الزبير: اذهب بهذا الإناء وضعه في مكان لا يراه أحد، فذهب ابن الزبير وكان عمره عشر سنوات، فلما اختفى في سكة من سكك المدينة شرب دم الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما عاد قال صلى الله عليه وسلم: أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه أحد. فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: ويل لك من الناس وويل للناس منك، لا تمسك النار}.

    هل عرف التاريخ شباباً مثل هذا الشباب؟! هل عرفوا إقداماً مثل هذا الإقدام؟

    إنهم شباب محمد صلى الله عليه وسلم الذين رباهم بالقرآن، ولذلك فقد تربى الكثير منا -إلا من رحم الله- على الأغنية الماجنة، والمجلة الخليعة، وعلى جلساء السوء، فأخرجت هذا الإنتاج العجيب: المعاصي، والسجون المعبأة، والمخدرات، والانحراف عن منهج الله، والشرود عن آياته التي نراها في مجتمعاتنا، ونسمع قضاتنا يتحدثون عنها صباح مساء، يندى لها جبين المسلم، وفي الأخير نقول: ما لنا لم نفعل مثل الصحابة؟! وما لنا ننحرف؟! وما لنا ليس عندنا استقامة ولا منهج قويم؟! والسبب أننا لم نعش مع القرآن ولم نتأثر به.

    فمحتوى هذا العنصر: أن نعيش مع القرآن، وأن نتدارس كتاب الله عز وجل.

    1.   

    المعاصي دمرت حياتنا

    العنصر الثاني: الانتهاء عن المعاصي.

    سائل نفسك وعرِّفها أن الذي يدمر مستقبلك وينهي عمرك ووقتك إنما هو المعصية، إذا عصيت الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى فقد اقترفت في حقك وفي حق أمتك وأسرتك أكبر جريمة في تاريخ الإسلام، ولذلك ينادي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عباده، وينادي كل الأمة شباباً وشيوخاً، كباراً وصغاراً، ذكوراً وإناثاً أن يتوبوا إليه، فقال عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] وقال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    الخوف من الله عز وجل

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح: {كان هناك رجل من بني إسرائيل فقال لأبنائه لما حضرته الوفاة: إذا أنا مِتُّ فاجمعوا حطباً ثم أشعلوا النار وأحرقوني، فإذا أصبحتُ فحماً فاسحقوني وذرُّوني، لعل الريح تذهب بي فلا يجدني الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا يستطيع أن يجمعني! - أليس الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول للشيء: كن فيكون؟! - فلما توفي هذا الرجل جمع له أبناؤه حطباً وأشعلوا ناراً وحرَّقوه، فلما أصبح فحماً سُحِق وذُرِّي في يوم فيه ريح، فذهبت به الريح يمنة ويسرة وفي كل مكان، فجمعه الذي بدأه أول مرة، فلما أصبح أمامه رجلاً قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: ما حملك على ما صنعتَ؟ قال: يا رب! خشيتك من كثرة ذنوبي - وهو موحد مؤمن في الأصل -، فقال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرتُ له وأدخلته الجنة} قال ابن تيمية: لما شك في القدرة غفر الله له بسبب أنه خاف من لقائه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، يقول أحد شعراء الإسلام:

    وإذا خلوتَ بريبة في ظلمة      والنفس داعية إلى الطغيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها      إن الذي خلق الظلام يراني

    أي: أنك إذا خلوت لوحدك ليس معك إلا الله، ولا يراك إلا الله، ولا يشاهد حركاتك وسكناتك إلا الله، وتظن أنك خلوت وانفردت وأنك أصبحت في مكان وحدك، فوالله إنك لم تنفرد، فمعك رقيب وعتيد، ومعك الذي لا ينام ولا يغفل، ومعك الذي لا ينسى سُبحَانَهُ وَتَعَالَى..

    وإذا خلوتَ بريبة في ظلمة      والنفس داعية إلى الطغيان

    فاستـحِ مـن نظـر الله واعلـم أنه: يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:218-219].

    ورد في بعض الآثار أن رجلاً اختفى في غابة وهَمَّ بمعصية فقال: لا يراني أحد، أنا في غابة وحدي وقد تسنت لي المعصية، فسمع هاتفاً يهتف ويقول: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] يقول ابن مسعود: [[الله الله في السرائر، الله الله إذا خلوت]].

    وهذا الإمام أحمد -الإمام الزاهد العالم الكبير- قال بعض تلاميذه: والله إنا لنسمعه يبكي من وراء البيت وهو يقول:

    إذا ما خلوتَ الدهرَ يوماً فلا تقل      خلوتُ ولكن قل علي رقيب

    وصاحب هذا البيت هو أبو نواس الذي تعرفونه وتسمعون به، وهو الذي توفي على فسق ومعصية، وقد رئي في المنام - كما يقول ابن كثير في البداية والنهاية - فقيل له: " ما فعل الله بك يا أبا نواس؟ قال: غَفَر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: وصفتُ الزهرة - واسم القصيدة: (القصيدة النرجسية) في ديوانه - ورَدَدْتُ أمرَها إلى الله، وقلت: إنه هو الذي أبدعها وزينها وحلاها وجملها. فغفر الله له بذلك السبب، ولذلك بعض الأسباب السهلة في الحياة تستطيع أن تدخل بها الجنة.

    وهذا رجل من بني إسرائيل رأى غصناً من شجرة ذا شوك في طريق الناس، فصرفه عنهم فأدخله الله بذلك الجنة.

    ويقول ابن كثير في البداية والنهاية: رؤي جرير بن عطية الشاعر المشهور في المنام بعد أن توفي، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غَفَر لي وأدخلني الجنة، قالوا: بماذا؟ قال: أذَّنْتُ وحدي في البادية حيث لا يراني إلا الله.

    أذن في البادية، هذا الأذان الذي فتحنا به الدنيا، والذي أرسلناه نغماً في آذان البشرية، والذي تهاوت به أصنام الوثنية، وقد أصبح شبابنا الآن يخجلون إذا ذهبوا في رحلة أو في سفر من الأسفار أن يؤذن أحدهم، ويقول: لو أذنتُ لأصبحتُ مطوعاً، وأنا لست بمطوع، أي: أنه بمفهوم مقالته عاصٍ.

    يقول محمد إقبال شاعر باكستان:

    بمعابد الإفرنج كان أذاننا      قبل الكتائب يفتح الأمصارا

    لم تنسَ أفريقيا ولا صحراؤها      سجداتنا والأرض تقذف نارا

    شباب الصحابة كادوا يقتتلون على الأذان في معركة القادسية، لأن مؤذنهم عبد الله بن أم مكتوم، عبدٌ أعمى قُتل في المعركة، وقد عذر الله الأعمى أن يحضر لكنه قال: لا بد أن أحضر المعركة، فلما حضر المعركة قُتل في سبيل الله، فكاد شباب الصحابة أن يقتتلوا على الأذان، لكننا الآن أصبحنا نخجل أن نتقدم ونؤم الناس ونصلي بهم ونخطب على المنابر، وأن نؤذن بالناس ونقول: نحن لسنا مطاوعة، نحن شباب متطور أو متهور، فألغينا هذه الوظائف التي رفعت رءوسنا بين الأمم.

    والشاهد - بارك الله فيكم - هو: أن المعصية دمار لمستقبل الإنسان، وأنها غضب وعقاب من الله.

    التوبة سبب البركة والسعادة

    وهذا موسى عليه السلام القوي الأمين، وصاحب التوحيد، صاحب أكبر صراع في تاريخ الإنسان مع فرعون الطاغية، خرج يستسقي ببني إسرائيل، فلما خرج قال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، فأوحى الله إليه: يا موسى عد ببني إسرائيل، وعزتي وجلالي إن لم تعد بهم لأرمينهم بالحجارة على رءوسهم، أكلوا الربا، وفشا فيهم الزنا، وتواصوا بالفُحش والعُهر، فبكى موسى عليه السلام وقال: يا بني إسرائيل! عودوا لا يلقين الله تعالى على رءوسكم الحجارة.

    فلما انتشرت فينا المعاصي قلَّت بركاتُنا، وقلَّ ذكاؤنا وفهمُنا، حتى أصبح أهل الدنيا أكثر إنتاجاً منا، من أكثر نحن أم أوروبا وأمريكا إنتاجاً وتصديراً وتوريداً؟! هم أكثر مِنَّا؛ ولكننا تساوينا نحن وإياهم في المنهج، فغلبونا في أسباب الدنيا، والله تعالى يقول فيهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].

    فيا أيها الإخوة: أريد أن تفهموا من العنصر الثاني: أن تتوبوا إلى الله عز وجل، وأن تستغفروه دائماً وأبداً، وأن تجعلوا في أذهانكم مراقبة الله الحي القيوم.

    كان عمر بن الخطاب إذا خرج وحده إلى الصحراء أخذ بمطرق معه (عصا) فضرب رجليه وبكى وقال: [[يا عمر! لتتَّقين الله أو ليعذِّبنك الله عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين]].

    وقال عبد الرحمن بن عوف: [[رأيت عمر دخل المقبرة يسلم على الأموات فرأى قبراً محفوراً، فسمعتُ بكاءه وأنا وراء السور وهو يقول: ويل لأمي إن لم يرحمني ربي]].

    هذا وهم مبشرون بالجنة فكيف بنا نحن الذين لم نبشر بها ونحن تحت رحمة الله عز وجل؟! إن معاصينا ومخالفاتنا وأوقاتنا الضائعة تشهد علينا أننا لم نتأثر بالإسلام.

    فيا إخوتي! الله الله في ترك المعاصي والانتهاء عنها، كالمعاصي العين؛ من النظر إلى المحرمات، من كالأفلام الخليعة الماجنة، والصور العارية، والنظر إلى حرمات المسلمين، فهذه هي عيوب وذنوب العينين..

    وعيناك إن أبدت إليك معايباً      لقوم فقل يا عين للناس أعين

    يسألك الله يوم القيامة بعد أن يختم على فمك، فتتكلم عينك ولسانك ويداك وجلدك فيشهد كلٌّ عليك بما فعلت، ولذلك أوصي نفسي وإياكم بالتوبة من المعاصي ما ظهر منها وما بطن، واصرف وقتك أخي الكريم فيما ينفعك ويقربك من الله عز وجل.

    1.   

    الوقت وحياتنا وأعمارنا.. فيمَ نصرفها؟

    العنصر الثالث: هو الوقت الذي ضيعناه، والعمر الذي صرفناه، يقول عليه الصلاة والسلام: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ) تجد الشاب صحيحاً معافىً غنياً، عنده كل أسباب الحياة، عنده سيارة وبيت ومكتبة، فتأتيه فإذا هو أكسل الناس، فهو لا يصرف وقته إلا في الهوى واللعب، يتحدث مع فلان وعلان، ويركب ويجتمع ويجلس مع مَن شاء، فهذا هو الذي خسر عمره في الدنيا والآخرة، قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] أتحسب أن هذا الوقت الذي تصرفه لا يحاسبك الله عز وجل عليه، ولا يوقِفُك يوم القيامة، يقول صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه -: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: وذَكَرَ منها: وعمره فيما أفناه).

    عمرُك والله لتسألن عنه دقيقة دقيقة، وثانية ثانية..

    دقات قلب المرء قائلة له     إن الحياة دقائق وثواني

    مجلسُنا الذي جلسناه من يوم أن بدأنا إلى الآن لا يعود هذا الوقت الذي فرض فيه، ولو اجتمع أهل العالم لكي يعيدوا هذا الوقت فإنهم لا يستطيعون أن يعيدوه أبداً؛ لأنه انتهى من أعمارنا.

    نروح ونغدو لحاجاتنا      وحاجات من عاش لا تنقضي

    تموت مع المرء حاجاته      وتبقى له حاجة ما بقي

    ولذلك نحن نتقدم خطوة خطوة إلى الموت والهلاك والفناء ونحن لا نشعر، فالله الله! كم من ساعة ضيعناها! ولا إله إلا الله! كم من يوم صرفناه في المعصية وفي الهوى واللغو وفي الإعراض عن الله! وبعدها ندَّعي أننا شباب الإسلام وأننا أمل الأمة!

    أخي في الله: إن أمل الأمة أن تقرأ وتحقق وتواظب وتجد وتجتهد، فلا تضيع ساعاتك الطويلة في اللهو واللعب والغناء ومع كل من هب ودب.

    نفسي وإياكم باغتنام الوقت وصرفه فيما ينفعك عند الله، وأن يكون عندك برنامج يومي تعرف على منواله وعلى ضوئه حياتك، وتسير حتى تلقى الله عز وجل، فالقرآن وقت تقروءه فيه، ولمذاكرة دروسك وقت، ولصلاتك وقت، فلا تتخلف عن هذه الأشياء ولو تخلَّفَتْ الشمسُ فأتت من المغرب ولم تأت من المشرق، والزيارات والجلوس مع الإخوان لها وقت خاص، ووقت لمطالعة المكتبة ولجلوسك مع كتبك، من الكتب الصفراء كتب العلم والسلف الصالح، التي لمَّا تركناها ورجعنا إلى المجلات الخليعة هَبَطَت عقولُنا، وسَخُفَت أرواحُنا، وضاعَت بيوتُنا، وشاهَت أخلاقُنا، ودُمِّرَت عقولُنا.. لما تركنا الإنتاج الهائل الذي تركه أجدادنا لنا أتدرون كيف كان حفظهم يقول الذهبي عن ابن عقيل، أحد علماء الأمة: ألَّف كتاباً عدد أجزائه سبعمائة مجلد مخطوط، وهو موجود كما يقول أهل العلم.

    يقول ابن تيمية النوافل: وهي ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فمن داوم على ترك هذه النوافل والركعات التي جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم سنناً رواتب فإنه فاسق تُرَدُّ شهادتُه -نسأل الله العافية!- فليت ابن تيمية يدري أن منا من يترك الصلاة! وأن منا من يتهاون بها! وأن منا من يدخل عليه الوقت ويخرج وهو لم يهتم بالصلاة ولا انضبط مع أمر الله عز وجل! مسلمٌ يسمع: (الله أكبر) ولا يقوم فيتوضأ! أيُّ مسلم هذا؟! يقول الله في المنافقين: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [النساء:142] يقومون ببرود، فإذا أردت أن تعرف المنافق فلا تعرفه بلونه، أنَّه أحمر أو أسود أو أصفر، ولا بشكله، ولا بعضلاته؛ بل تعرفه بموقفه من الصلاة، إذا رأيتَه - عندما يؤذن المؤذن - يتكاسل ويتهاون فاعلم أن فيه نفاقاً.

    المبادرة إلى الطاعة

    تقول عائشة: {كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع الأذان أو النداء قام إلى الصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه} يقطع أعماله وأشغاله ويقوم إلى الصلاة وذكر الذهبي عن عامر بن عبد الله بن الزبير أحد الصالحين الأخيار، يقول: أُذِّن لصلاة المغرب وهو في سكرات الموت - حضره الموت وأصبح في آخر ساعة من ساعات الدنيا - فقال: احملوني إلى المسجد، قالوا: إن الله عذرك وسامحك وعفا عنك، قال: والله لا أسمع: (الله أكبر الله أكبر) ثم أبقى على فراشي! فحملوه وهو في سكرات الموت، فصلى وهو معتمد على رَجُلَين، ثم توفي وقبض الله روحه وهو في السجدة الأخيرة، فلما أخبروا أهله بذلك قالت زوجته: والله لقد علمتُ أن الله سوف يتوفاه ساجداً؛ لأنه كان يقول كلما أصبح: اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، فرزقه الله الوفاة وهو ساجد.

    وذكر ابن الجوزي في صفوة الصفوة: أن أحد الصالحين كان يشتغل نجاراً... وكان النجار في عهد السلف الصالح أتقى لله منا ونحن طلبة علم، ونسمي أنفسنا طلبة علم وواجهة للمجتمع، كان البائع التاجر أتقى لله في عهد السلف الصالح، منا فكانوا كلهم أخياراً إلا ما شذ منهم، حتى إن عمر رضي الله عنه عيَّنه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه قاضياً، قال: فبقيتُ سنة في المدينة لم يأتني متخاصمان؛ لأنهم عرفوا الحق.

    يقول ابن الجوزي: أتى أحد النجارين لينجر، فكان إذا رفع المطرقة يضرب بها المسمار وسمع: (الله أكبر) لا يردها ثانية؛ بل يلقيها ويطرحها وراء ظهره ويقوم إلى الصلاة. ولا يُعرف إيمانُ المؤمن إلا من استعداده للصلاة وقيامه إليها.

    إخواني في الله: يومُنا هذا أو غيره من الأيام يسدَّد فيه الإنسان بسبب حضوره لصلاة الفجر، واسأل نفسك وأنت جالس الآن إن كنت صليت الفجر في جماعة فأنت في ذمة الله وفي حفظه ورعايته؛ فقد جاء في صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله، فالله الله لا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فمن طلبة من ذمته فقد أدركه، ومن أدركه أهلكه}

    لماذا امتلأت السجون من الشباب الذين يتعاطون المخدرات؟! لماذا امتلأت السجون من الشباب الذين زاولوا الزنا والمخالفات والشذوذ الجنسي؟! لماذا هتكت المحرمات؟!

    كل ذلك بسبب تركنا للصلوات؛ حتى يقول العلماء: إن من حافظ على الصلوات الخمس في جماعة لا يصاب بكبيرة بإذن الله، فلا يقترف كبيرة ولا يمكن أن تتعرض له كبيرة من كبائر الذنوب.

    يقول أحدهم: كنت حارساً في سجن في الشمال، فدخل علي في سبع سنوات ما لا أحصي من المسجونين من أهل المعاصي، فكنت أسألهم بعد صلاة العشاء وأقول: أسألكم بالله! أصليتم العشاء اليوم في جماعة؟ قالوا: لا. فابتلاهم الله بالفواحش والمنكرات والكبائر، فضُرِبَت ظهورُهم، وسُجِنُوا، وذَهَبَت عقولُهم بالمخدرات بسبب تركهم للصلوات.

    فالله الله -يا شباب الإسلام- في الصلوات الخمس، التي لما تركناها رأينا كثيراً من الأجيال قد انحرفت عن منهج الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ورأينا البيوت مهدمة على أعقابها، والتربية السيئة، والعصيان من الولد لوالده، يقول الله عز وجل في حديث قدسي: {أبي تغترون، أم عليَّ تجترئون؟! فبي حلفت لأنزلن عليكم فتنة تجعل الحليم حيران} ولكن الله يرحمنا بسبب الشيوخ الذين يركعون ويسجدون، وبسبب الأطفال البرآء الذين لا ذنب لهم، أما نحن فنسأل الله العافية!

    ورد في الحديث القدسي أن الله يقول:{لولا الشيوخ الرُّكَّع، والأطفال الرُّضَّع، والبهائم الرُّتَّع لخسفت بكم الأرض خسفاً}.

    زلزلت المدينة في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأصابها زلزال سهل ليس بكبير حتى تساقطت بعض الجدران وبعض البيوت، فجمع عمر الناس في المسجد، فلما اجتمعوا رجالاً ونساءً وأطفالاً، بكى رضي الله عنه عنه وأرضاه ثم قال: [[والذي نفسي بيده! إن وقع الزلزال مرة ثانية في المدينة لا أجاوركم فيها أبداً، وليكونن آخر العهد بي. قالوا: فما علاقتنا يا أمير المؤمنين بالزلزال؟ قال: أنتم الذين أوقعوا الزلزال، فما وقع إلا بذنوبكم. فبكى المسجد حتى ضج بالبكاء وقالوا: تبنا إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى]]. فلم تقع المصائب التي وقعت في الأمة إلا بسبب ذنوبنا وإعراضنا عن الله.

    1.   

    موقفنا من الرسول صلى الله عليه وسلم

    العنصر الرابع: بعد حفظ الوقت، وحفظ نفسك من المعاصي وحفظ الله في الطاعات، عليك أن تعرف موقفك من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فالله لم يخلق أشرف ولا أرحم ولا أكرم ولا أجل من الرسول صلى الله عليه وسلم، ولذلك أغلق الله أبواب الجنة، فلا تدخل إلا عن طريقه، فمن أتى من غير طريق الرسول صلى الله عليه وسلم حرمه الله تعالى من دخول الجنة.. قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    وموقفك من الرسول صلى الله عليه وسلم يدور على ثلاث قضايا:

    الاهتمام بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم

    القضية الأولى: أن تعيش معه في السيرة، بأن تعرف سيرته وحياته، فهي معرفة جليلة وجميلة ولا أعلم فيها كتاباً أحسن من كتاب زاد المعاد لـابن القيم، يقول أبو الحسن الندوي: ما دَبَّجَت كفُّ مسلمٍ أفضل من زاد المعاد. فأنصحُ نفسي وإياكم باقتناء مثل هذه الكتب، فخذوا هذا الكتاب أو كتاباً آخر في السيرة كـسيرة ابن هشام، وأجلُّها زاد المعاد، لـابن القيم تستصحبونه معكم وتقرءونه وتتدبرون ما فيه، علَّكم أن تعرفوا محمداً صلى الله عليه وسلم وحيـاته، وعلَّكم أن تعرفوا هذا الإنسان العظيم الذي زكاه الله من فوق سبع سماوات فقال فيه: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    وقراءة السيرة ليست للتسلية ولا للسمر، لكن لنقتدي به صلى الله عليه وسلم؛ فإنه قد ورد في الحديث : {والله لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا أدخله الله النار} ووالله لا يسمع بالرسول صلى الله عليه وسلم سامع ثم لا يقتدي به ولا يسلك مسلكه إلا دخل النار.

    يا مدَّعٍ حب طه لا تخالفه     فالخلف يحرم في دنيا المحبينا

    أراك تأخذ شيئاً من شريعته      وتترك البعض تدويناً وتهوينا

    خذها جميعاً تجد خيراً تفوز به      أو فاطَّرحها وخذ عنه الشياطينا

    فالواجب أن تأخذ كل صغيرة وكبيرة أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم فتحكمه في نفسك، قال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65].

    كان محمد عليه الصلاة والسلام يصلي، فأنت يجب عليك أن تصلي مثلما صلى عليه الصلاة والسلام، يقول صلى الله عليه وسلم: {صلوا كما رأيتموني أصلي} كيف ندعي أننا طلبة علم ولا نعرف كيف كان يصلي صلى الله عليه وسلم؟! صحيحٌ أننا أجَدْنا علم الدنيا، فعرفنا وأتْقَنَّا علوم الجغرافيا والتاريخ والتربية، لكن علم السيرة وعلم الأثر والحديث لم نُجِدْه كما ينبغي وعلينا أن نعلم كيف كان يشرب، وكيف كان يأكل.

    وأوصي الأساتذة والمربين والموجهين أن يتقوا الله في شباب المسلمين، وأن يتقوا الله في هذا الفلذات التي عُرِضت أمامهم على كراسي الدراسة، بأن يمنحوها ويحضروا لها علماً نافعاً، وأن يخلصوا لله عز وجل، ولا يكن هَمُّ الأستاذ أن يُنْهِي الخمسَ والأربعين الدقيقة ثم يخرج من الفصل ويعتبرها وظيفة، لا. والله ليسألنه الله يوم القيامة عن هؤلاء، وليسألنه ماذا فعل بهم، وليسألنه في هذا المرتب الذي قبضه، وهذه الأكباد والوجوه والقلوب ماذا فعل بهم.

    وأوصي نفسي وهؤلاء الشباب أن يتقوا الله في أيامهم وفي جلوسهم على مقاعد الدراسة، وأن يستفيدوا العلم من أساتذتهم، وأن يحترموهم ويوقروهم لأنهم يهدونهم إلى الصراط المستقيم إن شاء الله.

    خلاصة موقفنا من الرسول صلى الله عليه وسلم

    أيها الإخوة: إن موقفنا من الرسول صلى الله عليه وسلم يتمثل في أشياء ثلاثة:

    أولاً: أن نعيش سيرته.

    ثانياً: أن نتأدب بأدبه.

    ثالثاً: أن نكثر من الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم.

    واعلموا أنكم لن تجدوا في العالم كله أزكى منه قلباً، ولا أطهر ولا أوضح منه منهجاً، ولا أحسن منه سيرةً صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] وقال تعالى: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [الشورى:52-53].

    أيها الإخوة الكرام: هي أربع نقاط أحببنا أن نتدارس مع هذه الوجوه الخيرة النيرة فيها وهي:

    الأولى: موقفنا من الكتاب العظيم، من القرآن الذي أهملناه وما حفظناه.

    الثانية: موقفنا من الرسول صلى الله عليه وسلم.

    الثالثة: موقفنا من أيامنا وأوقاتنا الغالية. والعجيب أن أحد الأمريكان له كتاب موجود في السوق، عنوانه: دع القلق وابدأ الحياة، وهذا الكاتب اسمه: دايل كارنيجي، يقول فيه: الأمريكان يقرءون في اليوم والليلة ست عشرة ساعة من أربع وعشرين ساعة. وهم لا يعتقدون أن الله يبعث الناس يوم القيامة، ونحن الذين نحن من سلالة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ونقول: أننا فتحنا العالم، وكلما أتانا إنتاج قلنا: هذه بضاعتُنا رُدَّت إلينا، ونقول نحن في مهبط الوحي، ولا يقرأ الواحد منا - إلا من رحم الله - في اليوم ساعة أو ساعتين، وإذا قرأ ساعة ذهب وأخبر إخوانه وجيرانه أنه قرأ ساعة، ويقول: مللت وأصابني النعاس وأصابني كذا وكذا.

    فلذلك سوف يكون أهل الكفر الذين لا يعلمون إلا ظاهر الحياة أكثر منا قراءة.. يقول موشى ديان الميت الهالك إلى نار جهنم: العرب لا يقرءون، وذلك عندما قيل له: نشرتم أسراركم في صحفكم فكيف إذا قرأها العرب؟! قال: إن العرب البدو أسوأ منا، فيقرءون أقل منا. فنحن أقل الناس قراءة.

    فالذي أريده منكم أن تُقْبِلوا على مكتباتكم، وأن تستشيروا معلميكم في الكتب الجيدة، فإنه ليس كل ما يُعرَض في السوق يُشْتَرى، بل تأخذون الكتب النافعة الطيبة كـالصحيحين وكتب ابن القيم، وكتب ابن تيمية، وكتب ابن كثير، وكتب التفاسير التي تزيدكم علماً ويقيناً وتهديكم إلى الصراط المستقيم، ثم أدلكم على الشريط الإسلامي أن تقتنوه في سياراتكم وبيوتكم بدلاً من شريط الأغنية.

    مسلمٌ ويستمع الغناء! مسلمٌ ويستمع العهر والفجور! مسلمٌ ويستمع ما يُقال في الفحش!

    يقول عمر بن عبد العزيز لأبنائه: [[الله الله لا تستمعوا الغناء، فوالله ما سمعه مستمع إلا حبب إليه الفاحشة]].

    ويقول عقبة بن عامر القائد المسلم الكبير فاتح أفريقيا لأبنائه: [[أسأل الله عز وجل أن يعصمنا وإياكم من الغناء، فوالله إذا سمعتموه لن تحفظوا كتاب الله أبداً]].

    فالغناء هو سبب إضاعتنا للقرآن، وسبب ضياع أوقاتنا، وسبب إنهاء علمنا من رءوسنا.

    أيها الإخوة الفضلاء: لا أريد أن أطيل عليكم، وإلا فالحديث كثير، و(يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق) وأشكركم شكراً جماً على تواضعكم وبقائكم، فجزاكم الله خير الجزاء، وشكراً لكم الشكر الكبير.

    وأسأل الله الذي بيده مفاتيح القلوب أن يفتح على قلوبنا وقلوبكم، وأن يهدينا وإياكم سواء السبيل، وأن يجعل منا ومنكم مفاتيح للخير ومشاعل للهداية، حتى نقود أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا إلى سواء السبيل، فنعرض عمن أعرض عن الله، ونتحاكم إلى شرع الله، ونستروح إلى هداه ونسير على منهجه وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

    اللهم افتح علينا من فتوحاتك، واهدنا سواء السبيل، وتقبل منا ما قلنا وما استمعتم.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.