إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية تأملات في سورة هود [1]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اشتملت سورة هود على تفصيل جملة من قصص الأنبياء مع أقوامهم لتقرير حقيقة التوحيد العظيمة وبيان عاقبة الموحدين، وعاقبة المشركين والكافرين، كما تضمنت بيان أحوال اليوم الآخر، والدعوة إلى الاستقامة على طاعة الله كما أمر تعالى، الأمر الذي جعل منها موضع خوف وإشفاق من نبينا صلى الله عليه وسلم فقال: (شيبتني هود وأخواتها).

    1.   

    بيان نسبة سورة هود

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن السورة التي نحن بصدد تفسيرها، والتعليق على آيها في هذا الدرس هي سورة هود، وهي ثاني سورة في القرآن حسب ترتيب المصحف سميت باسم نبي من الأنبياء.

    وهذه السورة سورة مكيه، وعدد آيها مائة وثلاث وعشرون آية، كلها مكية، إلا قول الله جل وعلا فيها: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114].

    فهذه الآية في المشهور عند العلماء نزلت بالمدنية، وأما ماسوى ذلك فآيات مكية نزلت قبل هجرته صلوات الله وسلامه عليه إلى المدنية.

    1.   

    اشتمال سورة هود على حقائق التوحيد

    وقد مجد الله جل وعلا في أولها كتابه، وأخبر بأنه مفصل ومحكم من لدن حكيم خبير، ثم ذكر الله جل وعلا الأدلة على فوز أهل التوحيد، وعلى أنه جل وعلا لا رب غيره ولا إله سواه، وجاءت السورة بمقارنة بين أهل الإيمان والكفر، حيث قال تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود:24].

    ثم ذكرت السورة جما وعددا من رسل الله جل وعلا وأنبيائه، بدءاً بنوح وانتهاء بموسى، ومرور بهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب عليهم جمعياً أفضل الصلاة والسلام.

    1.   

    ذكر ما جاء عن رسول الله من مشيبه بهود وأخواتها

    ومما جاء في الآثار عن هذه السورة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:(شيبتني هود وأخواتها) وهذا إجمال، وجاء ذلك مفصلاً في رواية أخرى أنه صلى الله عليه وسلم قال: (شيبتني هود والمرسلات والواقعة و(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) وإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)).

    والجامع بين هذه السور هو كونها تتحدث عن اليوم الآخر وأهواله وما يكون فيه، والله جل وعلا ذكر ذلك صراحة في كتابه العظيم، حيث قال الله جل وعلا في سورة المزمل: يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [المزمل:17].

    والمقصود أن ما أجمله قوله عليه الصلاة والسلام: (شيبتني هود وأخواتها) قد جاء مفصلاً عند الطبراني بسند صحيح وفي رواية الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس باللفظ المذكور.

    والناس يختلفون في السبب الذي يدفعهم إلى أن يشيبوا باعتبار تعلق قلوبهم، فمن الناس من يشيبه التعليم، ومن الناس من يشيبه العقار، ومن الناس من تشيبه التجارة، ومن الناس من يشيبه تربية الصبيان، ومن الناس من يشيبه الهم، وغير ذلك، وهذا ظاهر في الناس، ولا غرابة فيه، ولا ننكره، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لما كان قلبه معلقا بالله، وكان يخشى الله واليوم الآخر ويخاف ربه ويهابه؛ جاء تعلق شيبه صلوات الله وسلامه عليه بهود وأخواتها، أي: باليوم الآخر، ولا يعني هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان كثير الشيب، وإنما مرد ذلك إلى العرف، وقد مات النبي عليه الصلاة والسلام ولا يحصى من الشيب فيه أكثر من عشرين شعرة، وأكثر شيبه كان في أسفل شفته السفلى وفي أعلى عارضيه عن اليمين وعن الشمال، أما في لحيته فكان الشيب قليلاً جداً في شعيرات يمكن عدها، وكذلك شعر رأسه صلوات الله وسلامه عليه.

    والسنة في الشيب إذا ظهر وكثر وأصبح غالباً على السواد إن يُغَيَّر، إما بالكتم وإما بالحناء، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما فتح مكة جاءه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بأبيه أبو قحافة ، ومن مناقب أبي بكر رضي الله تعالى عنه أن أبويه أدركا الإسلام، وهذه مزية لم تكن لأحد من كبار الصحابة الذين دخلوا في الإسلام معمَّّّّّرين، كـأبي بكر ؛ فإن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسلم وسنه ثمانية وثلاثون عاماً، فأدرك أبواه الإسلام.

    فـأبو قحافة أسلم يوم فتح مكة، فجاء به أبو بكر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأبو قحافة يوم ذاك ابن قرابة الثمانين، فجاء به وقد أصبح شعره كالثغامة، والثغامة نوع من النبت أبيض الزهرة وأبيض الثمرة، فجاء به وقد بيض شعر رأسه، وبيض شعر لحيته، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يغير شعر رأسه وشعر لحيته، وقال في آخر الحديث: (وجنبوه السواد).

    وزيادة: (وجنبوه السواد) اختلف العلماء فيها، هل هي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو هي مدرجه من قول الصحابي؟

    ومعلوم أن الإدراج يكون: إدراج إسناد، أو إدراج متن.

    والمشهور عن بعض العلماء أنها من إدراج المتن، وقال بعضهم: إنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وليس هذا موضع التفصيل فيها، والذي يعنينا أن نغيره بالحناء والكتم خروجاً، من خلاف العلماء، وهو أولى.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (شيبتني هود وأخواتها).

    ذكر ما شيب رسول الله من سورة هود

    ومما شيب النبي صلى الله عليه وسلم منها ذكر اليوم الآخر، وإن كان بعض العلماء يقول: إن الذي شيب النبي صلى الله عليه وسلم من سوره هود قول الله جل وعلا فيها: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112].

    قال بعض المفسرين: الذي شيب النبي عليه الصلاة والسلام هو قول الله جل وعلا: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، ولكن قرانه عليه السلام سورة هود بسورة المرسلات والواقعة وعمَّ و(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) نفهم منه أن الذي شيبه منها ذكر أهوال اليوم الآخر؛ لأن هذا هو الجامع بين هذه السور.

    وهذه السورة ذكر الله جل وعلا أخبار الأنبياء، فذكر الأمم وتكذيبها لأنبيائها ورسلها، وكيف كان ذلك سبباً في فنائها وهلاكها، كما قال تعالى: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ [هود:100] أي: شاهد باق ظاهر، كالحجر في أرض ثمود وَحَصِيدٌ [هود:100] أي: منته، كما هو الحال في البحر الميت الذي كان موضع قوم لوط عليه السلام.

    فهذه الأمور كلها مدعاة للشيب.

    1.   

    بيان مجمل قصص سورة هود

    وقد ذكر الله جل وعلا فيها قوم نوح كما سيأتي، ثم قال: فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون:41].

    ثم ذكر قوم هود فقال جل وعلا: أَلا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ [هود:60].

    ثم ذكر ثمود فقال جل وعلا: أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ [هود:68].

    ثم ذكر الله جل وعلا قوم لوط فقال: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83].

    ثم قال الله جل وعلا في مدين: أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ [هود:95].

    ثم قال جل وعلا عن فرعون وآله وتكذيبهم لموسى وهارون: وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ [هود:99].

    فهذا كله دلائل تظهر الشيب في الإنسان إذا قرأها، وأذكر أنه قبل أعوام قُدِّر أن نقرأ هذه السورة في صلاة التراويح، والقرآن تدبره يحتاج إلى فقه، ولا أقصد بالفقه فقه المتون، وفقه الأحكام، وإنما أقصد فقه العقل، وقدر أن قرأ هذه السورة الشيخ: صلاح البدير وفقه الله، فكان يقرؤها مقطعاً مقطعاً، فقرأ قصة نوح، ثم قرأ قصة عاد، ثم قصة ثمود، وهكذا وهو لا يبكي، بل كان يحاول أن يحبس بكاءه، وهذا من تعليم الناس وربطهم بالواقع، فلما وصل إلى قول الله جل وعلا في آخر السورة: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120] بكى الشيخ حفظه الله ونفع المسلمين بعلمه، وهذا هو الفهم؛ لأن هذه الآية هي اللب من الإيراد كله؛ فإن الله ذكر أنبياءه ورسله على التفصيل، ثم لما ختم قال: وَكُلًّا [هود:120] أي: كلاً ممن مضى، والتنوين هنا عوض عن الحذف نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ [هود:120]، ثم ذكر الغاية مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] والخطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم ومن يسمع من أمته.

    فلما وصل إليها بكى، وهذا من العلم، وتدبر القرآن، وفقه النصوص، ومعرفة موطن مقصود الله تبارك وتعالى، وهو علم رفيع يمن الله جل وعلا به على من يشاء من عباده جعلنا الله تبارك وتعالى وإياكم من العلماء العاملين بعلمهم.

    وقد بدأت السورة بالدعوة إلى التوحيد، وانتهت به، حيث قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها...)

    قال جل وعلا فيها: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [هود:6-8].

    إن من المقطوع به شرعاً ونقلاً وعقلاً وطبعاً، أنه لا ملزم على الله، ولكن الله عندما يقول:وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] فهذا إلزام فضل لا إلزام واجب.

    وحسب قواعد التفسير فإن الاسم إذا كان نكرة مسبوقاً بحرف الجر (من)، والجملة مسبوقة بـ(ما) النافية، فذلك أبلغ صيغ العموم، كمثل الآية التي بين أيدينا: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    فـ(ما) نافية و(من) للبيان، ودابة اسم جاء نكرة، فهذا من أبلغ صيغ العموم في كتاب الله جل وعلا، ثم يليه كلمة كل، والذي يعنينا من هذا أكبر وأبلغ صيغ العموم في كلام الله جل وعلا: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6].

    والله تعالى يقول في العنكبوت: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت:60].

    نماذج من رزق الله خلقه

    ويروى أن رجلاً يقال له: أبو أسيد من السلف كان فقيراً يحتقره الناس، فسأله أحد الناس: من أين تأكل؟ كأنه رآه بغير عمل، فقال: سبحان الله والله أكبر، إن الله يرزق الكلب، أفلا يرزق أبا أسيد ؟! وقد جاء في بعض الأحاديث أن الأشعريين وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، كـأبي موسي وأبي مالك وأبي عامر ، فلما قدموا أناخوا مطاياهم حول المدينة على مقربة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الجوع قد بلغ منهم مبلغه، فقال بعضهم لبعض: أبعثوا رجلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تطلبونه طعاما، فاختاروا رجلاً منهم، وقالوا له: اذهب إلى رسول الله وائتنا بطعام، فذهب الرجل، فلما قرب من النبي صلى الله عليه وسلم سمع النبي عليه السلام يقرأ في بيته هذه الآية: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] فقال: والله ما الأشعريون بأهون الدواب على الله، ثم رجع، ولم يقل للنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فلما أقبل على أصحابه قال: أبشروا بوعد الله، كفيتم، فظن أصحابه أنه بلّغ النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم، فما هو إلا قليل حتى جاءهم رجلان بقصعة من ثريد مملوءة، فأكلوا فبقي كثير مما لم يأكلوه، فقالوا نحمله إلى رسول الله ينفع به غيرنا، فأخذه من لا يعلم أن هذا الرجل لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله! جزيت خيراً، فقال (إنني لم أبعث إليكم بشيء).

    فهذا رجل قد لا يكون ملكا، ولكن سخره الله جل وعلا لهؤلاء الناس ليأتيهم بطعام.

    ومعلوم أن وعد الله حق، ولكن لا يعني ذلك أن يركن الإنسان فيترك الأخذ بالأسباب، ولكن يأخذ بالأسباب، ويعتمد على الملك الغلاب جل جلاله.

    بيان معنى قوله تعالى (ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب...)

    ثم قال سبحانه: وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا [هود:6].

    اختلف العلماء في المراد بالمستقر والمستودع، والأشهر من أقوالهم أن المراد بالمستقر: المأوى في الدنيا، أي: المكان الذي تأوي إليه الدواب بعد أن تسرح، وأما مستودعها فهو مكان دفنها وموتها قبل اليوم الأخر.

    (كُلٌّ) أي: كل ما يجري من أقدار الله من أرزاق وأخذ وعطاء فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [هود:6].

    والله جل وعلا عنده أم الكتاب، وأم الكتاب هو اللوح المحفوظ، وما في أم الكتاب لا يغير ولا يبدل، ولكن توجد كتب أخرى غير أم الكتاب هي التي يجري فيها التغير والتبديل، قال الله جل وعلا: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ [الرعد:39]، ثم قال جل وعلا: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39].

    فأم الكتاب هو الكتاب الذي لا يجري فيه تغير لا تبديل، وهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (جفت الأقلام وطويت الصحف) أما غير ذلك فإن فيه تغييراً، كما جاء في الأحاديث أن صلة الرحم تزيد في العمر، وأن القدر والدعاء يعتلجان في السماء، فكل هذا مما يجري فيه التغيير، أما الكتاب المبين الأصل فلا يكون فيه تغير ولا تبديل.

    بيان معنى قوله تعالى (وهو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام...)

    ثم قال جل وعلا: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [هود:7].

    وأول ما يفهم من الآية أن العرش والماء مخلوقان قبل السموات والأرض.

    والعرش: سقف المخلوقات، ويمكن أن يقال في تعريفه: إنه سرير ذو قوائم تحمله الملائكة.

    والدليل على أنه تحمله الملائكة قوله تعالى: وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ [الحاقة:17].

    والدليل على أنه ذو قوائم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا موسى آخذاً بقوائم العرش) فهذا دليل على أن العرش له قوائم.

    والغيب الذي لا يُرى لا يعرف بالتجربة، فلا تتكلم في الغيب إلا بدليل نصي من كتاب أو من سنة، ولا يعتبر فيه التجربة ولا غيرها، ويبقى الغيب غيباً.

    بيان معنى قوله تعالى (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)

    ثم قال تعالى: وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7].

    والعمل يحسن بأمرين: الإخلاص والمتابعة، فالعمل إذا توافر فيه هذان الشرطان -الإخلاص للرب تبارك وتعالى، والمتابعة لنبينا صلى الله عليه وسلم- كان هو العمل الحسن، وهو العمل الصواب، وهو العمل المقبول، فالعمل إن كان غير خالص -ولو كان متقنتاً- لا يقبل، وإن كان مخلصا ولكنه على غير هدي محمد صلى الله عليه وسلم فلا يقبل.

    قال ابن القيم رحمه الله في الإخلاص:

    هو دين رب العالمين وشرعه وهو القديم وسيد الأديان

    هو دين آدم والملائك قبله هو دين نوح صاحب الطوفان

    هو دين إبراهيم وابنيه معاً وبه نجا من لفحة النيران

    و به فدى الله الذبيح من البلى لما فداه بأعظم القربان

    هو دين يحيي مع آبيه وأمه نعم الصبي وحبذا الشيخان

    ثم قال رحمه الله:

    وكمال دين الله شرع محمد صلى عليه منزل القرآن

    فالإنسان إذا قدر له أن يخلص النية ويتبع هدي محمد صلى الله عليه وسلم، كان هذا هو العمل الذي أراده الله جل وعلا من عباده، وهو المقصود بقول الله هنا: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [هود:7].

    بيان معنى قوله تعالى (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت...)

    قال تعالى: وَلَئِنْ قُلْتَ [هود:7] والمخاطب النبي صلى الله عليه وسلم إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ [هود:7].

    والمخاطب بها كفار قريش، لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ [هود:7]، أي: يردون على القرآن بأنه سحر، كما قال الوليد بن المغيرة : إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ [المدثر:24].

    بيان معنى قوله تعالى (ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه...)

    ثم قال الله جل وعلا: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [هود:8].

    الأمة هنا الوقت والزمن، وقوله تعالى: لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ [هود:8].

    وكلمة (أمة) في القرآن وردت على عدة معان:

    فوردت بمعنى الزمن والوقت، كما في هذه الآية، وفي قوله جل وعلا: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ [يوسف:45] أي: بعد زمن.

    وتأتي بمعنى الرجل المقتدى به، قال الله جل وعلا إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً [النحل:120].

    وتأتي بمعنى الجماعة من الناس رجالاً ونساء، كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا [النحل:36].

    فالأمة هنا الجماعة من الناس من الرجال والنساء.

    وتأتي بمعنى الجماعة من الرجال دون النساء، قال الله جل وعلا عن موسى: وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [القصص:23] أي: رجالاً يسقون وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ [القصص:23].

    وتأتي بمعنى الملة والدين، قال تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22].

    التفريق بين قوله تعالى (ليقولَن) وقوله (ليقولُن)

    قال تعالى: لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [هود:8].

    يلحظ هنا مجيء لام (ليقولن) مضمومة، وقد سبق قوله تعالى: وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [هود:7] بفتح اللام في (ليقولن).

    فقوله تعالى: لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [هود:7] جاء فيه (الذين كفروا) فاعلاً، فهنا لا يوجد ضمير، فأصل الفعل (يقول) وأسندت إليه نون التوكيد الثقيلة، والقاعدة: إن نون التوكيد إذا أسندت إلى الفعل المضارع يبنى على الفتح، فجاءت مفتوحة وفقاً.

    وفي الآية التي بعدها قال الله جل وعلا: وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ [هود:8].

    وأصلها (ليقولون)، ففيها واو الجماعة، والقاعدة أن الفعل المضارع إذا أسند إلى واو الجماعة يبنى على الضم، فبنيت اللام على الضم لوجود واو الجماعة، ولكن واو الجماعة لا تنطق هنا، بل حذفت لالتقاء الساكنين، والساكنان هنا هما نون التوكيد الأولى وواو الجماعة، فحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وبقيت اللام على البناء على الضم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها...)

    يقول تبارك وتعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    إن مزية دروس التفسير أنها تدلك على كل العلوم، فالله تعالى يقول هنا: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] أي: يطلب الدنيا وزينتها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [هود:15] أي: في الدنيا وَهُمْ فِيهَا [هود:15] أي: في الدنيا: لا يُبْخَسُونَ [هود:15].

    والواقع أن كل من طلب الدنيا لا يُعطاها.

    وعليه فإن هذا الإطلاق قيده الله جل وعلا في الإسراء فقال سبحانه: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18].

    فهذا الإطلاق الوعد المطلق هنا قيد بآية ماذا؟ بآية الإسراء واضح.

    ونحو ذلك قول الله في البقرة: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]، هذا إطلاق، ولكن هل كل من دعا الله يجيب الله دعوته؟

    فهذه الآية مقيدة بقوله تعالى: فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ [الأنعام:41].

    ذكر أحوال الإطلاق والتقييد

    والمطلق والمقيد ينقسمان إلى أربعة أقسام: فقسمان اتفق عليهما العلماء، وقسمان اختلفوا فيهما، فنقول:

    أولاً: يحمل المطلق على المقيد إذا اتفقا في السبب والحكم، ومثال ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في زكاة الغنم: (في أربعين شاة شاة)، وقال: (في سائمة الغنم زكاة) فالحكم في النصين هو الزكاة، فهو واحد، والسبب واحد، وهو بلوغ النصاب، وقوله صلى الله عليه وسلم:(في أربعين شاة شاة) لم يذكر فيه السائمة، ولكن لا نقول لكل من ملك أربعين شاة: إنه تجب عليك فيها الزكاة، حتى تكون سائمة، فأتينا بشرط السوم من حديث آخر، للاتفاق في السبب والحكم.

    فنقول على هذا: إذا اتفق المطلق والمقيد في السبب والحكم يحمل المطلق على المقيد.

    ثانياً: إذا اختلفا في السبب واتفقا في الحكم، فإن مثالهما كما في الظهار وقتل مؤمن خطأ، فالسبب يختلف، ولكن الحكم واحد، وهو العتق، وقد قال الله جل وعلا في القتل: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ [النساء:92]، وقال في الظهار ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [المجادلة:3].

    ولم يقل: مؤمنة، فالإطلاق في آية الظهار، والتقييد في آية القتل، فاتفقا في الحكم وهو العتق، واختلفا في السبب، إذ الظهار والقتل مختلفان، فهل يحمل المطلق على المقيد؟ هذا محل نزاع بين العلماء.

    ثالثاً: إذا اتفقا في السبب، واختلفا في الحكم، فمثال ذلك في الوضوء والتيمم، فالإنسان إذا لم يجد الماء يرفع حدثه التيمم، فالتيمم غير الوضوء، ولكن السبب واحد، إذ المقصود رفع الحدث؛ لأنه لا يكون وضوء ولا تيمم إلا لرفع الحدث.

    فالله جل وعلا قال في آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ [المائدة:6].

    فقيد غسل اليد بقوله: (إلى المرافق)، وفي التيمم قال: وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [المائدة:6] ولم يقل: إلى المرافق، فهذا إطلاق، فهل يحمل هذا على هذا؟

    هذا فيه خلاف، ولكن ذلك فسر بالسنة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    رابعاً: إذا اختلفا في السبب والحكم، فمثاله قول الله جل وعلا: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ [المائدة:38].

    فالحكم هو القطع، والسبب السرقة.

    وقال تعالى في آية الوضوء: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [المائدة:6].

    فالسبب هو رفع الحدث، وهناك السبب هو السرقة، وهناك الحكم القطع، وهنا الحكم الوضوء، فالوضوء غير القطع، والسرقة غير رفع الحدث، فاختلفا في السبب، واختلفا في الحكم، فلا نقول: إن السارق تقطع يده من المرفق، لأن آية الوضوء نصت على أنه يكون إلى المرفق؛ لأنهما اختلفا في السبب وفي الحكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه...)

    قال الله جل وعلا: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [هود:25-27] أي: أشراف الناس مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا [هود:27] أي: ومن أعظم ما أخذه الأنبياء على رسلهم أنهم بشر، وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:27].

    وكل دين أول من يدخل فيه هم الضعفاء؛ لأن الضعفاء غالباً مضطهدون من الوجهاء والأعيان، فيكون هؤلاء الضعفاء في أحوج شيء إلى من يأتي ويغير الحال الذي يعيشونه، فإذا جاء الأنبياء بالصلاح وغيروا النظم الاجتماعية القائمة على الظلم والقهر في أقوامهم، كان هؤلاء الضعفاء أول من يتبعهم، ويكون الوجهاء المستفيدون من ذلك الحال أول من يحارب الأنبياء.

    قال تعالى: بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27].

    قيل: المعنى: أول الأمر. أي: هؤلاء أصحاب مهن وضيعة لا يفكرون ولا يتريثون، وإنما تبعوك عجلة من دون تفكر، ومن دون تمعن، ومن دون أخذ ولا عطاء ولا روية.

    قال تعالى عنهم: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:27].

    بيان الهلاك بتعظيم غير الله

    والله جل وعلا قد أرسل كل الأنبياء بالتوحيد، والتوحيد: أن لا يعظم إلا الله، ولا يأتي الناس بسبب للهلاك أعظم من تعظيم الناس فوق قدرهم، ولذلك حرص الأنبياء عليهم السلام على أن يبرءوا من كونهم لهم فضل على الناس، وكل من ادعى أن له فضلاً قصمه الله، وهذه سنة لله جل وعلا في سائر خلقه في الأبرار والفجار، ففرعون قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] فقصمه الله وأغرقه في البحر.

    واليهود ما أضلهم إلا أنهم قالوا نحن شعب الله المختار، فلما ظنوا أنهم لهم مزية هلكوا.

    وهتلر الزعيم النازي الألماني كان يرى أن للألمان عرقاً يرتفع به عن سائر أعراق الناس، وقسم العالم، وجعل العرق الألماني في أعلاها وأشرفها، وجاء بالنازية القائمة على العنصرية، وما ضيَّع ألمانيا إلا النازية التي جاء بها أدولف هتلر ، ثم هلكت ألمانيا بعده، وإلى اليوم تدفع ألمانيا ثمن مقولة هتلر أن لألمانيا فضلاً على الناس، فليست هي عضواً في مجلس الأمن ولا في غيره، وقضايا العقوبات عليها في تصدير السلاح مما لا يخفى على أحد، كل ذلك بسبب تلك الكلمة أو تلك المقولة أو الحكمة أو النظرية التي جاء بها هتلر .

    فكل من بغى قصمه الله جل وعلا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي...)

    ثم قال تعالى: قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:28].

    أي على برهان واضح وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ [هود:28] والرحمة: النبوة، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28].

    وقوله تعالى: هذه َنُلْزِمُكُمُوهَا [هود:28] فيه عشرة أحرف، ولكن هذه الكلمة ليست أطول كلمة في القرآن، ففيها فعل وفاعل ومفعول به أول ومفعول به ثان.

    ولكن أطول منها بحرف قوله تعالى: فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ [الحجر:22] في الحجر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً...)

    قال تعالى: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [هود:29-31].

    في هذه الآيات بيان كيفية دعوة الأنبياء، وهذا من أعظم الفقه في الدعوة، فأي نبي كان يحرص وهو يدعوا الناس على أن يبين أنه لا يريد من الناس أن يتبعوه لشخصه، وإنما يتبعونه لأنه يبلغ عن الله، ولهذا قال نوح عليه السلام: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [هود:31] أي: فتتبعونني رجاء أن أعطيكم، فلا أريدكم أن تتبعوني من أجل هذا الأمر وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [هود:31] فتفرحون فتقولون: هذا يعلم الغيب، فنتبعه حتى يبين لنا مستقبل أيامنا وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود:31] أي: ولا أقول: إنني من جنس أفضل من جنسكم.

    فكان ينأى عن أن يشعر قومه بأنه له فضل عليهم غير فضل النبوة وفضل الهداية وفقه الأمر كله قائم على أن أنبياء الله لا يريدون من الناس أن يتبعوهم لذواتهم، وإنما يتبعونهم لأنهم يبلغون عن الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا...)

    ثم قال تعالى: قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [هود:32].

    هذا الطلب المقصود منه الاستهزاء والسخرية، فقال نوح عليه الصلاة والسلام: قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ [هود:33] فأسند الأمر إلى الله، وهذا هو التوحيد والعبودية الحقة التي حققها الرسل أعظم تحقيق.

    قال تعالى: وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ [هود:34] فالهداية أولها وآخرها بيد الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه...)

    قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ [هود:35].

    وهذا من دقائق الكلام في القرآن، فنوح عليه السلام يقول: إِن [هود:35] على سبيل الافتراض إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي [هود:35].

    ولما تكلم عنهم قال: وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ [هود:35].

    فتكلم عن نفسه على سبيل الفرضية، وتكلم عنهم على سبيل التحقيق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن...)

    فلما كان الأمر كذلك قال الله جل وعلا: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [هود:36].

    وقد مكث نوح يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، فأصبح الناس على حالين متميزين، فتميز الكافر من المؤمن، فأوحى الله جل وعلا إليه أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، فلما أوحى الله جل وعلا إليه بهذا الأمر قال دعاءه المشهور: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26].

    فلو قال داع اليوم: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26] فإنه لا يصح ذلك؛ لأنه لا يدري من يكتب الله له الهداية ممن لا يكتبها.

    فالإنسان يتقيد بالشرع، أما نوح فكان يعلم؛ لأن الله قال له: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [هود:36].

    1.   

    بيان سخرية قوم نوح بنبيهم وسخريته منهم

    فأمره الله جل وعلا بأن يصنع الفلك -أي السفينة- وعلمه الله جل وعلا كيف يصنعها، فكان يمر

    عليه قومه فيسخرون منه قائلين: بالأمس كنت نبياً واليوم أصبحت نجاراً. فيقول: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38].

    وهذا يسمى عند البلاغيين بالمشاكلة، حيث قال: قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:38-39].

    1.   

    ذكر ما حمله نوح في السفينة

    قال تعالى: قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود:40].

    وكلمه (زوج) في قول أهل الرياضيات تدل على اثنين، هذا كلام أهل الرياضيات، وهو في اللغة غير صحيح، فكلمة زوج تدل على واحد له مثيل من جنسه، ولو كانت تدل على اثنين لما قال الله: مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود:40].

    فكلمة زوج تدل على واحد، والدليل قوله تعالى: في حواء: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء:1].

    وزوجها هو آدم عليه السلام.

    فالشيء إذا كان له مثيل سمي زوجاً، مثل النعل فكل واحدة من النعلين يقال لها: زوج، فإذا قلت: زوجين اثنين فإنها تصبح في عددها الفردي أربعة.

    فكلمة زوج تدل على واحد له مثيل، والدليل من القرآن كذلك قول الله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [النجم:45] ولما فسرهما قال: الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [النجم:45].

    فالله تعالى قال لنوح: احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [هود:40]، فأخذ من الأُسْد أسداً ولبؤة، وأَسَدا ولبؤة.

    1.   

    بيان معنى فوران التنور

    وبعد أن أمره تعالى بذلك أعطاه أمارة فقال: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40].

    واختلف العلماء في المقصود بقوله: (فار التنور)، فجمهور العلماء من السلف والخلف على أن المقصود نبع الماء في الأرض، أي: تتفجر عيون الأرض، وهذا قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعليه الجمهور.

    واختار ابن جرير الطبري شيخ المفسرين أن هذا غير صحيح، وقال رحمه الله: إن التنور إذا أطلق يراد به المكان الذي يخبز فيه، وكلام الله يحمل على الأشهر والأغلب، فقال: هذه علامة بين الله وبين نوح في الموقد الذي يوقد فيه نوح النار، فإذا فار فتلك علامة أعطاه الله إياها، فحينئذٍ يكون الأمر كما قال تعالى: احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ [هود:40].

    1.   

    بيان حكمة حمل نوح من كل زوجين اثنين

    ولم يحمل نوح من أهله زوجته واعية، وابنه كنعان، على ماقاله المفسرون.

    فحمل نوح من كلٍّ زوجين اثنين؛ لأن الله جل وعلا كتب أن تهلك الدنيا، فحفظاً لبقاء الحياة الإنسانية وما ينفعها أمر الله نوحا بأن يحمل فيها من كلّّّّّّّّ زوجين اثنين.

    وقال العلماء: إنها كانت ثلاثة أدوار، فما كان أعلاها كان للطير، والوسط كان للدواب، والأسفل كان لبني الإنسان، ويقولون: إن من كانوا في السفينة كان عددهم قرابة ثمانين شخصاً، وإن السفينة رست في العاشر من شهر محرم يوم عاشوراء، وإن نوحا صامه وصامه أهل السفينة، وإنه لم يكن فيها بعض المخلوقات كالخنزير، ولكن لما خرجت العذرات من الدواب والإنسان في السفينة، فأزكم الناس ريحها لأمر أراده الله، اشتكى نوح إلى ربه من عذرات الناس، فأمره الله بأن يمسح على الأسد، فأخرج منه الخنزير، والخنزير يأكل العذره، فارتاح أهل السفينة من العذرات؛ لأن الخنزير كان يأكلها.

    وذكروا أشياء قريبة من هذا، والله تعالى أعلم بصحتها.

    ولكن العقل لا يمنعها، ولا يوجد دليل نقلي صحيح على صدقها.

    قال تعالى: وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40]، وأهل الخير في الغالب قلة.

    1.   

    ذكر مراحل قصة نوح عليه السلام

    ثم قال نوح لقومه: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا [هود:41]أي إجراؤها وَمُرْسَاهَا [هود:41] أي: أرساها فحملتهم.

    والله جل وعلا صور الموقف على عدة مراحل:

    المرحلة الأولى: مرحلة دعوة نوح ومواجهته سخرية قومه.

    والمرحلة الثانية: صناعة السفينة، وقد صنعها في ثلاث سنين؛ لأن سفينة تحمل هؤلاء الخلق كلهم لابد من أن تكون عظيمة، فصنعها ولم يكن يعرف صنعها، ولكن الله قال: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37] أي: برعايتنا وأمرنا. فكان لا يضع شيئاً إلا بأمر الله.

    والمرحلة الثالثة: أمره للناس بأن يركبوا السفينة.

    والمرحلة الرابعة: إخراج الأرض ماءها، وإمطار السماء، قال الله جل وعلا: فَالْتَقَى الْمَاءُ [القمر:12]. أي: ماء السماء وماء الأرضُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ [القمر:12-13] أي نوح عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13].

    1.   

    ذكر ما حصل من ابن نوح

    فأخذت السفينة تجرى بهم، فرأى ابنه كنعان فأخذ يناديه، حيث أدركته عاطفة الأبوة، فقال: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ [هود:42].

    فالابن نسي أن المسألة مسألة عقوبة، وأعظم من الذنب الذي ترتكبه عدم شعورك بأن الله سيعاقبك عليه، كإنسان تحته أجراء يظلمهم ليل نهار ولا يعطيهم حقهم، أو كان تحته طلاب لا يحسن تعليمهم، أو زوجات يظلمهن، أو جيران يؤذيهم، أو عنده كذا وكذا من المظالم، ثم يبتلى بمرض خبيث، أو بحرق، أو غير ذلك، فيأتيه من يواسيه فيقول: هذا رفع درجات، وهو لا يدري ما حاله، ولكن العاقل يعرف ذنوبه ومعاصيه، وقد كان السلف لقلة ذنوبهم تأتيهم المصيبة فيعرفون الذنب الذي بسببه أصابتهم.

    فابن نوح أخذ يتكلم بأشياء بدهية، فل وحصل السيل ونحن بمكان فإنا سنذهب إلى الجبل، فقول ابن نوح: سَآوِي إِلَى جَبَلٍ [هود:43] قول بدهي.

    إلا أن الطوفان لم يكن شيئا طبيعياً، بل كان عقوبة لأهل الكفر واستجابة لدعوة نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26].

    قال تعالى: قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [هود:43].

    و(عاصم) هنا فاعل بمعنى مفعول، يعني لا معصوم اليوم إلا من رحم الله، والعرب تعبر بالفاعل عن المفعول، وتعبر بالمفعول عن الفاعل، قال الله جل وعلا: إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا [مريم:61] أي: آتيا، وليس مفعولا به، ويقال: فلان قتيل، أي: قاتل، ويقال فلان قتيل، بمعنى: مقتول.

    والمقصود أن (عاصم) هنا بمعنى معصوم، أي لا معصوم اليوم إلا من رحمه الله.

    قال تعالى: وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ [هود:43] أي: بين الأب وابنه: فَكَانَ [هود:43] أي: الابن مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:43].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي...)

    قال تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44].

    وهذه أبلغ آية في كتاب الله وكل القرآن بليغ، وقد روي أن ابن المقفع -وهو فارسي كان ذا بلاغة وبيان، وكانوا يقولون: إنه أفصح أهل زمانه- قرر أن يعارض القرآن، فكتب كلاماً وقسمه على هيئة سور، وكان ذكياً فصيحاً، ولا ريب في ذلك، وله كتب مشهورة منها: الأدب الكبير والأدب الصغير، وغير ذلك، فمر على غلام يقرأ هذه الآية: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44] فرجع وقال: أشهد أن هذا كلام لا يعارض أبدا، وأحرق ما كان يكتبه.

    فهذا الأمر صرف النظر عن بلاغته؛ إذ لا يقدر على أن يقوله إلا الله، فلا يوجد أحد يقول للسماء توقفي، وللأرض: ابلعي، وللماء: غض، وللسفينة: استوي، فينفذ هذا كله ويقع، إلا الله جل وعلا.

    واقرأ القرآن بكل أموره، ففيه ما يدل على جلال الله، وفيه ما يدل على جمال الله، فالألفاظ تدلك على جمال الله، والقدرة تدلك على جلال الله، وبأيهما بكيت -جمالاً أو جلالاً- أصبت قوله صلى الله عليه وسلم (ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).

    1.   

    ذكر ما كان بعد هلاك الكافرين

    قال الله جل وعلا: وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود:41-43].

    طافت السفينة بالأرض حتى قيل إنها طافت بالكعبة، ثم أمرها الله بأن تستقر، فأوحى الله إلى الجبال أن السفينة ستستقر على أحدكم، فتطاولت الجبال كلها إلا جبل الجودي في أرض الموصل جهة الكوفة في العراق، فهذا الجبل تواضع ولم يرتفع كما قال العلماء، فأمرها الله بأن تستوي على جبل الجودي، لأن من تواضع لله زاده الله عزاً ورفعة، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه.

    قال تعالى: وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ [هود:44].

    والبلع يكون للشيء الذي لا يتريث الإنسان في مضغه، ويستقر في الجوف، فكأن الله أمر الأرض بأن يعود ماؤها الذي خرج منها إلى جوفها.

    وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي [هود:44] أي: توقفي فتوقفت.

    وَغِيضَ الْمَاءُ [هود:44] أي: ذهب في الأغوار هنا وهناك بحيث لا يراه أحد، وفي البادية يقولون: فلان يغيض ويعيض.

    وَقُضِيَ الأَمْرُ [هود:44] أي: أمر إهلاك الكافرين الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ [هود:44].

    وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود:44] أي السفينة.

    وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود:44] وهذا البعد زماني ومكاني، فلا يوجد لهم أثر، وهو بعد مستمر زماناً إلى أبد الآباد.

    فلما رست السفينة قالوا: إن نوحاً عليه السلام أراد أن يطمئن أن الأرض فيها حياة، فبعث الغراب، فوجد الغراب جيفة من جيف الكفار الذين أهلكهم الطوفان فربض عندها، ولذلك يقولون:

    إذا كان الغراب دليل قوم دلهم على جيف الكلاب

    ثم بعث الحمامة، فلما ذهبت الحمامة لطخت قدميها بالطين، حتى تبين له أن الأرض ليس فيها ماء، ثم حملت غصن زيتون في فمها وقدمت به إلى نبي الله نوح، ولذلك فالشعار العالمي اليوم المتفق عليه بين الأمم هو أن الحمامة وغصن الزيتون رمز السلام، وهذا مأخوذ من هذه القصة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي...)

    ثم إن نوحا أدركته عاطفة الأبوة، فلما انتهى الأمر نادى فقال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] أي: أنك ستنجي أهلي وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45]، وهذا توسل إلى الله.

    فوعظ الله نوحاً وأدبه: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود:46].

    فالذي فرق بين نوح وابنه هو الكفر؛ وإن كان ابنه من صلبه؛ كما قال ابن عباس : (والله ما خانت زوجة نبي قط)، فيستحيل أن تخون زوجة نبي الله زوجها في عرضه، ولكن يقع منها الكفر، والأمر قد يعظم من جهة ويهون من جهة أخرى، فكونها تكفر بالنسبة لنوح أهون من أن تزني، وإن كان الزنا أقل جرماً من الكفر.

    قال تعالى: قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46] وفي قراءة: (إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ) فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:46].

    فتأدب قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا [هود:47-48].

    والسلام هنا تام؛ لأنه لا يوجد وقتها على ظهر الأرض كافر.

    قال تعالى: اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود:48] حتى سائر الدواب التي كانت مع نوح أدركتهما البركة.

    وقوله تعالى: وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ [هود:48] أي: سيأتون بعد أجيال ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ [هود:48].

    قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49].

    فما أمر الله نبيه بأعظم من الصبر، وبالصبر ينال الإنسان -بفضل الله- ما يريد.

    هذا ما أردنا بيانه وتهيأ إيراده، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله.