إسلام ويب

المعجزة الكبرىللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المعجزة الكبرى هي القرآن العظيم، نعم. إنه كلام الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

    والشيخ في هذا الدرس يحث على قراءته وتدبره والعمل به، وتطرق إلى بعض الأحكام والمسائل المتعلقة به.

    1.   

    القرآن هو المعجزة الكبرى

    الحمد لله، الحمد لله القائل: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ [ آل عمران:190-194].

    أحمده حمد من أنار بالتوحيد قلبه، ومن عرف بالتوحيد ربه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم من رسول شرح الله له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره.

    نبي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. نبي رباه الله على القرآن من صغره، وعلمه مما علمه الله.. نبي كسر الله بدعوته ظهور الأكاسرة، وقصَّر برسالته ظهور الأقاصرة وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الناس! فإن لكل رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام معجزة اختص بهذه المعجزة من بين الرسل، ليصدقه قومه، وليعلن التوحيد والبراهين فيهم، فكان لموسى عليه السلام معجزة العصا.. يوم خرج في قوم بلغوا في السحر ذروته ومنتهاه، فأتت عصاه فتلقفت ما صنعوا من الكذب والبهتان.

    وبلغ قوم عيسى في عهده مبلغاً عظيماً في الطب، فأتى إليهم بطب من الواحد الأحد يبرئ به الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله.

    وأما رسولنا عليه الصلاة والسلام فبعث في أمة مُجيدة في اللغة، فصيحة في البيان، خطيبها أخطب الخطباء، وفصيحها أفصح الفصحاء، وشاعرها أشعر الشعراء، فأتى إليهم عليه الصلاة والسلام بالقرآن، سمعوه فدهشوا من بلاغته وبيانه وفصاحته، فما استطاعوا أن يحيدوا -والله- حتى يقول فرعونهم وكافرهم الوليد بن المغيرة، وقد سمع بلاغة القرآن، ويحلف باللآت والعزى: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمغدق، وإن أسفله لمورق، وإنه يعلو ولا يعلا عليه، فما زالوا به حتى رجع عن مقالته، وكذَّب ما قال عن القرآن، فقال عنه سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:24-30].

    وأتى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ليربي هذه الأمة على هذا الكتاب المجيد، الذي لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ كتاب كلما قرأته آجرك الله، وكلما تدبرته وفقك الله.. كتاب من حكم به عدل، ومن استمع إليه استفاد، ومن اتعظ بمواعظه اتعظ.

    كتاب من قرأه علّمه الله علم الأولين والآخرين.

    كتاب من استنار به أدخله الله الجنة، ومن تقفَّاه قذفه على وجهه في النار.

    كتاب من تدبَّره أخرج النفاق والشك والريبة من قلبه، فهو شفاء لما في الصدور.

    كتاب من التمس الهداية فيه هداه الله وسدده، ومن التمس الهدى من غيره أضله الله.

    يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله رحمة واسعة: "من اعتقد أنه سوف يهتدي بهدىً غير هدى الله الذي أرسل به رسوله في القرآن العظيم، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم".

    تدبر القرآن

    يقول جل ذكره للأمة: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] مالهم لا يتدبرون العظات؟

    مالهم لا يعيشون مع الآيات؟

    لا. لكن ران على قلوبهم الأقفال والذنوب، فقفِّلت فلا تسمع، وأوصدت فلا تعي، ولو أنها تدبرت وعقلت، لفهمت كلام ربها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ويقول سبحانه: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82] والاختلاف الكثير في الكتب تجده في غير كتاب الله عز وجل، أما كتابه فكما قال: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42] ويقول عنه: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

    ثمرة قراءة القرآن

    من قرأ القرآن بارك الله له في عمره وولده ورزقه، ومن أعرض عنه محق الله مهابته، وأزال هيبته، وأفنى كابره وصاغره، وأزال عماره في الدنيا، فالله أنزل الكتاب للهداية، ولذلك كان عليه الصلاة والسلام ينادي الناس جميعاً أن يقرءوا القرآن، وأن يتلذذوا بتلاوته، وألاَّ يهجروه، فمن هجر القرآن استحق غضب الله ظاهراً وباطناً.

    يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عند مسلم: {اقرءوا القرآن، فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه} يأتيك القرآن يوم القيامة يشفع لك عند من أنزله وتكلم به، فيدخلك الجنة بإذن الله. ويقول عليه الصلاة والسلام: {يؤتى بالقرآن وبأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا- ما قال: يقرءونه وإنما يعملون به في الدنيا- تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة} متفق عليه.

    ويقول عليه الصلاة والسلام: {اقرءوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كفرقان من طير صواف، أو كغمامتين، أو تظلان صاحبهما يوم القيامة}.

    ويقول عليه الصلاة والسلام وهو يفاضل بين الناس: {خيركم من تعلم القرآن وعلمه} فعلامة الصدق والإيمان كثرة قراءة القرآن، وعلامة القبول والاتجاه إلى الحي القيوم تدبر آيات هذا القرآن، ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين}.

    قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لأحد ولاته على مكة، وقد ترك مكة، ولقيه في الطريق: [[كيف تركت مكة وأتيتني؟ قال: يا أمير المؤمنين! وليت عليها ابن أبزى. قال: من ابن أبزى، قال: مولى لنا، قال عمر: ثكلتك أمك! تولي مكة على مولى! قال: إنه يا أمير المؤمنين حافظ لكتاب الله.. عالم بالفرائض، فدمعت عينا عمر، وقال: صدق رسولنا صلى الله عليه وسلم: {إن الله ليرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين}]] يرفع الله به في الدنيا والآخرة، ويضع به الذين أعرضوا عنه، فلم يقرءوه ولم يتدبروه ولم يعملوا به.

    والعجيب! أننا سمعنا أن بعض المثقفين يقول لأخيه وهو يحاوره: والله ما قرأت القرآن ستة أشهر. فقل لي بالله! أي قلب يعيش وهو لم يمر بكتاب الله ستة أشهر؟ وهو يمر بالصحف والمجلات، والقيل والقال، وهات وهات، وما أدراك ما الفلتات والسقطات والخزعبلات من آراء الماجنين والماجنات أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5].

    يقول الله عز وجل على لسان رسوله: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30] قال ابن عباس رضي الله عنه: [[من لم يختم القرآن في شهر، فقد هجره]] وهجر القرآن على أضرب: فمنهم من يهجر تلاوته، فيقدم صحف البشر وأغاني ومؤلفات البشر على القرآن.. يسهر على المذكرة الواحدة فيخرج كنوزها وليس فيها كنوز، ويعلل معللاتها وليس فيها تعاليل، ويلخص فوائدها وليس فيها فوائد، ولكن كتاب الله يشكو إلى الله ممن لا يقرؤه.

    قرآننا صار يشكو ما قرأناه     عميٌ عن الذكر

    أتهجرون كتاباً بين أظهركم      لو كلم الذكر جلموداً لأحياه

    يقول عليه الصلاة والسلام وهو يستثير الهمم لتطلب الأجر والحسنات من عند باريها: {اقرءوا القرآن، فمن قرأ القرآن فله بكل حرف حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: (ألم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف} رواه الترمذي.

    فعدَّ واقرأ، واحتسب الأجر عند الله، فإنك تأتي يوم القيامة وقد نصب لك سلم درجات، يقول الله لك وهو يُكلمك بلا ترجمان: {اقرأ وارتق ورتل، فإن منـزلتك عند آخر آية تقرأها}.

    فمن كان يقرأ في القرآن كثيراً رقى حتى يصبح كالكوكب الدري في سماء الجنة، ثم على منازل هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ [آل عمران:163].

    ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي: {الذي ليس في صدره شيء من القرآن كالبيت الخرب} بيت عشعشت فيه الغموم والهموم.. بيت نخره النفاق.. بيت سكنت فيه المعصية والشهوات، لا يخرجه إلا القرآن، وليس كل المؤمنين يجب عليهم قراءة القرآن، فمنهم من لا يقرأ القرآن وهو تقي صالح عابد خير، فواجب هذا أن يردد ما تيسر من السور التي يحفظها، وأن يسبح ربه، ويحمد مولاه، ويهلل الذي يعود ويلتجيء إليه ويكبره كثيراً، ويصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم أبداً.

    كان عليه الصلاة والسلام يعيش مع القرآن، بل كتابه الوحيد الذي تَّربى عليه القرآن، لم يكن عند الصحابة مؤلفات كمؤلفاتنا، ولا صحف كصحفنا، ولا مجلات كمجلاتنا، معهم القرآن معلق في طرف البيت والسيف معلق في الطرف الآخر، وهم يمشون على الأرض كل واحد منهم قرآن، فتحوا الدنيا بآيات الله البينات، وهذه معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أن يأتي بكتاب صغير الحجم، فيتوارث منه العلماء مجلدات تملأ البيوت، كلها علم من هذا القرآن.

    أتى النبيون بالآيات فانصرمت     وجئتنا بعظيم غير منصرم

    آياته كلما طال المدى جددٌ     يزينهن جلال العتق والقدم

    أتى على سفر التوراة فانهدمت     فلم يفدها زمان السبق والقدم

    ولم تقم منه للإنجيل قائمةٌ     كأنه الطيف زار الجفن في الحلم

    فيا أمة القرآن! ويا حفظة الكتاب المجيد! من يقرأ القرآن إذا لم تقرءوه؟

    ومن يتدبره إذا لم تتدبروه؟

    ومن يعمل به إذا لم تعملوا به؟

    أما سمعتم أن أساطين الكفر في أمريكا وأوروبا يبدءون -الآن- في الدخول في دين الله زرافات ووحداناً، بعد أن صدق القرآن في الآيات البينات في الكون سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53].

    ولذلك -كما أسلفت- ما كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا القرآن، يقول لـابن مسعود كما في الصحيحين: {يا عبد الله! اقرأ علي القرآن -فيخجل التلميذ ويستحي الطالب أمام شيخه- ويقول: كيف أقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟

    قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري؟ قال: فاندفعت أقرأ في سورة النساء، فلما بلغت قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً [النساء:41] قال: حسبك الآن، فنظرت فإذا عيناه تذرفان} تأثر من كلام الحبيب، وتأثر من هذا البيان الخلاب الذي يقود القلوب إلى بارئها.

    فسبحان من أنزله! وسبحان من علم هذا القرآن من أراد من بني الإنسان! الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ [الرحمن:1-3].

    {يقرأ أبو موسى في ليلة من الليالي، فينصت له رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، فلما انتهي، قال: يا أبا موسى! لو رأيتي البارحة وأنا أستمع لك، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، فقال: يا رسول الله! أكنت تستمع لي البارحة؟ قال: إي والذي نفسي بيده -وفي بعض الروايات: استمع له من صلاة العشاء حتى الفجر- فيقول: يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو علمت أنك تستمع لي لحبرته لك تحبيراً} أي: جودته وحسنته، وأبدعت إلقاءه، وأحسنت مخارجه، ورننت بالصوت فيه، فكان عليه الصلاة والسلام يريد أن يعيش مع القرآن، وأحسن لذة يستمعها إذا استمع لكتاب الله يُتلى من قلب حزين تقي عابد لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    حال الناس اليوم مع القرآن

    عباد الله! الذي نلاحظه في أنفسنا وفي إخواننا والمسلمين عامة هو قلة الاهتمام بكتاب الله والإعراض عنه، والاستغناء بكتب البشر، والصدود عنه -إلا من رحم الله-، وقلة التجويد حتى أئمة المساجد، وقلة الحفظ، وقلة التدبر، وكثرة المشاغل حتى في طلبة العلم، فلا تجد إلا القليل النادر من يحفظ الكتاب، أو يحفظ بعضه، وإذا كلف بحفظ شيء من القرآن استصعب ذلك وكأن جبلاً من جبال الدنيا وقع على رأسه، ومعنى ذلك: هزيمة الإسلام، وذهاب الإيمان من القلوب، فوالله لا نصر لنا ولا تمكين ولا عزة إلا بهذا القرآن، ووالله متى تركناه ونسيناه وأعرضنا عنه؛ ابتلانا الله بخزي وفضيحة في الدنيا والآخرة.

    ولذلك يقول أحد عملاء الصهيونية العالمية: "من لي بمن يخرج القرآن من صدور أبناء المسلمين، قال أحدهم: نأتي إلى المصحف فنمزقه، قال: كذبت، لكنك لا تمزق قلوبهم، إنهم يحفِّظون أبناءهم القرآن فيصبون على الإيمان حتى يموتون ويقتلون دون القرآن" أو كما قال.

    ويقول البريطاني العميل الفاجر الذي وطَّد لإسرائيل في أرض الإسلام والمسلمين: "ثلاث ما دامت عند المسلمين فلن تستطيعوا لهم: القرآن في صدورهم، والمنبر يوم الجمعة، والكعبة التي يرتادها الملايين من الناس". فإذا قضوا على هذه قضوا على الإيمان، ولذلك أتى أهل الصهيونية العالمية اليوم وأذنابهم من الشيعة الرافضة يريدون إحداث الشغب في بيت الله، وصد المسلمين عن ذاك البيت ليدبروا المخطط، وأتوا إلى القرآن فهونوا من شأنه، وقالوا: إنه مختلق، وإن فيه آيات زائدة، , وإنه ناقص، فعلماء الشيعة الرافضة لا يحفظون كتاب الله أبداً، وعالمهم لا يستطيع يقرأ القرآن، سُمع ذلك وثبت عنهم بالتواتر، وأتوا إلى منبر الجمعة، فأرادوا تعطيله ليتحول إلى قضايا تافهة لا تغرس الإيمان في قلوب الناس.

    فيا أيتها الأمة الموحدة! يا من صاغها الله من فطرة عنوانها السجود! يا من أخرجها من الظلمات إلى النور بالقرآن! أقبلوا بقلوبكم وبأبنائكم إلى كتاب الله، استرشدوه يرشدكم، وتدبروه يعنكم بإذن الله، واستهدوه يهدكم من أنزله، فإنكم تعيشون متاعاً حسناً في الدنيا، والآخرة يغفر الله لكم ذنوبكم ما تقدم منها وما تأخر، ويحيي بيوتكم على الإيمان، ويردكم إليه رداً جميلاً، ويبقي عليكم إيمانكم وإسلامكم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    بعض آداب حملة القرآن

    الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله! إن من أحسن ما يبشر به المسلم إخوانه في مثل هذا المجتمع الحافل هذا الاهتمام الذي نراه ونحسه ونعيشه في مساجدنا وبلادنا، من كثرة الأبناء الذين أتوا إلى المساجد يتعلمون كتاب الله، وهذا من فضل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ثم من فضل القائمين على هذه المساجد بالتوجيه والمدد والتعليم والتدريس، وهذا حظ عظيم لمن أنار الله فكره فأرسل أخاه أو ابنه أو صديقه إلى المسجد ليتربى فيه، فلا نور ولا علم إلا في المسجد، وانظر كيف قدم الله بعض أبناء المسلمين وأخر بعضهم، ووفق بعضهم وخذل البعض الآخر؟!

    تجد هذا يحفظ كتاب الله ويتعلم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتجد ذلك شقياً فاجراً معرضاً عن بيوت الله، طمس الشيطان على نور بصيرته، وطبع على قلبه، فهو في السكك والشوارع لا هم له إلا البذاء والسب والشتم، أين هو ومن جلس في المساجد تحفه الملائكة، وتتنـزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، قد عمر الله قلبه بالقرآن؟!

    إذا علم هذا، فالله الله في هذه المساجد، وفي الاهتمام بأبنائنا أن ندخلهـم إلى المساجـد ليروا نور لا إله إلا الله، ويتعلموا مبـادئ الإسلام، ويربون في هذه الحديقة الغناء، وفي هذا البيت الذي عمره الله على التقوى.

    وللقرآن آداب، ولتلاوته محاسن:

    الإخلاص في حفظه وتلاوته

    أولها: أن نقرأ القرآن نقصد بذلك وجه الله، لا رياء ولا سمعة، فمن قرأه رياء وسمعة ردَّاه الله في النار، وأحرقه بغضبه وهو الواحد الجبار.

    يؤتى بمن قرأ القرآن يوم القيامة مرائياً كذاباً منافقاً دجالاً، فيقول الله له: {أما علمتك القرآن؟ أما علمتك آياتي؟ قال: بلى. يا رب! قال: فماذا فعلـت في ذلك؟ قال: تعلمت القرآن لوجهـك وعلمتـه فيك، قال: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ثم يقول الله: خذوه إلى النار، فيسحبونه على وجهه حتى يُلقى في النار} فالقرآن لا يقرأ إلا لوجه الله.

    لا يمس القرآن إلا طاهر

    ثانيها: أن يتطهر وألا يمسه محدث، وألا يقرأه غيباً من عليه جنابة، فإذا تطهر العبد استقبل القبلة ورتل القرآن.

    حضور القلب عند القراءة

    ثالثها: أن تحضر قلبك لمن ألقى السمع وهو شهيد، وأن تعلم أن من أنزل القرآن هو الذي خلق السماوات والأرض، وأنه يخاطبك من فوق سبع سماوات، فتستمع لخطابه، وتمتثل لأمره، وتنزجر عن زواجره.

    عدم التشويش على الناس برفع الصوت بالقراءة

    رابعها: ألاَّ ترفع صوتك إذا كان هناك مصلون في المسجد، أو تالون لكتاب الله، فتشوش عليهم، وهذا يوجد في كثير من المساجد، وهو علامة الجهل وعدم الفقه في السنة، أن يأتي أحد فيرفع صوته في المسجد، فيشوش على المصلي صلاته، وعلى التالي تلاوته، ويضج عباد الله, وقد فصل في ذلك أهل العلم فقالوا: إن كان بجانبك من يستمع لكلام الله عز وجل وللقرآن فلا بأس أن تسمعـه، وإن كان هنـاك من يصلي، أو من يقرأ وهو مستغنٍ عن قراءتك، فلا ترفع صوتك لتشوش في بيوت الله عز وجل.

    قال الإمام مالك: أرى من رفع صوته وشوش على المصلين يوم الجمعة أن يضرب ويخرج من المسجد.

    تقسيمه أوراداً يومية

    خامسها: أن يكون للعبد ورد وحزب من القرآن لا يفتر عنه يومياً ولو تغيرت مجاري الفلك لا يترك حزبه هذا، فهو علامة الإيمان، فليكن لأحدنا جزء من القرآن لا يتركه أبدا.

    تعليمه للناس

    سادسها: أن نعلم الناس ما تعلمنا منه، وأن يكون حظنا منه الأجر والمثوبة، وأن نبلغه للناس كافة، وأن نعلم أبنائنا وبناتنا وأخواتنا وأمهاتنا في بيوتنا، اعمروا بيوتكم بالقرآن عمر الله قلوبكم بالإيمان، واستلهموا من الله الرشد في كتابه ولا تهجروه، فإن الله غضب على قوم هجروا كتابه، فطبع على قلوبهم فأظلمت أفئدتهم، وفسد أبناؤهم، وخربت بيوتهم، وظلوا سواء السبيل.

    عباد الله! صلوا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم:{من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ على نبيـك وحبيبـك محمد، واعرض عليه صلاتنـا وسلامنـا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم ألهمنا رشدنا واجعلنا ممن يقرأ كتابك ليقوده إلى الجنة، ولا تجعلنا ممن أعرض عنه فقذفه إلى النار.

    اللهم اجعل القرآن حجة لنا لا حجة علينا، اللهم إنا عبيدك بنو عبيدك بنو إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدل فينا قضاءك، نسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من رسلك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وغمومنا، وذهاب أحزاننا، اللهم علمنا منه ما جهلنا، وحفظنا منه ما نسينا، وفقهنا فيه ما التبس علينا.

    اللهم اجعلنا ممن يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، اللهم اجعله نوراً لنا في قبورنا ويوم عرضنا عليك، اللهم أزلفنا به من الصراط إلى الجنة، ولا تردينا به من على متن الصراط إلى النار إنك على كل شيء قدير.

    اللهم أصلح ولاتنا وأمراءنا وقضاتنا ومسئولينا وكل من تولى أمراً فينا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، وخذ بأيديهم إلى كل خير وأرشدهم سبل السلام، وثبتهم على الحق.

    اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا.

    اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمـة الحق في الغضـب والرضـا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم وارفع راية الحق بهم، اللهم أدب بهم أعداءك، ومزق أعداءك بهم كل ممزق، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين الذين رفعوا لا إله إلا الله في وجه من كفر بلا إله إلا الله، اللهم انصرهم على قتلة أنبيائك ورسلك وأعد إلينا بهم يا رب العالمين أولى القبلتين وثالث المسجدين الشريفين إنك على كل شيء قدير.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.