إسلام ويب

وقفة مع معاذ بن جبلللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العلماء هم ورثة الأنبياء، وفي سيرهم وحياتهم تجد المواعظ؛ لأنهم إنما يقتفون نهج النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا الدرس المبارك وقفات مع سيرة عظيم من عظماء الصحابة؛ بل إمام العلماء يوم القيامة، إنه معاذ بن جبل رضي الله عنه.

    1.   

    مبدأ تاريخ الأمة

    الحمد لله القائل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، شهادة أدخرها ليوم الدين: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] وأصلي وأسلم على رسول البشرية ومعلم الإنسانية، وهادم كيان الوثنية، صلى الله عليه وسلم، يقول: (ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع -ثم يقول:- الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً -أي: هدفاً للسباب والشتام- فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد أذاني، ومن أذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله أخذه ثم لا يفلته سُبحَانَهُ وَتَعَالى) وعلى آله وصحبه كلما لمع نجم ولاح، وكلما غرد حمام وناح، وعلى من سار على هديه إلى يوم الدين.

    أمَّا بَعْد:

    أيها المسلمون! فإننا نسير ونعيش مع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، نأخذ حلول مشاكلنا وقضايانا من تلك السيرة، واليوم نعيش مع نجم من أولئك النجوم، فأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كلهم نجوم.

    من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم      مثل النجوم التي يسري بها الساري

    ، والذين يقولون من القوميين ودعاة التضليل والتبعية والضلالة إن تاريخنا يبدأ من الجاهلية فقد كذبوا على الله، بل تاريخنا يبدأ من بداية دعوة محمد صلى الله عليه وسلم.

    تاريخنا من رسول الله مبدؤه      فما عداه فلا ذكر ولا شان

    حب النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ

    صاحبنا هذا اليوم هو معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه:

    فالسلام عليك يا معاذ بن جبل، السلام عليك يوم ولدت ويوم أسلمت ويوم مُتّ ويوم تبعث حياً، السلام عليك يوم دعوت إلى الله في اليمن، فأسلم معك أهل اليمن، واستضاءوا بنورك.

    عرف معاذ محمداً صلى الله عليه وسلم فأحبه كل الحب، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يستأسر الأرواح بالحب لا بالسوط أو السيف،أرأيتم المغناطيس كيف يجر الحديد، إنه حب أدهى من ذلك وأعلى.

    ما بنى جملة من اللفظ إلا      وابتنى اللفظ أمة من عفاء

    يخرج صلى الله عليه وسلم فيشبك يده الطاهرة الشريفة التي ما سفكت دماً ولا عاثت بمال حرام، ولا مست جسماً مشبوهاً ولا خانت عهداً ولا خاست بوثيقة، يشبكها في يد معاذ رضي الله عنه، ويقول: {يا معاذ! والذي نفسي بيده إني لأحبك، لا تدع في دبر كل صلاة إلا تقول: اللهم أعني على ذكرك شكرك وحسن عبادتك} يا لروعة الكلام! فأخذها معاذ رضي الله عنه وأرضاه ليقولها دائماً، وإذا لم يعنك الله ويساعدك على العبادة، فلا عبادة ولا قوة ولا هداية لك، قال تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام مادحاً معاذاً رضي الله عنه: {أعلم أمتي بالحلال والحرم معاذ} ويقول فيه: {يأتي معاذ رضي الله عنه يوم القيامة أمام العلماء برمية حجر} حسناته فائضة، وقد كان ذكياً يعرف من أين يحفظ، ومن أين يبدأ وإلى أين سينتهي.

    1.   

    دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني عن النار

    سافر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وكان رديفاً للرسول صلى الله عليه وسلم، فسأله سؤالاً هو أعظم سؤالٍ في تاريخ الإنسانية، قال: يا رسول الله! المسألة إليك، هل يسأله إمارة أن يؤمره، أو يسأله منصباً أو أرضاً يحييها، وقد أحيينا الأراضي وأمتنا القلوب، أمتنا قلوبنا فما أحييناها، ودمرنا بيوتنا فما ربيناها وما علمناها، ما تركنا شعباً إلا وأقمنا فيه قصوراً وبيوتاً، وتركنا قلوبنا وما أقمنا فيها لا إله إلا الله، قال صلى الله عليه وسلم: (سل ما بدا لك، قال: دلني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار) هكذا يسأل العظماء، والذين يريدون الله والدار الآخرة فيجيبهم صلى الله عليه وسلم، قال: ( لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال: والصوم جنه -أي: وقاية من النار- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16] ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أدلك يا معاذ على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا، وأخذ بلسان نفسه، فقلت: يا رسول الله! أئنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم) وصية جامعة مانعة فحفظها معاذ رضي الله عنه، فكانت في ذهنه دائماً، ولذلك قدم لنا معاذ أعظم حديث في العقيدة، يقول: (كنت ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمار) ويا للأعجوبة! محمد صلى الله عليه وسلم من علم الإنسان، وأيقظ الإنسان، ورباه يركب حماراً، ويردف معه معاذاً.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ! قلت: لبيك وسعديك يا رسول الله، قال: أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم -انظر إلى الأدب وعدم التدخل، وانظروا إلى السكينة والوقار والتثبت مع معلم البشرية- فقال: يا معاذ! حق الله على العباد، أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم مضى قليلاً، وقال: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقهم إذا فعلوا ذلك ألا يعذبهم) ونقلها معاذ رضي الله عنه عند موته يوم صارعه الموت، يوم ازدحمت الزهقات عند حلقة، أداها للأمة لكي لا يموت وفي صدره حديث ما بلغه للأمة.

    معاذ وأهل اليمن

    وأتى أهل اليمن، فقال صلى الله عليه وسلم: {أتاكم أهل اليمن هم أرق قلوباً وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية} فطلبوا المعلم يعلمهم كتاب الله، وشرعه ورسالته أتدرون من يختار؟ ومن يرشح على هذه الأمة؟ جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه واستقرأ في نفوسهم اليقظة والعلم وكمال الاهتمام، ومن يقوم بهذه المهمة، فقال: {يا معاذ! قم واذهب مع أهل اليمن داعية ومعلماً، وقال له: يا معاذ! لعلك لا تراني بعد اليوم إلا عند الله، فبكى معاذ رضي الله عنه، وارتفع بكاؤه -وحق له أن يبكي- عند ساعة الفراق، فقال صلى الله عليه وسلم: يا معاذ! لا تبكِ، ولا تجزع فإن الجزع من الشيطان، ثم قال له: أوصيك يا معاذ! أن تتقي الله، وتذكر الله عند كل شجر وحجر ومدر، ثم قال له: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن} فأخذها معاذ وهو يبكي؛ وصية ما سمع التاريخ ولا سمعت الدنيا بمثلها: {اتق الله حيثما كنت} في أي مكان كنت وتحت أي سقف وجدت، وفي أي مكان عشت، لأن الله معك، قال تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [المجادلة:7] فاتق الله حيثما كنت.

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة      والنفس داعية إلى الطغيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها      إن الذي خلق الظلام يراني

    إذا كانت النفس داعية إلى أن تقتحم حدود الله وتنتهك حرمات الله، فاستحي من نظر الإله وقل لها: إن الذي خلق الظلام يراني، ولذلك يقول سليمان عليه السلام: تعلمنا مما تعلم الناس، ومما لم يتعلم الناس، فلم نجد كتقوى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى. وانطلق معاذ مع أهل اليمن، وقبل أن ينطلق قال له صلى الله عليه وسلم: {يا معاذ! ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله كتب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاه تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم} هكذا تدرج الداعية، وهكذا تبليغ الناس، الأولويات فالأولويات، والقضايا الكبرى فالكبرى، ولا ينفع الإسلام أو الدعوة الإسلامية أن تطرح للناس جملة، بل نقطة نقطة، فإن هم حققوها فلتأتِ الثانية.

    أما الدعاة الذين يريدون أن يسلم الناس في يوم واحد، وأن يتمثل الإسلام في يوم واحد، فإنهم سوف يخفقون ولو طالت بهم الأعمار، التفت رضي الله عنه إلى المدينة، وتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم، لعلك لا تراني بعد هذا اليوم إلا عند الله تبارك وتعالى؛ فبكى على تلال المدينة وهو يودع طيبة الطيبة، وينظر إليها:

    أقول لصاحبي والدمع جار     وأيدي العيس تخدي بالرمال

    تمتع من شميم عرار نجد     وهل بعد العشية من عرار

    وذهب رضي الله عنه وأرضاه، واستقبلوه هناك في اليمن فعلمهم علماً جما، تواضع لهم وخالقهم فكسب قلوبهم، ورأوا فيه الزاهد والعابد، والقانت الأواب، فأحبوه أكثر من أطفالهم، وأكثر من أرواحهم التي بين جنوبهم.

    معاذ في ولاية الصديق رضي الله عنهما

    وتولى أبو بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع معاذ وهو في اليمن بأعظم مصيبة في تاريخ الإنسان:

    وإذا دهتك من الأمور بلية      فاذكر مصابك بالنبي محمد

    فعاد ووصل إلى المدينة، وعانق أبا بكر، وأبو بكر قد تولى شئون الأمة، وأعلن سياسة حكومته الجديدة على الكتاب والسنة، فبكى أبو بكر ومعاذ وقال أبو بكر: [[تخلفنا -يا معاذ - بعد رسول الله لتلعب بنا الشياطين، فأخذ معاذ يقول: لم تلعب بك الشياطين ومعك كتاب الله]] وذهبا إلى فاروق الإسلام، فقال الفاروق عمر بن الخطاب: أتيت لأحاسبك على رواتبك التي أخذت في فترة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: والله ما أخذت من أموالكم درهماً ولا ديناراً وأنت لست الخليفة إنما هو أبو بكر، قال: أنا أبو بكر وهو أنا، كلنا في الحق سواء، فقال معاذ: لن أدفع لك شيئاً، والله ما أخذت إلا من تجارة حلال، ونام معاذ رضي الله عنه، ورأى كأن بحراً هائجاً أمامه، ويرى أنه يكاد يغرق فيه، وإذا بـعمر يجره رضي الله عنه وأرضاه، فيأتي إلى عمر في الصباح ويبكي ويقول: يا أخي! رأيت في المنام بحراً كدت أن أغرق فيه، وإذا أنت ممسك بيدي، فاذهب معي إلى أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحاسبنا على هذا المال، وذهبا جميعاً فقال أبو بكر: غفر الله لك يا عمر! وغفر الله لك يا معاذ! والله لا آخذ منك درهماً واحداً ولا ديناراً، فطابت نفس معاذ، وما كان أبو بكر ليترك درهماً واحداً؛ لأن هذا الدين بني على الحق والعدالة، ساعة تعملها تأخذ أجرها، وساعة لا تعملها فلا حق لك، لن تداجيك داجية، لا على الله ولا على ولاة الأمور أن تصرف في غير استحقاقها، وتسجل بأوراق زور ثم تسحب هذه الأموال في امتدادات، وهي في غير امتدادات وهي كاذبة خاسرة، ولا دوام هناك إضافي، إنما ما عملته أخذت أجره، ليكسبك الله كسباً وفيراً، الحلال المبارك، فتأكل حلالاً، وتشرب حلالا وتغذي أبناءك بالحلال، أما أن تقيم بيتك على الكذب والزور فهذا ليس في شرع الله، فسامحه أبو بكر وما كان له أن يتخلى عن درهم واحد، ورضي معاذ رضي الله عنه بكسبه، واستمرت الحياة به رضي الله عنه وأرضاه، يعلم الناس بلطف وأناة ووقار وكان يتذكر في يومه وليلته الموت، كلما تذكر الموت نسي جلاسه الذين حوله يقول: [[والله إني أتذكر الموت فيموت كل عضو مني مكانه]].

    إيمان معاذ

    قال الرسول صلى الله عليه وسلم لـمعاذ في ذات يوم: {كيف أصبحت يا معاذ! قال: أصبحت مؤمناً حقاً يا رسول الله! قال: إن لكل قول حقيقة، فما حقيقة إيمانك، قال: والله ما خطوت خطوة إلا وكأن الموت يصرعني قبلها، والله ما أصبحت وأنا أنتظر المساء، وما أمسيت وأنا أنتظر الصباح، وكأني بعرش الرحمن بارز على رءوس الناس يوم القيامة، وكأني بكل أمة جاثية، كل أمة تدعى إلى كتابها، وكأني بأهل النار في النار يعذبون، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: عرفت فالزم} هذا هو التوحيد والإيمان، أن تتذكر الله إن كنت أستاذاً في فصلك، وتعلم أن صبية الإسلام وأطفاله وقلوب أهل الإسلام على الكراسي بين يديك، فاتق الله فيهم، وأن تتذكر الله وأنت موظف على كرسيك، وتتذكر لقاء الله والحشر بين يدي الله، والعرض عند الميزان والصراط فتخلص في عملك، وتتذكر الله وأنت قاضٍ تحكم في الدماء والأموال والبيوت، تتقي الله وتخاف الله فيكون أخوف عندك من كل شيء، وتتذكر الله وأنت جالس في دكانك في سوقك، فلا تغش ولا تخون، ولا تخادع، ولا تماكس ولا تناجش؛ فإنما الله نصب عينيك، هكذا كانوا يعيشون أيها المسلمون.

    يا أحبابنا في الله: ويا أخوتنا في الله! لما تركنا الاستضاءة بنور حياتهم؛ أصابتنا البلايا والأمراض والأخطاء في مجتمعاتنا، عدل القاضي عن الطريق المستقيم، ولم يوف الموظف حقه، ولم يخلص المدرس في فصله، ولم يؤتمن التاجر، فوقعت البلايا، يقول عمر رضي الله عنه: ولاني أبو بكر قضاء المسلمين في المدينة سنة كاملة، ووالله ما أتاني رجلان يتقاضيان، كلٌّ عرف الحق، وكلٌّ أبصر الطريق، فهذا هو معاذ بن جبل الذي يقول فيه ابن مسعود رضي الله عنه: [[إن معاذاً كان أمة قانتاً لله حنيفاً، ولم يكن من المشركين، شاكراً لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم]].

    فيا أخوة الإسلام: من مثل معاذ نتعلم الزهد والأدب، ونتعلم الحياة الإسلامية الحقة.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    وفاة معاذ رضي الله عنه

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد:

    فيواصل معاذ رضي الله عنه رحلة الحياة.. رحلة العبادة والزهد، والعمل الصالح.. رحلة أن يريد الله وما عند الله، ولما أتت معركة اليرموك يوم كتب الله أن ننتصر من بغاة البشرية، وأن نزعزع أصنام الوثنية، ونمحق طغاة الأرض، سار أجدادنا من الصحابة ومعهم معاذ بن جبل، ووقفوا في الصفين، صف يقول: لا إله إلا الله، ولا حكم إلا لله، ولا شريعة في الأرض إلا لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وصف يدعي الوثنية والإشراك برب البرية سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وكان معاذ في المقاتلين؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه دفع بكل من عنده ليواجه الروم، دفع بالعلماء في خضم المعركة، وقاد الأبطال إلى النزال، ودفع بالأدباء كذلك؛ لأنه يريد أن تكون المعركة عسكرية، وإعلامية، وعلمية، وفكرية، وأدبية، وقام معاذ رضي الله عنه قبل أن تبدأ المعركة، وتلا سورة الأنفال بصوته المبكي الحزين، فبكى الناس، وقال: أيها المسلمون: اصدقوا الله هذا اليوم، فوالذي نفسي بيده، لقد تجلى الله لكم وقد فتح لكم جنات عرضها السماوات والأرض، وبدأت المعركة وانتصر عباد الله الموحدون، وعاد رضي الله عنه إلى مسجده في دمشق يعلم الناس ويؤدب الناس، وينشر العلم ويعطي مما أعطاه الله.

    فلما أتته الوفاة، وكان سبب وفاته أن الطاعون أصاب الناس وانتشر فيهم، فوقع في يده اليمنى كالدرهم، وعمره ثلاث وثلاثون سنة صرفها في ذات الله، كلها علم ودعوة وإخلاص وإنابة، فيصيبه الطاعون كالدرهم في يمينه، فيخرج إلى الناس فيرفع يده ويقول: اللهم إنك تبارك في القليل وتكبر الصغير، اللهم بارك في هذا الجرح، اللهم ارزقني شهادة بالطاعون، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الطاعون شهادة لكل مسلم) فعاد إلى بيته، ومضت هذه القرحة تلتهم جسمه، وهو يبتسم ويرضى بقضاء الله؛ لأن الحب في الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى إذا كمن في القلب فلله أن يفعل بالجسم ما شاء، ويحكم ما يريد، فهو طبيب الإنسان.

    كيف أشكو إلى طبيبي ما بي      والذي قد أصابني من طبيبي

    وفي الصباح قال لابنته الخيرة البارة: اخرجي فانظري هل طلع الفجر، فنظرت فقالت: لم يطلع بعد، فعاد فاستغفر الله كثيراً وقال: اللهم إني أعوذ بك من صباح إلى النار، ثم قال: يا بنية! اخرجي فانظري هل طلع الفجر، فنظرت فقالت: طلع الفجر، فصلى في مكانه، ثم التفت إلى زوجته وأبنائه، ثم قال: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، ثم رفع طرفه إلى السماء وقال: اللهم إنك كنت تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لرفع القصور، وإنما كنت أحب الحياة لظمأ الهواجر، أن أظمأ في سبيلك في يوم حار، يوم يشرب الناس، فلا أشرب لأصوم، ويوم يأكل الناس فلا أكل، ويوم يرتاح الناس فلا أرتاح؛ لأرتاح هناك في موقف يحضره الله ويحكم فيه، ثم يقول: اللهم إنك تعلم أني أحب الحياة لظمأ الهواجر، ولقيام الليل، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر، ثم قال للموت: مرحباً بك، حبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، غداً ألقى الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم، وذهب معاذ إلى الله، إلى الدار التي بناها في الحياة، إلى القيعان التي غرسها بالعلم والفكر والجهاد:-

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت يبنيها

    فإن بناها بخير طاب مسكنه     وإن بناها بشر خاب بانيها

    أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الدهر نبنيها

    أين الملوك التي كانت مسلطنة     حتى سقاها بكأس الموت ساقيها

    فاعمل لدار غداً رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك تربتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    فيا من يريد الله والدار الآخرة: اعمل كعمل معاذ واذهب إلى طريق معاذ يوم أن تأتي الله مجرداً بلا منصب ولا وظيفة، بلا مال ولا ولد، بلا جاه ولا مهور، بلا بيوت وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94].

    عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56].

    اللهم صلِّ وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، وانصر المجاهدين في سبيلك يا الله.