إسلام ويب

سهام في عين العاصفةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن كل من يحاول أن يشوه هذا الدين لا بد أن يفضح ويخزى في الدنيا قبل الآخرة، فطريق أهل الصلاح مستقيم بحمية رب العالمين، ويقوده رسولنا الأمين، ودستوره الكتاب والسنة فأنى تكون له الخسارة والبوار؟!

    1.   

    منهج أهل السنة في تلقي الأخبار

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الناس: من صفات أهل السنة أنهم يتثبتون من الشائعات على حد قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات:6] فإذا تبين لهم الخطأ وعرفوا من صاحبه ومن وراءه، فهو على أحد قسمين:

    إما رجل استتر بخطئه فمنهج أهل السنة أن يردوا عليه في خفية ولا يشهرون به، ولا يفضحونه على رءوس الأشهاد.

    أو رجل أشهر خطأه، وأعلن تمرده، وأظهر سوءه، فكان لزاماً عليهم أن يظهروا ردهم، وأن يشهروا على الناس جوابهم، وكان لزاماً على أهل السنة ألا يكتموا الردود والدفاع عن منهج الله لقوله تبارك وتعالى:إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:159-160] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى:وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] فكان لزاماً على علماء الإسلام ودعاته أن يبينوا الحق ولا يخشون في الله لومة لائم، وأن يقولوا كلمة الحق فصيحة هادئة ناصعة.

    ومن المعلوم أن علماء ودعاة الصحوة حكماء، قد ضبطوا أعصابهم يوم لم يستطع الدعي أن يضبط أعصابه، وتحكموا في عقولهم يوم لم يستطع العميل أن يتحكم في عقله، وثبتوا في أماكنهم يوم لم يستطع المتلبس بالنفاق أن يتحكم في موقعه.

    1.   

    مواقف العلمانيين تجاه الدين وعلمائه

    إن البغاة من العلمانيين أظهروا اليوم حرباً سافرةً على أولياء الله وشهروا سيوفهم، ورددوا سخرياتهم في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام، وليس لنا وسيلة إلا منبر محمد عليه الصلاة والسلام، فنقف أمام الرأي العام لنحاكمهم تحت مظلة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].

    هجوم كاتب علماني على الدعاة

    ولا زال أحد كتابهم المرموقين، وشعرائهم اللامعين، الذي اكتسب سطوعاً ولمعاناً وما كان له أن يسطع ولا أن يلمع، لأن من لم يتجه إلى الله فلا سطوع له، ومن لم يحكم لا إله إلا الله فلا لمعان له، لكن أبى إلا أن يسطع ويلمع، وليته سطع ولمع على حساب دنياه وشهرته، ولكن ما كفاه ذلك حتى أخذ الملتزمين والصالحين جسوراً إلى أهدافه وعوابر إلى مخططاته.

    وهذا الكاتب طالعنا له في جريدة الشرق الأوسط يوم الجمعة الماضي في العدد (4371) وهو يتحدث عن التغيرات التي يطمح لها، وهي تغيرات كيان الدين الإسلامي والمبادئ الخالدة والمنهج الرباني الذي شرفنا الله به، ولكنه بذكاءٍِ عجيبٍ يأخذ إشارات وعموميات من الإسلام لينفث سمه وحقده وحسده وضغينته.

    يقول في هذا العدد وهو يطالب بتغيير هنا في بنية ومسيرة المجتمع والتزامه (ولم يكن من الطبيعي ولا من المعقول أن تتم هذه التحولات الحضارية الخارقة دون أن تتبعها تغيرات نفسية وفكرية واجتماعية).

    أنحن أغبياء لهذه الدرجة، ولا نعرف اللغة العربية، ولا نعرف مقاصد الكلام، ولا نعرف ماذا يريد أن يقول؟

    فهو يريد أن يأخذ الإسلام لبنة لبنة، وأن يهدم صرح الفضيلة، وأن يعتدي في وقت نعيش فيه أزمة، وهذا الكاتب والشاعر المشهور قرأت في مجلة الدعوة قبل ثمان سنوات مقابلة له ترجمت في أمريكا وظن أنها لا تصل إلينا، لكن أوصلها الله إلينا.

    سئل عن حالنا -وهو من أبناء الجزيرة -:كيف حالكم في الجزيرة؟ قال:ما رأينا النور منذ ثلاثة آلاف سنة إلى الآن.

    ونقول:أما أنت فصدقت، فلم تر النور إلى الآن! ولكن نحن -والله- رأينا بل وعشنا وأبصرنا ومشينا في النور وسرينا فيه يقول تعالى:وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] وقال تعالى: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35].

    أما نحن -أيها الكاتب- فقد أتى محمد عليه الصلاة والسلام فأخرجنا من الظلمات إلى النور: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257].

    أين من يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا     إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

    قد سرينا في ضياء الوحي حباً واهتدينا     ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    وقد عرضت مقولته هذه على سماحة الشيخ/ عبد العزيز بن باز، فقال:إن اعتقد ما يقول، فقد ارتد عن الإسلام، وعليه أن يجدد إسلامه ويدخل في الدين من جديد.

    ويقول هذا الكاتب في ذلك العدد: والحوار الذي يدور حول القضايا المفتوحة يجب أن يتم في جوٍ هادئٍ بعيد عن التشنج.

    واسمع الحكمة والعلم والمنطق: بعيداً عن التشنج والانفعال، بعيداً عن استعداء السلطة على الرأي الآخر، وعن الاتهامات التي تلقى جزافاً وبلا مبالاة، فما هو الحوار المقصود؟

    هو أن يجعل الشريعة مستعدة إلى أن يُتفاوض عليها وأن يؤخذ منها ما يراد، ويترك منها ما يراد: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85] ثم يكون هو حكيماً وأستاذاً ومنظراً وعالماً، ومن أين له العلم؟!

    وعجبت له كل العجب، لما رأيت مقالة له كتبت رداً ولم تنشر، وأتاني والله عشرات من الشباب مجروحةً مشاعرهم، باكيةً عيونهم متأثرةً أرواحهم لأنه يلدغهم من حيث لا يشعرون، ثم يأتي بخنجره ويجزرهم علانية أمام العالمين بحجة الحكمة والحوار والهدوء.

    ولو كان خصمي ظاهراً لاتقيته     ولكنه يا قوم يبري ويلسع

    فهو لم يشهر ولكن برى ولسع، فهو يأتيك بمدح العقيدة ثم يدس السم، ويأتيك بالإشادة بالإسلام ثم يقصم الإسلام، ويأتيك بالاستفاضة في المناهج الربانية ثم يدوس المناهج الربانية.

    1.   

    حوار مع علماني

    أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بالذي خلقك فسواك فعدلك، في أي صورة ما شاء ركبك، أن تحكم عقلك إن كان لا دين لك، من الذين يستحقون هذه الردود وسط العاصفة؟ فهو يكتب في عين العاصفة، وهو الذي يدير علينا العاصفة، أعدوٌ من الخارج وعدوٌ من الداخل؟! أيلدغنا في وقت حرج فنحن نقابل الدبابات المعتدية الغاشمة الباغية على حدودنا، ونقابل الجيوش الجرارة تريد مقدساتنا، فيتركنا وفي الوقت الحرج يغير علينا.

    وأسألك -يا أيها الكاتب- بالذي جعل لك عينين، ولساناً وشفتين، وهداك النجدين، أن تقف وتفكر من الذين أسسوا العدل في العالم، وخاطبوا العقل بالنور، وأوصلوا الفتوح إلى الدور، وعمروا القصور بعدل في القصور؟

    من الذين طهروا الشعوب، وقضوا على الفجور والخمور والعهر إلا أبناء لا إله إلا الله؟!

    ويستمر الكاتب ولا ينتهي، ويقول في العدد (4373) في جريدة الشرق الأوسط مقالاً بعنوان" أيها الأصوليون الصدَّاميون اسمعوا وعوا.

    أتدرون من هم الأصوليون؟

    إن الأصوليين في دوائر المخابرات الغربية هم أبناء الجزيرة العربية، هم أبناء لا إله إلا الله، هم أنتم أيها الساجدون المصلون المتوضئون الطاهرون، هم أنتم يا حملة لا إله إلا الله، يا من قدموا أكتافهم للسيوف عبر التاريخ.

    وكأن ظل السيف ظل حديقةٍ     خضراء تنبت حولنا الأزهارا

    لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو     نصب المنايا حولنا أسوارا

    ثم سرد كلمة (الأصوليون) على كل من انتهج نهج الاستقامة والالتزام من شباب الصحوة في العالم الإسلامي، وأكثر من يحارب الأصوليين إسرائيل عليها غضب الله، والغرب عليهم لعنة الله.

    تعريف الأصوليين

    وكلمة (الأصوليين) مشتقة من الأصل، والأصل هو الكتاب والسنة، وسموا بذلك لأنهم ركبوا منهجهم على الكتاب والسنة، وأصَّلوه من قال الله وقال رسوله عليه الصلاة والسلام.

    ويقف الأصوليون على حدود الجزيرة أمام دبابات وطائرات وجيوش صدام، ويأتي هذا من الداخل فيلدغهم بحجة أنهم مع صدام، ونحن -والله- قبل الحادث وبعد الحادث نعرف من هو هذا الرجل، ونعرف عقيدته ومنهجه وولاءه وبراءه وسيرته وسلوكه، وما أحببناه يوماً ولا واليناه، وإنما أعلنا حربه وعداءه.

    يقول: أيها الأصوليون من أتباع عبد الله المؤمن مؤخراً -يعني صدام حسين - هل تعرفون الهدف الذي يسعى قائدكم إلى تحقيقه؟

    إن قائدنا هو محمد عليه الصلاة والسلام، وليس صدام حسين ونبرأ إلى الله منه، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] فمن هم الأصوليون؟

    أيها الكاتب! أيها الأديب! أسألك بالله أن تراجع حسابك وتتأمل وتتفكر لتعرف من هم الأصوليون؟

    إنهم الذين حفظوا مبادئهم يوم ضيعها غيرهم في شوارع الغرب!

    إنهم الذين لبسوا زيهم الإسلامي يوم تردى غيرهم بالزي الكافر!

    إنهم الذين توضئوا بالماء النمير يوم توضأ غيرهم بماء الخمر في ليالي العهر!

    إنهم الذين بكوا من آيات الله البينات يوم دندن غيرهم على الأغاني الماجنات!

    الأصوليون: هم الذين يحمون المقدسات، ولا يصل غازٍ ولا مستعمرٍ ولا علماني إلى المقدسات إلا على جماجمهم.

    والأصوليون يقدمون جماجمهم تشدخها الدبابات لتبقى لا إله إلا الله، ويقدمون أعناقهم تفضخها المجنـزرات لترتفع لا إله إلا الله.

    إذا محاسني اللآتي أدل بها     كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر

    كيف نعتذر أمام الرأي العالمي؟

    يا أيها الكاتب! أما تعرف أن العالم الإسلامي الآن مئات الألوف من الأصوليين بل ملايين من شباب الصحوة كلهم يود أن يقدم روحه فداءً لـلا إله إلا الله والمقدسات في الجزيرة العربية ثم تأتي بشخطة قلم تلغي جهودهم وسطوعهم ولموعهم، وتحاربهم من الخلف في وقت شُغل فيه ولاة الأمر والناس وشباب الصحوة بالعدو الخارجي.

    هذه -والله- لا يقرها عقل ولا نقل.

    فمن هم الذين يتبعون صدام؟

    إنهم الذين يؤمنون بأفكار صدام العلمانية الكافرة.

    إنهم الذين لا يحتكمون إلى لا إله إلا الله.

    1.   

    أوصاف العلمانيين في كتاب الله

    يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ [النساء:60] يزعمون ولا يعتقدون.

    فهم يتبجحون بالإسلام في المجالس والإسلام بعيد عنهم، ويتظاهرون بحب الإسلام وهم يذبحون الإسلام صباح مساء: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [النساء:60] ولطالما سمعنا هذا الكاتب وقرأنا له، وعندي له قصاصات وملفات ووثائق.

    ماذا يريد؟ وكيف ينفث؟ وإلى أي حد سوف يصل إذا ترك له الميدان؟

    إنه خطير على الإسلام والمسلمين، وخطير على القبلة: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً [النساء:60] لأن الشيطان يتولاهم صباح مساء.

    يقول أحد العلمانيين القدامى:

    وكنت امرءاً من جند إبليس فارتقى     بي الحال حتى صار إبليس من جندي!

    يقول: كنت جندياً مع الشيطان، فتطورت في المراتب حتى صرت أدير الشيطان وأذنابه.

    وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ [النساء:61] تعالوا إلى القبلة والقرآن، وإلى صحيح البخاري وصحيح مسلم، وإلى المبادئ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً [النساء:61] عجباً!! أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ [النور:50] فهناك احتمالات ثلاثة:

    1- إما مرض دخيل اكتسبوه من تراثهم الذي تعلموه، ومن مائهم الذي شربوه، ومن جلبابهم الذي لبسوه، مرض وحقد على الإسلام وعداء لأولياء الله.

    2- أم ارتابوا:أم شكوا في مصداقية الرسالة ومصداقية الرسول عليه الصلاة والسلام.

    3- أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله: أم يظنون أن الله لا يريد بهم خيراً يوم أنزل لهم شريعة، ولا يريد بهم نصراً يوم أعطاهم مبادئاً، ولا يريد بهم فلاحاً ولا تطوراً يوم سن لهم دستوره، ويرون أن الدستور الإسلامي رمز التخلف والرجعية والواجب الانقضاض عليه، لكن بذكاء كالذئب.

    ينام بإحدى مقلتيه ويتقي     بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع

    قال الله: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ [النساء:62] كيف إذا أُخذت رءوسهم بسيف ولي الأمر الذي يحمي رسالة التوحيد، فصلبهم بعد صلاة الجمعة وقطف رءوسهم؛ لأنهم يفسدون في الأرض ويسعون فيها خراباً، ويدمرون معالمها، ومن أعظم ما ينتظرون سيف العدل المشهور الذي أخذ رءوس قطاع الطرق والمدبرين للفتن والمروجين للجرائم، وهم أعظم من يروج للجرائم ويدبر للفتن فجدير بالسيف أن يأخذ رءوسهم.

    قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً [النساء:62] كيف إذا ابتلوا بمصيبة؟ كيف إذا أظهر الله عليهم الصف الإسلامي، ثم جاءوا يقولون: إنما أردنا بالكلام والقصائد والمنشورات إحساناً وتوفيقاً بين الأمزجة، ووالله ما أردنا إساءة، ولكن أردنا أن نتحبب للرأي العام، وأن نوافق بين المشارب والشرائح الاجتماعية.

    فهل بين الإسلام والكفر إحسان وتوفيق؟

    وهل بين لا إله إلا الله، ولا إله والحياة مادة، إحسان وتوفيق؟

    وهل بين المسجد والخمارة إحسان وتوفيق؟

    وهل بين محمد صلى الله عليه وسلم وماركس إحسان وتوفيق؟

    وهل بين أبي بكر وهتلر إحسان وتوفيق؟

    وهل بين عمر وصدام إحسان وتوفيق؟

    أتضحكون على حال المسلمين: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً [النساء:63] حاول أن تؤثر عليهم وتردعهم قبل أن يلقوا الأمة في الهاوية، ويضربوها على أكتافها ضربة مهلكة.

    يقول سيد قطب في الظلال وهو يعلق على أولئك: إنها حال مخزية حين يعودون شاعرين بما فعلوا غير قادرين على مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم بحقيقة دوافعهم، وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت إلا رغبة في الإحسان والتوفيق، وهي دائماً دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وإلى شريعة الله.

    ثم يقول:إنهم يريدون اتقاء الإشكالات والردود الاجتماعية وكلام العلماء وفتاوى الدعاة، فيتسترون بالثياب وهم ذئاب، ويلبسون العكاز وهم رأس المصائب.

    إنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب التي تنشأ من الاحتكام إلى غير شريعة الله، ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة فليس عندهم تمييز، ولا لهم باعٌ في الشريعة، عندهم ذكاء وبيان لكن هذا لا يكفي.

    وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ [المنافقون:4] نفخت شموسنا غضباً علينا في هذا الوقت الحرج، أنحن أعداؤك؟!

    أنحن الآن الذين يقفون ضدك؟!

    أما تكلمت؟!

    أما نظمت الأشعار؟!

    أما لمعت؟!

    أما سطعت؟!

    أما صبرنا؟!

    أما سكتنا؟!

    أما رأينا أشعارك تنفث سماً وفجوراً وعداءً للإسلام وقلنا: من منطق الحكمة أن يناصح، ولكن:

    أخي جاوز الظالمون المدى     فحق الجهاد وحق الفدى

    أنتركهم يغصبون الجزيرة أرض الأبوة والسؤددا

    فجرد حسامك من غمده     فليس له اليوم أن يغمدا

    نفخت شموسنا غضباً علينا     وقد نسجت ثيابكم يدانا

    وسيفك في بني الإسلام ماضٍ     وجذعك بيننا أضحى متينا

    تغنينا وتسخر إن عثرنا     كأنك ما دريت ولا درينا

    كأنا لا نعرف المخططات، ولا الكلمات، وإننا مستعدون بلسان طلبة العلم والعلماء الحكماء الذين يعرفون التصرف وضبط النفس أن نحاورك حواراً علنياً أمام الرأي العام؛ ليثبت الصادق من الكاذب، والجاد من الهازل، والراشد من الضال.

    تغنينا وتسخر إن عثرنا     كأنك ما دريت وما درينا

    تسرُّ إذا أصبنا بالرزايا     مخادعةً وتضحك إن بكينا

    توكلنا على الرحمن إنا     رأينا النصر للمتوكلينا

    وهل يخذل الله جنده؟!

    وهل يضرب حزبه؟!

    وهل يتقهقر أولياؤه؟!

    وهل يعثر أنصاره؟!

    بل هم الطليعة دائماً والكوكبة النيرة، لأنهم يحملون فكراً سليماً.

    إننا نطالب هذا الكاتب ورموز العلمنة جميعاً أن يتوبوا إلى الله، وأن يقدروا ولاة الأمر وأن يعرفوا أن من حق ولي الأمر ألا يخالف فيما يطاع الله فيه ورسوله، وألا يعتدي على قداسة الدين، وحرمة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ولا يسخر بأولياء الله، ولا يستهزأ بالقيم: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66].

    ولعلنا نسمع منتقداً يقول:هذا ليس من الحكمة.

    فما هي الحكمة بالله؟!

    وكيف نفسرها؟!

    وأروني الحكمة إذاً!

    وأخرجوا لي الحكمة!

    إذا كان هذا يتكلم أمام الملايين ويهاجم الإسلام بطريقة ملففة، ثم يقال:اسكت لا تتكلم، إن الحكمة تقتضي أن تسكت. فهذا ليس بصحيح، وما علمنا علماؤنا ولا الكتاب ولا السنة ولا أسلافنا ولا الصحابة ولا التابعون إلا منهج الحق؛ أن نقول الحق ولا نخشى في الله لومة لائم.

    أسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يحفظنا ويحفظ علينا ديننا وبلادنا ومقدساتنا إنه نعم الحافظ وهو المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    خصائص أهل الحق

    الخطبة الثانية:

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أيها الناس: نحن أهل لا إله إلا الله لنا مصادر عزة، ولنا انتماءات خالدة، ولنا خصائص ربانية لا يشاركنا فيها أحد، هذه نقف بها أمام أهل العلمنة، ونحن فخورون جداً أن نكون من أولياء الله -إن شاء الله- وواثقين من مبادئنا، فمن خصائصنا:

    أولاً: أنا أمة وحي.

    أي: أن دستورنا وعقيدتنا وشريعتنا وسلوكنا وأخلاقنا من الوحي، قال تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4] وغيرنا إنما يأخذون قوانينهم من التراب والطين ومن أحذية المستعمرين، ونحن نأخذ عقيدتنا وشريعتنا من رب العالمين، يقول تعالى: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] أنتم الأعلون عقيدة ومنهجاً، وعبادة، وأخلاقاً، وسياسة، واقتصاداً، وإعلاماً يوم تتحاكمون لشرع الله، فنحن أمة وحي.

    ثانياً: ولينا الله، الله مولانا ولا مولى لهم: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] فمن مثلنا من الناس؟ تولينا الله والله تولانا، وأحببنا الله والله أحبنا -إن شاء الله- فنحن إذا ضاقت بنا السبل، مددنا أكفنا بين يدي علام الغيوب، فاتصلنا به مباشرة، يقول تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    إذاً نحن أمة ربانية، أمة خرجت من الصحراء، لكنها اتصلت برب الأرض والسماء، فأجلسها على الجوزاء.

    ثالثاً: قدوتنا محمد عليه الصلاة والسلام، فهل سمعت بقوم مثلنا قدوتهم محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا     كفى بالمطايا طِيب ذكراك حاديا

    فإما حياة نظم الوحي سيرها     وإلا فموتٌ لا يسر الأعاديا

    رضينا بك اللهم رباً وخالقاً     وبالمصطفى المختار شهماً وهاديا

    فهل سمعت بقوم قدوتهم محمد عليه الصلاة والسلام يضلون، أو يخذلون، أو يتراجعون؟ لا.

    رابعاً: أننا أمة وسطية، ولسنا متطرفين، لا نغلو ولا نجفو، نعرف كيف نتعامل مع الشريعة، ونعيش روحها ونؤسسها في الناس، لا نغلو فنصبح مثل الذين غلو في دينهم فغضب الله عليهم، ولا نجفو فنكون مثل الذين تمردوا على معالم الدين، فنحن ننطلق من منطلقات الإسلام الصحيح، ومن شاء فليحاور شباب وعلماء ودعاة الصحوة.

    خامساً: هذه الأمة معطاءة "إن بني عمك فيهم رماح" يقول عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه: (أمتي كالسيل لا يدرى الخير في أوله، أو في آخره) فلم تعقم أرحام النساء، ولم تتبلد المنجبات من الأمهات، فلا زلن يلدن فينا الزعماء الأبرار، والعلماء الأخيار، والأدباء، والشهداء، والصديقين، والدعاة والصالحين، فنحن دائماً سوف نقدم:

    ثمن المجد دمٌ جدنا به     فاسألوا كيف دفعنا الثمنا

    سادساً: هذه الأمة أمة الخلافة، جعلها الله تتولى الخلافة في الأرض وتقود العالم، وتوجه البشرية من وسط الدنيا من أم القرى من مكة من الجزيرة ومن حولها العالم الإسلامي، فالخليفة هي هذه الأمة التي تحمل لا إله إلا الله.

    سابعاً: هذه الأمة وارثة، أي أنها سوف ترث العالم -إن شاء الله- وقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنها سوف تتبوأ منزلتها، وتحكم بعقيدتها وشريعتها، ويطوق الأرض عدلها، ويحكم الكون برها وسلامها وخيرها وفضلها، فأبشروا فالغد لكم والفجر المنتظر لكم.

    يا أمة المجد قومي مزقي الحجبا     وأعلني في ليالي جهلك الشهبا

    أتذكرين صلاح الدين سفسطةً     من غير بذلٍ صلاح الدين قد ذهبا

    قبر العظيم إذا ما زاره ذنبٌ     رغا وأزبد لا حييت يا ذنبا

    لو أخبروا عمر الفاروق نسبتهم     وأسمعوه الرزايا أنكر النسبا

    أبواب أجدادنا منحوتةٌ ذهباً     وذي هياكلنا قد أصبحت خشبا

    من زمزم قد سقينا الناس قاطبةً     وجيلنا اليوم من أعدائنا شربا

    لكن أُبشّر هذا الكون أجمعه     أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا

    بفتيةٍ طهر القرآن أنفسهم     كالأسد تزأر في غاباتها غضبا

    عافوا حياة الخنى والرجس فاغتسلوا     بتوبةٍ لا ترى في صفهم جنبا

    عباد الله: صلوا على معلمنا صلى الله عليه وسلم، وأكثروا عليه من الصلاة والسلام في هذا اليوم؛ فإن صلاتكم معروضة عليه، فصلى الله عليه وسلم تسليماً أبداً ما دام الليل والنهار، جزاء ما قدم وأنتج وأعطى للأمة.

    وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين!

    اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم اهدنا سبل السلام، اللهم ثبت أقدامنا على الحق.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك ولرفع رايتك، اللهم رد شباب المسلمين إليك رداً جميلاً، اللهم احفظ علينا عقيدتنا وإسلامنا وشريعتنا ومقدساتنا وبلاد المسلمين كافةً يا رب العالمين!

    اللهم من أراد بنا وبالإسلام سوءاً فأشغله بنفسه، ورد كيده في نحره، واقطع أثره ودمر مستقبله واحرمه السعادة يا رب العالمين!

    اللهم من أسهرنا بنقده وسخريته، فأسهر عينيه بالبلاء، وشتت جهده بالشقاء، واجعله في دار الحوباء.

    اللهم اهتك أسراره، وافضح عواره، وأظهر أخباره وجندل شعاره، يا رب العالمين!

    اللهم احفظنا واحفظ علينا كرامتنا وديننا يا رب العالمين!

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.