إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية [9]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يقرر الله تعالى في سورة الأنعام حقيقة التوحيد بأعظم بيان وأوضح برهان، حيث يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإظهار عدم علمه الغيب، وكون خزائن الرزق ليست بيده، وإذا كان هذا حاله صلى الله عليه وسلم فغيره من باب أولى أن يكون أعجز وأفقر. كما يبين تبارك وتعالى سبق علمه، وتوليه قبض أرواح عباده، وإنجاءهم من المهالك، ويذكر تعالى غير ذلك مما لا يقدر عليه سواه.

    1.   

    إشارات مجملة في تفسير سورة الأنعام

    الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن هذا الدرس سيكون حول سورة الأنعام، وكنا قد استفتحنا تفسيرها في درس ماض، وذكرنا أن من المقدمات المهمة في تفسيرها أن هذه السورة سورة مكية، وأن أكثر أهل العلم يقول إنها نزلت جملة واحدة، كما روي ذلك عن ابن عباس ، وأنه نزل معها سبعون ألف ملك يشيعونها، وقلنا: إن هذه السورة أصل في إثبات الحجة على المشركين، وإنها اعتمدت على أسلوبين هما: أسلوب التقرير وأسلوب التلقين، وبينا هذا في موطنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله...)

    وفي هذا الدرس سيكون لنا وقفات مع آيات من هذه السورة المباركة، سائلين الله فيها التوفيق والسداد.

    قال الله عز وجل: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام:50].

    إن التفسير الحقيقي ليس بيانا للمفردات والمعاني، فهذا أمر متيسر، ولكن التفسير الحقيقي أن تفهم المراد من كتاب الله في سياقه العام، وأن تفقه الآية من السورة والسورة من القرآن، زمانا ومكانا ومناسبة حتى يتضح لك المقصود من كلام الرب تبارك وتعالى.

    الرد على عناد المشركين

    إن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث عانده الكفار من قريش، فتارة كانوا يطالبونه بحجج، ومنها أن يقسم الأرزاق بينهم، وهذا لا يقدر عليه إلا الله، وتارة يسألونه عن أمور غيبية لا يعلمها إلا الله، وتارة يعيبون عليه أنه يمشي في الأسواق ويأكل الطعام ويشرب الشراب، محتجين بأن هذا ليس من شأن الرسل.

    وتارة يقولون له: إنك بدينك هذا إنما تريد أن تدعي الإلهية، وهذا هو الشق الثاني من الحجج.

    فهذان الضربان هما اللذان يجمعان نقمة كفار قريش على رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    فهذه الآية التي أنزلها الله من باب أسلوب التلقين رد على مزاعم أولئك الكفار، حيث قال تعالى: قُلْ [الأنعام:50]. أي يا محمد : لا أَقُولُ لَكُمْ [الأنعام:50] أي: يا كفار قريش عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يأمره ربه بأن يبين للناس، بأن غاية المراد من دعوته أنه بشر يبلغ رسالة ربه، ولا يملك قدرة جبربة على التغيير، كما قال تعالى: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ [الغاشية:22].

    ويخبرهم بأن خزائن الله لا يملكها ولا يدعي أنه يملكها؛ لأن ملك خزائن الله أمر من خصائص الرب وحده جل وعلا، وهذا مقام الإلهية والربوبية.

    والنبي صلى الله عليه وسلم ليس له من مقام الإلهية والربوبية شيء، فلا يمكن له أن يقسم الأرزاق، ولا الرحمة، ولا الخيرات، ولا العطاء بين الناس؛ لأن هذا من خصائص الرب، ولم يدع يوماً النبي صلى الله عليه وسلم أنه إله.

    بيان ضعف الأنبياء ممن دونهم في علم الغيب

    وقوله تعالى: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [الأنعام:50].

    يخبر نبينا صلى الله عليه وسلم بأمر ربه كفار قريش بأنه لا يعلم الغيب، والغيب: ضد الشهادة، فيخبر صلوات الله وسلامه عليه بأن ربه يأمره بأن يبلغ الناس بأنه لا يعلم الغيب، فإذا بان ضعف الرسول في علم الغيب ظهر كمال الله في العلم، وهذا أمر هو المقصود من السورة كلها، أي: أن يظهر الله للناس ضعفهم وعجزهم حتى يظهر لهم كمال خالقهم وعظمته جل وعلا، وأنه منزه من كل عيب ونقص، ولذلك قال الله لما ذكر خلق السماوات والأرض: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق:38].

    أي لم يمسه جل وعلا إعياء؛ لأن ذاته غير ذات المخلوقين، فصفاته غير صفات المخلوقين.

    وهذا الأمر الذي قرره النبي صلى الله عليه وسلم وقع حالا ومعنى عليه، وعلى الملائكة وعلى الأنبياء والرسل من قبله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    فالملائكة بين يدي ربهم لما علم الله آدم الأسماء وقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [البقرة:31-32].

    وخليل الله إبراهيم -وهو أبو الأنبياء، وثاني الرسل من أولي العزم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- يأتيه الملائكة في صورة ضيوف، فيذهب عجلا إلى بيته، فيأخذ العجل ويذبحه ويشويه ويقدمه، كل هذا وهو لا يعلم أن الضيوف ملائكة لا يأكلون الطعام.

    فلو كان يعلم لما فعل هذا كله، ولكن ليبين الله لك وأنت تقرأ كتابه ضعف المخلوقين أيا كانوا وعظمة الرب جل جلاله وحده.

    ونبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام كان ابنه يوسف في أرض مصر عزيزا على كرسي الوزارة يأمر وينهى ويأتيه الناس من كل مكان، ويعقوب في أرض كنعان في بادية الشام قد ابيضت عيناه من الحزن على فقد ولده، وهو نبي يوحى إليه، ومع ذلك كان عليه السلام يجهل أن ابنه في مقام عزيز ومكان رفيع، ولو كان يعلم لما دمعت عيناه، لكنه شيء من الغيب الذي أخفاه الله جل وعلا عن هذا النبي الكريم.

    ورسولنا صلى الله عليه وسلم كان في المدينة وحوله من يكيد له الكيد، ويحيق به الدوائر، وربه يقول له: وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة:101].

    وسليمان يعطى الملك، وسخرت له الريح والجن والشياطين، تأتمر بأمره وتذعن لخبره، وتنفذ ما يطلب وتفعل ما يأمرها به، ومع ذلك كله يخفى عليه أن بلقيس كانت تعبد الشمس، ثم يأتي طائر لا ينطق ليقول له: أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ [النمل:22].

    فهذا ما جرى لأنبياء الله ورسله وأخذنا منهم بعض الأمثلة، وما يقال عنا من باب أولى، وهذا يدل على أن علم الغيب أمر اختص الله جل وعلا به وحده، وسيأتي الحديث عن مفاتيحه.

    بيان حقيقة النبي صلى الله عليه وسلم

    يقول تعالى: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [الأنعام:50].

    أي: أتستنكرون علي أن أمشي في الأسواق، وأن آكل الطعام والشراب؟! فهذا لن يكون إلا للملائكة، وأنا لم أقل يوما من الدهر: إني ملك، إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:50].

    فهو صلى الله عليه وسلم يأتيه الوحي من السماء يأمره بالنذارة والبشارة، فيفعل ما أمره الله جل وعلا به، قال الله تعالى عنه: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:50].

    بيان معنى قوله تعالى (قل هل يستوي الأعمى والبصير...)

    ثم بعد بيان أنه رسول، يدعو إلى رب بيده خزائن كل شيء، ويعلم الغيب والشهادة، ويستحق العبادة، قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ [الأنعام:50].

    وهذا استفهام إنكاري؛ لأن (هل) أداة استفهام، بمعنى: لا يستوي الأعمى والبصير.

    والمقصود بالأعمى والبصير هنا الضال والمهتدي، والعالم والجاهل، والموحد والمشرك، فكلها يمكن أن تدخل في تفسير قول الله جل وعلا: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام:50].

    وقول الله جل وعلا: أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ [الأنعام:50] دلالة على أن العقول مخاطبة بشرع الله تبارك وتعالى، وهنا مسألة وهي دخول العقل في الشريعة، وهذه مسألة تذكر كثيرا بين طلاب العلم، وفصل الخطاب فيها أن تعلم أن العقل مكتشف للدليل وليس منشئاً له.

    فالدليل وضعه الله في كتابه وفي سنة رسوله، وأصحاب العقول يكتشفون تلك الأدلة ويتوصلون إليها بعد أن وضعها الله لهم في كتابه وفي سنة رسوله، أو في آية من الآيات العامة المنثورة في الخلق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو...)

    ثم تلا تلك الآية آيات ست آيات مسترسلات بعضها بعد بعض، فقال الله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ * قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ * قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام:59-65].

    قوله تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59] هذا أسلوب حصر، ومن أساليب الحصر في اللغة: تقديم ما حقه التأخير، وأصل الآية: مفاتح الغيب عنده. فقدم الله الخبر على المبتدأ ليصبح المقام مقام حصر، أي: ليست عند أحد غيره مفاتح الغيب، ولو قال: ومفاتح الغيب عنده فإن المعنى يحتمل أن مفاتح الغيب عنده وعند غيره، ولكنه قال وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59] فجعل الأمر محصوراً؛ لأنه قدم الخبر على المبتدأ، وتقديم ما حقه التأخير أسلوب من أساليب الحصر في بلاغة العرب.

    وقوله تعالى: وَعِنْدَهُ [الأنعام:59] أي: عند الله مَفَاتِحُ الْغَيْبِ [الأنعام:59].

    و(مفاتح): جمع مفتاح، وهي عند النحويين اسم ممنوع من الصرف لأنه على وزن مفاعل.

    يقول الله: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59].

    والنفي مع الاستثناء كذلك أسلوب من أساليب الحصر.

    بيان المراد بمفاتح الغيب

    ولم يذكر الله في هذه الآية مفاتح الغيب، ولكن السنة فسرت القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم -كما في حديث ابن عمر -: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34]).

    فنقول: إن مفاتح الغيب أمر لا يعلمه إلا الله، ولا يعطى لأحد، أما غير ذلك من الغيب فيمكن أن يطلع الله جل وعلا عليه بعض عباده، قال الله: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27].

    فقد يطلع الله بعض عباده على بعض غيبه، ولكن مفاتح الغيب اختص الله جل وعلا بها، فلا يطلع عليها أحدا كائنا من كان إلا وقت المراد من الغيب نفسه.

    وبناء على آية لقمان أصبح أعظم الغيبيات علم الساعة، وهي أعظم الغيبيات بدلالة القرآن والسنة، فجبرائيل سيد الملائكة يسأل نبينا صلى الله عليه وسلم: (أخبرني عن الساعة؟ فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) أي علمي وعلمك فيها سواء. والله يقول: لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ [الأعراف:187].

    بل إن إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور لتقوم الساعة، يقول عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد أحنى جبهته وأصغى أذنه والتقم القرن ينتظر متى يؤمر بالنفخ فينفخ) فإسرافيل لا يعلم متى ينفخ، فمن باب أولى ألا يعلم الناس ذلك، فالساعة أعظم الغيبيات.

    يقول تعالى: وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [لقمان:34].

    وإنزال المطر لا يعلم تحديد وقته إلا الله، أما ما تراه من إرهاصات فهو مقدمات تصيب وتخطئ، ولا يجزم بها أحد، وقد نقل القرطبي رحمه الله عن بعض علماء المسلمين أن من جزم بنزول المطر، فقال: غداً سيكون مطر، فإنه يكفر؛ لأنه خالف صريح القرآن في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34].

    وقوله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ [لقمان:34] (ما) هنا موصولة تدل على العموم، أي: يعلم ما في الأرحام، فإن كان ما في الرحم سقطا سينزل، أو سيتم خلقه فإنه يعلمه، ويعلم الله جل وعلا إن كان شقيا أو سعيدا، ويعلم الرب تبارك وتعالى إن كان سيعمر أو لا يعمر، في أمور شتى تتعلق به، ويعلم أنه سيكون ذكراً أو أنثى، وغير ذلك مما يتعلق به ولا يعلمه إلا الرب تبارك وتعالى.

    يقول تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لقمان:34].

    إن هناك فرقاً بين جدول العمل وبين ما تحصل عليه من العمل، فإن المعلم يعلم جدول حصصه قبل العام، وكذلك كثير من الناس ممن لهم أمور مرتبة وجداول وأعمال، ولكن هل يحصل هذا العمل الذي يسمى في اللغة كسبا؟! إن هذا لا يعلمه إلا الرب تبارك وتعالى، فقد يحول الله بين المرء وبين ما يريد قبل أن يقع الأمر بلحظات.

    ثم قال سبحانه: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان:34] وفي المسند أن من أراد الله أن يقبض روحه في أرض جعل له حاجة إليها.

    ومن جهل المكان فمن باب أولى أن يجهل الزمان.

    والمقصود من هذا كله إجمالا أن مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الرب تبارك وتعالى.

    سعة علم الله تعالى

    يقول تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

    فهذه من أعظم آيات الربوبية في القرآن، يخبر الله جل وعلا فيها عن سعة علمه، وعظيم إحاطته بخلقه، وأن ما تراه العيون، وما لا تراه، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وورق الأشجار على كثرته واتساعه وعظيم عدده، لا يعلمه إلا الرب تبارك وتعالى، فكل تلك الأمور أينما كانت، وأينما غابت عن عيوننا، الغيب وغياهب البحار، ومفاوز البر، وكل ما يقع فيه، وما يكون في ليل أو في نهار أو في أي مكان قد اطلع، الله جل وعلا عليه وقد علمه وكتبه وأراده وشاءه، قال الله تعالى: وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:59] ثم تتناقلها الرياح ميمنة وميسرة، وشمالاً وجنوباً، ثم تهوي، كل ذلك يعلمه الله جل وعلا، لا يخفى عليه من خلقه خافية أينما كانت، قال تعالى عن لقمان : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16].

    والإنسان -ستره الظلام أو كان في الضوء- قد اطلع الله جل وعلا عليه، سواء أسر في نفسه أم أعلن، فالله جل وعلا يعلم ذلك كله، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، ولا تخفى عليه من خلقه خافية.

    يقول تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ [الأنعام:59] أي: ولا حبة تسقط فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ [الأنعام:59].

    وقوله تعالى: وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ [الأنعام:59] أسلوب قرآني يسمى عطف عام على خاص؛ لأن كل ما سلف لا يخلو من كونه رطباً أو يابساً، وحياً أو ميتاً.

    قال تعالى: وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ [الأنعام:59] من كل ذلك إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59] أي: في اللوح المحفوظ، فالله أول ما خلق القلم، قال له: اكتب، فقال: ما أكتب؟ فقال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة. فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، جفت الأقلام وطويت الصحف، فأنت تسعى وراء رزق سيأتي إليك، أو تطلب شيئا لن يأتيك أبدا.

    فالعاقل من أحسن صلته بربه جل وعلا، وأهل والفضل العلم يقولون: من خسر مع الله جل وعلا فماذا ربح؟ ومن ربح مع الله تبارك وتعالى فماذا خسر؟ فمن ربح مع الله لم يخسر شيئا، ومن خسر مع الله لم يربح شيئا ولو أوتيت له الدنيا بحذافيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار...)

    ثم قال جل شأنه: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى [الأنعام:60].

    نسب الله جل وعلا هنا الوفاة إلى ذاته العلية، ونسبها إلى الملائكة في آيات آخر، فيقال: إن نسبة الأمر إلى الله نسبة حقيقية، ونسبة الأمر إلى غير الله نسبة تكليف، أي كلف الله أحدا ليقوم بها، كما كلف الملائكة.

    وقول الرب: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60].

    معاني الوفاة في القرآن

    المقصود به المنام، وليس المقصود به الوفاة الحقيقية.

    والوفاة في القرآن تأتي على ثلاثة معان: تأتي بمعنى الموت، ومن ذلك قول الله تعالى: ثُمَّ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61].

    وتأتي بمعنى النوم، كقوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام:60]، وقول الله في سورة الزمر اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر:42].

    وتأتي بمعنى الرفع، ومنه قول الله لعيسى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران:55].

    والمقصود من هذا كله أن الوفاة هنا بمعنى النوم، والنبي صلى الله عليه وسلم كان إذا استيقظ قال (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) فسمى النوم موتة صغرى.

    علاقة الروح بالجسد

    وصفوة القول أن يقال: إن للروح علاقة مع الجسد تختلف من حال إلى حال، فبينهما علاقة قبل أن يوجد الجسد، يوم كانت أرواحنا في ظهر أبينا آدم، وعلاقة يوم كنا أجنة في بطون أمهاتنا فنفخ فينا الروح، وعلاقة شبه كمال، وهي علاقة الروح بالجسد في حال اليقظة، وعلاقة أقل منها، وهي علاقة الروح بالجسد في حال النوم، وعلاقة لا نعلم كنهها، وهي علاقة الروح بالجسد في حياة البرزخ، فإن الإنسان ينعم ويعذب في حياة البرزخ، وعلاقة هي علاقة الكمال والتمام تكون بعد البعث والنشور؛ لأنه لا موت بعدها.

    فنجم عن هذا ست علاقات: علاقة في عالم الأرواح، وعلاقة في عالم الأجنة، وعلاقة في عالم اليقظة، وعلاقة في عالم النوم، وعلاقة في عالم البرزخ، وعلاقة بعد البعث والنشور.

    بيان معنى قوله تعالى (ويعلم ما جرحتم بالنهار...)

    يقول تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام:60].

    فقد جرت سنة الله في خلقه أن النهار للمعاش، فلما كان الإنسان في النهار يعمل ويكد من أجل عيشه بجوارحه، قال الله: وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ [الأنعام:60].

    أي: ما كسبتم، فعبر بما تسببت به الآلة.

    وقوله تعالى: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ [الأنعام:60] أي: يوقظكم من منامكم، أي: في النهار لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى [الأنعام:60].

    وهذا باعتبار الأفراد، لا باعتبار الجماعات، بمعنى أن كل فرد له أجل مسمى كتبه الله جل وعلا عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده...)

    ثم قال جل ذكره: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18].

    وقد قلنا: إن السورة حجة في إثبات توحيد الربوبية والإلهية، فإذا كان الله جل وعلا قاهراً مالكاً لجميع الخلق، فإنه يفعل في خلقه ما يشاء، فهو تبارك وتعالى خلقهم ورزقهم، وجعل لهم طريقا موصلا إليه، وقال: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق:19] أي أن الخلق خلقوا أطواراً، حيث كانوا في ظهر أبيهم، ثم في بطون أمهاتهم، حتى أصبحوا ينامون بالليل ثم يبعثون بالنهار.

    بيان معنى قوله تعالى (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا...)

    وبعد ذلك بقي المرد إلى الله، فقال الله جل وعلا: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام:18] فلما كان قاهرا مالكا ملكا حقيقيا متصرفا قال: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61].

    و(إذا) في اللغة تأتي قبل التلبس بالفعل، فتقول: إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ، أي: قبل أن تقوم إلى الصلاة تتوضأ.

    وكذلك: إذا وقفت بين يدي الله فكبر، و: إذا صليت فاقرأ القرآن، أي: بعد دخولك في الصلاة.

    فقوله تعالى هنا: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [الأنعام:61] أي: حتى إذا قرب الموت وجاءت علاماته ودنت ساعته، تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61].

    والرسل هنا هم الملائكة، وينبغي أن تعلم أن قرب الله من خلقه نوعان: قرب بذاته، وقرب بملائكته، فالقرب بالملائكة منه قول الله جل وعلا في سورة الواقعة: وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:85].

    فليس المراد قرب الله بذاته، إنما هو قرب الله بملائكته، كما قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61].

    والأصل أن الموكل بقبض الأرواح ملك، ولكن هذا الملك له أعوان، ومفهوم الآية لا يخلو من أحد أمرين، وبهما قال العلماء:

    فإما أن تكون الملائكة هي التي تخرج الروح، حتى إذا دنت من الحلقوم تركتها لملك الموت، فهو الذي يقبضها، كما قال الله تعالى: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة:11].

    فالله يقول في آية الأنعام: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا [الأنعام:61]، وقال في السجدة: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة:11].

    فقال بعض العلماء: إن الملائكة تقبض الروح، فتستلها من الجسم كله استلالا يختلف بين روح المؤمن وروح الكافر ليس هذا موضع بيانه، فإذا دنت الروح من الحلقوم قام ملك الموت بالنزع الأخير.

    وقال بعضهم: إن ملك الموت هو الذي ينزع الروح، وقد جعل الله له العالم كالمأدبة بين يدي من يريد أن يأكل، فيأخذ منها كيفما يشاء، فإذا كثر عليه في يوم قبض الأرواح فإنه يناديها فتأتي، وكل ذلك بأمر الله، وسواء صح هذا أو لم يصح فإن العقل لا يرده والشرع لا ينافيه.

    والمقصود هذا أمر الأمر الثاني أن يكون ملك الموت هو الذي يقبض الروح وحده، ولا يعينه غيره من الملائكة، ثم إذا قبضها لا تلبث في يده حتى يعطيها ملائكة آخرين، فإذا كانت روحا مؤمنة أعطاها لملائكة الرحمة، جعل الله جل وعلا أرواحكم كذلك.

    وإن كانت روحا كافرة أعطاها ملائكة العذاب، وهذا الرأي الثاني هو الذي تميل النفس إليه، والله أعلم.

    وقوله تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ [الأنعام:61].

    أي: لا يضيعون في قبض الأرواح، ولا يتقدمون قبل الأجل ولا يتأخرون بعد الأجل، فحيثما أمرهم الله زمانا ومكانا يفعلون عليهم السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق...)

    قال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام:62].

    (ثم) حرف عطف يفيد التراخي، والتعقيب، فهناك فترة زمنية بين قبض الروح، ورجوع العباد إلى الله ليحكم بينهم، وهي التي تسمى حياة البرزخ.

    فقوله تعالى: ثُمَّ رُدُّوا [الأنعام:62] أي الخلق إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام:62]، بكسر القاف؛ لأنها صفة للفظ الجلالة.

    وهنا مسألة، وهي أن الله هنا يتكلم عن جميع الأرواح مؤمنها وكافرها، فكل الأرواح مردها إلى الله، وقال الله في نعت ذاته العلية هنا: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام:62] مع أنه قال في سورة محمد: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].

    ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11].

    فكيف يستقيم الجمع بين قول الله في كتابه: وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] وقوله في آية عامة ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ [الأنعام:62].

    والجواب عن هذا أن يقال: إن كلمة (مولى) لفظ مشترك لعدة معان، فيأتي بمعنى المعتِق، ويأتي بمعنى المعتَق، فيقال للسيد الذي أعتق: مولى، ويقال للعبد الذي أُعتق: مولى.

    ويقال (مولى) بمعنى: مالك الملك، وهو هو المراد بالآية هنا، فقول الله جل وعلا ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ [الأنعام:62] أي: ملكهم.

    وأما قول الله في سورة محمد: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:11] أي: ناصرهم، وقول الله وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ [محمد:11] أي: لا ناصر لهم، وإلا فالكفار والمؤمنون ملك لله.

    فمعنى (مولى) في سورة محمد: ناصر، ومعنى (مولى) في سورة الأنعام: مالك الملك، والله مالك أهل الكفر وأهل الإيمان، أما أن الله ناصر لأهل الإيمان فلا شك في ذلك، وليس الله بنصير لأهل الكفر.

    ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي: من كنت ناصره وحاميه فعلي ناصره وحاميه، فهذا معنى (مولى) في هذا الحديث الشريف.

    فيتحرر من هذا أن (مولى) لفظ مشترك لعدة معان، وهو في سورة الأنعام بمعنى مالك الملك، ولا شك في أن الله مالك للعباد كلهم.

    بيان معنى قوله تعالى (ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين)

    ثم قال تعالى: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62].

    قول الله: أَلا لَهُ الْحُكْمُ [الأنعام:62] فيه إشارة خفية إلى أنه ليس لأحد أمر لازم على الله، وإنما الله يحكم بما شاء، فيدخل من يشاء برحمته، ويعذب من يشاء بعدله.

    قال تعالى: وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62].

    فالله جل وعلا ليست ذاته كذوات المخلوقين، فلا يقاس حساب الله على ما نعلمه من محاسبة المخلوقين بعضهم لبعض، فالله جل وعلا -كما أنه خلق خلقه خلقا واحدا، فهو قادر على أن يخلقهم جملة، وقادر على أن يميتهم جملة، وقادر على أن يبعثهم جملة- قادر سبحانه وتعالى على أن يحاسبهم جملة، فهو جل وعلا له الحكم وهو أسرع الحاسبين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر...)

    ثم قال الله جل وعلا: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام:63-64].

    ما زال السياق يبين أن السورة مكية، والمقصود منها في المقام الأول إثبات توحيد الإلهية، ولكن إثبات توحيد الألهية، لا يقوم إلا إذا ثبت توحيد الربوبية.

    وقلنا إن هنا أسلوبين: أسلوب تقرير وأسلوب تلقين.

    وبيان ذلك أن الله جل وعلا يخاطب أهل الإشراك الذين يشركون مع الله بأرض الواقع، ويقول لهم جل وعلا: إنكم تسافرون في البر وتسافرون في البحر، ويصيبكم من المشاق والكوارث والمصائب ما يجعلكم -وأنتم مشركون في حال الرخاء- توحدون الله، ولا تسألون معه غيره، كما أخبر الله جل وعلا في عدة سور بأنهم يلجئون إلى ربهم وحده دون سواه، كقوله تعالى: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ [يونس:22].

    والله تبارك وتعالى يبتلي عباده، ويدلل جل وعلا في خلقه المنثور وكتابه المسطور في الأرض على أنه الرب الأوحد، والمالك الذي لا يقدر على النفع ولا على الضر إلا هو، فلا يكشف بلوى ولا يدفع ضرا إلا هو، ولا يعطي عطاء ولا يمنح رحمة إلا هو.

    يقول تعالى: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [الأنعام:63].

    وليس المقصود عين الظلمة، وإنما المقصود ما في البر والبحر من مشاق، ومن أمور تصيب الرجل والمرأة والجماعة والفرد على السواء، فإذا أصابهم الأمر وتيقنوا بالهلاك وعظم عليهم الأمر، واشتد عليهم الكرب، علموا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، فلجئوا إلى الله جل وعلا مخلصين، يتضرعون بالدعاء سرا وإعلانا، أفرادا وجماعات، خفية وتضرعا، فإذا نجاهم الله واستجاب دعاءهم، ونقلهم من حال الخوف إلى حال الأمن، ومن حال الضراء إلى حال السراء، نسوا -عياذاً بالله- كل ذلك الأمر، ورجعوا إلى شركهم، قال الله: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس:12].

    وهذا أمر يتحقق في القريب والبعيد في الزمن الماضي وفي الزمن الحاضر وفي الزمن المستقبل، فكم من تاجر خاف على تجارته، وأيقن بغرقها، أو بتسلط غيره عليها، أو أيقن بالخسران، ففزع إلى الله في ظلمات الليل يسأل الله ويدعوه، فلما نجى الله له تجارته وأنعم عليه ورزقه، أخذ تلك الأموال التي اكتسبها فأنفقها في غير طاعة الله، وربما سافر بها سفر معصية، وهذه مرحلة أدنى، والمرحلة التي عناها الله في هذه السورة هي أن أهل الإشراك يرون الموت عيانا، فيفزعون إلى الله بقلوبهم وجوارحهم وألسنتهم، ويصرون على الدعاء ويلحون، ثم إن الله لعظمته وحلمه وكمال رحمته ينعم عليهم وينجيهم، فإذا شعروا بالأمان والرخاء رجعوا إلى أصنامهم وأوثانهم يعبدونها ويسألونها من دون الله، لكي تعلم أنه لا شيء أعظم من أن تشرك مع الله جل وعلا غيره، وأن يكون قلبك الذي فطره الله وخلقه وسواه وجبله على التوحيد وعلى إخلاص العبادة له قد اتجه إلى غير الله، وأن يلهج لسانك لأي فرد، ملكا أو أميرا أو سلطانا أو عالما أو داعية أو والدا أو ولدا أو زوجة أو ابنا أو محبا تحبه فتجعله مقدما على حبك لله جل وعلا.

    ومن أراد ما عند الله من النعيم، وخاف ما عند الله من الجحيم لم يقدم على ذات الله أحدا كائنا من كان، لا والدا ولا ولدا ولا أما ولا زوجة ولا أحداً كائنا من كان، ولا يتعلق قلبه بممثل ولا بلاعب، ولا بمعلم ولا بطالب، وإنما يجعل فؤاده وقلبه للرب تبارك وتعالى، فهذا هو التوحيد الذي بعث الله من أجله الرسل، وأنزل الله من أجله الكتب، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم من أجله الجهاد.

    وكلما نقص حظ الله منك نقص حظك من الله، وكلما ابتعدت عن الله في توحيده وذكره وإجلاله ومحبته: كنت من رحمة الله أبعد، وإلى عذابه أدنى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب...)

    ثم قال الله جل وعلا: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا [الأنعام:64] أي: من هذا الكرب المخصوص الذي تسألونه، بل إن الله لا ينجيكم من كرب مخصوص تدعونه بعينه فحسب، بل وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ [الأنعام:64]، أي: ومن كل كرب عام علمته أو لم تعلمه، وقد ينجيك الله من كرب لم تدعه، بأن ينجيك منه، فلا تعلم أن ذلك الكرب في طريقه إليك، ولكن الله جل وعلا يزيله عنك من غير أن تعلم.

    بيان شرك المشركين بعد النجاة من المهالك

    ثم يقول الله جل وعلا بعد ذلك: قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام:64].

    أي: مع تلك النجاة وتلك الرحمة وذلك الحلم من الرب تعودون -كما كنتم- تشركون مع الله جل وعلا غيره.

    والمقصود من هذا كله أنه لا يعقل أن نفسر سورة الأنعام، وقد جعلها الله في أغلب آياتها مخصصة للتوحيد، ودعوة إلى الإيمان به، ونبذا للشرك، ثم لا يخرج الإنسان منها بثمرة تجعله يسير في سائر أيامه حتى يلقى الله وليس في قلبه أحد يحب ويوالي ويبغض ويعادي من أجله غير الرب تبارك وتعالى، جعل الله قلوبنا وقلوبكم على تلك الفطرة السليمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم...)

    ثم قال الله: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65].

    مناسبة الآية لما قبلها هي أن الله قد بين أنه قادر على أن ينجي من المهالك، فبين هنا أنه قادر على أن يلقي فيها، فالله بين في الآيتين قبلها أن الله قادر على أن ينجي عباده من المهالك، ويبين لهم هنا أنه قادر على أن يضعهم في المهالك، فقال تعالى: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ[الأنعام:65] مثل الرجم أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ[الأنعام:65] مثل الخسف أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ[الأنعام:65].

    بيان ما دفعه الله عن هذه الأمة وما ابتلاها به مما ذكر في الآية

    وهذه الآية لا تحتاج إلى كلفة في الشرح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كما روى البخاري وغيره- لما نزلت هذه الآية فتلاها جبرائيل على النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ [الأنعام:65] قال صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهه) فالنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بوجه الله، فلما استعاذ النبي بوجه ربه أعاذه الله، ومن هذا تعلم أن هذه الأمة لا يمكن أن تهلك بعذاب عام من السماء، فقرأ جبرائيل: أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [الأنعام:65] فقال صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهه)، ومن هنا تعلم أن هذه الأمة لا يمكن أن تهلك كلها بخسف من الأرض.

    ثم قرأ جبرائيل : أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65] فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بوجهه)، ليمضي قدر الله، بل قال صلى الله عليه وسلم: (هذه أهون) وفي رواية: (أيسر) وفي رواية أخرى: (هاتان أهون وأيسر) ولم يستعذ بالله ليمضي قدر الله، وهذا أمر مشاهد واضح جلي، وهو أن الأمة ذاق بعضها بأس بعض، فمنذ أن قتل عثمان رضي الله عنه إلى يومنا هذا والأمة يذيق بعضها بأس بعض.

    وآخر ما حصل من ذلك في قمع الدولة للإرهابيين، فالذين ماتوا من هذه الطائفة مسلمون، والذين ماتوا من هذه الطائفة مسلمون.

    صحيح أنهم خارجون عن طاعة ولي الأمر، وأن ما فعلوه خطأ محض، ولا يجوز شرعا، ولكن هذا لا يخرجهم عن دائرة الإسلام، وكذلك الذين ماتوا ممن كانوا تحت طاعة ولي الأمر مسلمون، فهذا معنى قول الله وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65].

    وقوله تعالى: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا [الأنعام:65] الشيع: الفرق والأحزاب.

    والأمة منذ مقتل عثمان رضي الله عنه في أكثر أزمنتها وهي متفرقة أهواء وفرقا وشيعا.

    واعلم أن نبينا صلى الله عليه وسلم زويت له الأرض وقال (إن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض) أي ملك فارس وملك الروم.

    ثم دعا صلى الله عليه وسلم ربه بألا يهلك أمته غرقا، فاستجاب الله جل وعلا له، فالأمة لا تخاف من موتها كلها غرقاً؛ لأن هذا أمر سأله النبي صلى الله عليه وسلم ربه فأعطاه الله إياه.

    ثم سأله ألا يسلط عليها عدوا يستبيح بيضتها، و(بيضتها) مركزها وأصلها، والعصبة الرئيسة، فاستجاب الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم.

    وسأله ألا يذيق بعضهم بأس بعض، فمنعه الله جل وعلا ذلك، وقال: (أنني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد).

    فتفهم من هذا أموراً، وذلك أنه لما حصل غزو العراق من قبل أمريكا خاف الناس، وبعضهم أرجف بأن تسلط أمريكا على دولة الحرمين، وتهلك مكة والمدينة، ولا شك في أن الذين خافوا قوم غيورون يريدون الخير للأمة، ولكن من كان لديه بضاعة قوية من العلم كان يعلم أن هذا لا يمكن أن يقع قدراً ولا شرعاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ربه وعداً بأنه لا يسلط عدوا على أمة الإسلام يستبيح بيضتها، ومن كان منصفا يعلم أن بيضة الإسلام اليوم هي دولة الحرمين، فهي بيضة الإسلام اليوم، ولا يمكن أن يُمكن لأمريكا ولا لغيرها أن تسلط تسلطا عسكريا على أرض الحرمين فتستبيح بيضتها وتهلك من فيها بالكلية، فهذا أمر لا يمكن أن يقع، لا على يد أمريكا ولا على يد غيرها؛ لأن هذا أمر سأله نبينا صلى الله عليه وسلم ربه فأعطاه الله إياه.

    ولكن الله منع النبي صلى الله عليه وسلم -لأمره وقضائه وحكمته- لما سأله ألا يسلط بعضهم على بعض، فقال الله جل وعلا: (إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) وهذا أمر مشاهد، فإن الأمة تفرقت فرقا وأحزابا وشيعا منذ مقتل عثمان وحرب علي ومعاوية رضي الله عنهما.

    الملجأ من الفتن

    والمفر من هذا كله أن يعتصم الإنسان بكلمة المسلمين، وأن يلزم طاعة ولي الأمر، وأن يعلم أن يد الله جل وعلا مع الجماعة، وأنه من خرج عن الإمام قيد شبر مات ميتة جاهلية، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصبر، وأمر بأمور عدة تقوى بها شوكة الإسلام.

    والتفاف بعض الناس على بعض وكونهم متحدين متفقين على إمام واحد، أغيض للعدو، وأعظم لإقامة شرائع الله وحدوده، والكمال عزيز، والنقص موجود، لكن لا يسدد مثل ذلك إلا بالتناصح والتشاور والسمع والطاعة في غير معصية الله تبارك وتعالى.

    والمقصود من هذا بيان أن الله جل وعلا في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بين كثيراً من الأمور التي يسترشد بها العاقل، ويستنير بها المؤمن، ويتقي بها البصير، ويعرف بها الجميع الطريق الموصل إلى الله، وهذه مزية أهل العلم على غيرهم، وهي أنهم يعلمون من كتاب الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ما يثبت الله جل وعلا به أفئدتهم، ويهديهم به إلى صراط مستقيم.

    لذلك قال الله بعد هذا كله انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [الأنعام:65].

    ولا ريب في أن الله فصل الآيات، وأبان لعباده طرائق الحق والطريق المستقيم، وأوضح ما يقرب منه، وما يدل عليه، وما يرشد في أمر الدين وأمر الدنيا، ولكن الناس يتفاوتون في مقدار العلم، وأهل العلم يتفاوتون في مقدار الأخذ بالعلم، والسمع والطاعة لله، والعمل بما يعملون، فكم من إنسان حافظ للقرآن متدبر له، ويعلم معانيه ومواطن نزوله وناسخه ومنسوخه، ولكن لا يعمل به، ومنهم من أضله الله على علم، فيقرأ ويأخذ، ولكنه لا يستفيد منه في واقع الحياة شيئا، وهذه رحمة من الله وفضل يؤتيه الله من يشاء، ومن أخلص لله النية، وصدق مع الله بلغه الله مناله، وأعطاه مراده، فنسأل الله جل وعلا لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987227505

    عدد مرات الحفظ

    716439033