إسلام ويب

سلسلة تأملات قرآنية [2]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله في بعض آي القرآن بيان فضل الأنبياء والرسل عامة، وتفضيل الله بعضهم على بعض خاصة، ورفع الله بعضهم درجات، وبيان قدرة الله تعالى على تعطيل الأسباب وإيجاد المسببات دونها، وفيها الدعوة إلى تقديم العمل الصالح في الدنيا قبل فقد القدرة عليه بأي طريق في الآخرة، وفيها بيان كمال حياة الله وقيوميته وسعة علمه وعظيم قدرته، وبيان ولاية الله لعباده المؤمنين وإشقائه للكافرين، وبيان عظيم قدرة الله تعالى في تصريف الكون وتدبيره أمراً ونهياً وإيجاداً وإعداماً، وموتاً وبعثاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض...)

    الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاء أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فيقول الله جل وعلا: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253]

    هذه الآية جاءت بعد قول الله لنبينا صلى الله عليه وسلم: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [البقرة:252]، فناسب بعد أن ذكر المرسلين في ختام الجزء الثاني أن يبدأ الله بالرسل، وقال الله: (تلك) ولم يقل: هؤلاء -كما قال في أول القرآن: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة:2]- بياناً لعلو قدرهم، ورفيع مكانتهم، وجليل منازلهم.

    والرسل جم غفير أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً أرسلهم الله جل وعلا.

    ذكر الفرق بين النبي والرسول

    ويتنزل على هذه الآية التي ذكرناها مسائل عدة:

    أولها: الفرق بين النبي والرسول، فأكثر المصنفين في كتب العقيدة وغيرها يقولون: إن بين النبي والرسول فرقاً، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، ويقولون: إن الفرق بينهما هو إن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بوحي ولم يؤمر بتبليغه، وهذا عليه أكثر من صنف، ولكنه خلاف الصحيح؛ فإن الله جل وعلا أعز وأجل من أن يوحي إلى عبد علماً ويجعل هذا العلم سرير الكتمان في صدر ذلك الرجل يموت بموته ولا يؤمر ببلاغه، فهذا أمر يتنافى مع الشرع.

    فهذا التعريف غير مستقيم، ولا بد من تعريف مستقيم، فنقول: إن التعريف المستقيم هو أن الرسول من أوحي إليه شرع جديد، وأما النبي فمن بعث على تقرير شرع من قبله، ومثال ذلك موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام، فموسى جاء بالتوراة، وجاءت بعده أنبياء لا يسمون رسلاً؛ لأنهم كانوا يحتكمون إلى التوراة، فهم أنبياء وليسوا رسلاً، ولما جاء عيسى عليه الصلاة والسلام جاء بالإنجيل، فخرج عن كونه نبياً إلى كونه نبياً رسولاً؛ لأن الإنجيل فيه شريعة غير الشريعة التي جاء بها موسى عن ربه ودونت في التوراة، مع اتفاقهم أجمعين -عليهم الصلاة والسلام- على أنهم بعثوا بالتوحيد والإيمان بالبعث والنشور واليوم الآخر، فهذا أمر اتفقت عليه كلمة النبيين، وإنما كان الاختلاف في الشرائع، فإذا جاء النبي وقرر الشرع الذي قبله فهو نبي، وإذا جاء بشرع جديد فهو رسول.

    خصائص الأنبياء والرسل

    المسألة الثانية: أن الرسل بشر، ولكنهم تميزوا عن البشر بخصائص، فأولها وأعظمها الوحي.

    وثانيها: أنهم يخيرون عند الموت، وثالثها: أنهم يدفنون حيث يموتون، ولذلك خير النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعته عائشة وهو يقول: (بل الرفيق الأعل) ؛ لأنه كان يخير، ودفن عليه الصلاة والسلام في نفس موطن موته في حجرة عائشة ؛ لأن الأنبياء يدفنون حيث يموتون.

    ورابعها: أن الأنبياء لا تأكل الأرض أجسادهم، فقد قال الصحابة: يا رسول الله! كيف نصلي عليك وقد أرمت؟! فقال: (إن الله أوحى إلى الأرض ألا تأكل أجساد الأنبياء) فالأنبياء لا تأكل الأرض أجسادهم.

    الخصيصة الخامسة: أنهم أحياء في قبورهم حياة برزخية الله أعلم بها، وقد مر النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة الإسراء على موسى وهو قائم يصلي في قبره كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه.

    حكم المفاضلة بين الأنبياء

    قال الله في الآية: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253]، فهي آية محكمة صريحة واضحة في أن التفضيل قائم بين الأنبياء، ولكنه ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيحين من حديث أبي سعيد وغيره- أنه قال: (لا تفاضلوا بين الأنبياء)، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تخيروا بين الأنبياء)، فهنا إشكال، ولا بد من حل ذلك الإشكال، وهذا الإشكال قائم بين منطوق الآية، في قوله تعالى: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253]، وبين منطوق الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تخيروا بين الأنبياء).

    وقد أجاب العلماء رحمهم الله عن هذا بأجوبة من أشهرها: أن هذا كان قبل أن يعلم عليه الصلاة والسلام بأن هناك تفاضلاً، وهذا أضعف الأقوال في حل الإشكال.

    القول الثاني: قال بعض العلماء: إن التفاضل يكون ممنوعاً في حالة أن يكون معتمداً على عصبة وحمية، أي: أن يأتي كل مسلم فيفضل الرسول الذي من الأمة التي هو منها أو ينتسب إليها عرقاً أو غير ذلك، قالوا: إذا كان التفاضل مبنياً على حمية وعصبية فهو ممنوع، ويجوز فيما سوى ذلك.

    وهذا القول مال إليه كثير من العلماء، ومعنى الكثير لا يعني الغلبة، ولكن قال به عدد غير محدود.

    وممن أجاب عن هذا من العلماء الشيخ الإمام الشنقيطي في أضواء البيان، حيث قال: إن حل الإشكال أن يقال: إن الأنبياء يتساوون في أصل النبوة، ويكون التفاضل في الأعطيات التي خص الله بها بعضهم دون بعض.

    والقول الرابع قول ابن عطية رحمه الله، كما نقله عنه القرطبي ، وهو أصوب الآراء فيما نعتقد، فقال رحمه الله: إن التفاضل يكون ممنوعاً إذا كان مخصوصاً بين نبي بعينه ونبي آخر، فيكون ممنوعاً إذا كان بين مخصوصين، كأن يكون بين موسى وعيسى، أو بين محمد وإبراهيم، أو بين موسى ونوح، لأن هذا يورث شيئاً في الصدور، ولكن أن تبين فضل الله على نبي بخلاف ما عليه غيره من الأنبياء هو الذي أراده الله في قوله: فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة:253] وإلى هذا الرأي نميل، والله تعالى أعلم، فهذه هي أجوبة العلماء على الإشكال القائم بين الآية وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوا -وفي رواية كما في الصحيحين: لا تخيروا بين الأنبيا) .

    الأنبياء المكلمون

    قال الله: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ [البقرة:253]، قوله: (منهم) عائد على الرسل، وإذا أطلق التكليم ينصرف إلى موسى؛ لأن الله قال له: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144] وقال الله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164]، ولكن الذين كلموا أكثر من واحد، فالثابت أن الذين كلمهم الله ثلاثة، أولهم آدم عليه الصلاة والسلام؛ فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم بسند صحيح أنه سئل عن آدم أنبي هو؟ قال: (نعم، نبي مكلم) وهذا نص في المسألة نفسها، وموسى كلم بنص القرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم كلم في ليلة الإسراء والمعراج، فهؤلاء الثلاثة منصوص على أن الله جل وعلا كلمهم، والتكليم من أرفع المنازل وأجل العطايا وأسخى الهبات من الرب سبحانه وتعالى.

    رفع الله درجات الأنبياء وتفضيله أولي العزم منهم

    قال تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة:253]، فالله جل وعلا رفع الأنبياء، وميّز بعضهم على بعض، فكلم موسى، وقال في إدريس: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57] وأعطى داود الزبور، وكان ندي الصوت به، وجعل نوحاً أول الرسل إلى الأرض، وجعل إبراهيم خليلاً، فكل واحد منهم صلوات الله وسلامه عليهم وهبه الله جل وعلا مزية أو فضيلة، مع الاتفاق على أن نبينا صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء جميعاً، بل أفضل الخلق كلهم جناً وإنساً صلوات الله وسلامه عليه.

    ويتحرر من المسألة أن أفضل الأنبياء جملة أولو العزم قال الله تعالى: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، وأولو العزم من الرسل خمسة، وأكثر العلماء على أنهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونبينا صلى الله عليه وسلم، ورتبتهم بحسب ظهورهم، وهؤلاء قال الله جل وعلا عنهم: وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب:7] فهذا نص على أنهم أولو العزم صلوات الله وسلامه عليهم، وهم أرفع الأنبياء مقاماً.

    أهل السنة متفقون على أن الأنبياء جملة أفضل البشر، وأنه لا يوجد أحد من البشر، فـأبو بكر فمن دونه لا يرقون أبداً إلى درجة أي نبي من الأنبياء، فالنبوة منزلة لا تعدلها منزلة ولا يعدلها شيء.

    وذهب الشيعة الإمامية إلى أن أئمتهم أفضل من الأنبياء غير أولي العزم من الرسل على قول، وعلى قول آخر أنهم أفضل من أولي العزم إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا قول نذكره من باب العلم، وإلا فهو قول باطل بلا شك، ولا يحتاج إلى دليل لنقضه؛ لأن النبوة مسألة ثابتة بالكتاب، وأما تلك الإمامة التي يزعمونها فلم تثبت بأي شيء من كتاب ولا من سنة.

    حكم تخصيص عيسى عليه السلام بالذكر

    قال الله جل وعلا: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:253] ذكر عيسى بن مريم بعد الأنبياء يسمى ذكر خاص بعد عام؛ لأن عيسى بن مريم يندرج في قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ [البقرة:253]، ولكن الله جل وعلا خصه بالذكر هنا لحكمة، وهي أن أهل الكتاب، من اليهود والنصارى اختلفوا فيه عليه الصلاة والسلام بين إفراط وتفريط، فالنصارى بالغت فيه حتى جعلته إلهاً مع الله، واليهود ذموه حتى حاولوا قتله، وكلا الفريقين أخطأ السبيل، ولذلك حدد الله جل وعلا ذكره فهنا قال سبحانه: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ [البقرة:253] والبينات: جمع بينة، وهي الأمارة والدلالة والمعجزة والبرهان، وقد من الله على عيسى بن مريم ببينات عدة، من أشهرها: أنه تكلم في المهد، وأنه كان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وأنه كان يحيي الموتى بإذن الله، وأنه كان ينفخ في هيئة الطير فيكون طيراً بإذن الله، فهذا بعض ما من الله به على عيسى.

    بيان المراد بروح القدس

    قال تعالى: وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ [البقرة:253]، وجمهور العلماء على أن روح القدس المقصود به هنا جبرائيل، ويؤيده من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـحسان : (اهجهم وروح القدس معك) أي جبرائيل.

    وذهب بعض العلماء -كـابن سعدي رحمه الله تعالى في تفسيره- إلى أن المقصود بروح القدس الإيمان واليقين في قلب عيسى بن مريم.

    بيان معنى قوله تعالى (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ...)

    ثم قال الله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [البقرة:253] فالأنبياء لما أتوا بالحق كان من البداهة أن يختصم الناس فيما جاء به الأنبياء، فلما اختصم كل قوم فيما جاء به النبي انقسموا إلى فريقين: مؤمن وكافر، ولكونهم مختلفين كان بينهم الحرب والاقتتال.

    فلما جاء الأنبياء والرسل بالعلم من الله وبالوحي وبالتوحيد وبالإسلام أثار ذلك الناس فانقسموا إلى فريقين، فصار بين الفريقين اقتتال لعلة الاختلاف، فسبب القتال وجود الاختلاف.

    ثم أخبر الله جل وعلا بأن منهم من آمن ومنهم من كفر، ثم أراد الله أن يبين أن السبب قد يوجد أحياناً ولا يعمل، حتى لا تنصرف أذهان الناس إلى أن السبب قد ينفع ويضر من غير مشيئة الله، فقال الله بعدها: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253] فهذا التكرار فهمه بعضهم على أنه توكيد، وقد نتنازل فنقول: إنه توكيد، ولكنه ليس توكيداً لمجرد التكرار، وإنما المقصود من الآية البيان التالي، وهو أن الله أخبر بأن وجود الاختلاف؟ سبب للقتال، ثم كرر وقال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا [البقرة:253] ليبين أنه قد يوجد اختلاف ولا يوجد قتال؟ بإذن من الله، بمعنى أن الله يلغي السبب، كالنار، فقد جعلها الله سبباً للإحراق، وقد يدخل إنسان النار ويخرج منها -كما حصل لإبراهيم- دون أن تؤثر فيه؛ لأن الله لم يرد للنار أن تحرق.

    وقد حصل ذلك لأبي مسلم الخولاني ، وهو تابعي أدرك عمر رضي الله عنه، ولما ظهر الأسود العنسي في اليمن أمر بنار ليحرق أبا مسلم الخولاني ، وهو رجل تابعي من أهل اليمن، فأدخله في النار فخرج منها دون أن يصيبه شيء، مع أن الأصل أن النار سبب للإحراق، ولكن الذي جعلها لا تعمل وعطّل سببها هو الرب سبحانه.

    ولذلك كرر الله قوله: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ [البقرة:253] فنحن -المؤمنين- نأخذ بالأسباب مع علمنا بأن الذي بيده كل شيء هو الله، فنحن -وإن أخذنا بها لأننا مأمورون بأن نسلكها- متفقون على أنها لا تنفع ولا تضر إلا بإذن الله، وقد يسقي الإنسان زرعاً طوال دهره فيحصده غيره، وقد يجمع إنسان المال ليأكله فيموت ويأكله غيره.

    وهذا أمر يدركه كل عاقل ليلاً ونهاراً بكرة وعشياً فيما يراه وينظر إليه..

    ومن هذا الباب ما يروى ومن هذا الباب ما يروى من إن هارون الرشيد الخليفة العباسي أوكل الخلافة من بعده لابنه الأمين والمأمون وثالث لهما، وترك المعتصم ، وكان له أكثر من أربعة عشر ابناً، وكان المعتصم ثامن أولاده أو تاسعهم، ثم أخذ وثيقة فعلقها على الكعبة وأخذ العهد من العلماء والمسلمين على أن الخلافة من بعده لـلأمين ثم المأمون ثم الثالث، وحجبها عن المعتصم لأن أمه لم تكن عربية، فشاء الله أن يقتتل الأمين والمأمون ، فيقتل المأمون الأمين على يد عبد الله بن طاهر ، ويرث المأمون الحكم، ثم يموت الثالث في خلافة أخيه المأمون ، ثم يطول عمر المأمون قليلاً فيموت من بين المأمون والمعتصم ، ثم في ذروة مجده يموت المأمون ، ثم تأتي الخلافة منقادة إلى المعتصم على خلاف ما أراده أبوه، ولم يأت خليفة عباسي بعد المعتصم إلا وهو من نسل المعتصم ، فلم يبق لـلأمين ولا لـلمأمون ولا لغيرهما أبناء يتولون حكماً، فلا أبناؤهم ولا أحفادهم، فانصبت الولاية كلها محصورة في المعتصم ، فأنت تريد وهذا يريد، ويفعل الله ما يريد.

    والعاقل لا يعطِّل الأخذ بالأسباب، ولكنه يتوكل على الملك الغلاب، وهذه أمور تجري بقدر الله، فالملك ملكه والأمر أمره، يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم)

    ثم قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] .

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة:254] يسميه بعض العلماء نداء كرامة؛ لأن الله نعت الله عباده بوصف الإيمان أحب نعت إلى قلوبهم، ثم طالبهم بالإنفاق وجعله مبهماً؛ لأن المقصود منه الإنفاق الفرضي وإنفاق ائتنفل على الصحيح، ومجرد الإنفاق إن كان فرضاً أو نفلاً تفسره السنة، ويفسر في كتب الفقهاء، ولكن الله بين هنا السبب في الإنفاق، وهو أن الإنسان ينفق في الدنيا ليهون عليه الموقف يوم القيامة، فقال سبحانه: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ [البقرة:254]، وضرب الأمثال من الواقع يقرب المسائل، فبيان هذه الآية بضرب هذا المثل، فلو أنه كان عليك حق تريد أن تسدده لغيرك فإنك لن تتخلص منه إلا بواحدة من ثلاث:

    الأولى: أن تشتريه فتدفع ثمنه وينتهي الحق، كما لو كان عليك ألف ريال لفلان لأنك صدمت سيارته، فإما أن تبيع شيئاً أو تشتري منه هذا الخلل، فتقول بكم تقدر العطل؟ فيقول: بألف ريال، فتعطيه ألف ريال وتنتهي القضية.

    الثانية: أن تعجز عن الألف فتعمد إلى صديق يعينك على دفع الألف أو قريب أو أي إنسان آخر.

    الثالثة: ألا تجد من يعينك أو يعطيك، ولكن تعرف شخصاً ذا وجاهة يعرف هذا الرجل، فيذهب كشفيع يشفع عنده ليتنازل عن الحق، ولا يوجد حل ثالث.

    فهذه الثلاث كلها منتفية يوم القيامة، فأنت لا تستطيع أن تشتري ذنوبك بأي ثمن، ولا تستطيع أن تذهب إلى أحد ليحملها عنك، ولا يوجد شفيع ذو وجاهة غير الله يستطيع أن يلغي أو يذهب أو يزيل عنك ذنوبك، فهو الأمور كلها لله، فلا ينفع يومئذ إلا ما أذن الله جل وعلا به أن ينفع، ولذلك ذكر الله البيع، ويفسر بالشراء، وذكر الخلة، وهي الصداقة والمعرفة، وذكر الشفاعة، وهي الوجاهة، وكلها منتفية، إلا الشفاعة المثبتة شرعاً، وسيأتي بيانها.

    قال الله تعالى: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254] لأنهم عدلوا مع الله غيره، وهذا من أعظم الظلم.

    1.   

    تفسير آية الكرسي

    بيان فضلها

    ثم ذكر الله جل وعلا الآية الشهيرة المعروفة بآية الكرسي، وهي أعظم آية في كتاب الله، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه سأل أُبي بن كعب الصحابي المعروف فقال: (يا أُبي ! أي آية في القرآن أعظم؟) فقال أبي: الله لا إله إلا هو الحي القيوم، فضرب النبي عليه الصلاة والسلام على صدر أُبي قائلاً: (ليهنك العلم أبا المنذر) فيتحرر من الحديث أن آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -كما روى ابن حبان بسند صحيح-: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت) فهذا ما جاء في فضلها.

    بيان معنى (الحي القيوم)

    أما معناها فإننا نقول: لقد صدّرها الله بلفظ الجلالة (الله)، وهو علم على الرب سبحانه وتعالى، ولم يطلق على غيره، ثم نعت الله جل وعلا نفسه باسمين من أعظم أسمائه الحسنى في قوله جل وعلا: الْحَيُّ الْقَيُّومُ [البقرة:255] قال أهل العلم: كل أسماء الله الحسنى مردها إلى معنى هذين الاسمين العظيمين، ويقال في معنى الحي: إن حياة الله حياة تامة كاملة لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال.

    ومعنى الْقَيُّومُ أنه جل وعلا مستغن عن كل أحد، وكل أحد مفتقر إليه، فهو أنه جل وعلا مستغن عن كل أحد، قائم بنفسه وقائم بغيره، بمعنى أن كل مخلوق مفتقر إلى الله جل وعلا، فلا قوام لأحد إلا بالله، والله جل وعلا غني كل الغنى عن جميع خلقه.

    بيان معنى قوله تعالى (لا تأخذه سنة ولا نوم)

    ثم قال سبحانه: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [البقرة:255] فبما أنه جل وعلا قائم على كل أحد؛ فإن من كمال قيوميته على كل أحد أنه لا تأخذه سنة ولا يأخذه نوم، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -أو النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، فكل ما خطر ببالك فالله غير ذلك لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11] .

    بيان ملك الله تعالى العام

    قال تعالى: لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [البقرة:255] هذه اللام لام الملكية المطلقة، وهناك ملك حقيقي وملك صوري، فهذه اللام لام الملكية، أي أن جميع من في السماوات والأرض عبيد مقهورون للرب تبارك وتعالى.

    نفي الشفاعة بغير إذن الله، وبيان سعة علمه تعالى

    قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [البقرة:255] هذا استفهام إنكاري، أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه؟!

    قال الله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255].

    والعلوم أربعة: علم ماض، وعلم حاضر، وعلم مستقبل، وعلم لا يكن كيف يتصور كونه، فهذه العلوم الأربعة يعلمها الرب تبارك وتعالى، قال الله في هذه الآية: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [البقرة:255] وهذا يشمل كل علم، وأما العلم الرابع -وهو أنه يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون- فيدل عليه نحو قول الله جل وعلا: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا [التوبة:47]، فالله يتكلم عن المنافقين، فهؤلاء المنافقون لو خرجوا لم يزيدوا المسلمين إلا خبالاً مع أن المنافقين لم يخرجوا، ولكن الله أخبر بأنه لو كان منهم خروج لكان حالهم ذلك، وقال الله عن أهل النار عياذاً بالله: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، ومعلوم لكل مسلم أن أهل النار لن يخرجوا من النار ولن يعودوا إلى الدنيا، لكن الله يخبر بأنهم لو عادوا فعلى أي حال سيكونون، فهذا معنى قولنا: إن الله يعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.

    قال الله تعالى: يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ [البقرة:255]، فكل من لديه علم فالذي علمه هو الله، ولا يمكن لأحد أن يأتي بعلم لم يشأ الله له أن يعلمه، قال تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل:78] فأول طرائق طلب العلم أن تطلبه منه سبحانه وتعالى، ولا يأتي العلم بمداد ولا بصحيفة ولا بالتتلمذ، ولا يأتي بشيء أكثر مما يأتي بالاستعانة بالرب عز وجل، فمن أخلص لله النية واستعان بربه على الوجه الأتم عَلَّمه الله جل وعلا وساق إليه العلم ماء زلالاً، ومن ساءت نيته -والعياذ بالله- أو اعتمد على قلم ومحبرة وصحيفة ومداد وزيد وعمرو وشريط وشيخ اعتماداً كلياً وأغفل جانب الاعتماد على الله لم ينل من العلم إلا بقدر ما يريده الله جل وعلا، فمن قرت عينه بالله قرت به كل عين، ومن لم تقر عينه بالله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

    بيان المراد بالكرسي

    قال الله تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة:255] اختلف في معنى الكرسي، فقيل: إنه العرش، وهذا بعيد، وهو قول الحسن البصري ، وقيل: إنه موضع القدمين للرب عز وجل. وهذا فيه حديث صححه بعض العلماء، وقيل: إن الكرسي معناه العلم، فيصبح معنى الآية: وسع علمه السماوات والأرض. وهذا هو المشهور عن ابن عباس ، واختاره الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره.

    وبعض العلماء يقول: إن الكرسي شيء ولا تقتحم لجج معرفة الكرسي، فالشيخ الإمام الشنقيطي في أضواء البيان تجاوز الآية، والعلامة ابن سعدي لم يعرج عليها تعريجاً يبين معنى الكرسي، وابن جرير الطبري قول ابن عباس : إنه العلم، وبعض العلماء -كـابن كثير وغيره- مالوا إلى تصحيح الحديث، وقالوا: إن الكرسي موضع القدمين للرب عز وجل، وقال بعض العلماء- وهذا منسوب إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه-: أنه موضع أمام الرب سبحانه وتعالى، وقيل غير ذلك، وهذا مجمل ما تبناه أهل السنة سلك الله بنا وبكم سبيلهم.

    والذي نريد أن نفهمه هو أن الكرسي شيء عظيم، وعظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق، وهذا هو الأمر المهم، كما قيل:

    تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك

    عيون من لجين شاخصات على ورق هو الذهب السبيك

    على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

    بيان عظيم قدرة الله وعلوه وعظمته

    ثم قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ [البقرة:255] أي لا يعجزه ولا يثقله حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255]، والعلي العظيم اسمان من أسماء الله الحسنى، فالله جل وعلا علي في ذاته، وعلي في مكانه، وعلي بقهره لسائر خلقه:

    وله العلو من الوجوه جميعها ذاتاً وقهراً مع علو الشان

    قال تعالى: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [البقرة:255] .

    فهذه آية الكرسي على وجه الإجمال، وهي من أعظم آيات كتاب الله كما صح الخبر وبينا عن رسولنا صلى الله عليه وسلم، ولا أظن مسلماً لا يحفظها، فلتحفظ لأبنائنا، ولأمهاتنا الكبار اللاتي لا يقرأن ولا يكتبن، ولينبهن على أنها تقرأ بعد دبر كل صلاة، حتى ندخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت)، وجاء في الصحيح من حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره أنها حفظ وحرز من الشيطان يقرؤها المؤمن صباحاً ومساءاً، غدواً ورواحاً، فهي من أعظم آيات كتاب الله المبين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا إكراه في الدين ..)

    ثم قال سبحانه: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256] .

    إن العقائد والأمور القلبية لا تأتي بالقوة، فأنت إذا أردت تجبر إنساناً على أن يأكل فإنك تستطيع ذلك من خلال الضرب، ومن خلال العقاب، وإذا أردت أن تسقيه شيئاً لا يريد أن يشربه فبالعقاب تستطيع أن تجعله يشرب، ولكن الشيء القلبي لا يمكن أن يأتي بالإكراه؛ لأنك لا تدري أوقع في قلبه أم لم يقع في قلبه، كمعلم -مثلاً- يأتي بعصاً ويجبر طلابه على أن يحبوه، فلو قال أحد الطلاب: أنا أحبك فإنه لا يستطيع أن يثبت هذا؛ لأن هذا شيء قلبي، فلا يمكن الأكراه في المسائل القلبية، ولو تظاهر الإنسان أمامك بأنه يفعل ذلك، فالله يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256] فالعقائد لا تأتي بالإكراه.

    الإسلام دين الفطرة

    ومن معنى الآية كذلك أن دين الإسلام دين فطرة لا يحتاج إلى أن يكره الناس عليه، وما يحصل في بغداد أعظم شاهد، فقد كانت بغداد رهينة الحكم البعثي وعقائده الكافرة، ثم جاء الأمريكان -وهم أسوأ حالاً- بعقائدهم الضالة وتجبرهم على المسلمين، فلما لم يستطع أهل بغداد أن يتكلموا أيام حاكمهم الأول، وجاء هؤلاء المغفلون فأعطوهم الحرية خرجوا بعد صلاة الجمعة يطلبون الإسلام، وهذا لا شك فيه، فالفطر لا تريد إلا الإسلام، وكم من بلد عربي مقهور تحت سلطانه يمنع فيه الكثير من الطاعات لو قدر لشعوبه أن تتكلم لطالبت بالإسلام، فالإسلام دين الفطرة، ولذلك كان الأنبياء يقولون لكل متجبر: لا نريدك أن تسلم، ولكن خل بيننا وبين الناس، فنحن إذا دعونا الناس فإننا واثقون بأن الناس سيدخلون في الإسلام، فموسى عليه السلام يقول: أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ [الدخان:18] ولذلك لم يحارب النبي صلى الله عليه وسلم أبا جهل وأمثاله لأنهم كفار، ولكن حاربهم لأنهم كانوا يمنعونه من أن يبلغ رسالة ربه، فهؤلاء الطغاة المعاندون في كل زمان ومكان مهما فعلوا لو تركوا كونهم حائلاً بين الدعاة وبين الناس لآمن الناس، وقبلوا دين الله جل وعلا، ولكن الطغاة والكفرة والظلمة على اختلاف منازلهم في كل عصر يحولون بين العلماء والدعاة وبين عباد الله، فتصبح الدعوة مخنوقة فلا يهتدي الناس؛ لأنهم حائل بينهم وبين الدعوة، وبلادنا أمثل شاهد على النقيض، فحين لا يوجد منع للدعوة يأتي الناس طواعية، فلماذا لا يوجد ذلك في تونس أو في غيرها من الدول العربية؟ والجواب أنه لسنا أحسن منهم، ولكن حيل بينهم وبين دعوة ربهم جل وعلا، وإلا فلو ترك الناس على حالهم لما ابتغوا غير صراط الله، والله يقول: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ [البقرة:256] والرشد: هو الإيمان، والغي: هو الكفر والباطل.

    وقال بعض العلماء -كما نقل عن الشعبي -: إن تفسير الآية مخصوص بالنصارى واليهود أهل الكتاب، والمعنى أنهم لا يكرهون على الدين إذا دفعوا الجزية، ولكن الأول أظهر وأشمل، والله تعالى أعلم.

    بيان المراد بالطاغوت والعروة الوثقى

    ثم قال سبحانه: قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة:256].

    العروة الوثقى قيل: هي (لا إله إلا الله)، وقيل: الإسلام، ولا تعارض بينهما.

    والطاغوت: كل ضال يدعو إلى غير دين الله، وكل ما عبد برضاه من دون الله، والإيمان بالله واضح، فمن كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى المؤدية إلى جنات النعيم التي هي مطلب كل مؤمن.

    ثم قال الله بعد ذلك: لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة:256] وهناك (فصم) و(قصم)، وكلاهما يعني النزع، والفرق بينهما نمثله بشيء محسوس، فلو أخرجنا شيئاً من شيء آخر بالكلية فهذا يسمى قصماً؛ لأنه بان بالكلية، ولكن لو أخرجناه وبقي شيء يسير منه معلق بالأصل فإن هذا يسمى انفصاماً.

    فالله يقول: إن الذي يفعل هذا قد استمسك بالعروة دون انفصام، فإذا نفي الانفصام فمن باب أولى أن ينفى القصم بالكلية.

    قال تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:256] سميع للأقوال عليم بالأفعال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ...)

    ثم قال سبحانه: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257] .

    ففي اللغة إفراد وجمع، وغالب استعمال القرآن إذا وجد مفرد مقابل جمع أن يقابل بين فاضل ومفضول، أو بين حق وباطل، وتأمل القرآن، فالله يقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ [الأنعام:1] فجمع الظلمات وأفرد النور، وقال في النحل: أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ [النحل:48] فأفرد اليمين وجمع الشمائل؛ لأن اليمين أفضل من الشمائل، وهنا قال: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257] فجمع الظلمات وأفرد النور، وقال سبحانه: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام:153] فجمع السبل، وأفرد صراط الله، ذلك أن الحق واحد والكفر أجناس متعددة يجمعها الباطل.

    الصلة بالله طريق إلى الولاية

    فالله يقول في هذه الآية: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:257].

    فالله يجيب من سأله، ويعطي من طلبه، ويأوي من التجأ إليه، ومن حسن الظن بالله أن تعلم أن الله لا يضيع من لجأ إليه بالإكثار من صلاة الليل، والدعاء في ثلث الليل الآخر، والتضرع بين يدي رب العالمين، والتماس رحمة الله تبارك وتعالى، مع عدم اليأس والقنوط والإلحاح على الله جل وعلا، فذلك أعظم ما ينال به الإنسان خيري الدنيا والآخرة؛ فإن جعلت الله وليك بحق تولاك الله تبارك وتعالى، ومن تولاه الله لا يضيع، فعندما تردد مع أئمتك أو مع نفسك قول المؤمنين في دعائهم: (اللهم إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت)، عندما تردد ذلك ردده وأنت تفقه معناه ولا يعجبك آخر التاءات والسجع فتنشغل به، بل انشغل بالكلام.

    فحين تقول: (اللهم إنه لا يعز من عاديت)، تعلم أن من عادى الله لا يمكن أن تكتب له العزة مهما بلغ، ومن تولى الله جل وعلا فهو العزيز ولو أراد أن يذله الناس.

    فقل ذلك في وترك وفي سجودك وفي أدبار الصلوات وأنت موقن به، والتمس من الله الرحمة والغفران وأن يكون وليك؛ فإن كان الله وليك فاعلم أنه لا يقدر على غلبتك أحد، وليس غلبتك أن تظهر منتصراً على أقرانك، ولكن العبرة بالمآل، والعبرة بالعاقبة، والعبرة بالوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى، والعبرة ألا تعض يديك يوم القيامة، يقول الله: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ [الفرقان:27] فزوال الحسرة يوم القيامة أعظم المكاسب وأعظم المفاوز وأعظم الهبات وأعظم العطايا، وهذه لا يعطاها إلا من تولاه الله ممن يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة:257] فالإنسان منهم حيران قد يكون مشكلاً عليه الأمر، فإذا لجأ إلى الله أنار الله له الطريق وأظهر الله جل وعلا له السبيل، وأنت لا تعلم الغيب، فقد يختار الله لك شيئاً لا تريده، ولكنه يتبين لك مع مرور الأيام وتوالي الأعوام أن ما اختاره لله لك خير مما اخترته لنفسك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه ..)

    يقول الله جل وعلا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258].

    إبراهيم عليه الصلاة والسلام إمام الحنفاء وإليه تنسب الملة، قال الله جل وعلا مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ [الحج:78]، فإبراهيم عليه السلام كان ضيفاً، وكلمة حنيف في اللغة معناها: المايل، فكيف يوسم الدين بأنه مائل، وكيف يوسم رجل كإبراهيم بأنه يميل؟

    والجواب عن هذا: هو أن الرسل عليهم الصلاة والسلام بعثوا والناس قد جادوا عن الطريق ومالوا عن الحق، فلما جاء إبراهيم وكل رسول بعده جاءوا والناس في عوج فلو سار الرسول معهم سيصبح معوجاً، فلما اعوجّ عنهم أصبح مستقيماً؛ إذ الميل عن الميل استقامة، فبان من هذا أن مخالفة المعوجّين اعتدال واستقامة.

    ذكر خبر النمرود مع إبراهيم عليه السلام

    والرجل المذكور في الآية قال عنه العلماء: إن اسمه النمروذ بالذال، وقيل: النمرود -بالدال- بن كنعان ، ولا يهمنا اسمه.

    وقد نقل المؤرخون نقلاً عن مجاهد أن الذين حكموا الدنيا من المشرق إلى المغرب أربعة: اثنان مؤمنان واثنان كافران، فالمؤمنان سليمان بن داود عليه السلام، وذو القرنين ، والكافران بختنصر والنمرود بن كنعان .

    وكان من خبر النمرود أن الناس كانوا يأتونه أيام الجدب يأخذون منه الميرة، أي: المؤنة، فكلما أتاه شخص سأله: من ربك؟ فيقول ذلك الضال: أنت! فيعطيه المؤنة، فلما أتاه عليه إبراهيم قال النمرود لإبراهيم: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، وإبراهيم يقصد الذي أحيا الناس من موتهم ويفنيهم إذا شاء، فقال النمرود فراراً من الإجابة: أنا أحيي وأميت، وفي رواية أنه أتي باثنين كلاهما محكوم عليه بالإعدام، فقال لأحدهما: اذهبا، ثم قال: هذا أحييته؛ إذ هو محكوم عليه بالإعدام، وقتل الآخر، وقال: هذا أمته.

    وإبراهيم لم يقصد هذا، والنمرود يعرف أن إبراهيم ما قصد هذا، ولكن أراد أن يفر من الإجابة، فبقي إبراهيم على نفس المجادلة حتى يأتيه بما هو أعظم، وقلت من يتولى الله يتولاه، قال تعالى: قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] ولم يقل الله: فبهت الكافر، بل قال: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] ولو قال: (فبهت الكافر) لأصبح ذلك مجرد نعت عام للرجل الذي مر ذكره، ولكن لما قال: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] بيّن أن خذلانه في الإجابة كان بسبب كفره، ولذلك فإن المسلم يصلي الفجر في جماعة، ثم يخرج وهو مستعين بالله، ويردد (لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فقد جاء في الحديث أنه إذا قال الإنسان: لا إله إلا الله يقول الرب عز وجل صدق عبدي لا إله إلا أنا، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله يقول الرب عز وجل: صدق عبدي لا حول ولا قوة إلا بي. فإذا خرج الإنسان في حياته اليومية وهو يردد (لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) ويعقد عليها أصابعه فإنه قد يأتيه موقف مفاجئ لم يستعد له فيلهم إجابة لو جلس عشرين سنة يستعين بالناس لا يعطاها، ويأتي إنسان لا يصلي فجر ولا يعرف ربه إلا قليلاً ولا يذكره، فيأتي موقف يجيب عنه الطفل الصغير فيبهت ولا يستطيع الإجابة ويغلب لعدم الاستعانة بالله، فهذا الرجل ما بهت لأن إبراهيم كان أفصح، وإنما غلب إبراهيم لأنه موحد وهذا كافر، قال الله: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة:258] والدليل أن الله قال بعدها: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة:258] فمن ظلم وجعل لله نداً ولم يجعل لله تبارك وتعالى قدراً ولا معرفة ولا مكانة، فلا يمكن أن يوفقه الله جل وعلا، وإنما التوفيق والهداية مردهما إلى الإيمان والعمل الصالح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها)

    أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [البقرة:259] القرية: هي بيت المقدس، والذي هدمها وخربها بختنصر ، والذي مر عليها اختلف فيه، قيل: إنه عزير ، وهو بعيد، وقيل غيره، والشاهد أن رجلاً مر على تلك القرية وقد خربت، فلما رآها قد خربت وسقطت سقوفها قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:259] ، وقد فهم البعض أن مقصود هذا الرجل أن الله يعيد هذه البلاد مرة أخرى، وهذا بعيد؛ إذ كم ديار -على ما ترى وأنت سفرك- تمر عليها خربة ثم تعود ثانية، وكم من ديار مبنية عظيمة تعود خربة كما هو حاصل في بغداد، فهو لم يقصد بنيان القرية، وإنما قصد أهل القرية كيف يحيون بعد أن يموتوا؟ فقال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة:259] فالله جل وعلا رحمة به ورحمة بالناس بعده جعله هو آية فَأَمَاتَهُ اللَّهُ [البقرة:259] أي: بعث إليه ملك الموت فقبض روحه، فمكث مائة عام ميتاً، ثم عاد إليه ملك الموت فأحياه، فلما أحياه سأله ملك الموت كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا [البقرة:259] فلما رأى الشمس لم تغب قال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [البقرة:259]، فأخبره الملك قائلاً: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة:259] أي: لم يتغير، وقد قلنا: إن الله قد يعطِّل السبب؛ فمرور الأيام سبب في تغيير الطعام بالعقل، ولكن الله أبقاه وعطل الله السبب.

    قال تعالى: وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ [البقرة:259] فقد كان ميتاً فأحياه الله وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً [البقرة:259] وقرئت (ننشرها) ولا خلاف في المعنى؛ لأن النشر هو الإحياء والإنشاز هو الرفع، والمشهور هو القراءة التي بين أيدينا (ننشزها).

    بيان قدرة الله تعالى على كل شيء

    قال تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أي: قال الكلمة التي يقولها كل مؤمن أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:259] ولو أن الناس وثقوا بهذه الآية جل وعلا من عجائب قدرته، فقد قيل: إن المنصور بن أبي عامر أحد ملوك الطوائف في الأندلس كان حمَّاراً يسوق الحمير، ومعه اثنان على نفس مهنته، فقال لهما ذات يوم: ما تطلبان مني لو أصبحت أميراً للمؤمنين؟ يعني: في تلك المنطقة، فأخذا يسخروا منه، فقال: تمنيا.

    فقال أحدهم وكان عاقلاً: أنا أريد قصوراً وجواري.

    وقال الثاني: تحملني على حمار وتجعل وجهي إلى عجز الحمار ويطاف بي على القرية ويقال: إني مجنون.

    فترك هذه الصنعة وصار جندياً، ثم ما زال يرتقي حتى أصبح حاجب الخليفة، أي: الذي يجلس على الباب، مثل قائد الحرس الملكي في عصرنا، وكان لهذا المكان منزلة عند الناس، ثم إن الخليفة مات وترك ابناً صغيراً لا يصلح أن يكون ملكاً، فأعطي ولاية العهد، فصنع له مجلس وصاية من مجموعة منهم الوزير، والأمير، وفلان، والحاجب المنصور بن أبي عامر ، ومع الأيام استطاع بقدرته وبشطارته بإرادة الله أن يتغلب على الجميع، وأصبح هو الأمير، فقال ائتوني برفيقي فوجدوهم في نفس المكان، فقال للأول: ماذا طلبت؟ قال: طلبت قصوراً وجواري، فقال: أعطوه قصوراً وجواري، وقال الثاني: أنا نسيت، أعفني يا أمير المؤمنين، فألح عليه، فلما ألح عليه أخبره فأمر بأن يوضع على حمار ويطاف به في البلدة، فشفع الناس فقالوا: لقد حقق الله لك أمنيتك، فماذا تستفيد من حمله على حمار بتلك الريقة؟! قال: أفعل ذلك لشيء واحد: ليعلم أن الله على كل شيء قدير.

    فاعلم -يا أخي- أن الله على كل شيء قدير، فهؤلاء الأمريكيون في أرض بغداد أو في غيرها ظاهرهم الطغيان، فما جاءوا إلا ليفسدوا في الأرض، ولا يمكن أن يبيت بوش وأقرانه خيراً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا الذي يريدونه هم، والذي يريده الله بهذه الأمة من خير عظيم لا يمكن أن يرده بوش ولا غيره، قال الله عز وجل: أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ [الطور:42] فنصر الله قادم شاءوا أم أبوا، رضوا أم غضبوا، ولا نعلم كيف سيكون، لكن الذي نعلمه يقيناً أنه سيكون، وأرجو الله أن يكون قريباً، وثقوا بأنه كم من محنة في طيها منحة، وعطية من الله، وكلما ضاقت الأمر دل ذلك على أول الفرج، قال الشاعر:

    وراء مضيق الخوف متسع الأمن وأول مفروح به غاية الحزن

    فلا تيأسن فالله ملك يوسف خزائنه بعد الخلاص من السجن

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم، وصلى الله على محمد وعلى آله.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3003524075

    عدد مرات الحفظ

    718698375