إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة طه [4]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حينما بعث الله تعالى موسى عليه السلام إلى فرعون وقومه استكبر وكذب وأبى، فحاجّه موسى عليه السلام فلم ينفع ذلك، ثم زعم فرعون أن موسى عليه السلام إنما جاء ليخرجه وقومه من أرض مصر، وزعم أن موسى ساحر، فأراد أن يواجهه علانية أمام الناس ليظهر الصادق من الكاذب، فتواعدا إلى يوم الزينة وهو يوم عيدهم، فاجتمعوا فيه، وجاء موسى وجاء السحرة، فألقوا ما بأيديهم، وألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، وحينها آمن السحرة، وظهر الحق واندحر الباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها...)

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى.

    وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    قال الله جل وعلا: وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى [طه:56]، المخاطب هنا هو فرعون بالاتفاق، وقد مضى معنا ما أظهره موسى لفرعون من الآيات، وينبغي أن تعلم قبل أن نقص عليك ما في هذه الآيات من عبر وعظات، ودلائل وآيات، أن هذه الأمور لم تتم في برهان، وأنه ليس بمجرد أن دخل موسى على فرعون تمت القضية كلها، ولكنها مرت عبر سنين، فموسى عليه الصلاة والسلام استوطن أرض مصر فترة طويلة قبل أن يخرج منها، وما ذكره الله جل وعلا من خبر قارون وهلاكه: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ [القصص:81]، إنما كان قبل خروج موسى من أرض فرعون, ووجدت له صراعات، منها: أن الله جل وعلا أمره أن يتخذ بيوتهم قبلة، وأن الله جل وعلا أمره بأمور كثر، ومرت الآيات كالطوفان والجراد والقمل والضفادع.. وهذا كله حصل على مراحل زمنية طويلة، وأن الله جل وعلا أرحم من أن يعذب من غير أن يعطي فترة زمنية لمن أراد أن يعذبهم، وإنما لا يهلك على الله إلا هالك، والشقي من لم تتداركه رحمة الله تبارك وتعالى، وفرعون إنما أهلكه شقاؤه وعناده ومكابرته سنين طويلة.

    فهنا يقول الله جل وعلا: وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى [طه:56]، (آياتنا) جاءت بالكسر؛ لأنها جمع مؤنث سالم، وجمع المؤنث السالم ينصب بالكسرة نيابة عن الفتحة، وقد أكد بتوكيد معنوي هو كلمة (كل)، ولهذا كلمة (كل) جاءت منصوبة؛ لأنها أكدت اللفظ، واللفظ منصوب.

    والمقصود بكلمة (كل) هنا كل الآيات التي كتب الله أن يعطيها موسى حجة على فرعون، وكلمة (كل) لا تفيد عدداً، لكن العدد جاء مبيناً في سورة أخرى، قال الله تعالى: فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ [النمل:12]، وهذه التسع الآيات قد مرت معنا كثيراً، وهي: اليد والعصا، هذه اثنتان، وقال الله: وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ [الأعراف:130]، وهذه اثنتان، مع الأوليين أصبحت أربعاً، وقال جل وعلا: فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ [الأعراف:133]، وهذه خمس مع الأربع الأول تصبح تسعاً، وهي المقصودة بقول الله جل وعلا: وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا [طه:56].

    ومع تلك الآيات المتتابعة المفصلة قال الله: فَكَذَّبَ وَأَبَى ، وقد ذكرنا عند تفسير قول الله جل وعلا: إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:48]، أن أعظم فائدة أنه لا يخلد في النار إلا من كذب وتولى.

    فقول الله هنا: فَكَذَّبَ وَأَبَى ، هي عين قول الله: عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى [طه:48]، وهي عين قول الله: لا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:15-16]، فالتولي والإباء والإعراض بمعنى واحد، وكل من يريد أن يتخذ منهجاً في معرفة عقائد الناس يجب عليه أن يستصحب هذا الأصل قبل أن يجازف في تكفير الناس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا... وأن يحشر الناس ضحى)

    قال الله تعالى عن فرعون وهو يخاطب موسى: قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى [طه:57]، فسمى تلك الآيات سحراً، وخص منها بالذات اليد والعصا، والعصا على وجه الخصوص؛ لأنها انقلبت على هيئة حية وثعبان.

    وهذا القول أراد به فرعون إثارة عامة والغوغاء، أن المقصود الأسمى من رسالة موسى وهارون -في زعمه- ليس هو توحيد الله، وإنما إخراج أهل مصر من مصر، وقد كانت القوى السياسية العامة في أرض مصر جعلها فرعون مقسمة ثلاثة أقسام:

    القوة الإدارية السياسية جعلها فرعون بيد هامان: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر:36]، وكان وزيراً لفرعون، والقوة المالية الاقتصادية كانت بيد قارون، والقوة الإعلامية كانت بيد السحرة.

    فقال فرعون هنا: أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ [طه:57-58]، حتى يؤكد أن ما جاء به موسى سحر، والسحر له حقيقة بلا شك، وإن كان يخفى على أكثر الخلق، لكن له حقيقة كما هو مذهب أهل السنة، والله جل وعلا ذكره في مواطن متعددة في كتابه، ونص على أن تعلمه كفر، قال الله جل وعلا: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [البقرة:102]، وليس هذا مقام البسط فيه؛ لأننا نبقى أوفياء للآيات، لا نخرج عنها بأكثر مما هو لازم، فنقول: قال فرعون لموسى: فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى [طه:58].

    هل هو موعد زماني أو موعد مكاني؟ ظاهر كلام فرعون أنه موعد كلامي، لكن جواب موسى جعله زمانياً، وكأنه يضمن أن ينتصر، قال بعض العلماء في تفسير: مَكَانًا سُوًى ، أي: مكاناً وسطاً، ليس ببعيد عني ولا ببعيد عنك، وأظنه بعيداً، وإنما المعنى: أي: مكان ظاهر لا خفية فيه، فحوله موسى موعداً زمانياً: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه:59].

    فأثبت موسى من قبل أن يبدأ العراك معهم ثقته بنصر الله، فقال: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى ، وأعظم ما يمكن أن يستنبط في هذا المقام: أن دعوة الأنبياء دعوة واضحة لا تحاك في الخفايا، فليست الدعوة أحزاباً سياسية، ولا جماعات غير مرضية، ولا غير ذلك، وليس في دين الله رءوس وغير ذلك، وبروتوكولات خفية، وبروتوكولات يعلمها العامة وغير ذلك، إنما دين الله جلي واضح تعبد الله به الجميع، ولهذا لم يكن عند موسى عليه السلام شيء يخفيه في الدعوة إلى ربه، ولذلك قال: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى .

    ويوم الزينة في ذلك الوقت وفي ذلك الزمان كان يوم عيد لهم لا عمل شاق لهم فيه، فهم في فسحة من أعمالهم، وعندما يكون الناس في فسحة من أعمالهم يكونون أقدر على أن يصلوا إلى المطلوب، وأن يأتوا إلى هذا الأمر الذي سيشهدون فيه الصراع، وبعض أهل العلم يقولون: إن الأعياد المنصوص عليها شرعاً: يوم الزينة كان لفرعون وآله، والعيد الذي ذكره الله جل وعلا عن قوم إبراهيم لما رفض إبراهيم أن يذهب معهم، وعيد الفطر والأضحى التي جاءت في السنة، التي جاءت بدلاً من يوم بعاث الذي كان عيداً للأنصار أوساً وخزرجاً في الجاهلية.

    ومعلوم أنه كلما كثر حشر الناس، وكان الحضور في رابعة النهار ضحى، والكل سيشاهد ويرى، كان ذلك أدمغ لحجة فرعون، وأظهر وأبين لحجة موسى، وأنكأ لأعداء الله وخصومه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتولى فرعون فجمع كيده ... وقد خاب من افترى)

    قال الله تعالى: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى [طه:60].

    ولا ريب أن ما بين هذا اليوم الذي تواعدا فيه وما بين اليوم الموعد نفسه فترة زمنية، وهذه الفترة الزمنية تسمح للناس بأن يخوضوا، وللخبر أن ينتشر، ويصبح لا هم للناس وليس هناك خبر يسري مثل هذا الخبر، فيصبح الجميع مهيأ لأن يصل، ويريد أن يعرف أين الحق، لكن الناس حتى في معرفتهم للحق يتفاوتون، قال الله جل وعلا: فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ، كيف جمع كيده؟ بينه الله في آيات أخرى بقوله: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:53]، وبعث بعد ذلك أن يأتي السحرة من كل مكان، وهذه الفترة الزمنية علا فيها قدر السحرة؛ لأنه غلب على ظنهم أن أمر فرعون أصبح بيدهم، فالآن القوة السياسية التي كانت بيد هامان تنحت قليلاً، والقوة المالية التي كانت بيد قارون تنحت قليلاً، وجاء دور قوة الإعلام الذي كان متمثلاً في السحرة.

    فأراد السحرة لأنفسهم منازل، أرادوا أن يشترطوا على فرعون شروطاً تجعلهم أرفع منزلة بعد الغلبة، قال الله في آية أخرى: أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:41-42]، فأعطاهم فرعون وعوده، وأغراهم بالمال وعلو المنازل، فجاء السحرة وهم مدفوعون دفعاً دنيوياً عظيماً، وجاء الناس، لكن الناس كان الدافع لهم أن يروا انتصار السحرة، قال الله جل وعلا عن الناس: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40].

    ولم يأتوا ليعرفوا أين موطن الحق، وأين مكمنه، وإنما جاءوا لينظروا كيف سوف تغلب السحرة موسى عليه السلام وأخاه.

    ولكن مع ذلك أنبياء الله يبقون رفيقين بالخلق، قال الله جل وعلا: قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى [طه:61]، (لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أي: بصنيعكم، وبردكم للرسالة: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ [طه:61]، فخوفاً من نزول العذاب عليهم حذرهم؛ لأنه لا مصلحة للنبي في هلاك قومه، والأنبياء أرحم الخلق بالخلق، وأنصح العباد للعباد، لكن إذا أبى واستكبر ذلك المدعو، وأعرض عن الله، وجعل كلام الله وراءه ظهرياً، وحقت عليه كلمة العذاب؛ فإن كلمة العذاب لا تحق إلا على هالك، فإذا هلك من هلك بعذاب الله فلا ينبغي لمؤمن أن يأسف عليه ولا أن يحزن؛ لأنك لست أرحم بالخلق من ربهم، قال الله عن أنبيائه أنهم يقولون عن أممهم بعد الهلاك: فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ [الأعراف:93]، فلا يصيبهم أسى على قومهم بعد هلاكهم، ولكن الرحمة تبقى ما زال هناك أمل في أن يهتدوا.

    وقوله: فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ، ولا افتراء أعظم من الافتراء على الله جل وعلا، وأعظمه قول فرعون: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وتصديق هؤلاء الناس لفرعون، واتخاذهم إياه إلهاً من دون الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتنازعوا أمرهم بينهم... وقد أفلح اليوم من استعلى)

    قال الله تعالى: فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى [طه:62]، أي: عقدوا مجلساً خاصاً بهم، يتشاورون في أمر موسى وأخيه، في هذه الداهمة التي طغت عليهم: قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى [طه:63].

    لا يؤثر في الناس شيء أكثر من خوفهم على مراكزهم أن تتبدل، وهذا معنى: وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ، وقد انتهز فرعون هذه المسألة، فأخبرهم أنه ما جاء موسى وهارون إلا ليغيروا الوضع الاجتماعي القائم، وهذا حصل حتى في عهد النبوة، فإن أبا جهل وأبا سفيان كانوا يقولون للناس: إن محمداً يريد من الفئة المستعبدة كـبلال وعمار أن تسود، وأن ترقى، وأن يتغير الوضع الاجتماعي، حتى يصد الناس عن دين الله، ولا أحد منتفع من وضع يريد بذلك الوضع أن يتغير إلا أن يكون رجلاً ربانياً لله، وإلا فإن الأصل أن كل صاحب وضع اجتماعي لا يريد ذلك الوضع الاجتماعي أن يتغير، وكل مضطهد في وضع اجتماعي يتمنى من ذلك الوضع أن يتغير حتى يعلو مكانه، ولذلك فإن الخارجين على أي دولة -من حيث الأنظمة السياسية المحضة- في أي عصر ومكان إنما يأتون للمغلوبين على أمرهم حتى يغيروا مكانتهم.

    وكمثال: فإن الدولة الأموية في عصرها اضطهد آل البيت واضطهد الموالي الذين دخلوا في دين الله من غير العرب، فلما قامت دولة بني العباس قامت على هذا الخطأ الذي وقع فيه بنو أمية، فأكثر نصراء العباسيين كانوا من الموالي، فقامت دولة بني العباس على أكتاف الموالي، وصاحب الفضل الكبير في قيام دولة بني العباس هو أبو مسلم الخراساني ، ولم يكن عربياً، وإنما كان ممن استضعفهم بنو أمية واستعبدوهم، ولم يكن لغير العرب سلطان ولا شوكة في عهد دولتهم، حتى مسلمة بن عبد الملك ، وهو أحد أبناء عبد الملك ، وقد كان قرة عين أبناء عبد الملك ، لكنه لم يعط الخلافة؛ لأن أمه لم تكن عربية، فكان الموالي مضطهدين في عهد بني أمية، فأرادوا للمجتمع أن يتغير فتغير، وجاء بنو العباس، فلما جاء بنو العباس وأصبح بيدهم آل البيت والموالي، ولا بد أن يختاروا أحدهما، ففرطوا في العلويين وأبقوا بني العباس، وبقي العلويون مضطهدين حتى في دولة بني العباس، وبقي الطرف الآخر وهم الموالي، والموالي كثر، فالأعراق التي جاء منها الموالي لا تتعدد، ولا بد من اختيار فئة واحدة، فاختار العباسيون في أول دولتهم الفرس، فقدم الفرس، ورفع شأنهم، حتى وصل البرامكة إلى ما وصلوا إليه، ثم لما جاء المعتصم -وكانت أمه تركية- قلب الموازين، وأبقى على الموالي الأتراك؛ لأنهم أخواله، وأضاع الفرس، فساد الأتراك، ثم كلما جاء خليفة قرب مواليه، ولئن أخطأ الأمويون في إبعادهم للموالي باضطهادهم؛ فإن خطأ بني العباس أكبر في أنهم اصطفوا الموالي حتى أصبح هؤلاء يغيرون من شاءوا، ويضعون من شاءوا من الخلفاء.

    والمقصود من هذا الاستطراد: أن القرآن يقرأ ليفهم أوضاع الناس من خلاله، فكان فرعون يتخذ هذه المسألة أمام الناس: قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ، وهذه الآية قد أشكلت على العلماء نحوياً، وضربوا فيها مضارب شتى، ولن أقول فيها شيئاً جديداً، لكن الاتفاق على أن (إن) تنصب، وأن اسم الإشارة الأصل أنه مبني، وأنه إذا ثني يأتي منصوباً بالياء، فيخرج من كونه مبنياً إلى كونه معرباً، فأشكل على العلماء أن (هذان) جاءت بالألف، فبعض العلماء قال: (إنْ) هنا مخففة لا تعمل، وما دامت لا تعمل فأصبحت (هذان) مبتدأ، و(لساحران) خبر، وقال آخرون -وهذا قول لبعض الكوفيين-: (إن) نافية، واللام في (لساحران) ليست اللام المزحلقة، وإنما أداة استثناء، والمعنى عندهم: ما هذان إلا ساحران.

    وقال آخرون غير ذلك، وتكلم فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه، مع أنه غير نحوي، لكن له فيها كلام نحوي جيد، ومال رحمه الله تعالى إلى أن (إنْ) هنا بمعنى: نعم، الحق أن اللغة تؤيده، وبتعبير أصح: الاستعمال العربي يؤيده، فقد قال عبد الله بن قيس الرقيات -والرقيات ليس نسبه، لكنه تغزل بأكثر من امرأة اسمها رقية، فعرف بـعبد الله بن قيس الرقيات ، وهو ممن يستشهد بشعره من حيث اللغة- قال في بيت شعر له:

    بكرت علي عواذلي يلحينني وألومهنه

    ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنَّه

    وقوله: (إنه) هنا بمعنى: نعم، ولذلك قالوا: (إن) في الآية بمعنى: نعم، فيصبح لا خلاف في الآية نحوياً، ومعناها: نعم هذان لساحران.

    لكن رد علي هذا بأن نعم حرف جواب، وليس هناك سؤال هنا، ورد الآخرون بأكثر من ذلك، والمقصود أن نعرف التصور النحوي العام في قضية إعراب هذه اللفظة.

    قال تعالى عنهم: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ [طه:64]، أي: حتى يكون ذلك أقوى على قهر عدوكم: ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى [طه:64]، وبالطبع ثمة مطامع بين أعينهم، مطامع تنقسم إلى قسمين: الإبقاء على الوضع الاجتماعي القائم، وأمل الزيادة فيه، لأن فرعون قال: وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [الشعراء:42]، فأعطاهم وعوداً، وإن كنا نجزم أنه لو تحقق لهم ما أرادوا فإن فرعون لن يقبل، لكن على العموم هذا وعد لهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا يا موسى إما أن تلقي... أنها تسعى)

    قال الله جل وعلا: قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى [طه:65]، من القائل؟ إنهم السحرة، فقد جاء يوم الزينة، وحضر الناس من كل مكان، لا بغية للناس إلا أن يروا الانتصار، وفرعون على الأظهر في مكانه مبجلاً، وموسى وأخوه معهما رب العالمين، وقد قال لهما جل وعلا من قبل: إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46]، وموسى هو موسى الذي ربي من قبل في جبل الطور، بماذا ربي؟ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ [طه:17-18]، والآن هو نفسه واقف وفي يمينه العصا التي أخبره الله جل وعلا أنها آية، والله جل وعلا أخبره ولا راد لحكمه، ولا معقب على مشيئته، فوقف موسى كما وقف قبل بين يدي ربه، والعصا في يمينه، وأقبل هؤلاء قد أجمعوا أمرهم صفاً، وقد أفلح اليوم من استعلى.

    هنا ننيخ المطايا، فلا أحد أكرم من الله، وتعلّم مما يأتي كيف تتعامل مع الله، فإن الله جل وعلا أرحم الراحمين، ومعنى (أرحم الراحمين) هنا: أنه لا يضيع عند الله من المعروف ولو مثقال ذرة، وإذا أراد الله جل وعلا شيئاً هيأ أسبابه، وهذا -والله- ليس من فرائد العلم باعتبار أنه غريب ستجده، لكنه من فرائد العلم إذا طبقته.

    فهؤلاء السحرة -رغم المغريات التي بين أيديهم- استحيوا من موسى قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى [طه:65]، وهذه العبارة في التلطف مع موسى وعدم جبره على الإلقاء أولاً، أو عدم جبره على الإلقاء آخراً، وقد جعلها الله جل وعلا سبباً في هداية القوم بهذه النية الطيبة التي خرجت على شكل ألفاظ قد لا يشعر بها أحد، لكن هذا ما أراده الله تمهيداً لعطاء رباني لهم بعد ذلك كما سيأتي.

    وفي آية أخرى قال تعالى: وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ [الأعراف:115]، قال تعالى: قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى [طه:66]، لماذا قال: بل ألقوا؟ أنت عندما تذهب إلى السوق لن تستطيع أن تحكم على أحسن وأجود ما تريد شراءه إلا إذا مررت على السوق كله، فإذا مررت على السوق كله واخترت العينة التي تريدها وجاء أخوك يلومك تقول: إن هذا هو أفضل ما هو موجود، وإذا أراد الله بعبد خيراً أخر ظهوره بين أقرانه حتى ييأس الناس من كل أحد، ويخرج أقرانه كل ما لديهم، فإذا أراد الله بعبد من دونهم فضلاً زائداً عليهم نثر كل منهم ما في كنانته، وأظهر ما عنده، ولم يبق شيء لم يقدمه، ثم أخرج الله جل وعلا وليه الذي يريد أن يقدمه على غيره، فهذا حصل عيناً في قضية موسى، فقد قال لهم موسى: بل ألقوا، فما من حبل ولا عصا إلا وألقوها، وليس الأمر بالهين، قال الله تعالى: فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ ، أي: إلى موسى: مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى .

    وقول الله جل وعلا: يُخَيَّلُ يدل صراحة على أنها لم تكن تسعى، وهذا سحر تخييل، وهو أحد أنواع السحر المذكورة في القرآن، وقد ذكر الله في القرآن سحر التخييل، وصورته: أنك ترى الشيء على غير حقيقته بما يريده الساحر أن تراه، وإلا فالأصل أن حقيقة الأمر الذي ترى أنت غير موجودة، فهي حبال وعصي، لكن موسى يخيل إليه أنها تسعى، وبالقطع ما دامت تخيل إلى موسى وأخيه فكيف بالعامة والدهماء الذين يحيطون بحلبة الصراع، سوف سيرون أموراً عجيبة، وقد ذهب بعض المشايخ من الجامعة الإسلامية إلى أحد البلدان الأفريقية، فوجدوا رجلاً معه جمل، والناس يلتفون حوله، فكان هذا الرجل يدخل من دبر الجمل ويخرج من فمه، والناس ينظرون مفتونون، فأحد هؤلاء المشايخ مع زملائه رجع قليلاً عن نفس المكان، ثم قرأ آية الكرسي وهو يتممها وقف لينظر، فوجد الرجل يدخل بسرعة من تحت أرجل الجمل، مع أنه قبل قليل رآه يدخل من الدبر ويخرج من الفم، فأخبر من معه من زملائه الذين ذهبوا للدعوة الخبر، فذهبوا وقرءوا آية الكرسي ورجعوا فرأوا هذا المسكين يمشي بين يدي الجمل ورجليه، ولا يدخل فيه أصلاً؛ لأنه عقلاً مستحيل أن يكون دخل في الجمل، لكنه سحر أعين الناس، وهذا سحر التخييل حجب عن هؤلاء الفضلاء بالآية العظيمة آية الكرسي، وقد ورد في فضلها ما لا يخفى على الكثير، والمقصود أن هذا سحر التخييل.

    والسحر الآخر قال الله عنه في سورة البقرة: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا [البقرة:102]، أي: من الملكين مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة:102]، فذكر الله جل وعلا سحر التفريق بين المرء وزوجه، وأن هذا يقع، لكن الله ذكر أنه مقيد بإذن الله تبارك وتعالى، ولا يمكن أن يقع شيء لا قدرياً ولا شرعياً إلا بإذن الرب تبارك وتعالى: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]، وكل السحر ضرر، والله يقول: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ [البقرة:102].

    خلاصة الأمر: أني أجمع شتات معاني الآيات في أن السحر في القرآن جاء على صورتين: سحر تخييل، وسحر تفريق، ولا أذكر هناك نوعاً ثالثاً موجوداً هنا، وقد ذكر بعض الفضلاء أنواعاً أخر، لكن لا أعلم لها دليلاً من كتاب الله.

    الذي يعنينا أن الله جل وعلا يقول: فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ [طه:66]، أي: يخيل إلى موسى أَنَّهَا تَسْعَى ، أي: تتحرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى... ولا يفلح الساحر حيث أتى)

    قال الله تعالى: فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى [طه:67]، دخل الخوف إليه، رغم أنه يعلم أنه سحر، وهذا باعتبار بشريته، لكن هذا ليس مستقراً في قلبه، وإنما هو أمر عارض، وعليه تحمل كثير من الآيات المشابهة، فليس الخوف مستقراً في قلبه عليه السلام، وإنما هو باعتبار الجبلة وأمر عارض، والخوف الحاصل في هذا المجمع لا يمكن أن ينزع إلا بوحي عظيم من رب كريم، فأوحى الله جل وعلا إليه: قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى [طه:68]، فأنت أعلى منهم؛ لأن ما قدموه تلفيق وتمويه، وما ستقدمه تأييد من العلي الكبير، وشتان ما بين الأمرين، فهذا تلفيق تمويه، يخدعون به الناس، أما أنت فما ستفعله هو أمر إلهي ومعجزة إلهيه من لدن ربك.

    قال تعالى: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69].

    قال العلماء: ذكر الله اليمين هنا من باب البركة، واليمين معلوم فضلها بالشرع، ومن دلائل فضلها أن من طرائق القرآن أن الله إذا أفرد وجعل مقابل الإفراد جمعاً دل ذلك على فضيلة المفرد، قال الله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ [النحل:48]، وقال تعالى: وَجَعَل الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1]، فأفرد النور وجمع الظلمات، وأفرد اليمين وجمع الشمائل ليبين فضل النور وفضل اليمين مقابل الظلمات ومقابل الشمائل.

    قال الله تعالى: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ ، هذا تذكير بالشيء القديم يوم أن كان بين يدي الله، فألقى الكليم ما أمره به البر الرحيم فألقى عصاه، قال الله: وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه:69].

    قول الله جل وعلا: حَيْثُ أَتَى ، نفي قاطع كلي لا استثناء فيه أن الساحر لا يمكن أن يفلح أبداً، وأكبر الدلالة على أن السحرة لا يفلحون أنهم أفقر الخلق، ولا يستطيعون أن يحموا أنفسهم من دورية، أو رجال هيئة، وهم بشر مثلهم، لا يملكون من الأعوان أحداً مثلهم مما يدل على ضعفهم وعجزهم، وحتى لو تظاهروا مرة أو مرتين أو ثلاثاً لا يلبثون أن يقعوا.

    وما هو الذي حصل مع سحرة فرعون؟ قال الله في آية أخرى: فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ [الأعراف:117]، انقلبت هذه العصا إلى حية حقيقية، وليست شيئاً في أعين الناس مخيلة، بل انقلبت إلى حية حقيقية، وهذه الحية الحقيقية لديها القدرة على أن تأكل الحبال والعصي، وهي تراها على أنها حبال وعصي، لا تراها على أنها حيات، فأخذت تأكلها، ولا يعرف الشيء مثل صانعه، وهؤلاء السحرة ينظرون إليها على أنها حية، ويرون حبالهم وعصيهم على أنها حبال وعصي؛ لأنهم لا يسحرون أنفسهم، لكن تبين لهم قطعاً أن ما جاء به موسى ليس بسحر، وأنه مؤيد بربه، والآن ما الذي نفعهم بعد الله؟ تلك الكلمة الطيبة يوم أن أنصفوا موسى بقولهم: إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى [طه:65].

    وفرعون يسمع، لكن لشيء أراده الله، حتى يتم الله عليهم النعمة، وإذا أراد الله جل وعلا شيئاً هيأ أسبابه، فمثلاً: انظر إلى هاجر أين كانت؟ كانت خادمة عند ملك كافر، وسارة كانت من أجمل نساء العالمين، وهي أقرب الناس شبهاً بأمنا حواء، فجاء الفاجر ليفعل بها، ونحي إبراهيم، فجلس إبراهيم يدعو، وجلست سارة تدعو، وقد جاء في الحديث الصحيح أنها كانت تقول: (اللهم إن كنت قد آمنت بك، وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فاحفظني)، فحفظها الله، فلما حفظها الله شل ذلك الفاجر وأعيق، فقال لها: ادعي لي ولا أضرك، فدعت له، فلما عاد واطمأن عاد مرة أخرى فرجعت إلى دعائها، فرده الله عنها، فدعت مرة أخرى، فقال لمن أتى بها: إنك لم تدخلني على امرأة، إنما أدخلتني على شيطان، ثم فتن بجمالها، وقال في نفسه أن هذا الجمال محال أن يخدم نفسه بنفسه، فقال: أعطوها هاجر ، وهاجر جارية عنده وهو كافر ظالم، فأعطيت هدية لـسارة ، فخرجت هدية جارية لـسارة تخدمها، ويشاء الله أن سارة يتأخر حملها، فهي قد حملت وولدت إسحاق، لكن تأخر حملها، حتى يصبح في قلب سارة حزن على زوجها إبراهيم أن ليس له ولد، فتطلب منه أن يدخل على جاريتها هاجر بعد أن وهبته إياها، فيدخل إبراهيم على هاجر فيولد من هذه الجارية التي هي بالأمس خادمة عند ملك كافر يخرج من هذا الرحم أب لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله، وهو إسماعيل جد العرب وجد نبينا صلى الله عليه وسلم.

    فانظر إذا أراد الله بعبد فضلاً كيف تجري الأقدار، ولو كان قدر الله أن سارة حملت بإسحاق لما طلبت سارة من إبراهيم أن يدخل على هاجر ، لكن أخر حمل سارة من إبراهيم حتى يدخل إبراهيم على هاجر فيكون من هاجر إسماعيل، ويكون من إسماعيل محمد صلى الله عليه وسلم.

    والمقصود أن هؤلاء رزقوا خطاباً حسناً، وحتى الخطاب الحسن هذا فضل من الله، لكن حتى تعلم أن الأمور لها أسباب تجري على نسق، والله يقول في هذا حقاً وفي أمثاله: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]، وهذه نفائس العلم التي تبنى عليها أحداث الزمن، ومرور الأيام، وكيفية أخذ العبر، والدراية بأحوال الخلق، وأن هناك رباً لا رب غيره ولا إله سواه، يحكم في خلقه ما يشاء، ويفعل ما يريد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فألقي السحرة سجداً....)

    بعد هذا كله ماذا حصل؟ قال الله تعالى: فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]، معلوم أن السحرة ما كانوا واحداً أو اثنين بل كانوا كثيرين، فمنهم من قال: آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:121]، ومنهم من قال: (آمنا برب موسى وهارون)، ومنهم من قال: آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى [طه:70]؛ لأنهم لم يعتقدوا أبداً أنهم سيؤمنون حتى نقول: لقد اتفقوا على كلمة واحدة، فاختلف التعبير، وبكل تعبير ورد القرآن، فذكر الله جل وعلا الأساليب التي عبر عنها السحرة.

    قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيما نقل عنه: (كانوا أول النهار كفرة سحرة، وأصبحوا آخر النهار شهداء بررة)، ولهذا لا ييأس أحد من هداية أحد، ولا يدري أحد كيف تكون الخواتيم، فقد خرجوا من بيوتهم وهم يمنون أنفسهم بالعطايا الدنيوية، ويريدون أن يحاربوا الله ورسوله، ثم لا يلبثون أن يؤمنوا ويخروا ساجدين، هذا السجود -كما سيأتي- أورثهم عزة ومنعة؛ لما مر معنا أن الإنسان لا يمكن أن يكون في وضع هو ذليل فيه أعظم من ذلة السجود، وكلما ذللت نفسك بين يدي الله كنت منه قريباً، فلما ذلوا أنفسهم وسجدوا أورثهم الله بذلك السجود الذي سجدوه له عزة وإباء ومنعة، فلما هددهم فرعون لم يبالوا بتهديده؛ بل قالوا: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه:72].

    أربعون عاماً وفرعون يرسخ فيهم أنه رب، وأنه إله، وأنه يقتل ويبطش، كل هذا محي بسجدة ربما لم تتجاوز دقائق معدودات؛ لأن الموروث الذي أخذوه من فرعون هباء منثور وإن كان له حقيقة، أما ما أخذوه من عطاء إيماني، ونور قلبي من الله فإنه يثبت، يقول الله جل وعلا: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35]، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وقال: (أما إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن -أي: جدير وحقيق- أن يستجاب لكم).

    وهذا اليوم كان يوم زينة لهم، فأبدلهم الله جل وعلا بأن نجاهم في يوم عاشوراء الذي صامه موسى وبنو إسرائيل من بعده، ثم صامه نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وخلاصة ما ذكرناه: أن الله جل وعلا أخبر في هذه الآيات التي بين أيدينا أنه أظهر الآيات، وأقام الحجج والبراهين على فرعون، لكن فرعون استكبر.. آية بعد آية وهو يردها، ثم وقع منه -حفاظاً منه على الوضع الاجتماعي القائم عنده- أن يخوف الناس، وتواعد مع موسى على يوم هو الذي عرضه، فأجابه موسى، ثم كان ما كان من عرض الأمرين، وقلنا: إن من الخير لك ألا تبدأ أحداً بنقاش حتى لا تشعر بالغلبة، وإنما اطلب من غيرك أن يعرض ما عنده حتى لا يكون ما عندك القصد به العلو على الناس، فنصر الله جل وعلا كليمه وأخاه، فأثر ذلك فيمن يعرف الحق وهم السحرة، ولا يعلم أن أحداً من القبطيين الذين شهدوا ذلك النزاع آمن؛ لأنهم خرجوا من بيوتهم وليس في نيتهم الإيمان، ولم يقع في قلوبهم البحث عن الحق، فقد قالوا: لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ [الشعراء:40].

    فكانت منة الله على السحرة دون غيرهم من الناس، وقد ذكرنا أن ابن عباس قال: كانوا في أول النهار كفرة سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة، وقلنا: إن في هذا بياناً لفضل الله ورحمته بالخلق، وأنه لا يدرى كيف تكون الخواتيم، ختم الله لنا ولكم بخير.

    هذه جملة ما تحدثت عنه هذه الآيات في سورة طه، نسأل الله لنا ولكم التوفيق والمزيد من العون والرعاية، وسنكمل إن شاء الله في لقاء قادم خبر هذا النبي الكريم مع فرعون.

    نسأل الله التوفيق، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، هذا ما تهيأ إيراده، ويسر الله جل وعلا على قوله، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين كرة أخرى.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002413831

    عدد مرات الحفظ

    718537624