إسلام ويب

نصف ساعة مع رسول اللهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القلم ليتعثر، وإن الصوت لينقطع، إذا أراد الإنسان أن يتحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الدرس استعراض لجانب واحد من حياته صلى الله عليه وسلم، وهو تواضعه صلى الله عليه وسلم، والأنحية الفياضة التي كان يعيشها مع الطفل والشاب والمرأة والشيخ والعجوز، ومع الجواري والغلمان، وكراهيته صلى الله عليه وسلم للغلو في المدح والإطراء، ولقد جسد بذلك العظمة الحقيقية التي يصغر أمامها جميع العظماء، وقد شهد بذلك الأعداء قبل الأصدقاء.

    1.   

    تواضعه صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير.

    الحمد لله الذي رفع السماء بلا عمد، وبسط الأرض في أحسن مدد، وخلق الإنسان في كبد، والصلاة والسلام على خير الأولياء، وسيد الأصفياء، وإمام الصالحين والشهداء.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الناس: إنني أريد أن أتحدث عن جانب من عظمته صلى الله عليه وسلم، ووالله إن القلم ليتعثر، وإن الصوت لينقطع، وإن الكلام لينتهي في عظمته صلى الله عليه وسلم.

    إنني لا أتحدث عن عظيم، بل أعظم عظيم، ولا عن مصلح فحسب، بل عن أعظم مصلح في الأرض، ولا عن مُرَبٍّ فقط، بل عن أجَلِّ مُرَبٍّ في المعمورة الذي قال الله فيه: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:1-6].

    يا أيها الجيل! يا طلبة العلم! يا أيها المسلمون! إن عظيمنا وقائدنا هو ذاك الرسول المدفون في طيبة، وكأني بـمحمد إقبال يوم قال في مقطوعته المترجمة إلى العربية التي ترجمها أبو الحسن الندوي، يقول:

    يا رسول الله!!

    ملأتُ أنفي بتراب مدينتكَ..

    فأخرجتُ من قلبي حبَّ الحضارة الغربية..

    فخرجت من نارها..

    كما خرج الخليل إبراهيم من نار النمرود..

    تعال يا من حاله في وبال     ونفسه محبوسة في عقال

    يا راقداً لم يستفق عندما     أذن في صبح المعالي بلال

    يا مشتري الحصباء من جهله     بالدر هذا في المعالي محال

    روض النـبي المصطفى وارفٌ     أزهاره فاحت بريا الجمال

    ميراثه فينا جميل الحلى      وأنتم أبناؤه يا رجال

    جانب التواضع في حياته صلى الله عليه وسلم

    من أين نبدأ؟ وإلى أين ننتهي في ذكر سيرته؟ يعجز الأدباء، ويسكت الشعراء، ويتحير المؤرخون، ويتلعثم المصنفون في عظمته صلى الله عليه وسلم؛ لكن في جانب واحد، وفي زهرة من روضته، نتحدث في هذا اليوم في جانب التواضع من حياته صلى الله عليه وسلم.

    أليس هو قرآن يمشي على الأرض؟ أما قال الله له: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215]؟

    أما امتدحه الله من فوق سبع سماوات، فقال له: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]؟

    أما أثنى عليه، وقال له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    سهر العيون لغير دينك باطل     ورضا النفوس بغير شرعك ضائع

    والرسول - عليه الصلاة والسلام - أكبر من تواضع لله؛ لأنه عرف عظمة الله.

    جاءه ملِك من ملوك العرب - وقد صح هذا الحديث - فأتى الملك، ودلف إلى مكة؛ ليرى هذا الإنسان الذي غيّر العالم، فلما رأى المصطفى صلى الله عليه وسلم أخذ هذا الملك ترتعد فرائصه، ويهتز، ويتزلزل في مكانه؛ لأنه رأى هالة العظمة، رأى سيماء التوفيق، وشارة المجد تلوح على محياه صلى الله عليه وسلم فيهدئ من روعه صلى الله عليه وسلم، ويهدئ من خوفه، ويقول له: {هون عليك، إني ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة} والقديد: هو اللحم المشوي إذا مُلِحَ وعُلِّقَ.

    نعم، إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة؛ لكنك حولت العالم.

    إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة؛ لكنك أعظم من طرق باب الإنسانية.

    إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة؛ لكنك قدت العالم إلى بر النجاة، وإلى شاطئ السلامة.

    إنك ابن امرأة كانت تأكل القديد بـمكة؛ ولكنك أخرجت الإنسان وشرفته وطهرته وعظمته.

    إن البرية يوم مبعث أحمد     نظر الإله لها فبدل حالها

    بل كرم الإنسان حين اختار من     خير البرية نجمها وهلالها

    الأريحية الفياضة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم

    ويقول عليه الصلاة والسلام: {لو دُعيت إلى كراع لأجبتُ، ولو أهدي إلي ذراع لقبلتُ}.

    صلى الله عليك وسلم ما أعظمك! وما أجلك! كلما تواضعت شرُفت ونبُلت وعظُمت في العيون.

    نعم، لا يستنكف عليه الصلاة والسلام أن يجيب الدعوة، يذهب مع أصحابه، يسمع بالأعرابي يمرض فيزوره، وبالعجوز تصيبها الحمى فيزورها، وبالطفل يدهدهه فيمازحه، وبالأعرابي يوقفه فيقف معه، وبالمرأة تسأله فيحيي ويسهل ويَحْلَم عليه الصلاة والسلام.

    تأخذه الجارية بيدها من منزله، وكأنه ليس مشغولاً بالعالم، وأحداث الأرض ومشاغل الدنيا تدار على كفه، فيخرج مع الجارية، ويذهب معها، وتريه صلى الله عليه وسلم حدثاً بسيطاً.

    يزور طفلاً في المدينة، مات طائر له فيريد عليه الصلاة والسلام من هذه الزيارة أن يربي للعالم معالم الحضارة التربوية بجانب الطفل. ويذهب إلى الطفل، ويقول: {يا أبا عمير، ما فعل النغير؟}. أي عظمة هذه؟

    مرت به عجوز، وظنت أنها سوف ترى إنساناً في هالة، يحوطه الحرس، ويحميه الجنود، وتصفُّ المواكب بين يديه وخلفه، فرأت الإنسان الوقور الهادئ الحليم الكريم يجلس على التراب.

    تجلس على التراب وأنت من قدت القلوب إلى الواحد الوهاب؟!

    تجلس على التراب وأنت من سافرت بالأرواح إلى الفتاح العلام؟!

    تجلس على التراب وأنت دكدكت دولة البغي، دولة كسرى وقيصر، وأعلنت حقوق الإنسان, ورفعت علم (لا إله إلا الله) في سمرقند وطشقند، وفي أسبانيا، وعلى مشارف نهر اللوار؟!

    تجلس على التراب وأنت قدمت للعالم ألف عظيم وعظيم، وألف شاعر وشاعر، وألف عالم وعالم، وألف مؤرخ ومؤرخ؟!

    تجلس على التراب وأنت بنيت صروح العدالة، وبنيت مساجد الإسلام في كل البقاع، وذُبِح أصحابُك على مشارف دجلة والفرات والنيل؛ لتبقى (لا إله إلا الله)؟!

    فلما رأته هذه العجوز، قالت: {انظروا إليه يجلس كما يجلس العبد، ويأكل كما يأكل العبد، فيقول: نعم! وهل هناك أعبد مني؟}.

    انظر إلى الرد الجميل، وإلى الأريحية الفياضة، وإلى الخلق الفذ، إنها عظمة والله، كلما بحثت عن جوانبها دهشت إن كنت مسلماً، دخل حبه في قلبك وأثارت في نفسك معانٍ جياشة، وخواطر حارة، لا تحدثها أي ملحمة وملحمة. عجيب!!

    إنه عظيم في كل النواحي، وإن الذي لا يطرق قلبه حب هذا الرجل العظيم عليه الصلاة والسلام سوف يبقى ميتاً.

    يقول: {وهل هناك أعبد مني؟} عبدٌ؟! سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [الإسراء:1].. تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1].. وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً [الجن:19].

    ومما زادني شرفاً وفخراً     وكدت بأخمصي أطأ الثريا

    دخولي تحت قولك يا عبادي     وأن صيَّرت أحمد لي نبيا

    1.   

    النهي عن الغلو في المدح والإطراء

    يأتيه وفد بني عامر بن صعصعة من العراق، فكلهم يهيئ في نفسه مقالة مدح وإطراء، فيقفون أمامه، ويقول قائلهم يخاطب المصطفى صلى الله عليه وسلم: (أنت سيدنا وابن سيدنا، وعظمينا وابن عظيمنا، أفضلنا فضلاً، وأطولنا طولاً) وظنوا أن هذه البضاعة تباع في سوقه صلى الله عليه وسلم، هذه البضاعة لا تذهب عنده، هذه دراهم بُهْرُجٍ مزيفة، لا تنفع إلا عند الدجالين والأقزام، أما من أسَّس مجده على (لا إله إلا الله) وبنى حضارته على (الله أكبر) وأرسل ثقافته على (الحمد لله) فهذه البضاعة لا تذهب عنده، فقال: (مَهْ؟! -أي: ما هذا الكلام؟ ما هذا الدجل؟ ما هذا السَّفَه- مَهْ؟! يا أيها الناس قولوا بقولكم، أو ببعض قولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله).

    نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه     فيه العفاف وفيه الجود والكرمُ

    يا خير من دفنت في القاع أعظمه     فطاب من طيبهن القاع والأكمُ

    حضرته سكرات الموت، فيتواضع حتى في سكرات الموت، يقول: (لا إله إلا الله، اللهم هون عليّ سكرات الموت، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد، اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعْبَد).

    وسيماء التواضع ظهرت عليه، إنسانٌ يغير العالم، ويحدث حدثاً باهراً في المعمورة، لا يشبع ثلاثة أيام متوالية من خبز الشعير، يلبس المرقع، وأمته تجبي كنوز كسرى وقيصر، يجلس على التراب، وقواده يسكنون في القصور، ووُرَّاثه يفتحون المدائن والدور، والحبور والسرور.

    يجلس مع الجارية، ويحمل البنت على كتفه في الصلاة، ويأخذ الطفل من أمه ويضعه في حجره، ويمسح على رءوس الأيتام وهو يبكي، وصح في أحاديث أنه يحلب الشاة، ويخسف النعل، ويرقع الثوب، ويكنس البيت، ويقطع اللحم مع أهله.

    1.   

    العظمة الحقيقية

    هذه هي العظمة، العظمة من قوة، من مركزية هائلة، ليست العظمة التي يبحث عنها وهو على التراب، إنسانٌ فقير معدم مسكين ويتواضع، هذا شيء طيب؛ ولكن إنسانٌ من أعظم الناس، ومن أشجع الناس، ومن أجل الناس ويتواضع، هذا عظيم وأيُّ عظيم نعم، سيّر الحب في القلوب فأحيا به الأرواح.

    ووالله الذي لا إله إلا هو إن من أعظم الظلم أن يوضع في بيوتنا وفصولنا وجامعاتنا ومدارسنا عظماء وهم حقراء.

    هل هتلر عظيم؟ وهو قاتل الإنسان، شارب دم الإنسان!

    هل نابليون عظيم؟ وهو متهتك الحرمات، الفاجر في المحرمات، ماركس الكلب اللعين!

    يُدَرَّسون، وتُوَرَّد حضارتهم للأنسان، وأين أعظم عظيم؟

    يقول محمد إقبال في مقطوعته (فاتح مكة):

    يا رسول الله، انصب خيامك في الصحراء..

    وخذ أطنابك من قلوبنا..

    وابْنِ مجدَك على جماجمنا..

    ويقول:

    يا رسول الله، معذرةً! أنا هندي..

    تعاطفتُ مع دعوتكَ..

    لأن العرب خانوا دعوتكَ..

    فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ [الأنعام:89].

    كَفَر بها أبو جهل، وألفُ ألفٍ من أمثال أبي جهل، فأتى سلمانُ يقول: آمنتُ بالله.

    وكفر بها أبو لهب، فأتى بلالٌ يقول: آمنتُ بالله.

    وكفر أمية بن خلف، فأتى صهيبٌ من بلاد الروم يقول: آمنتُ بالله. نعم.

    وخذ أطنابك من قلوبنا..

    وابْنِ مجدَك على جماجمنا..

    أي عظمة؟ وأي تواضع؟ وأي سيما؟

    إن من يتحدث عنه صلى الله عليه وسلم ليَعْجَز؛ ولكن أُطالب نفسي وإياكم أن تقرءوا ترجمته وسيرته، خالصة ممزوجة بالحب، ليست ترجمة الوفيات، ولا التنقل والغزوات، ولكن ترجمة الحياة، والرَّوح، والياسمين، واليقظة، والإملاء العقلي والروحي الذي يصل إلى القلوب في القرآن، والسنة، والسيرة.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم، ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    شهادة الأعداء بعظمة الرسول صلى الله عليه وسلم

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.

    والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيـراً، وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً، بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.

    لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21].

    إن بعض الناس ولو شعروا بالعظمة فيهم مركب نقص، يحتاجون إلى مدح وإطراء وتصفيق يكمل به الناقص، أما الرسول - عليه الصلاة والسلام - فقد اكتملت عظمته، والمادح فيه والساكت سيان.

    ومدحنا وإطراؤنا اليوم وذكرنا لا يرفع من قدره، لأنه قد بلغ منزلة أقرّ بها المؤمن والكافر، والمسلم والمعاند، والعارف والمنكر، أقر بعظمته الأعدء قبل الأصدقاء.

    أُلِّف كتاب في أمريكا، واجتمع له مفكرو الدنيا من يابانيين وصينيين وفرنسيين وإنجليز، فأخذوا مائة عظيم على تاريخ البشرية، من يوم خُلِقَ آدم إلى الآن، فكان العظيم الأول محمد عليه الصلاة والسلام، ولم يتدخل في هذا الاجتماع مسلم واحد؛ لكنها العظمةٌ التي بهرت الدنيا، وتكلمت على لسان التاريخ، وكُتِبَت على جبين الزمن، وأقر بذلك كل واحد إلا رجل واهن، أو رجل مفتر على الله، أو جاهل، عقله ودماغه كعقل ودماغ الحمار.

    1.   

    صور من تواضعه صلى الله عليه وسلم

    والرسول عليه الصلاة والسلام في جانب العظمة له أسرار عجيبة، وفي جانب التواضع له أساليب غريبة.

    أرأيتم البسمة ما أرخصها! كيف تشرى بها القلوب؟ استخدمها في دعوته صلى الله عليه وسلم، ولقد وجدنا في زمن كانت البسمة من أغلى ما يباع في الأسواق، أصبحت غالية.

    أما هو صلى الله عليه وسلم فالبسمة عملة له، فسبى بها الأرواح، وقاد بها النفوس إلى الحي القيوم.

    يأتيه أعدى الأعداء، فيتبسم صلى الله عليه وسلم في وجهه، فيهتدي بإذن الله.

    يقول جرير بن عبد الله: (والله الذي لا إله إلا هو ما رآني صلى الله عليه وسلم إلا تبسم في وجهي).

    ويأتيه أرطبون العرب عمرو بن العاص مسلماً لأول وهلة، فيتبسم في وجهه، فيظن أنه أحب الناس إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم.

    وفي الصحيحين من حديث أنس: أنّ أعرابياً جاء من البادية أعرابي وبدوي: جهل مركب فلما أتى نسي هذا الأعرابي في ذهنه أنه سوف يتكلم مع معلم الإنسانية وهادي البشرية، ومزعزع كيان الوثنية، أتى يطلب هذا الأعرابي شيئاً من الزبيب والتمر والحب، مطالب أهل التراب، ومقاصد أهل الأرض، ولا يدري أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - يُطْلَب من خزانته مفاتيح جنة عرضها السماوات والأرض، ومفاتيح روضة غناء في جوار الواحد الأحد يوم القيامة.

    ألا بَلَّغ اللهُ الحمى مَن يريدهُ     وبَلَّغ أكناف الحمى مَن يريدها

    فأتى، فليته تأدب، لكن لم يترك الصلافة والجفا وقلة الأدب، هرع مهرولاً إلى معلم الخير، فجذبه ببردته، وهو بُرْدٌ غليظ نجراني، وحاشيته غليظة، فجذبه أمام الصحابة وأمام الناس، موقف محرج ومخجل ومثير للعواطف وجارح للشعور، ولو كان غيره صلى الله عليه وسلم لَمزَّق هذا الأعرابي تمزيقاً، وقطعه إرباً إرباً، وما تملحت عيناه برؤية الحياة مرة ثانية.

    سحبه أمام الناس حتى أثَّر البُرْد في عنقه واحمر عنقه الشريف، عنق المكرمات، عنق المجد، والصلاح والنجاة والتجديد، فالتفت صلى الله عليه وسلم إليه وهو يضحك، لم تغادره البسمة حتى في الساعات الحرجة. يضحك، فيقول أنس:[[ليته يوم أساء الفعل أحسن القول]] لكن (حَشَفاً وسوء كيلة) قال: يا محمد، والله يقول: لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً [النور:63] يا محمد هكذا؟ كلمة رخيصة؟ ليس عادياً، أمامك رسول، أمامك نبي، أمامك أعظم مصلح في الأرض.

    يا محمد، أعطني من مال الله الذي عندك، لا من مال أبيك، ولا من مال أمك، فيقوم الصحابة -انتهى الصبر- وفي أولهم: عمر - رضي الله عنه وأرضاه - ليخرج وساوس الشيطان من رأس هذا الأعرابي، والرسول - عليه الصلاة والسلام - يهدئ من روعهم ويجلسهم، ويقول: (اجلسوا رحمكم الله) أو كما قال، فيأخذ الأعرابي بهدوء وسكينة ولطافة ويشبك أصابعه بأصابعه، ويدخل معه في غرفة من غرفه، فيعطيه زبيباً وحباً وثياباً ومالاً، قال: (هل أحسنتُ إليك؟) قال: نعم، أحسنت - جزاك الله من أهل وعشيرة خيراً - فيقول له صلى الله عليه وسلم: (اخرج إلى أصحابي، وقل لهم هذا القول، ليذهب ما في نفوسهم عليك) فيخرج إليهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: (هل أحسنتُ إليك؟) قال: نعم، - جزاك الله من أهل وعشيرة خير الجزاء - ويذهب الأعرابي داعياً إلى قبيلته للإسلام فيدخلوا عن بكرة أبيهم في الإسلام.

    فيقول - عليه الصلاة والسلام - وهو يترجم هذه الحركات لأصحابه: (أتدرون ما مثلي ومثلكم ومثل هذا الأعرابي؟ قالوا: لا. قال: مثلنا كمثل رجل كانت له دابة فرت منه، فأخذ الناس يلاحقونها، فما زادت إلا فراراً، فقال: يا أيها الناس! اتركوا لي دابتي، أنا أبْصُر بها، فأخذ شيئاً من خضار الأرض وخشاش الأرض فأشار به إلى الدابة فأتت، فربطها واستسلمت وقيدها فلو تركتكم مع هذا الأعرابي لضربتموه أو قتلتموه ودخل النار، وما أسلم قومه، ولكن لاطفت به حتى أنقذه الله بي من النار، وأسلم قومه).

    أي عظمة هذه العظمة؟ وأي تربية هذه التربية؟ وأي إدراك هذا الإدراك؟ معذور من أسكن قلبه حبك أيها العظيم، ومعذور من يتمنى أن يفديك بأهله وماله وولده ونفسه.

    نسأل الله - عز وجل - أن يعرفنا على ذاك الوجه الأجَل، وأن يجاور بيننا وبينه في الجنة، وأن يسقينا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبداً.

    عباد الله! وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً).

    اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد.

    اللهم أرنا وجهه العظيم في دار الكرامة والنعيم.

    اللهم املأ قلوبنا بحبه، وسلوكنا بسيرته، وأنفسنا بالاقتداء به، اللهم اجعله لنا معلماً وقائداً ومربياً وهادياً إلى الجنة يا رب العالمين.

    وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور.

    اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، ولرفع رايتك، في برك وبحرك يا رب العالمين.

    ربنا إننا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار،

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.