إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الزخرف [2]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله في هذه الآيات أنه أرسل الأنبياء في الأمم السابقة، فما كان من تلك الأمم إلا أن استهزأت بأنبيائها والمرسلين، فأهلكهم الله تعالى بما كانوا يصنعون. وقد كان المشركون في الجاهلية يؤمنون ويعترفون أن الله هو الخالق الرازق، ومع ذلك لم يعبدوه ويوحدوه، فكان الله تعالى يلزم بإيمانهم بتوحيد الربوبية أن يؤمنوا بتوحيد الألوهية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين ...)

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اعترافاً بفضله، وإذعاناً لأمره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    ما زلنا في هذا اللقاء المبارك مع سورة الزخرف، وكنا قد انتهينا في اللقاء الماضي إلى الآية الخامسة منها إلى قول الله: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [الزخرف:5]، واليوم بإذن الله تعالى نبدأ ونشرع مع قول ربنا جل وعلا: وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ [الزخرف:6-8].

    فهذه الآيات الثلاث تلوناها مع بعضها البعض لارتباطها مع بعضها البعض، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بدعاً من الرسل، فقد كانت رسل قبله، كما قال الله: قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ [الأحقاف:9]، وسنن الله جل وعلا مع رسله التي آتاها أقوامهم واحدة، فأراد الله جل وعلا في هذا المقطع من هذه السورة المباركة تسلية وتعزية نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال مخاطباً إياه: (وكم) وهي هنا خبرية وليست استفهامية، والمقصود بها: الكثرة.

    وقد مر معنا أن (كم) تأتي خبرية وتأتي استفهامية، وهي هنا خبرية لا تحتاج إلى جواب، والفيصل في الفرق بينهما: أن الخبرية لا تحتاج إلى جواب، وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ [الزخرف:6] أي: في الأمم التي غبرت والقرون التي سلفت، وَمَا يَأْتِيهِمْ [الزخرف:7] (وما) هنا نافية قطعاً، مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ [الزخرف:7] أي: تلك الأمم، يَسْتَهْزِئُون [الزخرف:7] أي: يصدون عن دعوته ويردون رسالته ولا يؤمنون به.

    وهذه الآيات ولله الحمد ظاهرة المعنى مندرجة تحت قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إن من القرآن ما يفهمه كل أحد، وقال الله: فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ [الزخرف:8]، فما قريش إذا ما قرنت بالأمم التي سلفت والقرون التي غبرت، وكلهم عند الله واحد لكن من باب إظهار ضعف القرشيين، وأن الله جل وعلا جعل من قبلهم عبرة وعظة وأخباراً وأحاديث وأقاصيص يتحدث عنها الناس في مجالسهم بعد أن أهلكهم الله جل وعلا، قال ربنا: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ [الزخرف:7-8].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ...)

    ثم قال الله جل وعلا وهذا التفات في الكلام: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [الزخرف:9] أي: يا نبينا! واللام هنا ممهدة للقسم، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ [الزخرف:9] أي هؤلاء الذين يجادلونك، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9].

    ظاهر الأمر -والعلم عند الله- أنهم سيقولون: خلقهن الله، لكن الله جل وعلا ذكر جوابهم بالمعنى لا باللفظ، فيبعد أن يقول القرشيون: خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، لكنهم معترفون أن الله جل وعلا هو الخالق الرازق، وقد مر معنا أن القرآن يقوم على إثبات أن الله جل وعلا وحده هو الخالق، وبمقتضى هذا الإثبات يجب ألا تصرف العبادة لغيره تبارك وتعالى.

    وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، ثم قال ربنا: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا [الزخرف:10]، فالاسم الموصول (الذي) هذا من كلام الله ليس من جواب القرشيين، وإنما حكى الله الجواب بالمعنى دون اللفظ في قوله سبحانه: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]؛ تمهيداً لما سيأتي بعده.

    وهذا الصنف من الآيات من أعظم ما في القرآن، وقد مر معنا أن القرآن كله عظيم لكن أعظم ما في القرآن حديث الله عن ذاته العلية، فهذا مندرج في حديث الله عن ذاته العلية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً ...)

    الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا [الزخرف:10]، والمهد في الأصل: ما يوضع فيه الصبي، فجعل الله الأرض بالنسبة للناس كالمهد بالنسبة للصبي، وهذا من حيث الصناعة البلاغية يسميه البلاغيون: التشبيه البليغ.

    ومعلوم أنه لا بد من مشبه ومشبه به وأداة تشبيه ووجه شبه، فذكر الله هنا: المشبه والمشبه به، فشبه الأرض بالمهد، ولم يذكر الأداة، فلم يقل: الذي جعل لكم الأرض كالمهد، فحذف الكاف وحذف وجه الشبه وهو: إيواؤها للناس، كما أن المهد يأوي الرضيع ويحويه.

    فلما حذف ربنا في كلامه أداة التشبيه ووجه الشبه -وفق منطق البلاغيين- هذا يسمى تشبيهاً بليغاً، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [الزخرف:10] أي: طرائق، لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الزخرف:10] أي: من خلال هذه الطرائق لعلكم تهتدون بالمقدورات على القادر، بالمقدورات المسخرة المخلوقات المدبرة لكم تهتدون بالدلالة بها على القادر.

    وقد عرفوا ربهم لكنهم ما صرفوا العبادة له، فأتوا بتوحيد الربوبية وتوقفوا عنده، فلم ينفعهم شيء بل ازدادت الحجة عليهم، ثم مضت الآيات -وهذا النوع يسمى: الإطناب، وقد مر معنا تقسم الكلام إلى إيجاز ومساواة وإطناب- في حديث الله عن نفسه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء فأنشرنا به بلدة ميتاً ...)

    وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الزخرف:11]، فالماء الذي جعله الله في الأرض على ضربين: ماء عذب فرات، وماء ملح أجاج.

    فجعل الله الماء المستقر مالحاً؛ حتى لا ينتن، فلو أن ماء البحار ليس مالحاً لأنتن وظهرت رائحته، وجعل الله الماء المتحرك الذي ينزل من السماء عذباً، قال تعالى: عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ [الفرقان:53]، فجعل المياه الراكدة الثابتة على الدوام التي لا يحتاجها الناس شرباً جعلها مالحة؛ حتى لا تنتن، وجعل الماء المتحرك الذي يحتاجه الناس سواء كان متحركاً في أصله بنزوله من السماء، أو في العيون والآبار جعله عذباً فراتاً تبارك وتعالى بنعمته ورحمته لعباده.

    وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الزخرف:11]، هذا وفق الصناعة البلاغية يسمى: استعارة تبعية؛ لأن لفظ (نشرنا) إنما يقال في الميت إذا أحيي، فجعل الله جل وعلا الأرض التي لا نبت فيها كالجسد الذي هو ميت لا روح فيه، فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف:11]، فالذي استعصى على القرشيين فهمه: أن الله يحيي الموتى، فانظر كيف عالج القرآن هذه القضية قال ربنا: فَأَنشَرْنَا [الزخرف:11]، والناء هنا ناء الدالة على الفاعلين، وقد جيء بها للعظمة في الحديث عن الشيء الذي يرونه بأعينهم، وأما الشيء الخفي الذي هم مطالبون بالإيمان به فلم يقرنه الله بناء الدالة على الفاعلين؛ ليبين لهم أنه أمر هين عليه لم يعظمه الله، فعظم الله جل وعلا المقيس ولم يعظم المقيس عليه، عظم الله جل وعلا ما يرونه: فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الزخرف:11]، فلما ألقموا في أفواههم حجراً وسقط ما في أيديهم قال لهم ربهم: كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف:11]، ولم يقل: كذلك نخرجكم؛ لبيان أن هذا من حيث مفهوم خطابكم أهون وإلا فالأمر عند الله سواء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم ...)

    وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف:12].

    الأزواج مفردها: زوج وهي بالتعبير اللغوي: كل ما صار به الواحد ثانياً، وبعض العلماء يجعلها في المعنويات، وبعضهم يجعل الأزواج في المحسوسات، والصواب جعلها هنا في المحسوسات والمعنويات، مثلاً: جعلها الله جل وعلا في الفقر والغنى، والجسد والروح، والذكر والأنثى، والصحة والمرض، والليل والنهار، والفرح والحزن، وهذه الأمور بعضهن معنويات وبعضهن محسوسات، وخالقهن جميعاً هو الله تبارك وتعالى، وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف:12].

    فالفلك تركب كلها، وأما الأنعام فمنها ما يركب ومنها ما لا يركب، ولهذا جاء في الحديث: (أن الرجل الذي ركب البقرة اعترضت عليه فقالت له: ما خلقنا لهذا) مع أن البقرة من بهيمة الأنعام، لكن الله قال -والقرآن ضمائم لو ضممت بعضه إلى بعض تبين لك- قال ربنا: وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا [النحل:8]، ولم يذكر الله بعض الدواب الأخر.

    وهنا قدم الله الفلك على الأنعام لأن إظهار القدرة يتضح هنا أكثر، فالفلك تجري على الماء، والجريان على الماء أعظم إظهاراً لقدرة الله من مشي الأنعام على أرض مستقرة، وإن ظهرت فيها القدرة لكن ظهورها في الفلك أقوى من ظهورها في مشي الأنعام على الأرض المستقرة، ولهذا قدم الله الفلك، ثم قال ربنا والقرآن يزاوج ما يسلبه من لفظه يعطيها بدلاً منه، قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف:12-13].

    فجاءت المزاوجة هنا، فالظهور من علائق الأنعام أكثر منها أن تكون من علائق الفلك؛ لأن الفلك في الغالب يسمى: بطناً ولا يسمى ظهراً، وإن ظهر للصناعات الحديثة فلك لها ظهر لكن ذكرها الله من باب التغليب.

    معاني الاستواء

    قال ربنا: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف:13]، وقد مر معنا أن الفعل استوى إما أن يتعدى بحرف الجر (على) أو بحرف الجر (إلى) أو لا يتعدى بحرف جر، وإن تعدى بحرف الجر (على) فمعناه: العلو والارتفاع، ومنه هذه الآية: تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ [الزخرف:13] أي: إذا ارتفعتم، وإذا تعدى بحرف الجر (إلى) يصبح معنى القصد، نحو ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [فصلت:11] أي: قصدها.

    وإذا لم يتعدى بحرف جر لا (على) ولا (إلى) واكتفى بعدم التعدية وأصبح لازماً دل على الكمال والتمام والنضج، قال ربنا عن كليمه وصفيه موسى: وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى [القصص:14] أي: كمل ونضج وتم أمره.

    لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ [الزخرف:13] أي: بقلوبكم، فيقع في قلبك أولاً تعظيم هذا الرب الجليل الذي سخر لك هذا، والتسخير في اللغة: التذليل والتطويع، فإذا وقع في القلب الاعتراف بفضل الله وأن القوة الجسدية التي نملكها ليست هي التي سخرت لنا الفلك، وليست هي التي سخرت لنا الأنعام، واستقر هذا في القلب جاء الأمر الإلهي بأن يترجم ما وقع في القلب من يقين إلى أن يكون نطقاً باللسان منصوصاً عليه، قال ربنا: وَتَقُولُوا [الزخرف:13] أي: بألسنتكم، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13] أي: مطيعين طوع الأمر، بمعنى: ذلك.

    وقد كان هذا يقال على ظهور الدواب واليوم يقال على مقاعد السيارات والطائرات، وأما استخدامه أو قوله عند المصاعد فليس له دليل؛ لأن المصاعد حلت بديلاً عن السلالم ولم تحل بديلاً عن الدواب، وأما السيارات والطائرات فقد حلت بديلاً عن الدواب، والتقيد بالنصوص أمر محمود وإن كان كل هذا سخره الله جل وعلا للعباد.

    معاني الانقلاب إلى الله تعالى

    لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:13-14].

    الانقلاب في اللغة: عودة الإنسان إلى المكان الذي فارقه، وقد كان بدء خلق أبينا آدم في السماء عند ربه فلا بد من العودة إلى الله، فيستقيم هنا المعنى الشرعي مع المعنى اللغوي: الانقلاب عودة الإنسان إلى المكان الذي فارقه، وهذا الأمر نسبي، تقول: انقلبت إلى داري، وانقلب فلان إلى بيته، أي: عاد إلى بيته؛ لأنه توه فارقها.

    وأما الانقلاب العام: فهو الأوبة والرجوع إلى الله قال ربنا: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق:8]، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:14]، وتذكر الإنسان للآخرة منهج قرآني عظيم يجعله الله جل وعلا مطرداً في كل أمر أن يتذكر الإنسان اليوم الآخر، حتى لما ذكر الله الطلاق وذكر الرضاع وذكر غيرها كانت الآيات تأتي مقيدة: ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:232].

    ومن أعظم البواعث على العمل الصالح: تذكر الآخرة قال الله جل وعلا في حق بعض من اصطفاهم من رسله: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ [ص:46]، جاءت منونة حتى تشرئب الأعناق إلى معرفتها، وعادت منقطعة عن الإضافة: إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ص:46]، والتقدير: هي ذكر الدار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءاً ...)

    قال ربنا: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [الزخرف:15]، ما زال الخطاب متوجهاً لكفار قريش، (وجزءاً) هنا الصواب أنها بمعنى: حظ ونصيب وقسم، إلا أنه ورد عن إمامين من أئمة اللغة وهما: المبرد والزجاج ، وقدمنا المبرد لأنه أقدم ظهوراً من الزجاج ، وله كتاب مشهور اسمه (الكامل في الأدب) واسم المبرد محمد بن يزيد ، وكان له حساد، وقد قيل فيه أبيات يراد بها منقصته.

    هذان العلمان من علماء اللغة قالوا: إن جزءاً في اللغة بمعنى: بنت، وأتوا بشاهد شعري، ومن رد عليهما لم يطعن في إمامتهما في اللغة؛ لأن إمامتهما لا تقبل القدح؛ فهما متفق على إمامتهما في اللغة، فيكون الطعن ليس في ذاتهما لكن فيما قالاه أو فيما نقلاه، فيقال: إن هذا البيت مصنوع وليس قديماً، فإذا كان مصنوعاً وليس قديماً فلا يصح الاحتجاج به، وممن حمل راية إبطال ما زعماه الزمخشري في الكشاف، فقد أبطل ما زعماه من أن جزءاً بمعنى: بنت، والحق -بحسب دراية الإنسان البسيط- أنه يبعد جداً في علم اللغة أن يكون جزءاً بمعنى: بنات، أما المعنى: فصحيح، وسيأتي، لكن اللفظ (جزءاً) بمعنى: بنات غير وارد، ورد في القرآن جزء وبعض؛ الجزء شيء يمكن تحديده يمكن إخراجه يمكن انفكاكه، وأما البعض فلا يمكن تحديده، فمثلاً: القرشيون زعموا أن الملائكة بنات الله، فسهل جداً أن نميز الملائكة عن الإنس والجن، لكن كلمة بعض تأتي في الأشياء الممزوجة التي يصعب تحديد الفوارق بينها، قال الله: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا [الزخرف:15]، وأنا أتوقف هنا في قضية الملائكة بنات الله؛ لأن سيأتي التفصيل فيها.

    إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [الزخرف:15] قال بعض أهل التفسير: إن الإنسان هنا عام أريد به الخاص وهم كفار قريش، لكن الصواب إبقاؤه على ما هو عليه، فنقول: إن الإنسان في أصله كفور مبين؛ لأن الله جل وعلا ذكر هذا في أكثر من موضع وأكثر من آية، لكن نبقى على أن أول المخاطبين به وأول ما ينصرف هذا الوصف إليهم هم كفار قريش، إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ [الزخرف:15-16].

    وهناك مصطلحات أحياناً يستخدمها أهل التفسير ومصطلحات يستخدمها أهل النحو، فأهل التفسير يتأدبون أكثر؛ لأنهم يتعاملون مع ألفاظ قرآنية، وأما النحاة فلا يتوخون الأدب؛ لأنهم يتعاملون مع أقرانهم، مع أئمة في اللغة أو مع شعراء أو مع خطباء، فلا يكونون مطالبين بالتأدب كما هو مطالب به أئمة التفسير.

    أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ [الزخرف:16] أهل التفسير يقولون: إن الميم هنا صلة؛ تأدباً مع الله، وأما النحويون فيقولون: إن الميم هنا زائدة، فإن أسميناها زائدة كما قال النحويون أو أسمينها صلة كما قال المفسرون فالمعنى واحد، ومقصودهم أنها يراد بها التوكيد والاستفهام للاستنكار.

    قال سبحانه: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ [الزخرف:16]، نكر البنات وعرف البنين ليطابق حال البنين والبنات عند العرب، أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ [الزخرف:16]، وأنا هنا أؤكد على اللغويات، وأما المعاني فنأتي لها في قول الله تعالى: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا [الزخرف:19]، في نفس السورة؛ حتى لا يتكرر الأمر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن ...)

    ثم قال الله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:17-18]، فهنا الله جل وعلا لما نقم عليهم أنهم جعلوا الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ذكر شيئاً لا يرتضونه لأنفسهم ومع ذلك نسبوه إلى ربهم، فحكى عن بعض الطوائف من العرب: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا [الزخرف:17]، فهنا ذكرها بالكناية أو بغير التصريح، وصرح بهذه في قوله: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [النحل:58]، الكظيم: هو من يكظم كربه وحزنه، وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [الزخرف:17]، وظل هنا بمعنى: صار، وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف:17]، قال الله: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، وهنا نسيح لغوياً في هذه الآية وسنختم بها حلقتنا.

    الأصل في التجمل أنه للنساء

    أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18] يستفاد من هذه الآية أن الأصل في النساء أنهن يتجملن، والأصل في الرجال ألا يتجملوا، فالزينة أليق بربات الحجال وأبعد عن الرجال، قول الله جل وعلا: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ [الزخرف:18] يعني: يربى، فِي الْحِلْيَةِ [الزخرف:18]، أي: في الزينة، وَهُوَ فِي الْخِصَامِ [الزخرف:18] وهذا قيد في ظني لا بد منه، وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، فمتى يكون غير مبين؟ في الخصام، فلا يقدح في المرأة على إطلاقه، لكن المقصود من الآية: أنكم نسبتم إلى الله من لو خاصم بقوله لما غلب فكيف يغلب في الحروب؟ فإذا كان لا ينفع لا في حرب ولا في خصام القولي فكيف تكون هناك منفعة من اتخاذه ولداً؟! ونحن نعلم أن الله غني عن هذا كله لكن نتكلم من باب الفرض الجدلي، فإن الله يخاطبهم على فرضهم الجدلي، فإذا كانت الأنثى جنساً نوعاً لا تقوى على أن تظهر خصومتها القولية فهي من باب أولى لا تظهر ذلك في المخاصمة الحربية العسكرية في ميادين القتال، فإذا كانت لا تجدي نفعاً في دفع ضر ولا أذى عمن تتولاه لا بلسانها ولا بسنانها فلا منفعة إذاً باتخاذها ولداً، فإذا لم تكن هناك منفعة أبداً في اتخاذها ولداً فكيف تنسبونها إلى ربنا جل جلاله!؟ فالله منزه عن هذا كله.

    عدم إبانة النساء إنما هو في الخصام

    نعود فنقول: إن قوله: وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18] قيد لا بد منه، ونحن نعلم أن في النساء فصيحات بليغات شاعرات، والقرآن لا يمكن أن يخالف الواقع فالواقع أعظم الشهود، وقد قال معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه في حق أم المؤمنين عائشة : إنها كانت فصيحة بليغة، وأنها ما فتحت باباً وشاءت أن تغلقه خطاباً إلا فعلت، ولا أغلقت باباً وشاءت أن تفتحه خطاباً إلا فعلت، ولئن قلنا: إن المرأة لا تبين ولا تفصح ولا تفهم فكيف نقول في الكثير من الأحاديث التي روتها صحابيات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فنجم عن هذا القول وحمل هذه الراية رد كثير من السنة.

    لكن نقول: إن التعبير القرآني جاء مقيداً، قال الله جل وعلا: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18]، وأما في غير خصام فقد يكون مبيناً، فمثلاً أحياناً قد يكون الحديث إن كان هذا من الإفراد أن مسلم رحمة الله تعالى عليه روى في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ..) إلى آخر الحديث، وهذا الحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش ، وهي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وزينب أخبرت بهذا الحديث أم حبيبة ، وأم حبيبة هي زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي بنت أبي سفيان ، وأم حبيبة أخبرت به ابنتها حبيبة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أمها فأصبحت من ربائبه، وحبيبة أخبرت به زينب بنت أم سلمة التي هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم.

    وزينب أيضاً ربيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا حديث اجتمع في سنده أربع صحابيات، اثنتان زوجتان للنبي صلى الله عليه وسلم وهما أم حبيبة وزينب بنت جحش ، واثنتان من ربائب النبي صلى الله عليه وسلم وهما حبيبة وزينب بنت أبي سلمة ، والأسماء هنا تدور في فلك زينب وحبيبة: زينب بنت جحش وأم حبيبة وحبيبة وزينب بنت أبي سلمة .

    فلو قلنا: إن الآية على إطلاقها لوقفنا ضعفاء في قبول هذا الحديث، لكن نقول: إن الله قيد ويجب اعتبار تقييد القرآن، قال الله جل وعلا: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18].

    وينجم من هذه الآية فقهياً أن الأصل في زينة النساء الإباحة، إلا ما استثناه الشرع نصاً من زينة النساء فيترك ويجتنب؛ للنهي الشرعي، وما لم يأت فيه نص شرعي فإنه يبقى على أصله، ويؤخذ بعموم هذه الآية وهي قول الله جل وعلا: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18].

    جعلنا الله وإياكم ممن إذا خاصم أبان ولا يفجر، فيدافع عن حقه ولا يقع فيما وقع فيه أهل النفاق، هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وفي اللقاء المقبل بإذن الله تعالى نبدأ بقول الله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:19].

    وصل الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987522151

    عدد مرات الحفظ

    716526915