إسلام ويب

وحل المشيبللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحياة الدنيا ظل زائل يعمر فيها الإنسان، ثم تأتي عليه سنة الله في الأولين والآخرين، فيهلك ويفضي إلى ما قدم فيها من أعمال، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، وهذه هي طبيعة الدنيا، تمني الإنسان وتبعده عن طاعة الله.

    ولنا مع سلفنا الصالح وقفات مع زهدهم في الدنيا وذم الاغترار بها وحال الإنسان منهم إذا شاب وكبر سنه، والتحذير من التكالب على حطام الدنيا الفاني وجمعه والبخل به، وبيان فضل المال وأن الإنسان قد يدخل الجنة بماله إذا أدى حق الله فيه مثل عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان.

    1.   

    الحث على عدم الاغترار بالدنيا

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.. أمَّا بَعْد:

    أيها الناس:

    يقول أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه: [[إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل]].

    خذ واضح الحل ودع ما اشتبها     مخافة المحذور يا من فقها

    وازهد بدنياك وأقصر الأمل     واجعل لوجه الله أجماع العمل

    وزهرة الدنيا بها لا تفتتن     ولا تغرنك وكن ممن فطن

    تالله لو علمت ما وراءكا     لما ضحكت ولأكثرت البكا

    كبار السن في مجتمعاتنا الغالب فيهم التهالك على الدنيا، كانوا في الشباب أخف وأسعد حالاً من وضعهم اليوم، وقد صدق فيهم قول المعصوم عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (يشيب ابن آدم وتشب فيه اثنتان: الحرص على الدنيا، وطول الأمل).

    إن غالب كبار السن في مجتمعاتنا الإسلامية متهتكون في الدنيا، وتسعة أعشار أوقاتهم وحديثهم وسفرياتهم في الدنيا، اهتماماتهم في الدنيا في المعارض والعقار؛ والبيع والشراء؛ والمؤسسات والبناء، وتجد بعضهم لا يعرف المهم من دينه، ومع ذلك يهتم بشئون الدنيا ويجمع ويكدس ويهتم.

    إذا أصبحوا أصبحوا كالأسود     باتت مجوعة حاردة

    فتجد كل اهتماماتهم في الدنيا ونحن لا نقول: حرام، ولا نقول لهم: لا تعملوا في البناء والعمارة، والبيع والشراء، وفي طلب الرزق، وفي الكسب، ولكن نقول: يا من شاب رأسه وشابت لحيته! أما تهيأت لعمل صالح تلقى الله به؟ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ [فاطر:37].

    قال أهل العلم: النذير هو: الشيب. والشيب أمره عجيب؛ فإذا ظهر الشيب في رأسك أو في لحيتك، فكأنه يقول لك: تهيأ للقبر، فقد أصبحت قاب قوسين أو أدنى من القبر.

    وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أعذر الله لامرئ، بلَّغه ستين سنة) معنى ذلك: قطع الله المحجة عليه، فلا حجة له يوم القيامة عند الله إذا بلغ ستين سنة، ثم لم يهتد.

    وكنت مع الصبا أهدى سبيلاً     فمالك بعد شيبك قد نكثتا

    مشيت القهقرى وخبطت عشوا     لعمرك لو وصلت لما رجعتا

    والله لو عرفت لذة المسجد والذكر والإيمان، ولذة المحاضرات والدروس ما فعلت بنفسك ما فعلت، رأينا من عمره أكثر من الستين وهو صباح مساء بين الحديد والإسمنت، ذكره قليل، ونوافله قليلة، قد ألغى قيام الليل من حياته؛ لأنه لا ينام إلا الثانية عشرة، وإذا صلى الفجر صلاها على عجل، وأخذ عماله وسيارته وباكر عمارته، ونحن لا نقول: حرام، ولكن نقول: أيصرف العمر في هذا الأمر؟!

    أترضى أن تصرف ساعاتك الغالية الثمينة وأيامك الممدوحة الجيدة في هذه الأمكنة؟

    كم تسكن وتعمر وتتلذذ؟

    رأينا من عمر فلة فلما جهزها وفرشها مات، ورأينا من كدح وجمع واشترى مزرعة، فلما بنى فيها بيتاً وحفر بئراً مات.

    لكم فجع الموت من والد     وكم أسكت الدهر من والدة

    وكم قد رأينا فتىً ماجداً     تفرع من أسرة ماجدة

    يشمر للحرب في الدارعين     ويطعم في الليلة الباردة

    رماه المنون بسهم الردى     فأصبح في جثة هامدة

    ماذا ينور القبر؟ ينوره العمل الصالح.

    وأنا أقول: يا من شابت لحيته ورأسه! اتق الله، فإن هذا الشيب نذير.

    يقول أبو العتاهية:

    بكيت على الشباب بدمع عيني     وما يغني البكاء ولا النحيب

    ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيب

    تسهر ولا تتلذذ بالمطعوم والمشروب، ذهبت لذة القوة والحياة، ومع ذلك تجد بعضهم ما زال مُصراً على المعاصي والانغماس في الدنيا وعدم التهيؤ للقبر.

    أقوال السلف في ذم الدنيا

    قال أحمد بن حنبل وقد رأى في المرآة شعرة بيضاء في لحيته فبكى، وقال: والله ما مثلت الشباب إلا بشيء كان بيدي ثم سقط.

    ومر شيخ كبير بأطفال يلعبون في السكة، فقال أحد الأطفال لهذا الشيخ الذي كانت لحيته بيضاء على صدره - كان السلف يتشرفون باللحى، واللحى إذا شابت في الإسلام فكل شيبة بحسنة، وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:{من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة} وصح أيضاً عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {إن إبراهيم عليه السلام -الخليل أستاذ العقيدة شيخ التوحيد- رأى المرآة فرأى شيبة بيضاء وهو لا يعرف الشيب، قال: يا رب! ما هذا البياض في لحيتي؟ قال: يا إبراهيم! هذا وقار، قال: اللهم زدني وقاراً}.

    فلما مر هذا الرجل الصالح على الأطفال، قال طفل لهذا الشيخ الكبير: يا شيخ! من الذي باعك هذا القوس الذي على صدرك -يعني اللحية الشمطاء-؟ قال: أعطانيها الدهر بلا ثمن وسوف يعطيك قوساً مثلها.

    ارتقب الأيام والليالي، والليالي عجيبة تلد كل عجيب.

    عظم المعصية في الكبر

    ويُروى أن رجلاً من بني إسرائيل نظر إلى مرآة وكان في شبابه وقد أطاع الله أربعين سنة، ثم أدركه الخذلان والحرمان والشيطان والطغيان فعصى الله أربعين سنة.

    بعض الناس يحسن في الشباب ويسجد ويبكي ثم يسقط، والعجيب أنك تجد بعض الكبار يسافرون إلى مواطن نستحي من ذكرها على المنابر وعنده أسرة وعشرة أبناء وبنات، ويقطع تذاكر إلى بانكوك ليعصي الله في شيخوخته.

    وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ} وفي لفظ: {أشيمط زان}.

    شابت لحيته، ودنا قبره، وهو لا يزال يزني، فالله لا ينظر إليه ولا يكلمه ولا يزكيه ويدهدهه على وجهه في النار.

    هذا الرجل من بني إسرائيل عبد الله أربعين سنة، ثم انتكس على عقبيه، فعصى الله أربعين سنة، فصار عمره ثمانين، فنظر إلى المرآة فرأى الشيب قد ظهر في لحيته، فقال: يا رب! أطعتك أربعين، وعصيتك أربعين، فهل تقبلني إذا عدت إليك؟

    فسمع هاتفاً يقول: أطعت الله فقبلك، وعصيت الله فأمهلك، وإذا عدت إلى الله تاب عليك.

    من الذي قرع باب الله ولم يجد رؤوفاً رحيماً؟

    وإنما المقصود: أن طاغوت الدنيا الذي ران على القلوب، وجعل العقول ذاهلة يستحي الإنسان إذا نظر إلى بعض المناظر والتهتك في الحطام والجمع، ثم حرص هذا الشيخ الذي بلغ الستين سنة، بل بعضهم مصاب بأمراض في جسمه، والمرض يدبغه صباح مساء وهو يدبغ في الدنيا، ولذلك لا يتلذذ بمطعوم ولا مشروب ولا منكوح، وهو وراء الجمع تجد مجلسه في قطع الأراضي والشيكات، والبساتين والحدائق؛ والسيارات والإجارات؛ والبيع والشراء؛ والإسمنت والحديد.

    فيا عبد الله! ابذل واطلب الدنيا واجعل لها وقتاً، لكن كما قال الله: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:77] أما أن تصرف هذه الأوقات والأيام والليالي للدنيا فكيف تلقى الله؟

    يطرح الشيخ الكبير في القبر وليس عنده عمل.

    أعرف وتعرفون في بعض المناطق شيوخاً كباراً في السن لما بلغوا الستين، لزموا المسجد وانتهوا إليه.

    هدي السلف في الكبر

    ولقد كان السلف الصالح إذا بلغ الواحد منهم ستين سنة أخذ المصحف في المسجد فيصلي العصر ويسبح إلى الغروب، ومن الغروب إلى صلاة العشاء يتنفل، ثم يعود إلى بيته وينام مبكراً ليقوم من آخر الليل؛ لأنه لم يبق له إلا القليل ما بقي إلا رأس تلع وتفيض إلى مزدلفة ثم منى وترمي الجمرات وتنتهي، وأما نهاره فصلاة الضحى والعبادة والصيام والقرآن.

    قال أحد المشايخ: عندنا في منطقة جهة الرياض قوم يختمون القرآن في يوم واحد يجلس من بعد صلاة الفجر إلى أن يدخل الخطيب يوم الجمعة فيختمه ختمة، وبعضهم يصوم يوماً ويفطر يوماً، وبعضهم أخذ على نفسه ألا يخالط أحداً من كثرة الغيبة والنميمة وشهادة الزور، فقارن بين صنفين اثنين هذا في دين وذاك في دنيا، هذا في حفظ وذاك في ضياع.

    زهد السلف في الدنيا

    اعلم أن الدنيا لا تساوي شيئاً، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:{الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عالم أو متعلم} وفي حديث حسن عنه عليه الصلاة والسلام {أن رجلاً سأله، فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، قال: ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس}.

    أوحى الله إلى عيسى: إن كنت تريد أن تكون من أوليائي فاطرح الدنيا.

    ويذكرون في تراجمه أنه كان من أزهد الناس، ولم يكن عنده بيت ولم يكن عنده شيء من ملاذ الدنيا أبداً، وفي ذات يوم أتى لينام تحت شجرة، فأخذ حجرة ليتكئ عليها وينام، فقال له جبريل: يا عيسى! أما طلقت الدنيا؟ قال: بلى، قال: فمالك تتكئ على هذه، ذكر هذه الغزالي وأمثاله، ويغني عن ذلك ما ثبت في الصحاح.

    وقد صح عن علي رضي الله عنه أنه قال: [[يا دنيا يا دنية غري غيري طلقتك ثلاثاً لا رجعة بعدها]].

    هذا علي بن أبي طالب البطل الذي كسَّر رءوس المشركين، وقطع رقابهم، كان يدخل بثوب ممزق في السوق، ويقول: [[أنا أبو الحسن أهنت الدنيا أهانها الله]] كان غداؤه سويقاً ويقول: لو اشتهيت أن آكل نسيل عسل ولباب بر لكان، لكن أخشى أن أعرض على الله، فيقول الله لي يوم القيامة: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20] ]].

    والدنيا لا تساوي شيئاً، يقول عليه الصلاة والسلام: {ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس} وصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: {مالي وللدنيا؟! إنما مثلي ومثل الدنيا كرجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها} وبالفعل انظروا لتراجمه وحياته صلى الله عليه وسلم، كان بيته من طين، ومركبه الحمار، وثوبه ممزق، ومات ودرعه مرهون عند يهودي في ثلاثين صاعاً من شعير، ما شبع ثلاثة أيام متتالية من خبز الشعير عليه الصلاة والسلام.

    كفاك عن كل قصر شاهقٍ عمدٍ     بيت من الطين أو كهف من العلم

    تبني الفضائل أبراجاً مشيدةً     نصب الخيام التي من أروع الخيم

    إذا ملوك الورى صفوا موائدهم     على شهي من الأكلات والأدم

    صففت مائدةً للروح مطعمها     عذب من الذكر أو عذب من الكلم

    صلى الله وسلم عليه، وقد فعل أصحابه مثلما فعل. فمات أبو بكر وما خلف من الميراث إلا بغلة وثوبين، ومات عمر وفي بردته أربع عشرة رقعة، ومات علي وقد تصدق ببيت المال وبقي أهله ما وجدوا عشاء ليلة؛ لأن الله أعد لهم جنات عرضها السماوات والأرض.

    فيا أيها الناس! وصيتي خاصة لكبار السن، فإني أعرف أن الشباب مرضهم مرض الشهوات، وقليل من الشباب من تجده حريصاً على المال، فالشاب يتلف المال إتلافاً، لكن الشيخ يصرصر المال صرصرة ويموت عليه موتاً ويحسب له ألف حساب، وحياته وليله ونهاره دنيا إلا من غفر الله له، ومن وفقه الله لعمل صالح.

    ألا تزودوا من الصالحات: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20].

    أترجو أن تكون وأنت شيخ     كما قد كنت في عصر الشباب

    لقد خدعتك نفسك ليس ثوب     جديد كالبلي من الثياب

    من قصص عبدة الدنيا

    يذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر قصصاً لهؤلاء الكبار عبدة الدنيا، التي عكفت الدنيا على قلوبهم، فأصبح الواحد منهم كشارب الخمر لا يعي أبداً، تحدثه فلا يسمع حديثك، ولو تليت عليه كتاب الله من أوله إلى آخره.

    يقول ابن الجوزي: بعضهم حضرته سكرات الموت وعنده حبات ذهب -حصيلته وميزانيته في حياته- قال: وليس عنده ولد ولا بنت ولا وارث وخاف أن يأخذ الناس ماله، قال: فأخذ يأكل حبات الذهب في بطنه وأدخلوه القبر وحبات الذهب في بطنه.

    قال: وشيخ كبير عبد الدنيا، فلما حضرته سكرات الموت كان عنده دنانير من الذهب، فلما أتاه اليقين، وسكرة الموت التي يذعن فيها الجبار، ويضعف فيها المتكبر، ويسلم فيها الكافر، فكَّر في ماله؛ لأنه ليس له وارث -بل ذكر في رواية أخرى أنه كان له ابن لكن بينه وبين ابنه شقاق فلا يحب أن يرث ابنه هذا المال- قال: فأخذ الدنانير وعجنها في الطين، ثم جعله لبنة عند رأسه ينام على هذا المال، فلما أتته سكرات الموت، قال: ادفنوا هذه اللبنة عند رأسي، قالوا: ماذا فيها؟

    قال:أريد كذا أوصيكم بهذا، فلما غسلوه تفتت هذه اللبنة من الماء، فخرج الذهب، فعجبوا من حاله.

    هذه الدنيا تصل بأصحابها إلى أشد من ذلك.

    أرى أشقياء الناس لا يسأمونها     على أنهم فيها عراة وجوع

    أكثر من يجوع اليوم هم التجار؛ لأنهم لا يجدون وقتاً للأكل، أما الفقراء فأوقاتهم كلها أوقات أكل وشرب، كأنها أيام منى يأكلون ويشربون.

    اللهم عمِّر قلوبنا بالتقوى، اللهم إنا نسألك من الدنيا ما يعيننا على طاعتك، اللهم لا تجعلنا عبدة للدنيا.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    بيان فضل نعمة المال

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الناس! في أوساطنا من يسمع هذا الكلام فيظن أني أشن حملة على الدنيا وكسبها وطلبها، وأعرف أن فيكم تجاراً وأغنياء نفع الله بتجارتهم وبغناهم فبنوا المساجد، وساعدوا المجاهدين، وأطعموا الفقراء، وكسوا العراة، فأقول: أثابهم الله، فلا يفهم فاهم أننا نقف معارضين لهؤلاء ونريدها رهبنة، ولا نقول: دعوا كسب المال، وخذوا المسابح واجلسوا في المساجد، لكننا نطلب التوازن في الحياة، وإعطاء الأولويات، لأن الله لما خاف على المؤمنين أن ينصرفوا عن المال، قال: وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا [القصص:77] لكن اليوم نحن نقول لأحدهم: لا تنس نصيبك من الدين؛ لأن الوقت أصبح للدنيا، وأصبحت كل اهتمامات الإنسان وذكرياته للدنيا، فلا يعني ذلك أننا نقف من هؤلاء هذا الموقف، فالإسلام لا يعترف بالرهبنة، فقد ذمها الله، فقال: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَامَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27] ذم المال ليس على إطلاقه.

    والزهد عند أهل السنة هو ترك مالا ينفع في الآخرة.

    أما ترك ما ينفع في الآخرة فإنه من الجنون والحمق.

    إذاً نريد تجاراً وفقراء صالحين، وكباراً وشباباً صالحين.

    أناس دخلوا الجنة بأموالهم

    المال نعمة عظيمة؛ فقد دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه الجنة بماله، وذلك: أنه جهز جيش تبوك فقال له عليه الصلاة والسلام: {اللهم ارض عن عثمان فإني عنه راض، ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم} وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وأرضاه دخل الجنة بماله، جاءته سبعمائة راحلة محملة بالتمور والحبوب والزبيب والأقمشة، فقال للتجار: كم تدفعون لي في هذا المال؟ قالوا: نعطيك في الدرهم درهماً -أي: ضعف- قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك درهمين، قال: وجدت من زادني، قالوا: نعطيك ثلاثة دراهم، قال: وجدت من زادني، قالوا: نحن تجار المدينة وما زادك أحد، قال: لكني رأيت الله يعطي من ينفق في سبيله عشرة أضعاف، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة: مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:261] أشهدكم أنها في سبيل الله لفقراء المدينة فتوزعوها، وقالوا: سقى الله ابن عوف من سلسبيل الجنة.

    وقارون دخل النار بماله، وهذه الأصناف التي تحدثنا عنها يتبعون قارون بأموالهم، أموالهم رباً وطاغوت وطغيان، وفجور ومساعدة لأهل المعاصي، فلا تجد أحدهم يساهم في بناء مسجد ولا يساعد مجاهداً، ولا يعطي فقيراً، ولا يواسي معدماً، ولا يعاون متزوجاً، ولا يتصدق أبداً، إنما أمواله في حدائق وبساتين وقصور وسفريات وسيارات ضخمة، فهذا يحشر مع قارون ويكون مصيره إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.

    وما شر الثلاثة أمَّ عمروٍ     بصاحبك الذي لا تصحبينا

    وهناك تجار عرفوا نعمة المال والغاية منه، فسخروا أموالهم في سبيل الله، وقد سمعنا عن واحد منهم في بلادنا ماله حلال لا يعرف الربا، وأعطاه الله من الأموال الطائلة ما الله به عليم، فبنى اثني عشر مسجداً بمرافقها ولوازمها، فهنيئاً له الأجر؛ لأنه كلما صلّى مصلٍّ في مسجد من هذه المساجد، أو قرأ قارئ فله من الأجر مثل أجره، ونعرف أقواماً صرفوا الملايين للمجاهدين الأفغان حتى إن بعضهم فصّل ثياباً بالألوف المؤلفة وأرسلها إلى الأفغان، والبعض اشترى الأحذية الجلدية وأرسلها بالألوف المؤلفة إلى هناك، ليكون له مثل ما للمجاهدين من الأجر، وكثير منهم يدفع وينفق من حلالٍ فجزاهم الله عن الإسلام خيراً.

    إذاً فالتوازن في الحياة هو: أن نجعل رضا الله وعبادته هي مقصودنا، والله أكبر أسمى مقصود لدينا، وأن نتجه إلى الله بأموالنا ودمائنا.

    أما هذا الطاغوت الذي ران على كبار السن، وأفسد عليهم حياتهم، وضيَّع أوقاتهم، وجعل الواحد منهم كسولاً، حتى إنه إذا دخل المسجد مع الأذان ينظر في الساعة، ويصيح على المؤذن والإمام، فنقول لهذا: ضاقت بك نفسك في ربع ساعة وفي ثلث ساعة، وأنت كنت مع عمارتك وحديدك وإسمنتك ست ساعات، أفلا تضيق منها وتذكر الله تعالى؟!

    ويروى عن بعض السلف أنه قال: من علامة أهل الإيمان: أنهم إذا دخلوا مساجد الرحمن كان أحدهم كالسمكة في الماء.

    ومن علامة المعرض عن الله: أنه إذا دخل المسجد كان كالبلبل في القفص، وتجد كثيراً من الناس لا يأتي إلا مع الإقامة وهو أول من يخرج، لأنه مخبول العقل قد سكر بالدنيا، وخمر الدنيا يتلف الأرواح والعقول.

    اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، واجعل الدين أكبر اهتماماتنا في الحياة.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة واحدةً صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.