إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. تفسير سورة الإسراء
  5. سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الإسراء [37-48]

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الإسراء [37-48]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعد أن ذكر الله مجملاً للحقوق التي يجب على المسلم أن يتحلى بها، عاد مرة أخرى للتنويه على قضية اتخاذ مع الله إلهاً آخر، أو ادعاء أن مع الله أولاداً تعالى الله عن ذلك، فهي الجريمة الشنعاء والوحيدة التي تحبط العمل، وتبعد رحمة الله وغفرانه عنك، ثم بين الله تعالى عظم جحود الكافرين، وموقفهم في رد الحق مع ما بين أيديهم من الشواهد والبراهين الدالة على وحدانية الله وتفرده بالخلق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم... سيئه عند ربك مكروهاً)

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى، وقدر فهدى.

    وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا اللقاء الرابع المتعلق بسورة الإسراء، وكنا قد انتهينا في اللقاء الثالث إلى قول ربنا جل وعلا: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    وذكرنا أن الآية دلت على وجه الخصوص بصورة أولية على أن القول على الله جل وعلا بلا علم من أعظم الأمور المحرمة، فإن كان القول بلا علم على إطلاقه ممنوع، فكيف بالقول على الله؟! وذكرنا قصة عامر بن الضرب ، وقلنا: إن عامراَ كانت العرب تفد إليه وتحتكم، فجاءه قوم يسألونه عن ميراث الخنثى؟ ثم إنه حار فيهم أربعين يوماً، وهم آنذاك كانوا أضيافه، فقالت له جارية عنده: أتبع الحكم المبال، فأخذ بقولها، قال الإمام الأوزاعي معلقاً على القصة: فإذا كان هذا رجل في الجاهلية لا يرجو جنة ولا يخشى ناراً توقف في الحكم أربعين يوماً لما لم يثبت عنده، فكيف بمن يتجرأ على القول على الله تعالى بلا علم؟ وفي ذلك عظة وعبرة لكل أحد.

    ثم قال ربنا: إنَ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ [الإسراء:36]، الإشكال عند اللغويين: التعبير بأولئك عما لا يعقل، وهم يقولون في أغلبهم: إن أولئك تطلق على العقلاء، لكن كفى باستخدام القرآن دليلاً على أنها تستخدم لغير العاقل، فالقرآن أو اللفظ القرآني هو الذي يقوم مقام الاستشهاد، ولا يستشهد للقرآن بقول أحد، على أن جواب الإشكال بصورة أوضح من جهتين:

    أن الله جل وعلا أقام السمع والبصر والفؤاد مقام العقلاء؛ لأنها شواهد على أصحابها، ومسئولة عن ذاتها.

    والأمر الثاني: أنه عرف في بعض كلام العرب إطلاقهم لها على غير العقلاء، ويحتج القائلون بهذا بقول جرير :

    ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأقوام

    فالأيام غير عاقلة، وعبر عنها بأولئك، لكن المانعين يقولون: إن البيت أصله: والعيش بعد أولئك الأقوام، فإذا كانت الرواية الصحيحة بعد أولئك الأقوام فلا جديد في بيت جرير ؛ لأن الأقوام عقلاء، وبالتالي فالتعبير عنها بأولئك ملائم، لكن على القول أن الرواية الصحيحة هي:

    والعيش بعد أولئك الأقوام يصبح الاستشهاد قائماً؛ لأن الأيام غير عاقلة، لكن نقول: أياً كان فإن الله جل وعلا أقام السمع والبصر والفؤاد مقام العقلاء؛ لأنها مسئولة عن ذاتها، وشواهد على أصحابها، وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    ثم مضى الأدب القرآني المبدوء أولاً بآية: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، ثم جاءت سلسلة من مكارم الأخلاق يدعو إليها، وسلسلة من سيء الأخلاق ينهى عنها، كقوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، وهنا قال: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37].

    الإنسان يحيى بين جمادين، ما بين أرض يمشي عليها، وما بين جبال تحيط به، فالله جل وعلا يقول لنبيه -والمخاطب أمته من باب أولى كما يقال: إياك أعني واسمعي يا جارة! يقول: إنك مهما علوت وارتفعت فإنك لن تستطيع أن تخرق الأرض، وكلمة (تخرق) تحتمل معنيين: الخرق المعروف، والخرق الآخر بمعنى: قطعها، وقد جاء في كلام العرب: أن الخرق بمعنى: القطع، يعني: لن تستطيع أن تمضي في الأرض كلها، وحمله على الأول أقرب، وهو الخرق المعروف من الدوس، فيصبح معنى قوله تعالى: َلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37]: أن الله نهى نبيه عن الكبر، وعن مشية الفخر والخيلاء، فإذا قلنا: مشية بفتح الميم فهذا اسم مرة، يقول: ضربته ضربة أي: ضربة واحدة، أما على وزن فعلة بكسر الميم فهو اسم هيئة، المقصود: أن الله نهى نبيه عن مشية الجبارين المتكبرين، الذين يختالون في الأرض فرحاً وبطراً، هذا المنهي عنه: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37]، كلمة (طولاً) عند النحويين تمييز محول عن فاعل، ومعنى الكلام: لن يبلغ طولك الجبال، تقول في الكلام العادي: ازدانت المدينة مدخلاً، وأصلها: ازدان مدخل المدينة، وتقول: طاب عمرو نفساً، وأصلها: طابت نفس عمرو، فالتمييز هنا محول عن فاعل، ومثله قوله جل شأنه: إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا [الإسراء:37]، أي: ولن يبلغ طولك الجبال، والمقصود: النهي عن الكبر؛ لأن أصل الكبر: شيء يقع في النفس، فإذا وقع في النفس ولو كان مثقال ذرة نجم عنه أثر في الظاهر، وبحسب تمكن ذلك الكبر في القلب يكون ذلك الأثر، فمن ألجم نفسه بلجام التقوى منعه ما في قلبه من طلب العلو، ومن لم تمنعه التقوى انطلق في عنانه ومضماره كما قال فرعون: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]؛ لأنه لا لجام للتقوى عنده يمنعه من أن يقول هذا القول، وإلا فبذرة الخير والشر في كل أحد موجودة: وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:37-38].

    قرئت (سيئةً) وقرئت (سيئهُ)، فعلى قراءة سيئة يصبح المعنى: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُة عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38]، فتنصرف (كل) إلى ما نهى الله جل وعلا عنه.

    أما على قراءة (سيئه) يصبح (كان سيئه) تخصيصاً من كلمة كن؛ لأننا أمرناك بأحاسن الأخلاق: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ [الإسراء:26]، َبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83]، ونهيناك عن سيئها، وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ [الأنعام:152] ، وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32]، وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ [الإسراء:31]، فيما مضى من الآيات، فيصبح (كان سيئه) أي: ما مضى خاصة السيئ منه مكروهاً عند الله، فيفهم منه: أن غير السيء ليس مكروهاً عند الله.

    قال: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا [الإسراء:38]، ذلك جملة ما علمناك مما أوحى إليك ربك من الحكمة، وهنا نربط الآية بما حررناه في السنة في أول لقاء حول سورة الإسراء، فقد قلنا: إن قلب النبي صلى الله عليه وسلم ملئ إيماناًوحكمة، وعقبنا على ذلك بأن الحكمة أجل ما يعطاه بنو آدم بعد الإيمان، وعلى هذا فقول الله جل وعلا: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء:39]، يعضد هذا الاستنباط من السنة، وهو أن الحكمة أعظم شيء بعد الإيمان، ثم بين الله جل وعلا المرء بالحكمة، والحكمة عند البعض تقوم على ثلاثة أركان: العلم، والحلم، والأناة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك مما أوحى إليك ربك.... وما يزيدهم إلا نفوراً)

    ثم قال ربنا: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39]، قبلها بآيات قال في فاصلة ما بين آيات وآيات: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21]، ثم أتى بآية بعدها سأتركها: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23].

    ما بين هاتين الآيتين قال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، وهنا قال: ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39]، فتحررت أربعة أوصاف: الآية الأولى قال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22] هذان وصفان، وفي الأخرى قال: ملوماً مدحوراً، وسنبين معاني هذه الأوصاف، ثم نبين لماذا قال الله: مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39] وقال: مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]؟

    أما الملوم: فهو الذي يقال له: لم فعلت كذا وكذا من قبيح الأفعال؟

    وأما المذموم: فهو من يخبر بقبيح ما فعل.

    وأما المخذول: فهو الضعيف الذي لا ناصر له.

    وأما المدحور: فهو المطرود المبعد عن كل خير.

    الآن نجمع شتات الآيات، بداية نقول لغوياً: إن القعود يعني: العجز، فقعد عن الشيء أي: عجز عنه، قال الحطيئة يهجو أحدهم:

    دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

    فالتعبير بلفظ: اقعد يدل على أن هذا المهجو عاجز عن أن ينال مراتب الشرف، وينافس في الإطعام والكسوة والخيرات فشبهه بالنساء، والطاعم الكاسي هنا أي: مطعوم مكسي، هذا أصل الكلام، فالعرب تستخدم اقعد في العجز؛ ولهذا جعل الله القاعدين ضد المجاهدين في سورة النساء، وكذلك القواعد من النساء اللاتي إذا كبرن لم تكن لهن رغبة في الرجال.

    هنا ربنا يقول: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ [الإسراء:22] يعني: تصبح عاجزاً، قال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، والآية التي بين يدينا: فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39]، نقول: ينبه الله في الآيتين -وإن جاءتا متفرقتين- على أن التوحيد رأس الدين ورأس الحكمة، ومبدأ الأمر ومنتهاه؛ ففي الآية الأولى: رتب الله آثار الشرك الدنيوية، فقال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا [الإسراء:22] من الناس، مَخْذُولًا [الإسراء:22] من ربك، وهذا في الدنيا، وفي الآية الثانية: أعاد الله الآيات بقوله: فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39]، فذكر آثار الشرك في الآخرة.

    إذاً: لا يوجد تكرار كما يفهمه البعض بادي الرأي، وإنما نهى الله عن الشرك في الآية الأولى، ورتب عليه الآثار الدنيوية، وذكر الشرك ونهى عنه في الآية الثانية، ورتب عليه الآثار الأخروية، قال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:39].

    ثم قال الله: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [الإسراء:40]، هذا عود على بدء، فقد ذكر ما كانت بعض العرب تزعمه من أن الملائكة بنات الله، وعبارة (اتخذ) توحي بأن القرشيين قائلون بهذا، لا يقولون: إن الله ولد بنات، لكنهم يزعمون أن الله خلق الملائكة على هيئة بنات ثم اتخذهم بنات له؛ لأن لفظ (اتخذ) لا يساعد على القول بأنهم يدعون أن الله ولد البنات، تعالى الله على كل حال عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

    فالله جل وعلا يقول: أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا [الإسراء:40]، هذا استفهام إنكاري توبيخي، كيف تجرءون على أن تنسبوا لله الولد جملة، ثم تنسبوا إليه أبخس الولد وهي الأنثى؟ أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [الإسراء:40].

    وهذا التعبير القرآني فيه شدة إنكار، ومبالغة في الرد عليهم، أي: لو كانت لكم قلوب تفقه، وعقول تعقل، لما تكلمتم بهذا القول العظيم؛ ولهذا قال الله: إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا [الإسراء:40]، ثم قال: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا [الإسراء:41].

    وتصريف الرياح معناه: انتقالها من مكان إلى مكان، والمعنى: أن القرآن فيه وعد ووعيد، وأوامر ونواه، وقصص وزواجر، فالله جل وعلا لم يجعله على نسق واحد، بل صرف فيه الآيات كل ذلك ليكون أدعى لهم لأن يتعظوا ويعتبروا، لكن لما فطرت قلوبهم على الشرك عياذاً بالله ما زادهم هذا التصريف في آيات الله إلا نفوراً وبعداً عن الحق، وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا [الإسراء:41].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لو كان معه آلهة... إنه كان حليماً غفوراً)

    ثم عاد الله جل وعلا لإبطال دعواهم بتعدد الآية، قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا * سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا * تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:42-44]، تصور الآيات جملة على النحو التالي:

    هؤلاء القرشيون يقولون بتعدد الآلهة، ثم إنهم في تعدد الآلهة يزعمون أنهم عندما يعبدون تلك الآلهة التي اتخذوها إنما هي شفعاء لهم عند الله تعالى، هذا زعمهم، فالله جل وعلا الآن أراد أن يرد عليهم بطلان قولهم بوجود تعدد الآلهة، فقال ربنا قل -أي: يا محمد! صلى الله عليه وسلم- فهي تدل على زيادة اختصاص، وفيها تربية للمؤمن على فقه الأولويات: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء:42]، بداية: لو: حرف امتناع لامتناع؛ أي: لا توجد آلهة حتى تجد سبيلاً إلى ذي العرش، فالأمر برمته باطل إلا في ألسنتكم، لكن الآن هنا تصور فرضي لكيفية رد الله عليهم، قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ [الإسراء:42]، فالأمر برمته غير موجود إلا في قلوب هؤلاء الكفرة، فيقول الله: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء:42]، ابتغاء السبيل المقصود منه: طلب السعي إلى شيء ما، والآية هنا تحتمل معنيين: الأول: ربنا يقول لهم: لو فرضنا جدلاً بحسب منطقكم الكافر أن هناك آلهة معي، وهنا نحمل الآن على الرأي الأول: أن كلمة: (إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) أي: سبيل رغبة وخضوع، أنتم لماذا تعبدون هذه الآلهة، قالوا: نعبدها حتى تكون شفعاء بيننا وبين الله، فالله جل وعلا يقول: إذا كانت هذه الآلهة بزعمكم تخضع لي وتتشفع لكم عندي فهذا يمنع بتاتاً أن تسمى آلهة؛ لأن الإله لا يكون خاضعاً، نجيب مثال من واقع الناس اليوم:

    أنت تعرف رجلاً يعمل في الديوان الملكي، فأعطيته أوراقاً ليعرضها على الملك، فهذا الموظف في الديوان الملكي هو وسيط لك عند الملك، حتى يعرض موضوعك على الملك، فلا بد هو نفسه أن يكون خاضعاً للملك، ويتشفع لك عنده بذل وتواضع حتى يقبل الملك شفاعته، إذاً: هذا الشفيع ليس بملك؛ لأن الملوك لا تخضع بعضها لبعض، إذاً: بطل ما زعموه وادعوه، أنتم تقولون: إن هذه المعلقة حول الكعبة شفعاء بينكم وبين الله، وتقولون: إنها آلهة: وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ [الزخرف:58]، على عيسى بن مريم، فكيف تسمى آلهة وهي تخضع لغيرها؟ الإله لا يخضع لأحد، فبطلت دعواكم بأنها آلهة، هذا على القول أن معنى قوله: لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء:42]، أي: سبيل خضوع وتذلل ومحبة.

    القول الثاني: (لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا)، ليس سبيل تذلل وخضوع، بل على العكس، سبيل مغالبة ومنازعة، أي: لو كانت هذه الآلهة آلهة كما تزعمون أنتم فالآلهة لها قدرة وسلطان، فستنازع الله جل وعلا في سلطانه، وأي شيء حوله تنازع ينجم عنه خلل، أي بلد فيها أربعة رؤساء أو خمسة يحدث خلل في نظامها؛ لأن كل رئيس يريد أن يمضي كلامه، تسمعون الآن أمراء الحرب في الصومال، لا يمكن لهم أن يصيروا أمراء على بلد واحد، لا بد أن يحصل نزاع، فلا بد أن يكون الحاكم واحداً حتى يستقر الأمر، وأنتم ترون بأعينكم أن الكون منتظم، شمسه وقمره، وليله ونهاره، ولا يوجد فيه أي خلل، ولا أي فساد، فدل عقلاً على أن الإله واحد، وهذه الآية رأيان، وكل القرآن يشهد لهذا ويشهد لهذا، أما القول الأول: على الخضوع والتذلل فيشهد عليه قوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ [الإسراء:57] في نفس السورة.

    والقول الثاني -وهو الأرجح، والعلم عند الله- يشهد له قول الله جل وعلا: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، وقول الله جل وعلا: وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ [المؤمنون:91].

    فبكلا الطريقين أو الرأيين الناجمين عن فهم الآية تبطل دعوى الكفار القرشيين أن مع الله جل وعلا آلهة، قال الله: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ [الإسراء:42]، وقول الله جل وعلا: كَمَا يَقُولُونَ [الإسراء:42]، هذه زيادة المقصود منها: أن هذا أمر لا يقوله عاقل، لكنهم تجرءوا عليه وقالوه: إِذًا لابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا [الإسراء:42]، من حيث الصناعة النحوية: إذاً: أتي بها لتأكيد الجواب، وهو جواب لولا الممتنع تحقيقه؛ لأن (لولا) حرف امتناع لامتناع.

    ثم أنشأ الله جملة تنزه فيها عما يزعمه هؤلاء الكفرة، قال الله جل وعلا: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:43].

    قال بعض أهل العلم: كبيراً هنا بمعنى: الكامل، والمقصود: أن الله جل وعلا ينزه ذاته العلية عما زعمه هؤلاء الكفار، وما تبنوه من معتقد فاسد، وأن الله جل وعلا قد تعالى أن يكون له شريك، ثم ذكر الله آيات تدل على وحدانيته فقال: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ [الإسراء:44]، يدخل فيه الجمادات والحيوانات والنباتات إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [الإسراء:44]، ولما كان هذا التسبيح من لدن كل الأشياء دقيقاً لا يصل إليه أحد، قال ربنا: وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ [الإسراء:44]، ولم يقل: ولكن لا تعلمون، وإنما عبر بلفظ ( تفقهون )؛ لأنها مسألة دقيقة، وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44]، وقد مر معنا مراراً: (أن نوحاً عليه الصلاة والسلام لما حضرته الوفاة دعا بنيه، فقال: إني أوصيكم باثنتين، بلا إله إلا الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن كحلقة مفرغة لقصمتهن لا إله إلا الله، وبسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق)، والحديث عند أبي داود بسند صحيح.

    (فإنها صلاة كل شيء، وبها يرزق الخلق)، وهذا محل الشاهد؛ فالله جل وعلا يسبح له الحوت في بحره، والطير في وكره، بل وإن من شيء إلا يسبح بحمده.

    قال ربنا: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]، لماذا اختار الله هذين الاسمين الجليلين ليختم بهما هذه الآية؟

    قلنا في اللقاء الأول حول سورة الإسراء: إن الله قال: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1]، قلنا: اختار الله كلمة السميع -استذكاراً لما سلف- لأنه سمع نبيه وهو عائد من الطائف، واختار البصير لأنه كان في الليل.

    وهنا قال الله: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]؛ لأن مقالتكم هذه -أيها المشركون- تستوجب العذاب العاجل، لكن حلم الله عليكم أخر عنكم العذاب.

    أما قوله: ( غفوراً ) فهذا فتح باب لهم أن يئوبوا ويتوبوا، أي: أن المقالة التي تزعمونها، والمعتقد الذي تبنيتموه تستحقون عليه العقاب العاجل، لكن حلم الله أخر عنكم العذاب، والأمر عند الله أعظم من ذلك، فإن باب التوبة مفتوح؛ ولهذا قال: إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]، وهذه ظاهرة جلية لمن أراد أن يتدبر القرآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن... رجلاً مسحوراً)

    ثم قال ربنا وهو أصدق القائلين: وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:45-47].

    الله يقول: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ [الإسراء:46] تحتمل معنيين: إما وصفته بصفات التوحيد والتمجيد، وأنه لا إله معه، وهذا القول يدل عليه ظاهر القرآن: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [الصافات:35] أي: إذا ذكرت ربك موحداً إياه نافياً عنه الشرك: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46]، لم يقبلوا منك هذا القول ونفروا منك.

    والمعنى الثاني -ولا مانع من أخذ المعنيين- أن يكون المقصود: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ [الإسراء:46]، أي: كان حديثك عن الله وحده غير مختلط بأمور الدنيا، لكن قلنا: إن الأول أقوى في حق أهل الكفر، ودليله: أن الله يقول: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، والمقصود: هؤلاء الكفرة، يقول الله: حِجَابًا مَسْتُورًا [الإسراء:45]، هذه مفعول أصلها فاعل، يعني: حجاباً ساتراً، لكن أهل العلم يقولون: هل كان الحجاب حجاب بصر أم حجاباً على القلب؟

    ظاهر الآية: أنه حجاب على القلب، ومن قال: إنه حجاب على البصر احتج بالقصة المعروفة، (أن أم جميل لما أنزل الله جل وعلا قوله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1] أتت إلى أبي بكر وبجواره رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يدها فهر - يعني: حجر كبير - وتريد أن تضرب به النبي صلى الله عليه وسلم، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه ليحذر النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إنها لن تراني)، وقرأ آيات منها هذه الآية: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا [الإسراء:46] إلى أن قال: حجاباً مستوراً، فلما جاءت: سألت أبا بكر قائلة: إنه بلغني أن صاحبك يهجوني، فأخبرها أنه لا يهجوها، فقالت:

    مذمماً أبينا ودينه قلينا

    وأمره عصينا

    فهي تقول: مذمماً، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فكأن الكلام لا يقع عليه.

    والذي يعنينا هنا: أن الذين قالوا بحجاب الرؤية قالوا بهذا، لكن هذه حالة فردية، ولا أظنها تأخذ الحكم، وإنما هؤلاء لما في قلوبهم من الكفر منعهم الله جل وعلا أن يفقهوا كلامه، وأن يعتبروا بعظاته، قال الله تعالى: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:46-47].

    وردت في هذا آثار منها:

    أن بعض قريش كان إذا أمسى يأتي إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن فيتخذ مكاناً لا يراه فيه أحد، يسمع منه قراءة النبي عليه الصلاة والسلام، ففعل هذا بعض صناديدهم، ثم لما انصرفوا آخر الليل، جمعهم الطريق، فأخذوا يتناجون فيما بينهم ويتلاومون على أنهم قبلوا أن يسمعوا، وقالوا: لو رآنا عامة الناس لاحتجوا بنا؛ ولهذا مكثوا على هذا يومين أو ثلاثة ثم تعاهدوا ألا يفعلوه، فأخبر الله نبيه بهذا فقال: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47].

    ولا ريب أن قولهم: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا [الإسراء:47]، واحداً من الأمثال التي ضربوها، وإلا فقد قالوا: إن النبي كاهن، وإن النبي مجنون، وإن النبي غير ذلك، كل ذلك يحاولوا أن يردوا به ما سمعوه من كلام الله، لذلك قال الله متعجباً من صنيعهم: انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا [الإسراء:48] أي: لم يجدوا حيلة، ولم يهتدوا سبيلاً في وصفك، فلهذا قال الله بعدها: فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء:48].

    بقيت نقطة مهمة في هذا الأمر كله: القلوب أوعية، وخير ما يملؤها ذكر الله، والإنسان يجد في قلبه ميلاً إلى شيء ما، فمن كان على الفطرة، ورزق العلم، وعرف السنة، وأحكم فهم القرآن، فإنه يجد في نفسه ميلاً إلى تلك المجالس التي يعظم فيها الله، ومن كان في قلبه ضد ذلك كله لم يبق قلبه على الفطرة، ولم ينهل من رحيق السنة، ولم يتدبر القرآن، ولم يرجو جنة، ولم يخش ناراً، فقد ختم على قلبه وطبع، قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5]، فقد جبل قلبه وطبع على حب الهوى، والانصراف إلى الأحاديث التي لا يكون فيها ذكر للرب جل وعلا، فينجب عن هذا قسوة قلب لا يعلمها إلا الله، وقد قال بعض أهل الفضل: إن من أعظم الطرائق لمعرفة مكان قلبك من الله: أن تجد راحة قلبك في المجالس التي يعظم الله جل وعلا فيها ويذكر، وأنت ترى في زماننا هذا على وجه الخصوص أن كثيراً من الناس شغل، إما بصوارف مادية محسوسة تجاوزت حدها، كانصراف البعض إلى سوق الأسهم، وإن كان أصل التجارة مباحاً.

    والأمر الثاني -وهو أشد وأنكى- الانصراف إلى الأقوال والمناظر التي تستهوي من تستهويه، بما يسمى: بالفيديو كليب أو الأفلام، أو الأغاني، حتى تصبح شغل الإنسان الشاغل، فكلما زاد تعلق القلب -عياذاً بالله- بمثل هذه الصوارف كان بمنأى عن الله، ولما كان بمنأى عن أن يرق قلبه إلى ذكر الله، وإلى المجالس التي يعظم فيها الله، دل هذا على قربه من طرائق أهل الإشراك، وبعده عن رحمة الرب تبارك وتعالى، وما نعى الله جل وعلا على أحد شيئاً بأعظم من نعيه على اشمئزاز قلبه إذا ذكر الله، وهذا -والعياذ بالله- منتهى الكفر، قال الله جل وعلا: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45]، وهذا نعي على قلوب لا تحن ولا ترق إذا ذكر الله جل وعلا، والقرآن قبل أن نخوض في قواعده النحوية، وطرائق البلغاء، ومسالك الفقهاء، يجب أن نفقه أن الله أنزله حتى يؤثر في قلوبنا، وقد مرت معنا علمياً -كما قال الزركشي وغيره- مرت معنا آيات منسوخة: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [النساء:43]، وأنت تعلم أن هذه الآية منسوخة لا يعمل بها، وكم في القرآن من آيات منسوخة، لكن لماذا بقيت لفظاً؛ لأنها كلام الله، فهي وإن كانت منسوخة عملاً، لكن كفانا شرفاً أن نعرف أنها كلام الله، فيكون لها تأثير وواقع على قلوبنا، والإنسان يجب عليه أن يكون رقيباً حسيباً على نفسه، يرقى بنفسه إلى معالي الأمور، فيجعلها تقرب دائماً من القرآن، تتأدب بآدابه وتعمل بأحكامه، وتؤمن بمتشابهه، وأعظم من ذلك الآيات التي يخبر الله فيها عن ثنائه على نفسه، ومدحه لذاته العلية، هذا الذي يدنيك من مسالك الكمال، يدنيك من الكبير المتعال، يقربك من ربك، ويجعلك على صراط مستقيم بين، إذا كان القرآن هو الشيء الذي تأنس إلى تلاوته، وتحب أن تسمعه.

    كما أن من أخطائنا في التربية: أن نربي أنفسنا على ألا نسمع إلا لقارئ أو قارئين أو ثلاثة، وهذا وإن كان أحياناً قد لا نستطيع الانفكاك منه؛ لأن الصوت الحسن له دور، كما قال صلى الله عليه وسلم: (زينوا القرآن بأصواتكم)، لكن من أراد المنتهى في الكمال فليتعظ بما يتلى لا بمن يتلو.

    من هنا يفهم سياق الآيات الحقيقي: وهو أن الله جل وعلا ينعى على أهل الإشراك بغضهم لله، حتى إنهم لا يجدون لهم مكاناً في مواطن يعظم الله جل وعلا فيها، فينفرون ويبتعدون وينسبون فاعلها إلى السحر.

    وعلى النقيض من ذلك: فأهل الإيمان إذا سمعوا القرآن حنت قلوبهم، ذرفت عيونهم، اقشعرت جلودهم؛ لأنه لا كلام بعد كلام الله: وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا * انظُرْ [الإسراء:46-48]، هذه مسوقة على سبيل التعجب والإنكار، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ [الإسراء:48]، أي: تشتتوا. فلا يدرون ماذا يقولون فيك، يبهرهم كلامك، يعلمون عظيم خطابك، لكنهم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم؛ ولهذا قال الله جل وعلا: انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [الإسراء:48]، أي: لم يجدوا حيلة ولا طريقاً لوصفك بالوصف الحق؛ لأن الوصف الحق أنك نبي ورسول، وهؤلاء حال كفرهم وفجورهم وبغضهم لربهم أن يصفوك بالوصف الذي وصفك الله جل وعلا به.

    إلى هنا ينتهي خطابنا؛ لأن الآيات التي بعدها مرتبطة بعضها ببعض، قال تعالى: وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا [الإسراء:49].

    فنجمل ما حررناه سابقاً من أن الله جل وعلا ذكر في هذه السورة المباركة جملة من هذه الآيات المباركة، وجملة من الآداب التي ختمها بقوله:

    ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ [الإسراء:39]، ولما كان التوحيد رأس الدين، ومبدأ الأمر ومنتهاه هو رأس الحكمة أيضاً فقد حذر الله جل وعلا نبيه منه، وذكر له الأضرار الناجمة عنه، أي: عن الشرك، سواءً كانت هذه الأضرار دينية أو دنيوية.

    هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله جل وعلا على قوله.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله.

    والحمد لله رب العالمين.