إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. تفسير سورة الإسراء
  5. سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الإسراء [15-36]

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الإسراء [15-36]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من قواعد الشرع الحكيم: أنها لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يحمل المرء ذنوب شخص آخر، بل إذا أراد الله إهلاك قرية جعلها تعمل بالمعاصي، وتنجر وراءها ثم أخذها أخذ عزيز مقتدر، عظيم متكبر، جليل متجبر، وما الأمم الماضية عنا ببعيد، ثم ذكر الله عظم جريمة الشرك واتخاذ الند مع الله، ثم شرع في بيان الحقوق الواجبة على المسلم، من طاعة الوالدين، ومراعاة الحقوق، وحرمة الزنا والقتل وأكل مال اليتيم وغيرها من الحقوق التي يجب على المسلم أن يأتيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى... إلى قوله: وما كان عطاء ربك محظوراً)

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه.

    وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من أقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    هذا اللقاء الثالث حول سورة الإسراء، وكنا قد انتهينا عند قول ربنا جل وعلا: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، أما أول الآية فهي جملة شرطية ظاهرة المعنى، أن الإنسان إذا وفق للهدى فإن ثواب تلك الهداية عائد عليه، وكذلك إذا حاد الإنسان عن الهدى وسلك طريق الضلالة فإن عاقبة ذلك ووباله وخسرانه عليه.

    قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15] هذا من قواعد الشرع التي أخبر الله عنها في الحساب يوم القيامة، ذلك أن العرض الأكبر على الله له قواعد، ومن أهم القواعد: أنه لا تؤخذ نفس بجريمة نفس أخرى، قال الله: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء:15]، من قواعد الحساب: إقامة الشهود: وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [الزمر:69]، ومن قواعد الحساب: أن الله جل وعلا لا يظلم الناس مثقال ذرة.

    ثم قال الله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] أول ما نستفيده من هذه الخاتمة: أن ما هنا: نافية.

    وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] دلالة ظاهرة على أن الدين يجب بالسمع لا بالعقل، فمن يقول: إن الناس يكفيهم بالعقل أن يناط بهم التكليف، هذا خلاف الصواب، وإنما لا بد من السمع عن الله عن طريق الرسل؛ ولهذا قال الله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] أي: لا تكون حجة حتى يكون هناك رسول، وهذا الخبر القرآني هنا أثبته الله جل وعلا في أكثر من موضع، قال الله جل وعلا: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165] معنى الآية: أنه لو لم يكن رسل لكان للناس على ربهم حجة، والله جل وعلا ذكر أهل النار وذكر أنهم يلقون فيها أفواجاً، قال سبحانه: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ [الملك:8-9] وهذا هو نظر العلماء للحديث عمن لم تبلغهم الرسالة، والآية محكمة: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] ، وأنا لا أستطيع أن أقف حكماً بين العلماء، ولكني أعطيك طرائق العلماء.

    الإشكال الوارد: أنه ثبت في نصوص صحيحة: الإخبار عن أفراد أنهم في النار، رغم الاتفاق أنه لم تصلهم رسالة، كإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن عمرو بن لحي الخزاعي : أنه يجر قصبه في النار، وإخباره صلى الله عليه وسلم عن صاحب المحجن، وإخباره عن غيرهما، مع أن الآية ظاهرة في أنه لا تعذيب بدون إقامة حجة إذا ضممناها إلى آية تبارك: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا [الملك:8] وبعض أهل العلم يقول: نتوقف ونأخذ بالحديث الصحيح: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، وهذا لعله أقرب؛ لأن القول بأن أهل الفترة الذين قبل النبي صلى الله عليه وسلم هم مطالبون برسالة إبراهيم وإسماعيل أمر يرده القرآن؛ لأن الله يقول: وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44]، فربنا يبين أن ليس لهم كتاب وليس لهم نذير، وقال: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [القصص:46] فالله جل وعلا يخبر أنه لا نذير سبق إليهم، فهذا هو مجال البحث في الآية، وقلت: إنني أقف حكماً بين أقوال العلماء، قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وقد قرئت (أمرنا) بالتشديد وبالتخفيف، وقراءة التخفيف مجمع عليها، والصواب حملها على التخفيف ليصبح معنى الآية:

    وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً [الإسراء:16] أي: سبق في قضائنا وقدرنا أن قرية ما ستهلك.

    أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا [الإسراء:16]، لكن الله لم يذكر الذي أمروا به، لكن دل العقل عليه، أي: أمرناهم بالطاعة.

    فَفَسَقُوا فِيهَا [الإسراء:16] أي: خرجوا عن الطاعة.

    فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16] فيصبح معنى الآية: أن الله جل وعلا إذا سبق في قضائه وقدره الأزلي أن قرية ما ستهلك، فإن الله جل وعلا يأمرهم بأوامره، والأسباب مرتبة على مسبباتها، فيفسقون ويخرجون عن الطاعة ويحيدون عن الهدى، فيحق عليهم العذاب بذلك، قال الله: فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء:16].

    ثم قال الله بعدها: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الإسراء:17]، والقرن: هو الجيل، وبعضهم يقول: إنه قرابة مائة عام، وكم هنا: خبرية وليست استفهامية، وقلنا في دروس سبقت وأيام مضت: إن الفارق الأشهر بين (كم) الخبرية و(كم) الاستفهامية: أن كم الخبرية لا تحتاج إلى جواب، وكم الاستفهامية تحتاج إلى جواب، ولا بد أن تلم بلغة العرب حتى تملك الآلة في فهم القرآن، ويتفقان -أي: كم الخبرية والاستفهامية- في أمور أشهرها: أن كلاهما مبني، وكلاهما له الصدارة في الكلام.

    قال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الإسراء:17]، ولم يذكر الله أمماً وقروناً أهلكها من قبل نوح؛ لأنه لم يكن هناك شرك قبل نوح، ولم يكن هناك رسل حتى يكذبوا، وإنما نوح هو أول الرسل: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:17].

    ثم قال الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:18-19]، عبر الله عن الدنيا بالعاجلة من باب الكناية، قال: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ [الإسراء:18]، لكن الله ذكر قيداً وهو قوله سبحانه: لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18] والقيد هنا يجري حكمه وتحقيقه على ما أطلقه الله في آيات أخرى، قال الله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]، لكن هذا الإطلاق مقيد بآيات الإسراع بقوله جل وعلا: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18] و(ثم) للتراخي والتعقيب، (ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموماً مدحوراً)، ولما ذكر الله بغاة الدنيا، ذكر طلاب الآخرة فقال: وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا [الإسراء:19] والمعنى: أن هناك سعي خاص بالآخرة، وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء:19] والسعي الخاص بالآخرة: هو موافقة شرع نبينا صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ مُؤْمِنٌ [الإسراء:19] وهذا تحقيق للإخلاص، وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:19] أي: أن الله جل وعلا يثيبهم على صنيعهم، ثم قال: كُلًّا [الإسراء:20]، والتنوين هنا: عوض عن محذوف، أي: كلاً ممن يريد العاجلة، وكلاً ممن يريد الآخرة، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ [الإسراء:20] طلاب الآخرة، وَهَؤُلاءِ [الإسراء:20] بغاة الدنيا، كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ [الإسراء:20] أي: من رزق ربك، ثم قال الله: وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20] يجب أن نقول: إن حكمه (عطاء) هنا المقصود بها: الرزق في الدنيا، قال: وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20] أي: ممنوعاً، فإن قال لك قائل: ما هو دليلك على هذا؟

    نقول: إن الكافر ليس له حظ في الآخرة، فلا يعقل أن يقال عنه: وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا [الإسراء:20] لكن الله في الدنيا يرزق المؤمن ويرزق الكافر، ويرزق الشقي ويرزق السعيد، ويرزق البر ويرزق الفاجر.

    ثم جاء الخطاب لسيد الخلق وصفوتهم: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:21] وهذا أمر مشاهد في الدنيا، فإنه حتى طلاب الآخرة يتفاضلون فيما أعطوا من الإيمان والعمل الصالح، وطلاب الدنيا يتفاضلون فيما أعطوا من غنىً ونحوه، قال: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [الإسراء:21] ثم لا تحسبن أن هذا هو نهاية المطاف، قال تعالى: وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21] فيقع التغابن في الآخرة من شدة ما يرى الناس من الفوارق؛ ولهذا قال الله: يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض... إلى قوله: فإنه كان للأوابين غفوراً)

    قال تعالى: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21] والجنة مائة درجة، وهناك تفاضل عظيم ما بين أهلها، كما أن النار دركات، إلا أن الله برحمته ينزع الحزن أبداً عن أهل الجنة، وإن كان صاحبها أقل أهل الجنة ثواباً ومنزلة، أما النار فإن أدناهم منزلة عياذاً بالله يظن أنه لا أحد أشد عذاباً منه، وهذا وحده غاية النكال.

    قال: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21] ثم قال تجديداً لقضية إيمانية تتردد في القرآن كثيراً وهي: أن توحيد الله هو المقصود الأعظم، قال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22] ونسب الفعل (تقعد) لأنه جاء بعد فاء السببية التي سبقها فعل مسبوق بنهي؛ ولذلك جزم بالسكون، قال: لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا [الإسراء:22]، ثم جاءت في الآيات سلسلة من الأخلاق، وسورة الإسراء سورة مكية لم ينبه الله فيها إلا على أمور مقررة فقهياً في كل الملل التي سلفت، قال الله: وَقَضَى رَبُّكَ [الإسراء:23]، وهنا (قضى) بمعنى: أمر، وقد مر معنا: أن قضى تأتي بمعنى: خلق، كقوله سبحانه: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [فصلت:12]، وتأتي بمعنى: حكم، كقوله جل وعلا: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [النمل:78].

    قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ [الإسراء:23] أي: أمر، أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23] وهذا تحقيق للتوحيد الذي تحدثنا عنه مراراً، وهو الغاية من خلق الثقلين، قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5] .

    ثم قال: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] قال العلماء - وهذا ظاهر لكل أحد - : إن الله قرن بر الوالدين بوحدانيته؛ ليبين عظيم المنزلة للوالدين، وهذا إجمال وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ، ثم بين: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء:23] فنهى عن الأدنى تنبيهاً للأعلى، فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23] والقول الكريم: هو ما يستطيبه السمع، وتستريح له النفس، وترغب بسماعه الأذن، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] هذا عند البلاغيين يسمى: استعارة؛ ذلك أن الطائر إذا أراد أن يعلو خفض بجناحيه، فإذا أراد أن يهبط خفضهما، لكن الله قال -وهذا من دقائق التعبير والفوارق القرآنية- قال: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215] لكنه هنا قال: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [الإسراء:24] فكلمة الذل زائدة في حق الوالدين عن عموم الناس؛ لأن حق الوالدين ليس كحق بقية الناس، فأنت مطالب بأن تخفض جناحك للمؤمنين، لكن يكون خفضك لجناحك في تعاملك مع والديك أشد وأعظم؛ قال الله جل وعلا: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24] وهذا تنبيه لك، ليس المقصود منه: أنه لو فرضنا أن أحدهما مات ولم ينل مشقة تربيتك أنك لا تدعو له هذا محال، لكن هذا قيد أغلبي؛ لأن الأصل أن الوالدين هما اللذان يقومان بتربية الأبناء، كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا [الإسراء:24].

    قال: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25] من أخطاء الأئمة أنهم يقرءونها: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ [الإسراء:25] ثم يقول: فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25] فالله أعلم بما في نفوسنا كنا صالحين أم لم نكن، لكن ما معنى الآية: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ [الإسراء:25] شرطية، فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25] جواب الشرط، وأحياناً هذا يقع لو راجعت كثيراً من أوراقك القديمة أو حتى في أيامك هذه، أحياناً تريد أن تبر والديك أو أحدهما فتقع في خلاف الذي تريد، فتقع منك كلمة لا يرغبانها، وأنت لا تقصد عقوقهما إنما تقصد برهما، أو أن تقدم لهما شيئاً ترى أنهما يحبانه، فإذا هما يكرهانه، فالموقف العام لا يساعدك على أن تظهر كل ما في قلبك، أو على أن تقول الأمر بجلاء، فأنت تريد أن تبره، وهو يرى أنك عاق له، مثاله: قد يكون أحد والديك يشعر بوهم كبير أنه مريض، فيلح عليك أنه مريض، ويريد أن تذهب به إلى الطبيب، وأنت تمتنع لا عقوقاً له، وإنما لأنك لا تريد أن تعينه على نفسه حتى لا تزيد وهمه؛ لأنك لو أخذته واستجبت لندائه ولئن ذهبت به إلى الشيخ فلان ليقرأ عليه، وغداً ذهبت به إلى الطبيب ليكشف عليه زدت من قناعة الوالد أو الوالدة بأنه مريض، وأنت تعلم أن الوالد أو الوالدة إنما هي قضايا نفسية لا أكثر ولا أقل، فكونك تمتنع عن الذهاب به إلى ما يريد، إنما تعينه على نفسه حتى ينتصر على أوهامه، وإن كان الأب أو الوالد ينظر إليك على أنك عاق، وربما أسمعك كلاماً لا يرضيك، وربما قال لجيرانه أو لأصدقائه أو لبعض إخوانه: إنني قلت لابني فلان مرة ومرتين لكنه لا خير فيه ولا يريد أن يذهب بي إلى الطبيب؛ لأنه يجهل مصلحته وأنت لم تقصد إلا الخير، فهذا خفي على الوالد وخفي على الوالدة، لكنه لا يخفى على رب العالمين، هذا معنى قول الله: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ [الإسراء:25] بعد ذكره لبر الوالدين، إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25] تقصد خيراً، تريد صلاحاً فبر بوالديك، فإنه جل وعلا كان للأوابين غفوراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآت ذا القربى حقه.... إلى قوله: فقل لهم قولاً ميسوراً)

    ثم قال الله: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:26-27] والقرآن يربي فينا فقه الأولويات، ثلاث آيات تتحدث فقط عن الوالدين مقرونة بالتوحيد، ثم ثلاثة حقوق تأتي في آية واحدة، فالقريب له حق، والمسكين له حق، وابن السبيل له حق؛ لأن المسكين في الغالب يكون ابن بيئتك، وابن السبيل غريب، فحق القريب مقدم، ثم ابن القرية والمدينة التي تسكنها، ثم المسافر الغريب، أما قول ربنا: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا [الإسراء:26] فهذه أشبه بالجملة المعترضة إذا نظرت فيما بعدها، وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:26-27] هناك تبذير وهناك إسراف؛ فالإسراف: الشيء في أصله يكون صواباً، فإذا زدت عن حده سمي: إسرافاً، أما التبذير: فهو الشيء الذي في أصله باطل، وهو الإنفاق أو البذل في شيء لا أصل له، نأتي بمثال معاصر: من لوازم الحياة اليومية: أن يكون لهذا الإنسان جوال، فكونه يخرج ليشتري جوالاً لنفسه لا يسمى هذا إسرافاً، فقد يحتاج إلى أكثر من جوال بحسب وضعه الاجتماعي، لكنه إذا زاد عن هذا الحد يسمى: مسرفاً.

    ولهذا فالإسراف لم يأت به إلا في الذنوب بخلاف التبذير، قال الله: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] ولكنه قال في الأعراف: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] لكن هنا أغلظ قال: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27] أي أوليائهم، وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا [الإسراء:27] هذه الأخيرة جملة اعتراضية، ثم عاد الكلام للأول، وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26] قال بعدها: وإما، وهي مركبة من: إن وما، وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ [الإسراء:28] قلنا: إن المبذرين إخوان الشياطين هذه جملة اعتراضية، ما الذي قبلها؟ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى [الإسراء:26] زالوالدان انتهت قضيتهم بقوله: فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا [الإسراء:25] ثم ذكر أيها المباركون حقوق ثلاثة: لذي القربى، والمسكين، وابن السبيل، ثم أطنب بفائدة في الكلام عن التبذير، ثم عاد السياق: لآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل فقال: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26] ثم قال: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ [الإسراء:28] أي: عن هؤلاء الثلاثة، ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28] مثاله: بين يوم 20 و25 موعد استلام الناس للرواتب، ويقل ما في أيديهم، فإن جاءك مسكين سائل أو قريب أو ابن سبيل يستدين منك مائة أو مائتي ريال، فأنت هنا لا تجد، فماذا يرشدك ربك؟ الله يقول: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ [الإسراء:28] ليس عندك شيء تواصلهم به، ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا [الإسراء:28] ما الرحمة هنا؟ الراتب الذي سيأتي بعد يوم 25، فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28] لاطفهم بالقول حتى تأتيك الرحمة، قال: ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا [الإسراء:28] أي: أنت موعود بها، فَقُلْ لَهُمْ [الإسراء:28] أي: لهؤلاء السائلين قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28] لاطفهم بالخطاب حتى يأتي اليوم الذي تتمكن من برهم كما أمر الله:

    لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

    هذا بيت للمتنبي ، لكن أين قول المتنبي من قول الله: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا [الإسراء:28] فيها فائدة: أن المؤمن دائماً يعلق رجائه بالله، وأنه لا يقول: إنني سأبقى معدماً إلى أن أموت، فإن رحمة الله جل وعلا قريبة، كما ينبغي على من أغناه الله ألا يعتقد أنه ربما سيبقى ثرياً غنياً إلى أن يموت، يعني: فلا ييأسن فقير، ولا يبطرن ويفخرن غني، يقول أبو العتاهية في هجاء سلم بن عمرو :

    تعالى الله يا سلم بن عمرو أذل الحرص أعناق الرجال

    هذه الدنيا تساق إليك عفواً أليس مصير ذلك للزوال

    والشاهد ليس في هذين البيتين، لكن في بيت آخر لـزيان بن سيار الفزاري يقول:

    يؤمل أن يعمر عمر نوح وأمر الله يحدث كل ليلة

    يعني: أن أمر الله يقع بين عشية وضحاها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك...إنه كان بعباده خبيراً بصيراً)

    قال تعالى: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28].

    ثم قال الله: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [الإسراء:29]، والحسير: الدابة في السفر، فإذا عجزت وانقطعت عن تكملة طريقها سميت: حسيراً، وقد عجزت؛ لأنها بذلت جهداً فوق طاقتها في أول السفر، فلا أرضاً قطعت ولا ظهراً أبقت، فربنا يقول: لا تكن شحيحاً كمن يده مغلولة إلى عنقه؛ لأن الذي يده مغلولة إلى عنقه لا يستطيع أن يضعها في جيبه حتى ينفق، ثم قال: وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29] أي: ولا تنفق إنفاقاً كاملاً لأنك ستحتاج إليه فلا تجده، ودائماً كلا طرفي الأمور ذميم، والعبرة بالطريق الوسط.

    نبينا صلى الله عليه وسلم حل ضيفاً على أبي الهيثم بن التيهان رضي الله عنه وأرضاه الأنصاري المعروف، فالرجل بدأ بعذق من النخلة فيه بسر ورطب وتمر، ووضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ السكين، فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم والسكين في يده، فعرف أنه يريد أن يذبح طعاماً لنبي الله، والنبي جاء بالمنهج الوسط، فقال له: (إياك والحلوب) ، الآن افهم مقصوده عليه الصلاة والسلام، هو لم يقل له: لا تذبح لي؛ لأن في هذا منعاً للمضيف أن يكرم ضيفه، ولم يرخص له في أن يذبح أي شيء حتى لا يتضرر أهل الدار، فلو ذبح حلوباً لتضرر أهل الدار لأنهم يشربون من لبنها، وربما انتفع بها ولدها، فالنبي عليه الصلاة والسلام لجأ إلى حل أمثل يجعل الرجل يكرم ضيفه دون أن يتضرر أهله، وهذا هو معنى قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ [الإسراء:29] فإن قال قائل: ما تقول في فعل الصديق عندما قال: تركت لهم الله ورسوله. نقول: هذا فعل عارض أولاً، الأمر الثاني: أن أبا بكر كان رجل تجارة، ومعلوم أن صاحب التجارة قد يكون أحياناً في يده مال وأحياناً لا يكون، وقد ينفق اليوم ثم يأتيه بيع آخر يدر عليه.

    قال تعالى: وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا [الإسراء:29-30] الرزق بيد الله، وما كتبه الله لك سيصل على ضعفك، وما لم يكتبه الله لك لن تناله بقوتك: (إن روح القدس نفث في روعي: أن النفس لن تموت حتى تستوفي أجلها، وتستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ولا يحملن أحدكم استبطاء الرزق أن يطلبه بمعصية الله، فإن ما عند الله إنما يطلب بطاعته ولا يطلب بمعصيته).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق.... إنه كان منصوراً)

    ثم قال الله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [الإسراء:31] الآيات مكية تخاطب الظواهر الاجتماعية المعيبة المشينة التي كانت في المجتمع المكي، ومن أعظمها: أنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية الفقر؛ ولهذا جاء في الحديث: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)، قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31] أنتم لا تشتكون فقراً لكنكم تزعمون أن الولد إذا جاء ضيق عليكم، فلهذا قدم الله ذكر الولد بقوله: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31] ثم قال: إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا [الإسراء:31] ذنباً وأي ذنب! يكفي أن فيه إساءة الظن برب العالمين جل وعلا، وأن الله عاجز عن رزقه، وهذا وحده عين الكفر، فإذا ظن العبد أن الله عاجز عن أن يرزق أحداً والله يقول: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا [هود:6] ويقول: وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [العنكبوت:60] فهذا أكفر الكفر.

    هنا يقول ربنا: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:31-32] أي: أي طريق يدني من هذه الفاحشة المحرمة في جميع الشرائع، ثلاث أمور نهى الله عنها: الشرك، وقتل النفس بغير حق، والزنا، وقد ذكرها الله جميعاً في الفرقان: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ [الفرقان:68] فهذا محرم في الشرائع كلها، قال الله: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء:32] ثم قال: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33] والحق: أن يكون القتل قتلاً شرعياً، وقد بين صلى الله عليه وسلم موجبات القتل بقوله: (كفر بعد إيمان، وزنىً بعد إحصان، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، قال: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33] ثم قال: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33]، قال هنا: فلا يسرف، ولم يقل: فلا يبذر، والأصل أن يقتل واحد بواحد، وهذا حق، لكن إذا زاد فهذا إسراف، ولم يسمه الله: تبذيراً؛ لأنه قائم في أصله على وجه حق، قال: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33]، فقد كان بعضهم يرى أن فيه أنفة وأن فلان بن فلان لا يمكن أن يقتل بواحد، ومر معكم في حرب البسوس: لما قتل جساس كليباً، وأخبر مهلهل أخو كليب بأن جساساً قتل أخاه، وقامت حرب البسوس بين بكر وتغلب ، وبكر وتغلب كلاهما من ربيعة، وكان فيهم أنفة، الشاهد أن أحدهم من الزعماء آنذاك أظنه الحارث بن عباد أراد أن ينهي المسألة، فبعث ابنه ليقتل بدلاً من كليب ، فيستريح مهلهل وتنتهي المسألة -وكان الحارث زعيماً- فبعث ابنه فرفض مهلهل وقتل الابن وقال له: ذوء بشسع نعل كليب ، وشسع النعل أي: ما يخرج من النعل الذي يضع فيه الإصبع، فهو يرى أن هذا الرجل لا يساوي إلا شسع النعل وليس النعل كاملاً.

    فالله يقول: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ [الإسراء:33] ثم قال: إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33] واختلف العلماء: في الضمير: هل هو عائد على أولياء الدم أم على المقتول؟ والعامة تقول: النفس منصورة، يعني: لا بد أن يظهر قاتلها، لكن الأقرب -والعلم عند الله- أنه يعود على أولياء الدم، وقد استنبط ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من هذه الآية -وهذا من دقائق الفهم وعجيب العلم- أن معاوية رضي الله عنه سيلي الخلافة؛ لأن معاوية طالب بدم عثمان ؛ لأنه من قرابته، فأصبح معاوية ولياً لدم عثمان ، والله يقول: فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33] وفراسة ابن عباس وتأويله ظهر جلياً بأن معاوية رضي الله عنه وأرضاه تولى الحكم بعد ذلك، بصرف النظر عن كيفية وصول الحكم إلى معاوية ، لكن الذي يعنينا هنا من الخطاب القرآني: أن الله جل وعلا حرم الدماء، وقد مر معنا في قوله تعالى في البقرة: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ [البقرة:179] ولا حاجة للتكرار، لكن من أعظم الخطايا: أن يتجرأ الإنسان على دم مسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول -نقل هذا عن ابن عمر -: (لهدم الكعبة أهون عند الله من قتل مسلم) على عظيم حرمة الكعبة؛ لأن الكعبة لو تسلط عليها من تسلط بقدر الله فهدمها فإنها تبنى، لكن المسلم إذا قتل وسفك دمه فلا سبيل إلى إعادة الحياة إليه؛ فلهذا حرم الله جل وعلا الدماء وأغلظ فيها وهي أول ما يقضى فيه من حقوق العباد يوم القيامة، عافانا الله وإياكم من دماء المسلمين.

    قال الله: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا [الإسراء:33] أي: له الحق أن يتكلم وله برهان أن يطالب، إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33] .

    ثم قال الله: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34] مال اليتيم ذكره الله جل وعلا مجملاً هنا تمهيداً لآيات ستأتي في سورة البقرة؛ لأن الخطاب هنا خطاب للمجتمع المكي، وحتى يبلغ أشده يتحقق بطريقتين: طريقة بدنية، وطريقة عقلية، الطريقة البدنية بالقدرة على النكاح، والطريقة العقلية عبر الله عنها: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا [النساء:6] فإذا بلغوا النكاح هذه قدرة بدنية، والإنسان يحتاج إلى قدرة بدنية وقدرة عقلية حتى إن كان يتيماً استطاع أن يملك ماله، واليتيم: من مات أبوه دون البلوغ، وهذا في بني آدم، أما في الحيوان: فهو من ماتت أمه؛ لأن الحيوان لا يعرف أباه، وأما في الطير: فمن مات أبوه وأمه، الآن: الطفل مثلاً أبوه الذي يتولاه، يأخذه للخياط ويفصل له ثياباً، يأخذه المدرسة يسجله، يأخذه إلى الأحوال ليخرج له بطاقة، وفي الحيوانات (بهيمة الأنعام) الأم هي التي ترعى الابن، أما الطير فتشترك الأم مع الأب في رعاية ولدهما، فيسمى من فقد والديه من الطير يتيماً، ومن فقد والده من بني آدم يتيم، ومن فقد أمه من الحيوانات وبهيمة الأنعام يتيم، وهذه استفرادات لغوية لا تنفع ولا تضر.

    الله حذر من أموال اليتامى، وهذا بيناه وسيأتي بيانه تفصيلاً، وقال: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا [النساء:10] لكن هذه آيات مكية كتمهيد لما سيأتي من أحكام تفصيلية في المجتمع المدني.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن... كل أولئك كان عنه مسئولاً)

    ثم قال تعالى: وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا [الإسراء:34] والعهود يجب إيفائها مع الكافر أو مع المؤمن، وسيسأل الإنسان عنها كما قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] وبعض العقود تلزم ديانة ولا تلزم قضاءً، وبعضها يلزم ديانة وقضاءً، مثلاً: إنسان قال لإنسان: أنا أريد أن اشتري سيارة لكن لا أملك أموالاً، وأنت رجل ذو ثراء ولك في التجارة، فيقول له الآخر: إن اشتريت سيارة بنية بيعها لك فهل تشتريها؟ فقال الأول: نعم، فاشترى الرجل السيارة غير راغب فيها، لكنه يريد أن يبيعها، فلما اشتراها بمائة ألف قال لصاحبه: قد اشتريتها وهي الآن في حوزتي وأريدك أن تشتريها، فرفض الأول وقال: لا أريدها، فهذا لا يلزم قضاءً، لكن ديانة قد يأثم عند كثير من العلماء، قال تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ [الإسراء:34-35] وهذا من حقوق الناس وقد جاء فيها: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1]، ثم قال: ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [الإسراء:35] .

    ثم قال الله وهي الآية التي نختم بها هذا اللقاء: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36] يسأل الإنسان عن سمعه وبصره وفؤاده، ومن أعظم ما يسأل عنه: إذا تجرأ على القول على الله جل وعلا بلا علم، وقد مر معنا أن عامراً بن الضرب أحد العرب في الجاهلية كانت الناس تأتيه وفوداً يحتكمون إليه في مسائل، فجاءه ذات مرة قوم في ميراث خنثى، هل يعطى من الميراث على أنه ذكر أو يعطى من الميراث على أنه أنثى؟ وكان عنده جارية تقوم على غنمه وفيها تأخر شديد إذا ذهبت بالغنم، فهي لا تستيقظ باكراً ولا تعود في حينها، وكان عامر يعاتبها واسمها سخيلة ، فذات مرة جاء هؤلاء العرب يحتكمون إليه باعتباره رجلاً تشد إليه الرحال في مثل هذه المسائل، فأقامهم في داره وأخذ يذبح لهم حتى كادت تفنى غنمه؛ لأنهم يطعمون والمسألة لم تنته، فسألته سخيلة وهي ترى سيدها يغدو ويروح في البيت، فأخبرها الخبر ساخراً منها، وقد يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، فقالت له متعجبة: أتبع الحكم المبال، يعني: إن كان مع هذا الخنثى آلة الذكورية فهو رجل، وإن كان معه آلة الأنوثة فهو امرأة، وأعطه الحكم على هذا السياق، فأصبح يرددها فرحاً بها، وحكم بينهم بعد أربعين يوماً وهم في ضيافته وانصرفوا، فسار وهو يقول: صبحي أو مسي يا سخيلة ! يعني: تأخري أو لا تتأخري فأنت معذورة. قد يقول قائل لك: ما علاقة هذا بقول الله جل وعلا: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] وهذه قلادة علمية، قال الإمام الأوزاعي معلقاً على القصة قال: هذا رجل جاهل لا يرجو جنة ولا يخشى ناراً توقف في حكم أربعين يوماً فكيف يأتيك أحد يتجرأ على مسألة ويفتي فيها ما بين عشية وضحاها، وربما كان لا يملك الآلة العلمية على الحكم فيها، ويوقع فيها عن شرع الله جل وعلا؛ لأنه لم يفقه معنى قول الله: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    وقد قلت مراراً: إن شيخنا الأمين الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في آخر أيام حياته وهذا من أخباره المكررة، لكن أحياناً الفوائد تلزم بالإعادة، جاءه وفد من الكويت يسألونه والشيخ رحمه الله في أخريات حياته توقف كثيراً عن الفتوى، فأخذوا يلحون عليه بالسؤال وقد ضربوا له أكباد الإبل، فالشيخ بعد إلحاح قال: أجيبكم بكلام الله، ففرحوا، وأصلح من جلسته ثم قال: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، فلما ألحوا عليه زيادة قال: قال فلان كذا، وقال فلان كذا، وقال فلان كذا، وأنا لا أحمل ذمتي من كلام الناس شيئاً. والمقصود: أن يؤسس طالب العلم نفسه أولاً على خشية الله: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] لكن إن طلب العلم وهو ينظر إلى الساعة التي يتصبر فيها فيسأل ويجيب حتى لو تكلف ما لا يعلم من أجل أن يسد فراغاً في نفسه، فهذا قد يهلك من حيث لا يشعر، وكان الأخيار قبلنا -نسأل الله أن يغفر لنا- يربي أحدهم نفسه على أن يقول: لا أدري، حتى لا تصاب مقاتله، والآية ليست محصورة في هذا؛ لأن الله قال بعدها: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36].

    نسأل الله أن يحفظنا في أسماعنا وأبصارنا وسائر جوارحنا، إن ربي لسميع الدعاء.

    هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله.

    وصلى الله على محمد وعلى آله.

    والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.