إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. تفسير سورة الإسراء
  5. سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الإسراء [4-14]

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الإسراء [4-14]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد تحدث الله في كتابه عن علوين وإفسادين يقعان ببني إسرائيل، واختلف أهل العلم في زمن حصول هذين العلوين والإفسادين، ثم أ خبر تعالى عن مصير هؤلاء في الآخرة والدنيا، وأخبر عن هداية هذا القرآن وما فيه من الحكم الدامغة، والبراهين الشاهدة على تفرد الله ووحدانيته، فلا إله غيره، ولا رب سواه، وهو أرحم الراحمين سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب...إلى قوله: وليتبروا ما علوا تتبيراً)

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسائر من اقتفى آثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    كنا قد انتهينا إلى قول الله جل وعلا: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:2-3] .

    ثم قال الله جل وعلا بعد هاتين الآيتين الكريمتين: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:4-8] .

    نقول بداية: الله جل وعلا يخلق ما يشاء ويختار، ونحن متفقون مع بني إسرائيل على أنهم في حقبة من الدهر اختارهم الله، فلا نرد كلام الله لأي عاطفة في قلوبنا، قال عز وجل: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32]، أي: عالم زمانهم.

    وهذا كقول الله جل وعلا في حق كليمه موسى: إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي [الأعراف:144]، أي: أهل زمانه، فموسى ليس أفضل من إبراهيم وهو قبله، وليس أفضل من محمد وهو بعده.

    نعود فنقول:

    إن الله جل وعلا يعطي الرايات لأمم يختارها، وهذه الرايات تسوق بها هذه الأمة الأمم، وليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، فكلما كانت أمة من الأمم أقرب إلى الله ديناً أناط الله بها قيادة العالم.

    فلما كانت الأرض في زمانهم مليئة بالوثنيين والطواغيت، وأخرج الله منهم كليمه موسى بن عمران واتبعوه وآمنوا به جعل الله جل وعلا الولاية في الأرض لهم دينياً، وهذا معنى قول الله: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان:32].

    فلما غيروا وبدلوا، وسفكوا الدماء، وردوا على الله قوله، وقتلوا أنبياءه، أخذ الله منهم الولاية والزعامة، وأعطاها لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم ما زالوا على أحلامهم، فهم ينظرون إلى أنفسهم على أنهم مصطفون، وعلى أن غيرهم أميون على حد زعمهم، ولهذا قال الله حكاية عنهم: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ [آل عمران:75].

    قال الله تعالى: وَقَضَيْنَا [الإسراء:4]، والقضاء -أيها المبارك- في القرآن ورد بصيغ يجب أن تحررها حتى تفهم:

    فقد ورد القضاء بمعنى: الخلق في قوله سبحانه: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ [فصلت:12] أي: فخلقهن سبع سماوات.

    وورد القضاء بمعنى: الحكم: إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ [النمل:78]، أي: يحكم بينهم.

    وورد القضاء بمعنى: الأمر، ومنه قول الله جل وعلا: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء:23]، أي: أمر ربك.

    هنا الله جل وعلا يخبر أنه قدر وأخبر بني إسرائيل: أن لهم علوان في الأرض يصحبهما إفسادان، وأن الله جل وعلا سيعليهم ذات مرة ثم يرد كيدهم بواسطة عباد له، ثم يجعل الغلبة مرة أخرى لبني إسرائيل، ثم يرد الكرة عليهم، وتكون كرة أخيرة؛ إذ ظاهر القرآن أنه لا يكون لهم بعدها ظهور.

    وقد اتفق المفسرون: أن بني إسرائيل سيعلون مرتين، وهذا نص القرآن: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4]، وأنهم سيقهرون مرتين كذلك، فإن قيل: هل وقع لهم العلوان أم لا؟

    فالجواب: بكل قال العلماء، وسنذكر بعض الأقوال دون النظر إلى من قال بها، ثم نبين موضع الإشكال في الآية الذي يردها.

    قال بعض العلماء: إن كلا الأمرين وقعا قبل الإسلام، وهذا الجواب يرد عليه بالقرآن: فقد ذكر الله المسجد، ولا يعلم حسب تاريخ اليهود أن فريقاً واحداً حاربهم حول المسجد؛ لأن الله يقول: وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:7]، فالله تكلم عن طائفة واحدة.

    وبعضهم يقول: إنه جالوت، وقول: إنه نبوخذ نصر ملك بابل، ستة قرون تقريباً قبل الميلاد.

    وبعض الناس يقول: إنه حصل الأول، لكن الثاني لم يحصل، بل سيحصل في زماننا هذا، على ما نحن فيه من علو بني إسرائيل الموجود عالمياً اليوم.

    وهؤلاء يقولون: إن العلو الأول قد ظهر لكن يبقى السؤال: على يد من قهروا؟ فإذا قلنا: إنه قبل الإسلام، فهذا لا يستقيم مع القرآن؛ لأن القرآن - كما قلنا - يتكلم عن طائفة واحدة، لأن الله يقول: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ [الإسراء:4-6] أي: على الأولين الذين جاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً.

    ثم قال جل وعلا: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا [الإسراء:6] ثم ذكر الثانية: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:7] فهم نفس الطائفة الأولى. إذاً: يفهم من الآية أن الآية تتحدث عن صراع اليهود مع طائفة واحدة، ومعلوم قطعاً: أن عمر بن الخطاب فتح القدس سلماً، ولم تكن القدس أيام عمر تحت حكم اليهود، وإنما كانت تحت حكم النصارى.

    وهناك قصيدة ذائعة أظنها للشاعر الفلسطيني خالد أبو العمرين التي يقول فيها:

    اضرب تحجرت القلوب فما لها إلا الحجر

    اضرب فمن كفـ ـيك ينهمر المطر

    في خان يونس في بلا طة في البوادي والحضر

    من فتية الأنفال والشورى ولقمان وحفاظ الزمر

    ثم يقول:

    في القدس قد نطق الحجر لا مؤتمر لا مؤتمر

    أنا لا أريد سوى عمر

    يقصد بلا مؤتمر لا مؤتمر: أي: للسلام هذا قصد الشاعر، لكن الشاعر هنا في ما أعلم أنه فلسطيني ولست متأكداً، لكنه يدل على أنه لم يحفظ السياق التاريخي؛ لأن قوله: لا مؤتمر لا مؤتمر، أنا لا أريد سوى عمر خطأ علمي؛ لأن عمر دخلها سلماً ولم يدخلها حرباً، ولم ينزعها من اليهود بالحرب، وأنت تتحدث عن اليهود والحرب، فهذا يجب استصحابه.

    وقال آخرون: الإشكال كذلك في قول الله جل وعلا: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:8]، وعسى من الله واجبة.

    يقول المفسرون: وهذا يدل على أنهم داخلون في الرحمة، ومعلوم أن اليهود بعد الإسلام لا يسمون يهوداً إذا آمنوا، بل يسمون: مسلمين، ولا يمكن أن تصلهم رحمة بمفهومها الخاص وهم كفار.

    والله يقول: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8] فقال بعضهم: إنهم كلما عادوا للإفساد عاد الله جل وعلا للتذليل والتنكيل بهم، ويستشهدون بأنهم في عصرنا هذا ظهر إفسادهم فسلط الله عليهم هتلر .

    هذه كلها أقوال منثورة، لكنها إذا طبقت على الآية ومع السياق التاريخي فلا يمكن أن تتفق، والذي يترجح عندي: أن عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:8] ليس لها علاقة باليهود، ولا تتحدث عن بني إسرائيل؛ لأن عسى من الله واجبة، والله قد علم أن اليهود لن تعود لدين الإسلام، والتاريخ يشهد بهذا، وسنقاتلهم حتى قبيل قيام الساعة، ولو عادوا لما سموا يهوداً.

    فـعَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8]، المخاطب بها: كل من آمن بالقرآن، هذا الذي أفهمه من الآية.

    وإن قلت في بعض الدروس: إن المفسرين يقولون: وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8] أي: كلما عدتم إلى الإفساد عدنا للتنكيل والعذاب، واستشهدوا بقضية هتلر ، وقالوا: فسدوا في أول الزمان فسلط الله عليهم نبيه وأصحابه فأخرجوا بني النضير وبني قينقاع وبني قريظة، لكن قلنا: هذا لا يستقيم مع الآيات، الآيات تتحدث عن مسجد ولا تتحدث عن شيء عام.

    الكلام على العلوين والإفسادين اللذين يحصلان لبني إسرائيل

    هذا يدفعنا للحديث في أمور كثيرة، والذي يظهر ولا أستطيع أن أجزم به: أن كلا الإفسادين والعلوين لم يقعا، وربما -والعلم عند الله- وقد قال به بعض المؤرخين المعاصرين: أن ما يحصل الآن هو العلو الأول لبني إسرائيل، ثم في ما يبدو - والعلم عند الله - أنه يتم إخراجهم من المسجد الأقصى دون أن تذهب دولتهم بالكلية بمعنى: إلى حدود سبع وستين.

    ثم بعد ذلك فيما يظهر: أنهم يستعينون بقوى العالم فتعينهم فيخرجون المسلمين من المسجد الأقصى، ثم إن الله جل وعلا يهيئ للأمة آنذاك من يرد كيد اليهود وهي الملحمة الأخيرة التي فيها الحديث: (ستقاتلون اليهود، وفيها ينطق الحجر والشجر إلا الغرقد) هذا الذي يبدو والعلم عند الله.

    دولة إسرائيل المعاصرة سميت بإسرائيل: نسبة إلى يعقوب الذين هم من ذريته، وقد أعلنت عام 1948م، والذي أعلن من رؤساء إسرائيل قيام الدولة: بن غوريون أول زعيم إسرائيلي، وهناك مطار باسمه.

    بعد إحدى عشر دقيقة من إعلان بن غوريون قيام دولة إسرائيل أعلن ترومان الرئيس الأمريكي آنذاك اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بقيام دولة إسرائيل، مما يدل على أن الأمر كان متفقاً عليه، وهذا لا يحتاج إلى شواهد ولا إلى دلائل.

    حينذاك لم يكن المسجد الأقصى تحت حكم دولة إسرائيل، ففي عام 48م كانت تل أبيب وما حولها، ولم تدخل ما يسمى الآن بالضفة الغربية وقطاع غزة في الحكم الإسرائيلي.

    ثم حدثت حرب 5 حزيران 67م، في تلك الحرب دخلت القدس وبالتالي المسجد الأقصى في حكم بني إسرائيل، فيصبح الإفساد المقصود به في الآية: الحيلولة بين الناس وبين المسجد الأقصى.

    قال: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4] أنت ترى الآن أن أكثر قرارات رؤساء العالم في الغرب في أمريكا يتحكم فيها اليهود، لكننا نقول ونتكلم بإنصاف حتى نستفيد: الله جل وعلا له سنتان: قدرية وشرعية، وله حبلان: حبل متصل به، وحبل متصل بالناس، والتمكين في الأرض يكون بالأخذ بالسنتين والحبلين، الله يقول: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ [آل عمران:112] فقطعاً اليهود حبلهم مع الله ضيعوه بكفرهم، فبقي الحبل مع الناس.

    قبل مائة عام تقريباً كان يمنع اليهود من دخول مواطن معينة في أمريكا، ينظر إليهم على أنهم أراذل الناس، ولا يقبل أن يدخلوا أماكن يرى أصحابها أنه من العار أن يدخلها اليهود، فأخذوا بحبل من الناس.

    من الذي أعطى الإسرائيلين الفكر الصهيوني أصلاً؟ من الذي أعطاها وعداً بأن تقوم دولة إسرائيل في فلسطين؟ بريطانيا، وكلنا درسنا في التاريخ وهذا ما يعرفه عوام المسلمين ما يسمى بوعد: بلفور ، لكن الصهاينة كانوا يقرءون التاريخ السياسي قراءة صحيحة، فما تمسكوا ببريطانيا رغم أنها هي التي أعطتهم الوعد.

    بل كانوا يقرءون أن الرياح العالمية تميل نحو الولايات المتحدة، فضربوا أوتاد خيامهم في أمريكا وأصبحوا يحاولون أن يصلوا إلى صناع القرار في الكونجرس والبيت الأبيض، وتركوا بريطانيا لعلمهم في القراءة السياسية أن القوة ستميل ناحية أمريكا.

    فالمقصود: أن الصهاينة قرءوا السياسة جيداً، وعلموا أن القرار العالمي سيصبح مصدره الأول في الولايات المتحدة، فسحبوا بساط النفوذ من بريطانيا، وجعلوه في أمريكا، وأصبحوا ينيخون مطاياهم هناك، فتصور بلداً أو قوماً أو قلة من شذاذ الآفاق يدخلون بلداً كانوا قبل عام ممنوعين من دخول مواطن معينة فيه لأنهم عار، ثم بعد مائة عام من حياة الأمم يصبح القرار الأمريكي قلما يصدر إلا عن طريقهم، ويطلب رضاهم جميع من حكم الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا حبل من الناس، أما حبل الله فليس لهم عنده من حبل؛ لأن الكفر يقطع كل شيء.

    وبنو الإسلام -للأسف- ضيعوا حبل الله وحبل الناس، لكن لو وجد حبل الله كاملاً ووجد مع اليهود حبل الناس فقط فسيغلب حبل الله، لكن الولاية العامة لا بد فيها من حبل الله وحبل الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم -وأنت تعلم أنه القدوة والأسوة وعليه أنزل القرآن- كان يتآلف العرب بالزواج منهم، وهذا من حبل الناس، (حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) وهذا من حبل الناس كما قال صلى الله عليه وسلم.

    ولما خرج إليه زعيم أحد القبائل في قريش التي تعظم الهدي في صلح الحديبية قال: (هذا من قوم يعظمون الهدي أخرجوا الهدي من مكانه) فأخرج الهدي، والهدي ضامر لأنه محبوس، والله يقول: وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الفتح:25]؛ لأن الهدي قطع مسافات من المدينة إلى مكة وحبس من دخول الحرم فأصبح معقوداً ضامراً ولا مرعى.

    فلما جاءه رجل من قوم يعظمون الهدي أمرهم بأن يطلقوا الهدي حتى يرى هذا، فهذا من مجرد ما رأى الهدي رجع قبل أن يلقى النبي وقال: ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت، ورجع إلى قريش يحذرها، هذا كله داخل في حبل الناس، والأخذ بالأسباب المشروعة، لكن الإنسان لا يؤجر على حبل الناس، بل يؤجر على حبل الله، لكن الحبل العظيم حبل الله بلا شك، فإذا أخذت بحبل الله كاملاً فخذ بحبل الناس قدر الإمكان.

    الذي يعنينا: أن المسجد الأقصى قلنا دخل في حكم اليهود بعد حرب 67 وهو باق إلى يومنا هذا، نسأل الله له الخلاص.

    معنى قوله تعالى: (جئنا بكم لفيفاً)

    قال الله: اسْكُنُوا الأَرْضَ [الإسراء:104] هذه من الإشكالات التي لا تجعلني أجزم؛ لأن الله قال: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104] يعني: عندما نريد أن نهلككم نجمعكم.

    قال: اسْكُنُوا الأَرْضَ [الإسراء:104] ولم يحدد الله مكان الأرض؛ ولهذا فاليهود قبل قيام دولة إسرائيل كانوا منتشرين في أكثر بقاع العالم، فالحكومة التي حكمت بقيادة بن غوريون أول ما حكمت وضعت أموالاً باهظة لمن يأتي من اليهود إلى إسرائيل؛ لأن اليهودية ملة، أما إسرائيل فدولة.

    والذي يعنينا: أنه يوجد يهود الآن في أمريكا ممن يحملون الجنسية الأمريكية أو غيرها، لكن يوجد يهود في إسرائيل معه جنسية إسرائيلية، فجاء يهود الدونما ويهود الفلاشا من اليمن وحدها، فقد ثبت أنه خرج أربعة آلاف يمني يهودي ممن يقطنون اليمن، ويهود الدونما جاءوا من الاتحاد السوفيتي، ويهود الفلاشا أتو من الحبشة مصداقاً لقول الله جل وعلا: جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104] أي: بحصادهم.

    فقد يكون هذا العلو والإفساد متتابعاً، وهذا من الإشكالات.

    قال تعالى: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ [الإسراء:4] أي: في الكتاب الذي عنده.

    لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ [الإسراء:4]، والله لا يتكلم عن فساد أفراد وإنما يتكلم عن فساد أمم.

    وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4] أي: أمراً ظاهراً.

    فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا [الإسراء:5] أي: أولى المفسدتين.

    بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا [الإسراء:5]، وجاسوا هنا: تسمعون في الاصطلاحات العسكرية الآن بما يسمى: تمشيط المنطقة، فجاسوا تأتي بنفس المعنى، والتمشيط لا يكون إلا من ذوي قدرة، أي: أن الذي سيغلب اليهود سيكون له سلطان، وسينقب تنقيباً حثيثاً عنهم: فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا [الإسراء:5] .

    قال: ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَليْهِم [الإسراء:6] والذي رد الكرة رب العزة، لكن لا بد أن يكون هناك أسباب، وهو جل وعلا الذي جعلها.

    قال: وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ [الإسراء:6] وعلى القول الأول أياً كان الأمر هذا -يعني: العلو هذا، أو هذا الثاني- وهذا ما نراه من تظافر الأمم معهم.

    قال: وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ [الإسراء:6] لاحظ تعبير القرآن، قال: نَفِيرًا [الإسراء:6] وكأنه يمثل البوق الإعلامي، ما قال: وجعلناكم أكثر عدداً؛ لأن اليهود أقلية لا يمكن أن يصبح عددهم كثرة هائلة، مستحيل حتى في التوالد، يعني: أنهم بضعة ملايين في العالم كله يمكن عدهم؛ ولهذا ما قال الله: أكثر عدداً، بل قال: وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ [الإسراء:6-7] وكلمة الآخرة تدل على أنه لا ثالث بعدها، قال: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ [الإسراء:7] أي: وجوه اليهود.

    وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الإسراء:7] والمسجد قطعاً هنا المقصود به: المسجد الأقصى.

    وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا [الإسراء:7] قلت: إلى هنا نقول: انتهى الحديث عن اليهود.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عسى ربكم أن يرحمكم... وكان الإنسان عجولاً)

    عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [الإسراء:8] وعسى من الله واجبة، لكن أكثر المفسرين على أن لها علاقة بما مضى.

    عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا [الإسراء:8] قال المفسرون: إن عدتم للإفساد عدنا للتنكيل.

    وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا [الإسراء:8] حصيراً بمعنى: مطوقة لهم لا تنفك عنهم، فتلازمهم ولا يستطيعون أن يخرجوا منها.

    نقول في جملة ما يمكن أن نبين حول ما ذكرناه على غير قواعد المفسرين: أن الإنسان يجب عليه أن ينصر الله ورسوله، لكن نصرة الله ورسوله تحتاج إلى وعي وإدراك، فليست القضية قضية دعاو، ولا أن يتخبط الإنسان في طريقه، وإنما لا بد من فهم وإدراك تام للكيفية التي ينصر العبد بها دين ربه جل وعلا، أن ينظر نظرة بعين القدر وعين الشرع، وهذا حررناه مراراً، النظر إلى المصالح والمفاسد، فليس الطبيب الحاذق -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- من يهدم مصراً ليبني قصراً.

    والآنية في التفكير، وعدم الاستعجال في الثمرة، وأنه ليس شرطاً ولا لزاماً ولا تزكية لنا أن تحرر القدس في أيامنا، فإن الله جل وعلا أخبر نبيه في آيات كثيرة أنه عليك البلاغ وقد نتوفاك وما أريناك الذي وعدناهم، قال تعالى: أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ [الزخرف:42].

    والمعنى: أن الدين ليس مرتبطاً بجيل معين ولا بشخص بعينه، وإنما الإنسان يسعى سعياً على بينة وبصيرة في نصرة دين الله جل وعلا، فكلما كان الإنسان ساعياً للم الشمل وجمع كلمة الأمة والحفاظ على مكتسباتها ومقوماتها كان هذا أثخن في صدر العدو.

    وكلما كان الإنسان سبباً في التفريق والشتات وضياع وحدة الأمة ومكتسباتها ومقوماتها كان ذلك أرضى لأعداء الله، قال الله: وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال:46] هذا من جملة ما أردنا بيانه.

    ونعود للآيات من باب الصناعات غير التاريخية: قال الله: وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4] العلو هنا يعرب عند النحويين: مفعولاً مطلقاً، وهو يأتي على ثلاثة أنواع:

    إما مؤكداً لعامله، وإما مبيناً لنوعه أو عدده، وهو هنا مبين للنوع؛ لأنه جاء موصوفاً: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [الإسراء:4-5] وكلمة بأس في القرآن وردت بعدة معان منها: الحرب، قال الله جل وعلا: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18] أي: ولا يأتون الحرب.

    قال: فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ [الإسراء:5-6] مر معنا أن كلمة: بنين ملحقة بجمع المذكر السالم، فترفع بالواو وتنصب وتجر بالياء.

    ومن الملحقات بجمع المذكر السالم كلمة: أهلون، وقد وردت في القرآن: شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا [الفتح:11]، وكلمة: أرضون، ولم ترد في القرآن بل وردت في السنة: (طوق من سبع أرضين) .

    قال الله تعالى: فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا * إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ [الإسراء:5-7] هذه كلها ليس فيها شيء ظاهر.

    نعود للتفسير، قال الله بعدها: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء:9] الآن أنخ مطاياك وقارن؛ قال الله في أول السورة: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء:2]، فالتوراة مخصوصة، أما القرآن فعام، ولهذا قال الله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] أي: أن أي أحد يهتدى به، فلم ينزل لقوم بعينهم كما أن التوراة هدى لبني إسرائيل.

    قال: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] كل ما دعا إليه القرآن فهو قويم وسبيل مستقيم، وهذا أمر حرر فيه العلماء مطولات لكني أذكره إجمالاً.

    إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا [الإسراء:9-10] أي معنى الآيتين: أن القرآن فيه وعد ووعيد.

    وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا * وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:10-11] معنى الآية: أن الإنسان أحياناً يضجر فيدعو على نفسه وماله وولده إذا غضب بالهلاك مثلما يدعو لنفسه بالخير، بمعنى: أنه إذا ضجر من دابته دعا عليها، وإذا ضجر من ابنه دعا عليه، وإذا ضجر من ماله دعا عليه، فالله جل وعلا يقول: لو كنت مستجيباً في دعائه بالشر كاستجابتي له في دعائه بالخير لهلك الإنسان، ولهذا قال الله بعد: وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11] قال ابن عباس : أي: ضجراً، لا يرضى ولا يتحمل لا سراء ولا ضراء.

    والواو في (يدعو) ثابتة لفظاً لكنها حذفت كتابة، على خلاف بين العلماء لماذا حذفت؟ لكن الذين رسموا القرآن في الأول نلحظ فيهم أن العين إذا جاءت بعدها واو مستقبلة اللام الساكنة يحذفون الواو، ونظيرها قوله تعالى: سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق:18] فهي مكتوبة من غير واو لنفس القاعدة، وهناك قرائن أخرى: وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا [الإسراء:11].

    من الفوائد الحياتية يقولون: إن العجلة مكروهة على العموم إلا في أحوال ست، نحاول أن نتذكرها سوياً، العجلة مكروهة في بني آدم إلا في أحوال ست:

    أولها: الصلاة إذا دخل وقتها، فيعجل بأدائها.

    والميت إذا حضر موته يعجل بدفنه.

    والبكر إذا أدركت يعجل بزواجها.

    والضيف إذا نزل يعجل بإطعامه.

    والدين إذا وجد يعجل بقضائه.

    والذنب إذا وقع يعجل بالتوبة منه.

    وآكدها: الصلاة؛ لأن من قواعد الشرع: أن ترك المأمور أعظم من ارتكاب المحظور، مع أن كليهما عظيم، لكن ترك المأمور أعظم من ارتكاب المحظور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا الليل والنهار آيتين... كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً)

    ثم قال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12] الآيتان ظاهرتان.

    والقرآن -أيها المبارك- فيه محكم ومتشابه، والقرآن كتاب مسطور تقرأه، قال الله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ [الإسراء:9] وقال بعدها: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ [الإسراء:12] فالليل: متشابه، والنهار: محكم، فكما توجد في القرآن آيات محكمة ومتشابهة توجد في الكون آيات تدل على ربنا محكمة ومتشابهة، فالمتشابه: الليل، والمحكم: النهار.

    وكذلك في القرآن آيات محكمة ومتشابهة، ولا غنى للناس عن الليل والنهار سوياً، فكذلك لا غنى للمؤمنين عن المحكم والمتشابه، قال الله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50] وهنا قال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ [الإسراء:12] ولم يقل: آية؛ لأن عيسى ومريم عليهما السلام يمكن الجمع بينهما في وقت واحد، تراهما في وقت واحد عيسى مع أمه، لكن الليل والنهار محال أن يجتمعا في وقت واحد، فإما أن نكون في ليل وإما أن نكون في نهار، فهما ضدان لا يجتمعان، فلما كانا لا يجتمعان ثنى الله جل وعلا فقال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ [الإسراء:12] .

    ولما كان يمكن الجمع بين عيسى وأمه، وأنه يمكن لأي شخص أن يراهما سوياً؛ قال الله: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50].

    قال: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً [الإسراء:12] أي: الشمس، وآية الليل هي: القمر.

    قال: وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ [الإسراء:12] جعل الله جل وعلا في النهار ابتغاءنا الفضل من الله: وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا [النبأ:11] .

    وجعل بالليل قيام الحساب والمواقيت: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [البقرة:189] .

    نعود فنقول: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا [الإسراء:12] ثم قال الله: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:13-14] .

    العرب كانت تستخدم الطائر في الخير والشر تتفائل به وتتشاءم، فورد عنهم لفظ: سارحة وبارحة، يتفاءلون ويتشاءمون بالسارح والبارح، الذي يأخذ ذات اليمين، أو الذي يأخذ ذات الشمال، يقول الكميت الأسدي:

    ولا السارحات البارحات عشية أمر غراب البين أم مر أعضب

    ولكن إلى أهل الفضائل والتقى وخير بني حواء والخير يطلب

    بني هاشم رهط النبي فإنهم بهم ولهم أرضى مراراً وأغضب

    يقول العلماء البلاغيون: خاطب الله العرب بجنس كلامهم، معنى الآية: أن الله جل وعلا كتب على بني آدم حظهم من الخير ومن الشر، فهو ملازم له ملازمة الطوق على العنق، وإنما يسمى ما على العنق طوقاً أو قلادة، وما على الساعد: أسورة، وما على الإصبع: خاتماً، وما على الساق: خلخالاً.

    وفي المثل العربي الشهير يقال: شذ عمرو عن الطوق، وعمرو هذا رجل شاب وكان ابن أحد الملوك، فكانت أمه عندما كانت تربيه وتعنى به تلبسه طوقاً أو قلادة أو تزينه في الجاهلية، فلما بلغ مبلغ الرجال ترك الطوق. فيقال في الرجل الشاب إذا أدرك معالي الأمور وتجاوز مرحلة المراهقة وحياة البحث عن الذات: شذ فلان عن الطوق، تجاوز تلك المراحل، تجاوز تلك الأيام.

    الذي يعنينا: أن الله جل وعلا شبه عمل بني آدم أنه ملازم له لا ينفك عنه كما أن الطوق لا ينفك عن العنق، ثم يوم القيامة يعرض له.

    قال: وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا [الإسراء:13] أي: مفتوحاً، وقد مر معنا: سيف مشهور، وكفن منشور، وقبر محفور.

    قال: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا [الإسراء:14] هنا المفسرون يأخذون عبارة شهيرة للحسن البصري أبي سعيد رحمه الله وهو قوله: قد أنصفك من جعلك حسيب نفسك.

    اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [الإسراء:14-15] وهذه ظاهرة.

    هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.