إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الإسراء [1-3]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أيد الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالآيات والمعجزات والبراهين الدالة على صدق دعوته وما جاء به، ومن هذه الآيات: حادثة الإسراء والمعراج، فقد أسرى به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العلى، حتى سمع صريف الأقلام عند سدرة المنتهى، وقد كانت هذه الحادثة حقيقة بجسدة وروحه الشريفين صلى الله عليه وسلم، ولا ينكر هذه الحادثة إلا من هو أضل من حمار أهله، فإن الآيات القاطعات، والبراهين الدامغات، لتدل على قدره صلى الله عليه وسلم عند ربه، فمن أراد التشكيك في محبة الله لنبيه فليناطح الجبل، وليسد عين الشمس بيده الحقيرة، وأنى له ذلك.

    1.   

    الكلام عن أسماء سورة الإسراء والإرهاصات التي سبقت الحادثة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنشرع في هذا اللقاء المبارك -إن شاء الله تعالى- في تأويل سورة الإسراء، فنقول بداية: سورة الإسراء سورة مكية بالاتفاق، إلا بعض آيات منها كانت محل خلاف، ومنها قول الله جل وعلا: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ [الإسراء:85].

    أما بالنسبة لاسمها: فلها اسم توقيفي، واسمان اجتهاديان، أما الاسم التوقيفي فهو: سورة الإسراء، وبه دونت كثير من المصاحف، أما الاسمان الاجتهاديان فأحدهما أشهر من الآخر، فالاسم الاجتهادي الأول: أنها تسمى سورة بني إسرائيل، وقد جاء هذا على أقوال بعض الصحابة، كقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه -كما عند البخاري -: إن بني إسرائيل، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، لمن تلاد ومن العتاق الأول. والعتاق: جمع عتيق، والمقصود بها: إما ما بلغ الغاية في الجودة، أو ما كان حسناً قديماً، كما أن كلمة (تلاد) تأتي ضد كلمة طارف، فالعرب إذا ملكت شيئاً حاضراً جديداً تسميه طارفاً، وإذا تكلمت عن ملك قديم سمته تلاداً.

    ومقصود ابن مسعود بكلامه عن هذه السور المباركات: الإسراء، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء: أنها من أوائل ما أنزل، ومن أوائل ما أخذه عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    أما الاسم الأخير الاجتهادي فهو: سورة سبحان، وهذا وجد عند بعض المفسرين كـابن عطية والثعالبي ، فقد أطلقوا عليها اسم: سورة سبحان، هذا بالنسبة لتحرير الأقوال في تسمية السورة.

    وقد سميت بالإسراء لأن الله جل وعلا ذكر في أول آياتها المعجزة التي كرم بها نبينا صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بأن أسرى به جسداً وروحاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى.

    نلج الآن إلى باب التأويل:

    قال ربنا وهو أصدق القائلين: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1]، بداية نقول: إنه لا يمكن أن نفسر القرآن بمعزل عن السيرة، ثم لا بد أن نفسر القرآن ونحن نعلم أنه من عند الله مع استصحابنا لعظمة الله، فجمع هذه الأمور بعضها إلى بعض يعينك في التفسير.

    لقد بعث الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام بالهدى ودين الحق، فاضطهده قومه وأصحابه، لكنه قلب جميع الطرائق في الوصول إلى هداية الناس، ومن تلك الطرائق التي اتبعها أن ذهب إلى الطائف، فلما ذهب إلى الطائف رده أهلها، فلما عاد من الله عليه بسماع الجن له: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ [الجن:1]، ثم دخل مكة بعد أن منعته قريش بجوار المطعم بن عدي ، وقد كان صاحبه في تلك الرحلة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم صاحب تلك الأحداث موت خديجة كنصير داخلي، ومات عمه أبو طالب كنصير ظاهر رغم شركه.

    ومات عمك والأعداء في الأجم.

    في هذه الأجواء عرج به صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى، بعد أن أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فقدم الله في القرآن هذا الخبر القرآني بقوله: سُبْحَانَ [الإسراء:1]، وهي: مصدر لازم للإضافة يراد به تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، ولا يمكن لمن يفقه لغة العرب، ويرى أن الله قدم لهذا الحدث بقوله: سُبْحَانَ [الإسراء:1]، إلا يستبين له أن الحدث حدث عظيم، خارج عن المألوف، معجزة وكرامة لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا قدم الله جل وعلا بقوله: سُبْحَانَ [الإسراء:1]، وهذا يدفع قول من يقول: إن الإسراء والمعراج كان رؤيا، فالرؤيا المنامية التي يراها الإنسان -أياً منا- مهما عظمت وبلغت لا تعد أمراً خارجاً عن المألوف، فلا حاجة لأن يتصدر الخطاب القرآني بقوله جل وعلا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى [الإسراء:1]، والسرى: المشي ليلاً، يقال: أسرى، ويقال: سرى، تقول: أسريت وسريت.

    ولما كان الإسراء هو المشي في الليل ومع ذلك ذكر الله كلمة (ليلاً)، هذا دفع البلاغيين لأن يجيبوا عن هذا الإشكال بقولهم: إن كلمة (ليلاً) جاءت نكرة، فإما أن تكون للتقليل فيصبح المقصود: إظهار القدرة، بمعنى: أن هذا الإسراء تم في برهة وجيزة من الليل، وإما أن يكون المقصود من تنكيرها: التعظيم، والمعنى: ليل وأي ليل فيه دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه، هذا تخريج.

    1.   

    حادثة الإسراء والمعراج كما جاءت في السنة المطهرة

    بعد هذه الإطلالة نلج إلى موضوع الإسراء من السنة ثم نعود للآيات.

    - نقول إجمالاً مستنبطين ما في الإسراء والمعراج من دروس: إن النبي عليه الصلاة والسلام كان نائماً، فجاء جبريل والملائكة ليأخذونه، وقد تخيروه ممن كان نائماً معه، وقد استفاد العلماء من هذه القضية: أن الملائكة تعرف أعيان بني آدم، ولهذا عرفوه من بين النائمين، هذه واحدة.

    الثانية: عندما شق صدره شقاً حسياً من النحر إلى أعلى مرقاة البطن، وأخرج القلب -وهذا ثابت في الصحيح- وغسل في إناء من ذهب، وملئ القلب إيماناً وحكمة، فهم منها العلماء: أن الحكمة أجل شيء يعطاه المرء بعد الإيمان، قالوا: لأن النبي مهد لأن يرقى الدرجات العلى، وأن يصعد إلى سدرة المنتهى، فملئ قلبه إيماناً وحكمة، ففهموا أن الحكمة أجل ما يعطاه بنو آدم بعد الإيمان، وهي إصابة الشيء، أو وضع الشيء في موضعه الصحيح.

    ثم إنه غسل قلبه بماء زمزم، وفيه دلالة: على فضل ماء زمزم، وقد شهدت بهذا آثار تكلمنا عنها مراراً، ثم إنه عليه الصلاة والسلام قدم له البراق، وهي: دابة ينتهي حافرها حيث ينتهي بصرها، وكان معه جبريل، فأتى المسجد الأقصى، وهو مسجد إيليا، مسجد بيت المقدس، ويسمى: المسجد الأقصى الآن، وهذا اسم الشهرة، وكان قد جدد بناءه داود وسليمان عليهما السلام، لكنه وضع في الأرض بعد أن بنيت الكعبة بأربعين عاماً.

    وقول الله جل وعلا في القرآن: الأَقْصَى [الإسراء:1] وهو يتكلم عن المسجد الحرام لا يجعل المعنى متفقاً، إلا إذا كان هناك مسجد ثالث بينهما، وهذا فيه إرهاص مبدئي على أن هناك مسجداً سيعمر، وهو الذي كان بعد ذلك المسجد النبوي، ثم صلى النبي صلى الله عليه وسلم بإخوانه النبيين إماماً في المسجد الأقصى: في موطنهم، فالشام أرض النبوات، وفيها أكثر الأنبياء مع أن الإنسان لا يقدم عليه أحد في سلطانه، فلما تقدم النبي صلى الله عليه وسلم عليهم في سلطانهم ومحلهم دل ذلك على فضله، وهو مراد شرعي عظيم من ربنا، يخبر الله من خلاله هؤلاء الأنبياء أن محمداً صلى الله عليه وسلم وإن كان آخركم عصراً إلا أنه أرفعكم وأجلكم وأولكم شأناً وقدراً، وقد جاء في بعض الروايات التي لم تثبت سنداً: أنه التفت بعد أن صلى، فوجد مشيخة آبائه: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وعظماء الأنبياء، فقال لهم: إن الله أمرني أن أسألكم: أأمركم الله أن تدعوا إلى عبادة غيره؟ قالوا: لم يدعنا الله إلا أن نعبده، وندعو إلى عبادته وحده: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45] ، وفي قراءة: (يعبدون) فهذا الخبر يعضد سؤال هذه الآية، لكن لا أعلم سنداً صحيحاً في إثباته، لكن الثابت: أنه صلى بالنبيين إماماً، ولقيهم بعد ذلك كما سيأتي في السموات.

    وهنا سؤال مهم: هل صلى بهم أجساداً وأرواحاً، أم أجساداً دون أرواح، أم أرواحاً فقط؟ المترجح: أنه صلى بهم أرواحاً، وإن اختار بعض أهل العلم: التوقف، والتوقف أقوى.

    1.   

    والحق ما شهدت به الأعداء

    وقد ربط صلى الله عليه وسلم دابته في مربط كان الأنبياء قبله يربطون فيه دوابهم، وهذه الفائدة جاءت عند أبي نعيم في الحلية، إذ جاء فيها خبر أبي سفيان : أنه قدم على هرقل قبل إسلامه، فأخذ هرقل يسأله -وهو قيصر الروم- عن محمد صلى الله عليه وسلم، وأبو سفيان يحاول أن يجد ثغرة يبين فيها كذب النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه كان دبلوماسياً جداً، فقد خاف أن يقول كذبة يكتشفها هرقل فلا يصدقه فيما سيقوله بعد ذلك من حديث، وهو في قلبه مغبون على أنه مضطر لأن يصدق، حتى جاء عند هذه النقطة، فقال أبو سفيان لـهرقل : إنه زعم -أي: محمد- أنه جاء مسجدكم في إيليا في برهة من الليل فصلى وعاد. لعله أن يجد بذلك تسفيهاً لرأي النبي صلى الله عليه وسلم عند هرقل ، لكن الله يقول وقوله الحق: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الفتح:4]، فقد أنطق الله البطريق الواقف على رأس هرقل فقال بعد أن ترجم الكلام لـهرقل من قبل أبي سفيان : وإني لأعلم أي ليلة تلك، فتعجب هرقل والتفت إلى بطريقه وأعرض عن أبي سفيان ، قال: وما يدريك؟ قال: إنه لما كنت في إحدى الليالي أعمل ما جرت العادة أن أعمله، أغلق أبواب المسجد، فعجزت عن باب من أبوابها أن يغلق، فاستعنت عليه بخدمي وعمالي ومن حضرني من أهل تلك الليلة فعجزوا، فبعثت إلى النجاجرة -أي: المعنيين بإصلاح الأبواب- فلما قدموا قالوا: إن هذا الباب سقط عليه شيء من النجاف والأبنية، فإذا أصبحنا رأينا أين علته، فدعوه إلى الصباح، يقول: فتركته، فلما أصبحت بدأت بالباب فإذا بالصخرة التي توضع عندها الدواب مثقوبة، وفيها أثر مربط الدابة، فقلت لأصحابي يومها -أي: صبيحتها-: إن الباب ما حبس الليلة إلا على نبي، يعني: أن الله جل وعلا منعنا أن نغلق الأبواب إكراماً لنبي، والبطريق وقتها لا يعرف أي نبي سيأتي في تلك الليلة، لكن العلم الذي عنده من الكتاب ومعالجته لبيت المقدس وللمسجد من سنين عديدة جعله يفقه هذا الأمر.

    وفي هذا فوائد عظيمة جليلة من أهمها: أن الله رتب الأسباب على مسبباتها، فأنت تعلم -أيها المبارك- أن الله جل وعلا أسرى بنبيه في برهة من الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والله لا يعجزه شيء، ومن أكرم نبيه بهذا الإسراء قادر على أن يفتح له الباب ولو كان مغلقاً، لكن الله أعجز البطريق عن فتح الباب؛ حتى يصبح البطريق بعد ذلك شاهداً على دخول نبينا صلى الله عليه وسلم المسجد، وقد كان بالإمكان أن يغلق الباب فيأتي جبريل ويفتحه، لكن البطريق عجز عن الباب حتى يصبح فينظر في الباب، فإذا نظر في الباب رأى آثار النبي صلى الله عليه وسلم ودابته البراق، فيكون شاهداً على صدق قوله، فأصبح البطريق شاهداً عند قيصر على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    العروج بالنبي إلى سدرة المنتهى

    ثم بعد ذلك عرج به إلى سدرة المنتهى، ومن المعلوم أن السموات أبنية وسقف محفوظ كما قال الله، ولهذا دخل القائلون باستحالة وصول الإنسان إلى القمر من باب القرآن، فقالوا: قد ذكر الله بأن القمر في السموات فقال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا [نوح:16] أي: في السموات، وقال جل وعلا: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء:32]، فقالوا: لا سبيل إلى القمر؛ لأن القمر في السموات، والله يقول عن السموات أنها سقف محفوظ، لكن الذين يقولون بوصول الإنسان إلى القمر من علماء الملة يجيبون عن هذا الإشكال بأن (في) هنا لا تعني بالضرورة أن تكون ظرفية، أي: يكون القمر داخل السموات، وليس هذا المقام مقام التفصيل، لكنني استطردت قليلاً.

    ثم قابل صلى الله عليه وسلم في السماء الأولى: أباه آدم، وآدم هو أبو البشر، وقد نسبنا الله إليه فقال: يَا بَنِي آدَمَ [الأعراف:26]، وحول آدم أسودة عن يمينه وشماله، فمن كتب الله لهم الجنة ينظر إليهم فيبتسم، ومن كتب الله عليهم النار ينظر إليهم فيحزن ويبكي، وحق له ذلك فهو أبوهم، وكان الذي عرف آدم بمحمد، ومحمد بآدم هو جبريل عليه السلام، فقد استفتح قبل ذلك جبريل، فسأله الخازن: من أنت؟ قال: أنا جبريل، قال الخازن: أومعك أحد؟ قال: نعم، معي محمد، وقد فهم منها العلماء فائدة عظيمة وهي: أن الإنسان يجب عليه أن يستأذن إذا دخل على أصحاب دار ولو كان أفضل منهم؛ لأن جبريل ومحمداً عليهما السلام خير من خزنة السماء، ومع ذلك عرفا بأنفسهما، فقال: جبريل، ومعي محمد، وقد جاء الشرع بكراهة أن الإنسان إذا استأذن فسئل: من أنت؟ أن يقول: أنا، وليست كلمة أنا مكروهة لذاتها، إلا إذا خلت من التعريف، وبعض العامة اليوم يقول إذا تكلم عن نفسه: وأعوذ بالله من كلمة أنا، وهذا لا أصل له في الشرع، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه أنهم كانوا يقولون: أنا، فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر وعمر لما خرجا وقد أخرجه الجوع، قال: (ما الذي أخرجكما؟ قالا: أخرجنا الجوع، قال: وأنا أخرجني الجوع) فتكره في الاستئذان إن لم تكن أعقبت بالتعريف، أما في الأمور العادية فإن الله نقمها من فرعون لما بعدها، وليس لذاتها، فإنه قال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، ونقمها جل وعلا من إبليس لما قال: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [الأعراف:12]، فالإشكال عند إبليس وفرعون ما بعد كلمة أنا، ليس في لفظ كلمة أنا، إذاً ما تقوله العامة: وأعوذ بالله من كلمة أنا، ليس له دليل شرعي يعضده.

    إذاً: استأذن جبريل ومحمد فلقيا آدم، ثم ارتقيا إلى السماء الثانية فوجدا ابني الخالة: يحيى بن زكريا، وعيسى بن مريم عليهما الصلاة والسلام، فيحيى بن زكريا وعيسى بن مريم كثيراً ما يقرن الله بينهما في القرآن كما ورد في سورة مريم، وهما ابني خالة؛ لأن زكريا زوج لخالة عيسى بن مريم، ولذلك كفل مريم عليه الصلاة والسلام، ثم انتقل للسماء الثالثة فوجد يوسف عليه الصلاة والسلام وقد أعطي شطر الحسن، وبينا مراراً في هذا الدرس المبارك وفي غيره من الدروس أن المقصود بأن يوسف أعطي شطر الحسن أي: شطر حسن آدم، فآدم أجمل خلق الله من بني آدم؛ لأن الله خلق آدم بيده، فيوسف عليه السلام على الشطر والنصف من جمال أبيه، ولقي في السماء الرابعة أخاه إدريس وتلا: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا [مريم:57]، وإدريس لما رحب بالنبي صلى الله عليه وسلم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ففهم منها العلماء: أن إدريس ليس من عمود نسبه صلوات الله وسلامه عليه، أي: أن إدريس ليس جداً للنبي عليه الصلاة والسلام، إذ لو كان جداً في عمود نسبه لقال: أهلاً بالابن الصالح، لكنه قال: أهلاً ومرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، كما قال يوسف وكما قال عيسى بن مريم وكما قال يحيى، وكل هؤلاء ليسوا في عمود نسبه صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم أتى السماء الخامسة فوجد هارون بن عمران أخو موسى وأكبر منه سناً، وقد جاء في بعض الروايات أنه قال: (وجدت رجلاً تكاد تلامس لحيته سرته، قلت: من هذا يا جبريل؟! قال: هذا المحبب في قومه هارون بن عمران)، وقد كان هارون شخصية محبوبة جداً لبني إسرائيل، ثم في السماء السادسة قابل كليم الله وصفيه موسى بن عمران، ورحب به: (أهلاً بالأخ الصالح والنبي الصالح، وبكى -أي: موسى- فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي)، وقد فهم منها العلماء: جواز الغبطة في الخير.

    ثم أتى السماء السابعة فقال: (فوجدت رجلاً لم أجد أحداً أشبه بصاحبكم منه ولا منه بصاحبكم، وقد أسند ظهره إلى البيت المعمور، قلت: من هذا يا جبريل؟! قال: هذا أبوك إبراهيم)، وإبراهيم أب للنبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق، فرحب به قائلاً: (أهلاً بالابن الصالح والنبي الصالح)، وكل هذا الاحتفاء ليظهر الله لنا كرامة نبيه صلى الله عليه وسلم عنده.

    ثم رأى البيت المعمور، وهو بيت في السماء السابعة، يقول العلماء -والعلم عند الله- إنه مواز للكعبة، وقد أقسم الله به في الطور، قال: وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ [الطور:1-4] .

    ثم إن الله جل وعلا قربه وأدناه وكلمه وناجاه، لكننا نجزم -وإن كان في المسألة خلاف- على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه ليلة الإسراء والمعراج، وسيأتي معنا -إذا عدنا للآية- الدليل الظاهر على هذا، ثم إنه صلى الله عليه وسلم رجع فسأله موسى عن الصلوات فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لن تطيق ذلك، وقد عالجت الناس قبلك، فما زال يتردد بين ربه وبين موسى، ثم قال عليه الصلاة والسلام لموسى: (إنني استحييت من ربي) فنادى مناد: أنني أمضيت فريضتي وأبقيت أجري، فأعطى الله هذه الأمة خمس صلوات في اليوم والليلة بأجر خمسين صلاة.

    يقول العلماء: لقد اجتمع في النبي صلى الله عليه وسلم أمران: حياؤه من ربه، وشفقته على أمته، فاختار الحياء من ربه على الشفقة على الأمة، فأكرمه الله بأن أبقى له الحياء مع ربه، وأعطاه سؤله في الشفقة على أمته، وتحقق ما كان يقصده صلى الله عليه وسلم من شفقته على أمته.

    ثم بعد ذلك عاد عليه الصلاة والسلام من ليلته إلى فراشه، وهذا مجمل ما ورد في السنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً ... السميع البصير)

    يقول ربنا: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1] قلنا: إن ليلاً هنا نكرت للتعظيم، أي: ليل وأي ليل، مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [الإسراء:1] قلنا: إن المسجد الحرام يطلق في القرآن ويراد به واحد من أربعة:

    يراد به: مكة، ويطلق ويراد به: الحرم، وحدود الحرم جملة، ويطلق ويراد به: المسجد المحيط بالكعبة، ويطلق ويراد به: الكعبة.

    قال تعالى: مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى [الإسراء:1]، وكلمة الأقصى وحدها لا تفيد تشريفاً بخلاف الحرام فتفيد تشريفاً، ولهذا قال الله بعدها: الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، فشرف المسجد الأول بقوله: الْحَرَامِ [الإسراء:1]، وفي الثاني بوصفه بقوله: الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ [الإسراء:1]، أرض الشام أرض مباركة، قال: لِنُرِيَهُ اللام للتعريف، أي: لنري نبينا صلى الله عليه وسلم، مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1]، وهنا نعود لما كنا قد أجلنا الحديث عنه، فنقول:

    لا ريب أن رؤية الله أعظم من رؤية آياته، فلو كان في رحلة الإسراء والمعراج أن نبينا صلى الله عليه وسلم رأى ربه، والمقام مقام مدح وثناء وامتنان، لكان الذكر بأنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه أعظم من الثناء عليه والامتنان عليه بأنه رأى آيات ربه: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1]، والسميع والبصير اسمان من أسماء الله الحسنى، وقد اختارهما الله هنا بالتحديد لأن هذه الرحلة التي أكرم الله بها نبيه جاءت بعد عودته من الطائف، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو أثناء سيره من الطائف إلى مكة، فكانت مناسبة ذكر السميع: أن الله سمع دعاء نبيه واستجاب له: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي)، وأما البصير: فإن الرحلة كانت ليلاً، والله جل وعلا قادر على أن يحفظه ليلاً ونهاراً، لكن لما ذكر الليل كان أكمل؛ لأنه إذا قدر الله على حفظه بالليل فمن باب أولى أنه قادر على ذلك في النهار، والله على كل شيء قدير، ولهذا ذكر هذان الاسمان دون غيرهما في السياق: إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1] .

    إليك بعض المقارنات، فإن العرب تقول: وبضدها تتميز الأشياء:

    كان رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج هو جبريل، بدلاً من زيد ، وهذا لا يقلل من شأن زيد ، ثم إن الطائف كانت أرضاً مرتفعة ومع ذلك رده أهلها، وجبالها عالية على مكة يصطاف فيها الناس منذ القدم، وعن تلك الدار العالية عوضه الله بالسماوات السبع، وشتان بين سدرة المنتهى والطائف، ثم إنه دخل مكة بجوار المطعم بن عدي ، يعني: لم يستطع أن يدخلها لوحده، بل دخلها في جوار رجل كافر مات على كفره، قال حسان :

    فلو كان مجد يخلد اليوم واحداً من الناس أبقى مجده الدهر اليوم مطعماً

    أي : لو حصل ذلك لكان هذا الشأن من شأن المطعم بن عدي .

    هذا المطعم بن عدي دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في جواره، لكن في السماوات السبع لم يحتج صلى الله عليه وسلم أن يدخل في جوار أحد، إنما احتفى به الأنبياء والمرسلون لبيان كرامته عند ربه جل وعلا ولتكون معجزة ظاهرة له.

    1.   

    الإسراء والمعراج في أعين شعراء المسلمين

    وهذا الحدث الجليل تغنى به الشعراء الإسلاميون عبر التاريخ، قال البوصيري -وإن كان في ميميته ما فيها من الشركيات عياذاً بالله، لكن نأخذ منها بيتاً واحداً-:

    سريت من حرم ليلاً إلى حرم كما سرى البرق في داج من الظلمِ

    وإن كان قوله: إلى حرم غير صحيح؛ لأن المسجد الأقصى ليس بحرم، لكنه أرض مقدسة، وهناك فرق بين المقدس والمبارك والحرم، وقد تجتمع هذه الأوصاف في مكة والمدينة، وقد يكون مباركاً ومقدساً كالمسجد الأقصى، وقد يكون مقدساً مثل قوله تعالى لموسى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى [طه:12] أي: في أرض سيناء، لكنه ليس حرماً، وقد يكون مباركاً؛ لأنه من لوازم التقديس أن يكون مباركاً، هذا ما قاله البوصيري .

    أما شوقي فله في الإسراء والمعراج ذكران، الذكر الأول في الميمية، مطلعها:

    ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

    رمى القضاء بعيني جؤذر أسداً يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم

    والجؤذر بقر الوحش، تضرب به العرب المثل في جمال العينين لاتساعهما، والأسد معروف، وهو يقصد أن النساء وإن كن ضعافاً فإنهن يغلبن الرجال بأعينهن، وهذا من السياقات التي كانت العرب تعتمدها في شعرها، فهم يبتدئون أشعارهم بالغزل، كقول كعب :

    بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول

    والقصيدة فيها ضروب شتى من مدح النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الذي يعنينا منها ما تكلم عن حادثة الإسراء والمعراج، فقد ذكر رحمه الله تعالى قضية الإسراء والمعراج، وقال قبلها:

    الله قسم بين الخلق رزقهم وأنت خيرت في الأرزاق والقَسمِ

    إن قلت في الأمر لا أو قلت فيه نعم فخيرة الله في لا منك أو نعمِ

    أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدمِ

    لما رأوك به -أي بالمسجد- التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم

    صلى وراءك منهم -أي: من الأنبياء- كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتممِ

    ثم قال:

    جبت السماوات أو ما فوقهن دجى على منورة درية اللجم

    ركوبة لك من عز ومن شرفٍ لا في الجياد ولا في الأينق الرسم

    حتى بلغت سماءً لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم

    ثم بين أن هذا كله منحة ربانية وعطية إلهية:

    مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتُّهمِ

    وفي الهمزية قال رحمه الله:

    يا أيها المسرى به شرفاً إلى ما لا تنال الشمس والجوزاءُ

    يتساءلون وأنت أطهر هيكل بالروح أم بالهيكل الإسراءُ

    بهما سموت -أي: روحاً وجسداً- مطهرين كلاهما رَوُحٌ وريحانية وبهاء

    تغشى الغيوب من العوالم كلما طويت سماء قلدتك سماء

    أنت الذي نظم البرية دينه ماذا يقول وينظم الشعراءُ

    والذي يعنينا: أن هذا الأمر وإن كان معجزة ظاهرة وكرامة لنبينا صلى الله عليه وسلم إلا أن أمته يلحقها من هذه الكرامة شيء؛ لأن إكرام النبي إكرام للأمة، وإكرام الأمة إكرام لنبيها.

    هذا ما يتعلق بقول الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآتينا موسى الكتاب ...من دوني وكيلا)

    ثم قال الله بعدها: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء:2] وموسى هذا : موسى ابن عمران، والكتاب هنا: التوراة بالإجماع، وَجَعَلْنَاهُ [الإسراء:2] أي: التوراة، هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء:2]، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وإليه ينسب أبناؤه فيسمون بني إسرائيل، والذين منهم موسى عليه الصلاة والسلام.

    قال: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [الإسراء:2] أي: وقلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلاً، ومن هنا يفهم: أن اللواء الأعظم الذي حمله الأنبياء عبر التاريخ البشري كله هو: ألا يعبد أحد من دون الله جل وعلا، وهذا يعيدنا إلى الآية الأولى؛ لأن من أخطائنا في دراسة السيرة: أننا ندرس الإسراء والمعراج لنبين مقام نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا حق، لكن ينبغي قبل أن نعرف الناس بفضل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم وبيان مكانته أن نبين عظيم قدرة الله جل وعلا، وحتى يشعرك -وهذه هي الغاية من ذكر الإسراء والمعراج- أن أولياء الله لا يمكن أن يكون عليهم خوف ولا حزن، أنت تقوم الليل وتقول في دعائك: اللهم إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت، وهذه الأخيرة فقط استمسك بها جيداً وتأمل دائماً وأنت تراجع معنى: ولا يذل من واليت، فكل مكان دخلته، وكل طريق سلكته، خفت فيه من الذل لن ينالك ذل إن كان وليك الله، وليس بين الله وبين أحد من خلقه إلا الأعمال الصالحة، وأنا أعرف بعض من أثق في رشدهم إذا دعوا يقولون: اللهم ارزقنا رضاك؛ فإنه لا يضر مع رضاك سخط أحد، وارزقنا ولايتك؛ فإنه لا يذل من واليت، فإذا تولاك الله فلا يمكن أن تذل أبداً.

    فنبينا صلى الله عليه وسلم ضربته العرب عن قوس واحدة، فأكرمه الله جل وعلا بهذه الكرامات الجليلة حتى نفقه -عندما يخبرنا الله بها- أي خير نؤمل فيه إذا تولانا سبحانه، وهذا المقصود الأسمى من ذكر مثل هذه الأخبار في القرآن بصورة أولية، وهي بيان عظمة الجبار جل جلاله، ولذلك استفتح الله الآيات بقوله: سُبْحَانَ [الإسراء:1].

    قال تعالى: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ [الإسراء:2] أي: التوراة، هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء:2] وسيأتي معنا في درس قادم -إن شاء الله- التفريق ما بين قول الله: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9] وبين قوله: هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا * ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [الإسراء:2-3] يقول أكثر المفسرين هنا: إن معنى الآية: يا ذرية من حملنا مع نوح! يقولون في نصبها: إنها منادى لحرف نداء محذوف، والمعنى: يا ذرية من حملنا مع نوح! والحق: أن هذا عندي غير مقنع، لكنني لا أملك بديلاً عنه، لكن قولهم: إنها منادى لحرف نداء محذوف أراه منسجماً مع بلاغة القرآن، فنقول: ذرية من حملنا مع نوح، ونوح عليه الصلاة والسلام أول الرسل إلى الأرض، وهو الذي حمله الله جل وعلا في السفينة ونجاه كما قال: فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ [العنكبوت:15]، فكل من جاء بعدهم -أي: بعد من نجوا- هو من ذرية من حمل الله جل وعلا مع نوح، لكن هذا تعميم، وتشكل علينا هنا آية الصافات، وهي قول الله تعالى: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات:77]، فهنا حصر للخليقة بعد نوح في أبنائه الثلاثة؛ لأن أبناء نوح أربعة: يافث، وكنعان، وسام، وحام، فكنعان على المشهور هلك في الطوفان، فبقي الثلاثة: سام، وحام، ويافث، فعلى آية الصافات: وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ [الصافات:77]، فالناس ينسبون إلى هؤلاء الثلاثة، لكن آية الإسراء لا تساعد على هذا؛ لأن الله قال: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [الإسراء:3]، وممن حمل مع نوح أبناؤه وغيرهم، وليس مقصوراً على أبنائه فقط: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، وهذا من نعت الله جل وعلا لهذا النبي الكريم عليه السلام؛ لأنه كان شاكراً، وقد مر معنا أن قواعد الشكر عديدة، لكن من أهمها: أن تعلم أن النعمة من الله، هذه أول قاعدة في الشكر.

    القاعدة الثانية: أن تثني على الله بها.

    والثالثة: أن تستعملها فيما يحب الله.

    والرابعة: أن تحدث بها غيرك.

    قال تعالى: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، هذا ما يتعلق بالتفسير.

    1.   

    نظرة على الصناعة النحوية في الآيات السابق تفسيرها

    ثم نأتي بعد ذلك إلى الصناعة النحوية فنقول:

    إن (سبحان) مصدر ملازم للإضافة، ويضاف للضمير كما يضاف للاسم الظاهر، فمثال إضافته للضمير قولنا: الله سبحانه، فأضفنا المصدر إلى الهاء وهي ضمير، أو نقول: سبحان الله، فأضفناه إلى اسم ظاهر، أو عندما تناجي ربك فتقول: لا إله إلا أنت سبحانك، فأضفته إلى ضمير، لكن الذي ينبغي أن يعلم: أن كلمة (سبحان) مصدر لا يخاطب به غير الله، ونظيره في الأفعال فعل: (تبارك)، فإن تبارك لا يخاطب به غير الله.

    قال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء:1]، قليلاً: ظرف زمان، وجاء منكراً إما للتقليل -كما مر معنا- فيكون المعنى: برهة العظمة، أو للتفخيم فيكون المعنى: ليل وأي ليل، والعلماء يقولون في كلمة (عبد) إنها من الأدلة على أن الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد، قال: بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ [الإسراء:1]، قلنا: إن اللام لام التعريف، ولذلك نصب الفعل بعدها: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الإسراء:1] .

    ثم قال: وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الإسراء:2] هدى: مفعول ثان لجعلنا، والمفعول الأول: هو الهاء في قوله سبحانه: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى [الإسراء:2].

    وقد جاءت هدى هنا منونة، والاسم الذي ينصرف ينون، أما الاسم الذي لا ينون فهو الممنوع من الصرف وهدى هذه -كفائدة نحوية-: إذا أطلقت على امرأة، وأردت به علماً على امرأة كما تسمى بعض النساء: هدى، فلا تنون؛ لأنها ممنوعة من الصرف لسببين: للعلمية والتأنيث، أما إذا جعلناها مصدراً ولم نطلقها على علم بعينه من الإناث فيجوز تنوينها كما قال الله: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [الإسراء:2] فجاءت منونة.

    ثم قال: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ [الإسراء:3]، قلنا: إن الجمهور يقول: إنها منادى بحرف نداء محذوف، أي: يا ذرية من حملنا مع نوح! وفيه نظر.

    قال: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، هذه واضحة: فإن: حرف ناسخ، والهاء: اسمها، وكان وما بعدها واقعة في خبرها، ونوح: اسم كان محذوف مرفوع، وعبداً خبرها، لذلك جاءت منصوبة، وشكوراً: صفة لعبد.

    هذا ما تيسر إيراده، وأعاننا الله جل وعلا على قوله، خضنا فيه شيئاً من التاريخ، وختمناه ببعض الصناعات النحوية على عجل، سائلين الله لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.