إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الأنعام [143-144]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد ابتدع أهل الجاهلية بدعاً في الدين لم يكن لهم فيها من الله برهان، ومن جملتها تحريم بعض الأنعام، وهي كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فأبطل الله تعالى ما صنعوه لكونهم لم يأتهم بذلك نبي، ولم يتلقوه عن الله تعالى، وبأنه يلزمهم بتحريم بعض ذكور الأنعام تحريم جميع ذكورها، وبتحريم بعض إناث الأنعام تحريم جميع إناثها، وكل ذلك لبيان منزلة التشريع من العقيدة، وإذ لا يملكه غير الله تعالى، فليس للبشر الدخول في باب التشريع بأهوائهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثمانية أزواج من الضأن اثنين...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد ولياً مرشداً، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أراد ما العباد فاعلوه، ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فهذا درس يتبع ما سبق من النظر والتأمل في كلام الله جل وعلا في سورة الأنعام تحديداً، وكنا قد انتهينا إلى قول ربنا تبارك اسمه وجل ثناؤه: وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا [الأنعام:142].

    وسنشرع هنا في قول الله جل وعلا: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:143-144].

    هاتان الآيتان على وجه التحديد يلتبس معناهما على الناس كثيراً، خاصة إذا قرئتا في صلاة التراويح؛ لأن فيهما بعض الألفاظ غير الواضحة للعامة، ولكنها -بلا شك- واضحة لطلاب العلم؛ لأن هذا وعد قرآني، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17].

    وكلمة (زوج) في اللغة تطلق على الفرد الذي هو متعلق بغيره، ولا يقصد بالزوج التثنية ابتداء، فقول الله جل وعلا: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام:143] ليس المقصود منه أن العدد ستة عشر، فالإشكال يأتي في فهم هذه الآية إلى الناس عندما يقرءون أو يتلى عليهم قوله تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍَ [الأنعام:143]، فيظنون أن العدد ستة عشر، وكذلك في قوله تعالى: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ [النجم:45]، فيفهم بعض الناس أنها أربعة، وقد قال جل وعلا بعدها: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [النجم:45]، فالذكر وحده لارتباطه بالأنثى يقال له زوج، والأنثى وحدها لارتباطها بالذكر يقال لها زوج.

    ففي الإبل يقال للجمل: زوج؛ لأنه لابد له من ناقة، والناقة يقال لها: زوج؛ لأنها لابد لها من جمل، فهذا أمر مهم في العبور إلى فهم الآية.

    أما الآية من حيث العموم فقد قال الله تعالى قبلها: وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا [الأنعام:142]، فهذا إجمال، ثم فصل بعد ذلك.

    بيان أوجه إبطال ما شرعه أهل الجاهلية في الأنعام

    وقد كان في العرب كان رجل يقال له عمرو بن لحي ، قال صلى الله عليه وسلم عنه -كما عند مسلم في الصحيح-: (رأيت عمرو بن لحي أخا بني كعب يجر قصبه في النار)، أي: أمعاءه، فـعمرو بن لحي كان مكياً، وعاش أيام ولاية خزاعة على مكة قبل قريش، وكانت لهم السيادة والإمرة، والعرب تقول: الناس على دين ملوكها، أي: على دين سادتها وعلى دين من لهم الشرف، فخرج عمرو إلى الشام فرآهم يعبدون الأصنام، ورأى عندهم عادات في الأنعام بنيت على ضلال، فنقلها عمرو بن لحي إلى مكة، فلما نقلها إلى مكة جاء إلى الناقة فبحرها، أي: جدع أنفها، فسميت بحيرة، ثم حرم لبنها، ثم جاء إلى الفحل من الإبل، فإذا كان قد طرق الأنثى مراراً وتكراراً حتى توالد منه الكثير حرم أكله وسماه حاميا، ثم جاء إلى بعض بهيمة الأنعام فسيبها وأطلقها ومنع الناس من أن يأكلوا منها، فسيب السوائب، وأتى بشرائع من عنده مزجها بحضارة من لقيهم من أهل الضلالة، ثم قننها وجعلها شرعاً، والتشريع والتحليل والتحريم لا يكون إلا لله، فهذا عين الشرك، قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [التوبة:31]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لـعدي : (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحللون ما حرم الله فتحلونه؟! قال: نعم. قال: فتلك عبادتهم).

    فأقام عمرو حضارة في مكة على هذا المنوال، وتوارثها القرشيون عنه، فكانوا يأتون إلى الذكر من الإبل أحياناً فيحرمونه في مرحلة ويبيحونه في مرحلة، ويأتون إلى الأنثى ويصنعون معها مثل هذا الصنيع، ويقولون: (ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) فهذه الشرائع التي سنوها جاء الشرع بإبطالها رغم أن سورة الأنعام سورة مكية، ولكن لما كان هذا الخطأ خطأ عقدياً لم يؤجل إلى العهد المدني، وإنما جاء التحريم في العهد المكي؛ لأن هذا داخل في العقائد، والنبي صلى الله عليه وسلم مكث ثلاثة عشر عاماً يبني العقيدة في مكة، وهذا حق، ومن العقيدة أنه لا أحد يملك التحريم والتحليل إلا إلا الله، وإذا فقه المؤمن هذا يفهم علة قول الله هذه الآيات، وبعض الناس يقول: أتعجب من إيرادها في سورة مكية لولا أنها قرآن، والعلماء يقولون لنا: إن السورة المكية تعنى بالعقائد.

    والحق أن هذا من أعظم ما يتعلق بالعقائد؛ لأنهم شرعوا وحللوا وحرموا، وليس لهم ذلك.

    فأراد الله بهذه الآية أن يبطل ما ذهبوا إليه، فجاءهم بما يسمى بالسبر ثم التقسيم، بمعنى أنه يُستقصى الموضوع ثم يبين بطلان كل شيء، فقال الله لهم جملة: إنه لا سبيل إلى صحة قولكم عقلاً ولا نقلاً.

    أما النقل فأن يكون نبي من أنبيائي أخبركم بهذا التحريم، وهذا ما ذكره الله في قوله: نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأنعام:143]، وأنتم لا تؤمنون بخير الأنبياء، فكيف تؤمنون بأنبياء قبله؟! ولم يأتكم نبي يخبركم بهذا التشريع الذي اتبعتموه، فهذه واحدة.

    والثانية أن تكونوا قد أخذتم هذا عن الله مشافهة، وهذا ذكره الله في قوله جل وعلا: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا [الأنعام:144]، فإذا انتفت مسألة كون النبي واسطة بينكم وبين الله لم يبق إلا أنكم أخذتموه عن الله مشافهة، وهذا لم يقع، فانتفى بهذين الدليلين النقليين ما فعلتموه.

    وبقي الدليل العقلي، وهو أن الله جل وعلا قال: إن الأنعام ثمانية أزواج، ثم فصلها فقال: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الإبل اثنين، فهذه الثمانية لم يحرم الله جل وعلا شيئاً منها.

    ثم إن ما في البطون لا يخلو من أن يكون ذكراً وأنثى، ولم يحرم الله جل وعلا شيئاً منها، فإن حرمتم ذكراً وجب أن تحرموا جميع الذكران، وأنتم لا تحرمون جميع الذكران، فالذكر تارة تبيحونه وتارة تحرمونه، وإن حرمتم الأنثى -سواء أكانت في البطن أم خارج البطن- وجب أن تحرموا جميع الإناث؛ لأن الزوج لا يخلو من أن يكون ذكراً أو أنثى، وأنتم تحرمون نوعاً من الإناث وتدعون غيره، فانتفى بذلك كل دليل لهم على صحة ما ذهبوا إليه، فلم يبق إلا شيء واحد، وهو أنهم كذبوا على ربهم، وإذا كذبوا على ربهم أصبحوا ظلمة، والظلمة لا يفلحون، ولهذا ختم الله الآيتين بقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:144].

    ذكر بعض ما ورد في الضأن والمعز

    قال الله جل وعلا: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام:143] وقد بينا مسألة الزوج مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ [الأنعام:143] الضأن الذكر منه يسمى كبشاً، والأنثى منه تسمى نعجة؛ فالنعجة يقول عنها بعض من له علاقة بمثل هذه العلوم: إنها من أكرم الحيوانات على الله؛ لدليل عقلي، وهو أن الله ستر عورتها، وقد ورد في شعر العرب إطلاق النعجة على المرأة، وهذا لم يرد إلا في بيت أو بيتين، ولم يكن شائعاً على الصحيح، وهذا ما تمسك به من يقول: إن آية ص: إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ [ص:23]، المراد بالنعجة فيها المرأة، وهذا عندي بعيد، والأصل إجراء القرآن على ظاهره، لا أن يحمل على بيت قيل في الجاهلية، فهذا لا يتفق مع سنن فهم القرآن.

    وأما الكبش فيطلق أحياناً على السيد والرئيس، يقول عمرو بن معدي كرب :

    نازلت كبشهم ولم أر من نزال الكبش بدا

    هم ينذرون دمي وأنذر إن لقيت بأن أشدا

    كم من أخ لي صالح بوأته بيدي لحدا

    ما إن جزعت ولا هلعت ولا يرد بكاي زندا

    وموضوع الشاهد قوله: (نازلت كبشهم) أي: سيدهم وفارسهم والقائم على أمرهم، فيطلق على السيد والرئيس.

    والكبش هو ما فدى الله به؟ إسماعيل على القول الشائع بأن إسماعيل هو الذبيح، والله جل وعلا يقول: وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ [الصافات:107]، وهنا جاء خلاف بين العلماء في قضية أي الأضاحي أفضل، هل الكبش أم الإبل أم البقر؟ فمذهب مالك أنه الكبش؛ لأن الله اختار أن يفدي به إسماعيل، وهذا قول قوي، ويدل عليه من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم مكث في المدينة يضحي عشر سنين فلم يضح إلا بالكبش من الضأن.

    فهذا الكلام كله عن الضأن ذكر وأنثى.

    ومن المعز التيس، وهو الذكر، والعنز هي الأنثى منه، وقد جاء ذكر العنز في حديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على أعرابي فأكرمه، أي أن الأعرابي أكرم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في سفر، فقال عليه الصلاة والسلام للأعرابي وهو يعلم الأمة كيفية رد صنع المعروف: (ائتنا)، يعني: إن جاءتك فرصة لأن تأتي المدينة فتعال حتى نكرمك، فقدر للأعرابي أن يدخل المدينة، فاحتفى به صلى الله عليه وسلم وقال: (سلني حاجتك؟)، وثقافة الأعرابي محدودة، والعلم والإيمان عنده لم يكن بذاك؛ لبعده عن موطن العلم، فقال: أسألك أعنزاً يحلبها أهلي. فقال صلى الله عليه وسلم: (عجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟! فقالوا: يا رسول الله! وما عجوز بني إسرائيل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إن موسى لما أراد أن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر قال له علماؤها: إن يوسف أخذ علينا العهد والميثاق أن إذا خرجنا أن نخرجه معنا، فقال: ومن يدلني على قبر يوسف؟ قالوا: لا يعرفه إلا عجوز في بني إسرائيل. فأتى موسى عليه السلام إلى تلك العجوز فقالت: لا أدلك حتى تؤتيني سؤلي؟ فقال: وما سؤالك؟ قالت: أن أكون مرافقتك في الجنة).

    فضرب النبي عليه الصلاة والسلام هذه القصة لبيان أن الإنسان يجب عليه أن ترتفع همته كما ارتفعت همة عجوز بني إسرائيل، وهذا الأعرابي لقلة علمه لم يكن يطلب إلا أعنزاً يحلبها أهله.

    قال الله تعالى: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ [الأنعام:143]، والله لم يحرم الذكر من الضأن ولا الذكر من المعز، ولا الأنثى من الضأن ولا الأنثى من المعز، أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ [الأنعام:143]، وليس في الرحم إلا ذكر أو أنثى نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الأنعام:143] هذا بينا أن هذا دليل نقلي ممتنع عندهم، وهو أنه لم يكن لديهم نبي يأخذون عنه علماً.

    بيان معنى قوله تعالى (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين...)

    ثم قال الله جل وعلا: وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ [الأنعام:144]، والإبل جمع لا مفرد له من جنسه، والذكر منها يسمى جملاً والأنثى منها تسمى ناقة.

    قال الله جل وعلا: وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ [الأنعام:144]، والبقر ذكره الثور وأنثاه البقرة، وهناك سورة في القرآن عظيمة جليلة تسمى سورة البقرة، وغالب الظن أن الحيوان إذا ذكر في سورة فإن السورة تسمى به في غالب الأمر، كالبقرة، مع أن البقرة لم ترد إلا في آيات معدودات في سورة البقرة على طول السورة، والعنكبوت، فلم ترد ذكره إلا في آية مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، والفيل سميت به سورة، والنحل لم يرد ذكره إلا في وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [النحل:68].

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الثور في أشراط الساعة، حيث يرتفع ثمنه ويقل ثمن الخيل؛ لأن الأرض يعمها الإيمان، فلا حاجة إلى الجهاد، وإذا كان الأمر كذلك كان الناس في نعيم، فيأكلون ويطعمون أكثر مما يركبون، فلا حاجة إلى شراء الخيل، فيقل تهافت الناس عليها، ويقل ثمنها، ويتسابق الناس على شراء ما يطعمون، فيرتفع ثمن الثور.

    ذكر بعض ما يتصل بالثمانية من العدد

    قال الله تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام:143]، كلمة (ثمانية) غالباً ما تقال في الأشياء المحمودة، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن أبواب الجنة ثمانية، في حين أن أبواب النار سبعة كما هو معلوم.

    وقد ارتبط هذا الرقم بالخليفة العباسي المعتصم كثيراً، فأي صاحب صنعة تاريخية إذا ذكر له رقم (ثمانية) يتذكر الخليفة العباسي المعتصم .

    فـالمعتصم ثامن أولاد الرشيد ، وثامن خلفاء بني العباس، وحكم ثمان سنين وثمانية أيام وثمانية أشهر، وولد في برج العقرب، والعقرب ثامن البروج، وخلف ثمانية ذكور وثمان إناث، وكان عمره عندما مات ثمانية وأربعين عاماً، فرقم (ثمانية) تعلق بحياته تعلقاً غريباً بقدر الله، وفي اليوم الذي مات فيه كان قد بقي من نهاية شهر ربيع ثمانية أيام، أي: مات لثمانية أيام بقين من شهر ربيع الأول، وهذا كله يدل على أن هذا الرجل سمي بالمثمن لارتباطه برقم (ثمانية) وقد كان دعبل الخزاعي على خلاف طويل مع المعتصم ، فقال يهجو المعتصم :

    ملوك بني العباس في الكتب سبعة ولم تأتنا عن ثامن لهم كتب

    كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة خيار إذا عدو وثامنهم كلب

    وإني لأعلي كلبهم عنك رتبة لأنك ذو ذنب وليس له ذنب

    هذا ما قاله دعبل الخزاعي في هجاء المعتصم ، وهذا يدخل على قضية الشعر السياسي.

    والمهم أن دعبلاً هذا كان خزاعياً، فأصابه الغبن؛ لأن بني العباس وهم يريدون أن ينزعوا الخلافة من الأمويين كانوا يدعون إلى الرضا من آل البيت دون تحديد، فلما آلت الخلافة إليهم نحوا أبناء علي وجعلوها في أبناء العباس ، بحجة أن أبناء عمومة النبي صلى الله عليه وسلم أولى من أبناء البنت؛ لأن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فأصاب ذلك العلويين عموماً بالحنق، ومن أشهر من والاهم دعبل هذا الذي هجا المعتصم ، فأهدر دمه، وأخذ يدور في الفيافي. ومتأخروا الشيعة الذين عاشوا في عصر بني العباس يعظمون دعبلاً تعظيماً شديداً لما قاله من أبيات في مدح أهل البيت، وهو القائل:

    ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات

    أرى فيئهم في غيرهم متقسماً وأيديهم من فيئهم صفرات

    بنات زياد في القصور مصونة وآل رسول الله في الفلوات

    ألم تر أني مذ ثلاثين حجة أروح وأغدو دائم الحسرات

    وقد كوفئ على هذه القصيدة، وهذا الشعر يفتح باب الشعر السياسي، وأول من فتحه قبله الكميت الأسدي في مدحه لآل البيت واحتجاجه على بني أميه بأن الحكم يمكن أن يورث.

    هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله.

    وصلى الله على محمد وعلى آله والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3047425294

    عدد مرات الحفظ

    738448839