إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة الأنعام [14-17]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله تعالى في سورة الأنعام بعض صفات كماله ونعوت جلاله، ومن جملة ذلك أنه المتفرد بخلق السماوات والأرض على غير مثال سابق، وأنه غني منزه عما يقوم بالمخلوقات من الحاجة إلى الطعام، بل هو رازقهم والمنعم عليهم به، ولذلك أمر نبيه بإعلان اتخاذه تعالى ولياً دون غيره، والبراءة من الشرك به، وبين تعالى أن من عصاه في ذلك وغيره، فقد أعد له العذاب الأليم الذي لا فوز أعظم من النجاة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أغير الله أتخذ ولياً...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

    فما زلنا نتفيأ ظلال سورة الأنعام، وهي السورة التي ذكر المفسرون أنها نزلت جملة واحدة، وانتهينا إلى قول الحق تبارك وتعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [الأنعام:14-16] .

    وقد حررنا أن الآية أصل في التوحيد، وإذا كانت أصلاً في التوحيد فإن الله جل وعلا في تناسب آياتها قال في الآية التي قبلها: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:12]، فهو مالك قادر، وفي ذات الوقت رحيم، وهذا يجعل العبد لا يتخذ ولياً غير الله، فبين الله جل وعلا أولاً ما له من صفات الكمال ونعوت الجلال، ثم بعد ذلك بعد أن بين هذا بجلاء وأخبر به خلقه وخوفهم بلقائه قال جل وعلا لنبيه: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ [الأنعام:14] والهمزة للاستفهام قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام:14].

    والمرء في حياته وفي مسيرته لا بد له ممن يحفظه ويكلؤه ويرعاه ويهديه ويعينه وينفعه، وهذه كلها منتفية في حق كل أحد إلا في حق الله، فلا يقدر عليها إلا الله، فمن اتخذ ولياً غير الله فلن ينفعه هذا الذي اتخذه مثقال حبة من خردل.

    فبعد أن بين الله جل وعلا ما له تبارك وتعالى من نعوت الجمال وكمال الجلال قال لنبيه: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام:14] وهذا استفهام إنكاري على صنيعهم، فهو صلى الله عليه وسلم لا يمكنه أن يقبل بولي غير الله.

    قال تعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ [الأنعام:14] وكلمة (فاطر) مأخوذة من الفعل (فطر)، وهي اسم فاعل، فهو جل وعلا فاطر السماوات والأرض، أي: خلقهما على غير مثال سبق، وقد جرت عادة المفسرين إذا أتوا ليفسروا قول الله جل وعلا: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [فاطر:1] أن يذكروا خبر ابن عباس أن رجلين اختصما عنده في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، ففهم ابن عباس أن مراده أنني أوجدتها وأنه ليس أحد سبقني إليها، فعرف تفسير الآية، وهذا يدل على أن كلمة (فطر) لم تكن شائعة ذائعة في العرب؛ لأنها لو كانت شائعة ذائعة في العرب لما خفيت على الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويظهر أنها كانت مستخدمة في بعض البوادي، ولهذا فقه ابن عباس من خبر أولئك الخصمين.

    الفرح بولاية الله تعالى

    فهنا يقول الله جل وعلا: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام:14] وهذا استفهام إنكاري شديد فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الأنعام:14] ولا ريب في أن الإنسان يجب عليه أن يسلم قلبه لله ويفرح كل الفرح بولاية الله له، وقد جاء في دعاء الصالحين الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي : (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت).

    ونقف هنا قليلاً في شأن الحسن بن علي رضي الله عنه، فـالحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس للرسول صلى الله عليه وسلم إلا سبطان: الحسن والحسين ، وكان له سبط آخر مات، وهو محسن .

    والسبط ابن البنت، والحفيد ابن الابن، فابن الابن يسمى حفيداً، وابن البنت يسمى سبطاً.

    والانتساب إلى آل بيته صلى الله عليه وسلم واسع فكل بني هاشم من آل بيته، ولكن الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون إلا عن طريق الحسن أو الحسين ، وقد كانا من فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، والحسن هو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء القنوت فإذا تتبعت سيرته ستجد منها ما يلي:

    أولاً: أن النبي كان ينشئه على قيام الليل؛ لأن الحسن عندما مات النبي صلى الله عليه وسلم كان صغيراً جداً لم يتجاوز تسع سنين، فمعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه القنوت وقيام الليل مبكراً؛ لأن علياً رضي الله عنه ما تزوج فاطمة إلا بعد بدر، وبدر في السنة الثانية، ثم جاءت بـالحسن ، فلو فرضنا أنها جاءت بـالحسن في آخر السنة الثانية، فسيكون عمر الحسن عندما مات النبي صلى الله عليه وسلم لا يتجاوز ثمان أو تسع سنين، وهو أحد خمسة يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم في هيئته، وهم الحسن بن علي ، وقثم بن العباس ، وفضل بن العباس ، وأبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوه من الرضاع، وجعفر بن أبي طالب ، فهؤلاء الخمسة كانوا يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم في هيئته الخَلْقية صلوات الله وسلامه عليه.

    والحسن أمه فاطمة ، ويجري الخلاف بين العلماء فيمن هي أفضل نساء العالمين، والمسألة فيها أربعة أقوال مشهورة: قول بأنها فاطمة ، وقول بأنها خديجة ، وقول بأنها عائشة ، وقول بالتوقف، والذي يترجح عندنا -والعلم عند الله- أنها فاطمة ، وأسباب الترجيح ثلاثة:

    أولها: قوله صلى الله عليه وسلم لها: (أنت سيدة نساء أهل الجنة) .

    الثاني: أنه جرى تحرير الحديث النبوي في قضية المصائب أن الإنسان إذا فقد أحداً كان المفقود في ميزان من فقده، فإذا كان هناك ابن وأب وكان الأب رجلاً صالحاً فمات، فصبر الابن واحتسبه، كان الأب في ميزان الابن، ولو فرضنا أن الابن مات قبل أبيه كان الابن في ميزان أبيه، فـعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كان له ابن يقال له عبد الملك ، وكان أشد صلاحاً من أبيه وأعظم تقىً وورعاً، وهو الذي طالب أباه في أول أيام الخلافة بأن يرد المظالم، فقال له عمر : إن قومك بنوا هذه المظالم عقدة عقدة، ولا يمكن حلها إلا بفكها عقدة عقدة.

    والشاهد أن عبد الملك في حياة أبيه عمر بن عبد العزيز ، فلما وصل إلى قبره ودفنه قال: الحمد الله الذي جعلك في ميزاني ولم يجعلني في ميزانك؛ لأن الميزان ثقيل باعتبار ظاهره.

    فهذا الأمر إذا قسناه على فاطمة ، فإن جميع أبناء وبنات النبي صلى الله عليه وسلم ماتوا قبله، فكل أبنائه وبناته عليه الصلاة والسلام في ميزانه، أما فاطمة فالنبي صلى الله عليه وسلم في ميزانها، فإن قال لك قائل: إن النبي في ميزاننا جميعاً فقل: نعم، هذا حق، ولكنه في ميزاننا لأننا من أمته، وفي ميزان الصحابة لأنهم من أمته وأصحابه، وفي ميزان أمهات المؤمنين لأنهن من أمته وزوجاته، وفي ميزان فاطمة أشد، لأنه نبيها، وفي المقام الأول هو أبوها صلوات الله وسلامه عليه، فهذا السبب الثاني.

    السب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن فاطمة بضعة مني) ولهذا ذهب بعض المحدثين غير المشهورين في زمن ابن عباس إلى أن هذا وحده كافٍ في ترجيح فضل فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد تنبه الذهبي إلى هذه المسألة لما تكلم على فاطمة رضي الله عنها في كتابه الشهير (الأعلام) فقال: هي الجهة المصطفوية والبضعة النبوية.

    والذي يعنينا أن الحسن بن علي علمه النبي صلى الله عليه وسلم دعاء القنوت وفيه طلب الولاية.

    بيان معنى قوله تعالى (وهو يطعم ولا يطعم)

    قال الله جل وعلا: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:14] فهو يطعم ولا يطعم، وهذا من ثناء الله على ذاته العلية، وأعظم ما في القرآن ثناء الله على نفسه، ولا يوجد شيء يرقق القلوب أعظم من أن تقرأ ثناء الله على نفسه؛ لأنه لا أحد أعلم بالله منه.

    والله يقول: وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [طه:110] وهنا يثني على نفسه بقوله: (وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ)؛ لأن الله غني عن ذلك.

    وقد يقول قائل: إن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون! والجواب أن ذلك جبله خلقهم الله عليها، أما الله تبارك وتعالى فهو غني منزه عن مثل هذا، ولا نقول في حق الملائكة: إن الملائكة منزهون عن الأكل والشرب.

    بل نقول: إن الله جبلهم على ألا يطعموا، ولكن في حق الله جل وعلا نقول: الله جل وعلا مقدس منزه عن الصاحبة وعن الولد وعن أن يُطعم، وهو مع ذلك جل وعلا الرزاق ذو القوة المتين، كما قال جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58].

    بيان معنى قوله تعالى (قل إني أمرك أن أكون أول من أسلم...)

    ثم قال تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ [الأنعام:14] والكلام للنبي صلى الله عليه وسلم أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [الأنعام:14] أي: فلم يتحرر عند أحد حقيقة التوحيد كما تحررت عندي، ولم يقف أحد على البراهين والملكوت كما وقفت عليها، ولم يعط أحد كرامة في العلم من عند الله كما أعطيت، فوجب على هذا أن أكون أول من أسلم؛ لأنني أنا المصطفى من العباد والمقرب من الرسل، فوقفت على ما لم يقفوا عليه ونظرت فيما لم ينظر فيه أحد بكرامة الله علي، فبدهياً أن يكون صلى الله عليه وسلم كما قال: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [الأنعام:14] أي: من هذه الأمة إذا اعتبرنا الترتيب الزمني، فالمقصود أنه أول من أسلم من هذه الأمة، وإذا اعتبرنا العلو فهو عليه الصلاة والسلام أشد الناس وأعظم الخلق إيمانا قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [الأنعام:14] ولما كان الله قد بين أنه لا إيمان إلا إيماناً مقروناً بالكفر بالطاغوت قال الله جل بعدها: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام:14].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي...)

    ثم قال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام:15] قال العلماء: إن المعصية هنا معصية الشرك.

    بيان عظيم فوز الناجي من عذاب الله

    قال تعالى: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ [الأنعام:16] أي: هو المرحوم حقاً وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [الأنعام:16] والفوز المبين يتحقق له حالتان:

    الحالة الأولى: النجاة من العقاب.

    والحالة الثانية: نيل الثواب، فإذا نال المرء الثواب وظفر بالنعيم المقيم في الجنة وزحزح عن النار كما حكى الله من قبل كان هذا هو الفوز المبين الذي لا يعدله فوز، وقد يكون هناك فوز في الدنيا، ولكنه يكون إلى أمد وإلى حين ثم لا يلبث أن ينقضي.

    قال الله جل وعلا: مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ [الأنعام:16] أي: فقد رحمه الله وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ [الأنعام:16].

    1.   

    تقسيمات الفعل

    قوله تعالى: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أصل الفعل (طعم)، والفعل أحد أنواع الكلم الثلاث: الاسم والفعل والحرف، والفعل ينقسم باعتبارات، فالمبتدأ يعلم أن الفعل مضارع وماض وأمر، ولكن هذا الجواب محدود.

    فالفعل يمكن أن نقسمه من حيث الزمن إلى ماض وحاضر ومستقبل، ومن حيث الصيغة ينقسم إلى ماضٍ ومضارع وأمر، ومن حيث التأكيد ينقسم إلى مؤكد وغير مؤكد، ومن حيث الإثبات والنفي ينقسم إلى منفي ومثبت، ومن حيث الصحة والاعتلال ينقسم إلى صحيح ومعتل، وحروف العلة ثلاثة الألف والواو والياء، ومن حيث العمل ينقسم إلى عامل ومكفوف، والمكفوف هو الذي تدخل عليه (ما)، ولا تدخل إلا على فعل أو فعلين، كـ(طالما)، فكلمة (طالما) فعل، ولكن لا فاعل له؛ لأن (ما) كفته عن العمل.

    ومن حيث الإعراب والبناء ينقسم إلى معرب ومبني والنحاة يقولون: إن المضارع هو وحده المعرب والأمر والماضي مبنيان، والمضارع يبنونه في حالتين: إذا اتصلت به نون التوكيد ثقيلة أو خفيفة، وإذا اتصلت به النون النسوة، فإذا اتصلت به نون النسوة يبنونه على السكون، كقوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ [البقرة:233]، وإذا اتصلت به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة بنوه على الفتح، وأحياناً تنقلب نون التوكيد إلى تنوين في الرسم الإملائي في القرآن فقط، ومنه قول الله تعالى: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ [العلق:15] فأصله نون وليس تنويناً؛ لأن التنوين من خصائص الأسماء ولا يدخل على الأفعال.

    وينقسم الفعل من حيث كونه مجرداً ومزيداً إلى مجرد ومزيد مجرد ثلاثي ومجرد رباعي، ومزيد ثلاثي ومزيد رباعي.

    فهذه بعض أقسام الفعل حررناها عاجلاً؛ لأن الإنسان إذا فقه هذا يستطيع بعد ذلك أن يتعامل مع هذه الآية في فهم كلام الله.

    1.   

    اسم الفعل

    وهناك شيءٌ قريب من الأفعال يسميه النحاة (اسم الفعل)، وقد احتاروا فيه، فهم لا يجعلونه فعلاً ولا يجعلونه اسماً؛ لقرب خصائصه من الأسماء حيناً وقرب خصائصه من الأفعال حيناً.

    ومن أسماء الأفعال في القرآن (هيهات)، وقد وردت في قول الله تعالى في سورة المؤمنون: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ [المؤمنون:36]، وينبغي أن يعلم أن التكرار هنا لزاماً ليس اختياراً.

    وقد سألنا بعض الطلاب ذات مرة عن الكلمات التي جاءت في القرآن متتابعة من غير فاصل، وكان في الطلاب شيء من النباهة، فقال أحدهم: كلمة (فيه) في قول الله جل وعلا: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التوبة:108]، وقال آخر: وكلمة لفظ الجلالة في قول الله جل وعلا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124] فلفظ الجلالة تكرر مرتين، والوقف لازم على الأولى.

    وهاتان الكلمتان في القرآن تكررتا من غير فاصل، فاعترض أحد الطلاب بأدب وقال: لا، فـ(هيهات) في سورة المؤمنون تكررت من غير فاصل، وهنا خطأ في الفهم، فـ(هيهات) الأولى هي الثانية ليست توكيداً، والعرب لا تلفظ (هيهات) وحدها، بل تكررها مرتين، وما ورد عنها من ذكرها مرة واحدة فمن باب الاضطرار، كقول جرير :

    فهيهات هيهات العقيق ومن به وهيهات خلاً بالعقيق نواصله

    فقوله في الأول: (هيهات هيهات العقيق ومن به) جرى على عادة العرب، وقوله في الأخرى: (وهيهات خلاً بالعقيق نواصله) اضطرار في الشعر.

    وقبل أن ننهي الموضوع ينبغي أن نبه على إن العقيق هنا ليس هو الوادي الذي في المدينة؛ لأن جريراً لم يكن يسكن المدينة، بل هو واد في نجد تغزل جرير به وبأهله وتشبب، فذكره في شعره كثيراً.

    فليس هو عقيق أهل المدينة المشهور، ولكن العقيق إذا أطلق من غير تقييد ينصرف إلى وادي العقيق الذي في المدينة الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: (أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة).

    هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده حول قول تبارك وتعالى قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ [الأنعام:14]

    وصلى الله على محمداً وعلى آله، والحمد رب العالمين.