إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. تفسير سورة البقرة
  5. سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [198-205]

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [198-205]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الآيات ذكر الله تعالى بعض الآيات التي فيها بعض أحكام الحج كذكر الله عند المشعر الحرام، والإفاضة من حيث أفاض الناس، وذكر الله تعالى في أيام معدودات. ثم ذكر صنفاً من الناس ممن ينمق كلامه ويحسنه وهو في ذلك كاذب يخالف ظاهره باطنه، فإذا تمكن سعى في الأرض فساداً وإفساداً، وأهلك الحرث والنسل، وإذا نُصح أخذته حمية الجاهلية، ولم يقبل النصح واستمر في طغيانه وإفساده، ثم توعده الله تعالى بجهنم وبئس المهاد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام...)

    الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شعار ودثار ولواء أهل التقوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فقبل أن أشرع في اللقاء أذكر أنني حولت من الحديث في سورة الأحزاب إلى الحديث في سورة البقرة، وأننا منذ اللقاء الماضي تحدثنا بدءاً من قول الله جل وعلا: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ [البقرة:197] وانتهينا إلى قول ربنا جل جلاله: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ [البقرة:198]، وحررنا ما يمكن الحديث عنه من عرفات، وقلنا هناك ثلاثة مواطن: نمرة، وعرنة، وعرفة، وبينا أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل بنمرة، وخطب وصلى بعرنة، ووقف بعرفة، هذا ما انتهينا إليه.

    ثم قال الله جل وعلا: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198] المشعر الحرام في أصله جبل في مزدلفة، ويطلق أحياناً ويراد به مزدلفة كلها.

    حكم من نفر من مزدلفة قبل الغروب

    وتصور المسألة على النحو الثاني: الوقوف بعرفة الجمهور يرون أنه يبدأ بعد زوال الشمس، لكن اختلفوا فيمن نفر من عرفة إلى مزدلفة قبل الغروب، ومسألة النفرة من عرفة قبل الزوال فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا حج له، وهذا أضعف الأقوال، وهو قول مالك رحمه الله تعالى: أن من نفر من عرفة قبل مغيب الشمس فلا حج له. قال ابن عبد البر : ولا أعلم أحداً وافق مالكاً في هذا.

    القول الثاني: وهو قول الجمهور: إنه يجب الوقوف بعرفة إلى مغيب الشمس، وحجتهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فيجمع بين النهار والليل؛ لأنه لو جلس لحظة بعد الغروب فقد جمع بين النهار والليل، فينفر بعد مغيب الشمس تماماً، فإن نفر قبل الغروب -عند الجمهور- فحجه صحيح وعليه دم؛ لأنهم يرون أنه ترك واجباً، وأما لو ترك ركناً بطل الحج، لكنهم يرون أنه ترك واجباً، والواجب عندهم ليس هو الوقوف بعرفة، فالوقوف بعرفة ركن باتفاق، لكن الجمع بين النهار والليل هو الركن عندهم، أو أن لا بد أن يقف فيها ليلاً؛ لأنهم يقولون: لا يحتاج إلى دم لو مكث في الليل فقط.

    ثالث الأقوال: أن من نفر قبل الغروب فحجه صحيح ولا شيء عليه، وإنما خالف الأولى، وهذا القول مال إليه الشنقيطي رحمة الله تعالى عليه في (أضواء البيان)؛ لحديث عروة بن مضرس الطائي الذي رواه أبو داود بسند صحيح.

    فـعروة بن مضرس صحابي جاء من جبلي طي -في حايل- فقابله النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة، فقال: يا رسول الله! إني أكللت راحلتي وأتعبت نفسي فما تركت جبلاً إلا ارتقيت عليه، فهل لي من حج؟

    وأنت عندما يأتيك إنسان أوراقه مبعثرة لمها وأعطه المفيد، ولا تخاطبه في كل صفحة، فقال له صلى الله عليه وسلم: (من شهد معنا صلاتنا هذه -أي: الفجر في مزدلفة- وكان قد وقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حجه)، فقالوا: قوله عليه الصلاة والسلام: (ساعة من ليل أو من نهار) فيه دلالة على أنه لا يلزم الجمع بين الليل والنهار.

    وأجاب الجمهور عن هذا: أن هذا مبين للإجزاء، لكن لا يلزم منه أنه يجب عليه أن يقف، وقالوا: لا نقول إن حجه باطل لحديث عروة ، لكن نلزمه بالدم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وقف إلى أن غابت الشمس، ثم قال في جملة أحاديث: (خذوا عني مناسككم).

    قال الله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198] فالنبي عليه الصلاة والسلام أتى مزدلفة ولم يأت المشعر، وقال: (وقفت هاهنا وجمع كلها موقف)، ثم صلى المغرب والعشاء جمع تأخير، ثم اضطجع، ثم صلى الفجر في أول وقته، أي: بعد دخول الوقت لكن في الأول، ثم أتى المشعر الحرام، وهو الجبل الذي عنده الآن مسجد، وأظنه الآن في طريق ستة وأنت داخل إن كنت لم أنسَ، وفي المشعر الحرام مسجد لا يوجد مسجد وعلم غيره، وهذا المسجد هو المشعر الحرام الذي وقف عنده النبي صلى الله عليه وسلم.

    وقد كان وقوفه بعد صلاة الفجر، ووقف يدعو كثيراً ويذكر الله مستقبلاً القبلة؛ عملاً بالآية، فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن ذكر الله عند المشعر الحرام ركن من أركان الحج، وبعضهم يقول: لا أقول بالركنية وإنما أقول بالوجوب، وهذه خلافات فقهية ليس لها علاقة بالآية، لكن هذا معنى قول الله تعالى: فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ .

    ثم قال ربنا: كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [البقرة:198] (كما هداكم)، أي: لهدايته لكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس...)

    قال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، وهذه فيها إشكالات كبرى، لكن جملة ما يقال: ما المقصود بالناس هنا؟ بعض أهل العلم يرى: أن الناس معهود ذهني والمقصود خليل الله إبراهيم وابنه إسماعيل، أي: اصنعوا صنيعهما، قالوا: ويبعد أن يأمر الله المؤمنين بتتبع أحوال قريش في جاهليتها، يعني: لو قلنا: إن الناس المقصود بها العرب غير قريش؛ لأن الناس أصلاً لا يذهبون إلى عرفة، فهذا بعيد، فيحمل الناس على إبراهيم وابنه.

    ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199] وفي قوله جل وعلا (واستغفروا الله) دلالة إيمانية على أن الإنسان لا يركن إلى عمله، وأنه يبقى مقصراً على كل حال، قال الله عن قوم سبأ: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ [سبأ:15]، لكن ليس معنى ذلك أنهم خالين من القصور؛ لذلك قال بعدها: (ورب غفور)؛ ليشعر أن هؤلاء وإن مدحوا بأنهم بلدة طيبة إلا أنه يقع منهم الذنوب والخطايا.

    وهنا قال الله: وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199]، وقد جرت سنة الله في شرعه أن كثيراً من عظائم العبادات تتبع بالاستغفار، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته قال: (أستغفر الله ثلاثاً).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله...)

    ثم قال ربنا: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200] وهذا سيأتي تكراره في منى، فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200] وفيها إشعار إلى أن الأصل أن الإنسان يكثر من ذكر آبائه، والمخاطب الأول بهذه الآيات كفار قريش، أو المخاطب بها المؤمنون الذي كانوا إلى عهد قريب كفاراً من قريش، والمجتمع الجاهلي قديماً كانت فيه هذه المفاخر، فكانت لا تقوم الأسواق ويقول الشعراء أشعارهم إلا ليذكرون مفاخرهم ومفاخر آبائهم.

    لنا حاضر بادٍ وماض كأنه شماريخ رضوى عزة وتكرما

    ولدنا بني العنقاء وابني محرق فأكرم بنا خالاً وأكرم بذا ابنما

    و عنترة يقول: ألفيت خيراً من معم مخول.

    فهذه القضايا كانت مما تتعلق بحياتهم، فقال الله جل وعلا: فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا [البقرة:200].

    أحوال الناس في الدنيا

    ثم بين الله جل وعلا أحوال العباد في الدنيا فقال: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا [البقرة:200] فلا همّ له عياذاً بالله إلا البغية الدنيوية المحضة؛ ولهذا رتب الله على ذلك جزاءً عظيماً فقال: وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ [البقرة:200] أي: لا حظ له ولا نصيب ولا مقامة ولا مكانة، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ [هود:16]، جعلنا الله وإياكم من أهل الفريق الآخر.

    ثم قال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، وهذا من أعظم جوامع الدعاء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من أن يقوله ويختم به دعاءه.

    وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    قال الله: أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ [البقرة:202] (أولئك) عائدة على الآخرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات...)

    ثم قال الله جل وعلا: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] والذي مضى هي الأشهر المعلومات، وأما الأيام المعدودات فالراجح أنها أيام التشريق، ويدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر للهوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] ومن القرائن كذلك ما بعدها، وأيام التشريق تكون في منى بالاتفاق، والمبيت في منى واجب ليومين لمن تعجل، وثلاثة أيام لمن لم يتعجل، ومنى مشعر عظيم من أعظم المشاعر، ولا يمكث الحجاج في مشعر أكثر من مكوثهم في منى.

    وقد مر معكم في دروس سبقت أن في منى مسجد الخيف، والخيف في اللغة: ما انحدر من الجبل ولم يلامس الوادي، فإذا جعلت جمرة العقبة خلفك ستصبح مكة خلفك، وسيكون عن يمينك جبل وعن شمالك جبل، فالجبل الذي على يمينك الذي في سفحه مسجد الخيف هو جبل ثبير الأثبرة، وهناك خمسة جبال في مكة اسمها ثبير، فمن أجل هذا قلنا ثبير الأثبرة، فالجبل المقابل لثبير يسمى الصابح، وهو مواجه له، وفي سفح جبل ثبير الأثبرة هذا قبل أن ينحدر إلى الوادي يوجد مسجد الخيف، قال صلى الله عليه وسلم: (صلى في مسجد الخيف سبعون نبياً)، وكفى بك شرفاً ومن الله فضلاً ونعمة عليك أن تصلي في مسجد صلى فيه قبلك سبعون نبياً آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى جميع صلواته في منى في مسجد الخيف في أيام التشريق، وأيام التشريق التي قال الله فيها: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] ومع الذكر يكون رمي الجمار، وما وجد رمي الجمار إلا ليذكر الله.

    ثم قال ربنا: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203] إذاً: أين المناط يا ربنا؟ قال الله: لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] فالعبرة بتقوى القلب، فمن كان تقياً وتعجل خير ممن لم يتعجل ولم يرزق تقوىً؛ ولهذا قال الله: (لمن اتقى)، ومن جمع التقوى مع عدم التعجل فهو أفضل لسببين:

    السبب الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعجل.

    والسبب الثاني قطعاً: أن زيادة يوم تعني زيادة عمل، وزيادة العمل تعني زيادة الأجر إذا قُرن العمل بالإخلاص، فمن تعجل فلا إثم عليه بنص كلام الله، ونحن لا نتكلم في أن عليه إثم لكن نتكلم في أيهما أرفع درجة، وقطعاً من لم يتعجل أعلى أجراً.

    قال ربنا: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203] فالعبرة بتقوى القلوب، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إلا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب)، وقال في حديث آخر: (التقوى ههنا ويشير إلى صدره)، صلوات الله وسلامه عليه.

    وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203]؛ لأن ضمة الجمع في أيام الحج تذكر بالحشر الأكبر، فالإنسان إذا لم يلن قلبه في تلك المواطن فربما يلين في غيرها، فلا نحجب التوبة عن أحد، لكن يكون أبعد في أن يلين في موطن آخر؛ لأن هذه المواطن تذكر بجمع الناس؛ ولهذا قرنها الله جل وعلا بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203]، ومن علم أن إلى الله جل وعلا المحشر، وإلى الله جل وعلا المآب، وإلى الله المرجع خف تعلقه بالدنيا وزهد فيها، اللهم إلا أعمالاً يغلب على ظنه أنها ينفع الله بها البلاد والعباد، فهذه لا حرج أن يسابق فيها؛ لأن إيصال الخير للمسلمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونفع الناس مادياً ومعنوياً إذا قرن بالإخلاص فهو مما ترفع به الدرجات، ولئن يتمكن أهل الفضل والصلاح خير من أن يتمكن أهل الفساد والشر.

    قال الله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203] قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعجل، فرمى الجمار فبدأ بالصغرى، ثم بالوسطى، ثم بالكبرى.

    هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يرمي ثم يصلي الظهر أو العكس؟

    والسؤال: قلنا: إن النبي عليه الصلاة والسلام صلى في مسجد الخيف، فهل كان يرمي ثم يصلي، أو يصلي الظهر ثم يرمي؟ والجواب: أنه كان ينتظر حتى تزول الشمس فيرمي ثم يعود إلى المسجد فيصلي بالناس، وخيمته بجوار مسجد الخيف، فيخرج ثم يرمى الجمرة الأولى الصغرى التي تلي مسجد الخيف، ثم يأخذ ذات اليمين فيقف يدعو بعد أن يتقدم قليلاً، ثم يأتي الجمرة الوسطى فيرميها، فيأخذ ذات الشمال ويتقدم ويدعو طويلاً، ثم يأتي جمرة العقبة التي هي حد منى من تلك الجهة، ثم لا يدعو ولا يقف صلوات الله وسلامه عليه، ويعود إلى المسجد ليصلي بالناس، فالرمي يقع وقتاً بعد الزوال وقبل صلاة الظهر، هذا إذا أردت أن توافق السنة، لكن لا يعني أنه لا يقبل إلا في هذا الوقت، فمن كان لوحده ليس كمن معه رفقة، ومن كانت رفقته رجالاً ليس كمن رفقته نساء، ومن رفقته نساء ضعيفات ليس كمن رفقته نساء نشيطات، فيختلف الوضع، والإنسان على نفسه بصيرة.

    وفي ثالث الأيام انتهى صلى الله عليه وسلم من الرمي وذلك يوافق الثالث عشر، فرمى الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى كما بينا، ثم لم يعد إلى مسجد الخيف وإنما مضى لسبيله، وأتى خيف بني كنانة، وخيف بني كنانة مكان اجتمعت فيه قريش لما تآمرت على النبي صلى الله عليه وسلم على أن يحبسوه في شعب أبي طالب ؛ في الشعب الذي جمع فيه بنو هاشم ، وقد قال قبلها: (إنا نازلون غداً في خيف بني كنانة)، واختلف العلماء في نزوله صلى الله عليه وسلم هذا، فذهبت عائشة وأظنه قول ابن عباس أنه شيء في طريقه صلى الله عليه وسلم، وذهب بعض العلماء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم تعمد هذا، والذي يعنينا أنه لم يقل أحد بوجوبه، لكن قيل بسنيته، وهو الذي يظهر لي، فيأتي الإنسان هناك فيصلي الظهر في وقته ركعتين، والعصر في وقته ركعتين، والمغرب في وقته ثلاثاً، والعشاء في وقته ركعتين، هذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رقد رقدة خفيفة واستيقظ قبل طلوع الفجر، وذهب إلى المسجد الحرام، وطاف بالبيت صلوات الله وسلامه عليه طواف الوداع قبل أن يصلي الفجر، ثم صلى بالناس الفجر إماماً، ثم رجع إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه، ونحن هنا بما أننا نفسر القرآن ولا يفسر القرآن بأعظم من السنة ذكرنا شيئاً من حجته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يتناسب في مقامنا هذا قبل دخول الناس في مناسك الحج، وهذا أفقه للناس وأنصح لهم؛ وحتى يعان المرء علمياً على كيفية الحج إلى بيت الله.

    أظن خيف بني كنانة الآن منطقة المعابدة في مكة، وهي أقرب المناطق التي تحويها ما يسمى قديماً بخيف بني كنانة، وكان يسمى بالمحصب، وفي الحديث: (أن النبي عليه الصلاة والسلام رقد رقدة بالمحصب)، وبينا خلاف العلماء في هذه الرقدة هل كان طريقاً مر به صلى الله عليه وسلم لا أكثر من ذلك ولا أقل، أو أنه تعمد صلى الله على وسلم فيه، ورجحنا أن النبي عليه الصلاة والسلام تعمد فيه.

    قال ربنا: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203]، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله جل وعلا).

    فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [البقرة:203].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا...)

    ثم قال الله تعالى بعدها: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:204-205].

    (من الناس) من هذه بعضية، (من) موصوله، (يعجبك قوله في الحياة الدنيا) أي: يعطى بلاغة ويؤتى بياناً، ومع جرأته على الله يكذب ويقول: إنني أقصد كذا ويشهد الله على ما في قلبه.

    ثم قال الله: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [البقرة:204] فالتجاوز دائماً غير محمود في الشرع حتى في الفصاحة، فإذا كان الإنسان يتفيقه في كلامه ويلوي لسانه حتى يظن أنه بليغ وفصيح فهذا أمر مذموم، فالتكلف مذموم شرعاً، و(ألد الخصام) أي: شدة الخصومة، وقد بينا هذا في دروس لغوية مضت وقلنا: إن الحزن هو شدة التضجر، وبينا أن البث هو شدة الحزن، وذكرنا أن ابن خالويه قاله في كتابه (فقه اللغة وسر العربية).

    ثم قال الله: وَإِذَا تَوَلَّى [البقرة:205] أي: لم يَحُل بينه وبين أغراضه ومكامن قلبه شيء.

    وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ، قال بعدها: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [البقرة:205]؛ لأن الذي يصلح الأرض هو الله، فالإفساد في الأرض مصادمة لله الذي أصلح الأرض، فالإفساد في الأرض مصادمة لمراد الله؛ ولهذا قال الله: وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56]، وأعظم إفساد في الأرض هو الشرك، كما في الحديث: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وقد خلقك).

    هذا ما تيسر إيراده، وتهيأ إعداده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.