إسلام ويب

سلسلة محاسن التأويل تفسير سورة البقرة [5]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله في سورة البقرة كثيراً من الآيات التي تبين حقيقة اليهود، ومكرهم وخبثهم، وما انطوت عليه قلوبهم من الحسد والكبر والتمرد والطغيان. فعلى المسلمين أن يحذروا منهم، وألا يغتروا بهم أبداً، وعليهم أيضاً أن يحذروا من الاتصاف بصفاتهم، فإنها سبب غضب الله عليهم في الدنيا والآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم..)

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أراد ما العباد فاعلوه ولو عصمهم لما خالفوه، ولو شاء أن يطيعوه جميعاً لأطاعوه.

    وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فما زلنا وإياكم نتفيء ظلال القرآن في سورة البقرة التي هي فسطاط القرآن، وقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74]، وذكرنا أن الله جل وعلا شبه القلوب القاسية بالحجارة، بل جعلها أشد قسوة من الحجارة، وبينا أن الله جل وعلا عدل عن تشبيه القلوب القاسية بالحديد؛ لأن الحديد له ما يلينه، قال الله جل وعلا عن نبيه داود : وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، والحديد يلان بالنار، ولا يعرف أن الحجارة تلان بشيء آخر.

    وقد بين الله جل وعلا أن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، وأن منها -وهو الأعظم- ما يهبط من خشية الله.

    ثم ما زال السياق في الحديث عن بني إسرائيل، وسورة البقرة تحدثت كثيراً -خاصة في أولها- عن بني إسرائيل، وناداهم الله جل وعلا منتسبين إلى نبي الله يعقوب بن إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، قال الله جل وعلا يخاطب المؤمنين: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] ، مما استقر عقلاً وطبعاً وشرعاً أن الطباع تتوارث، والله جل وعلا يخاطب المؤمنين الذين لديهم طمع في إيمان اليهود المعاصرين لهم القاطنين في المدينة آنذاك، وهم ثلاث قبائل: بنو قينقاع وبنوالنضير وبنو قريظة.

    وهؤلاء القبائل الثلاث لابد لطالب العلم من إدراكهم؛ لأن كثيراً من القضايا في القرآن والسنة والسيرة على وجه الخصوص لا يحل إشكالها إلا بالاطلاع في التاريخ كما سيأتي في تفسير الآيات القادمة.

    لاحظ أن الله جل وعلا قال: ( أفتطمعون ) ولم ينه عباده عن الدعوة، وفرق بين الأمرين كبير، والمعنى أن هؤلاء اليهود المعاصرين هم على سنن آبائهم الذين كانوا مع موسى عليه السلام، وموسى عليه السلام هو من أنبياء بني إسرائيل العظام وليس أول نبي لهم؛ لأن يوسف كان نبياً لبني إسرائيل، فإن مؤمن آل فرعون قال: وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا [غافر:34]

    واستطراداً اسم موسى مكون من كلمتين: مو بمعنى ماء في العبرانية، وشي بالشاء معناها الشجر؛ لأنه وجد بين ماء وشجر في نهر النيل سمي بهذا الاسم، وفي العربية قلبت الشين سيناً، وأصبحت موسى، وبالعبرانية ينطقونها بالإمالة قليلاً، وهو اسم شائع عندهم إلى اليوم، فـموشي ديان كان وزير الحرب الإسرائيلي في حرب 1976م، والآن موشى كاستاف الذي هو رئيس دولة إسرائيل، ليس رئيس الوزراء، رئيس الدولة اسمه موشي كاستاف، هذا كله تسمي بنبيهم السابق عليه الصلاة والسلام، فانظر حال القدوة وحال الأتباع، ولهذا نقم الله عليهم بسبب تغير حالهم.

    أعود فأقول: الله جل وعلا لم ينكر، وليس في الآيات إنكار أصلاً، لكن هذا -إن صح التعبير- وعتاب رقيق للمؤمنين.

    والمعنى أنت مكلف بأن تدعو كل أحد، ولا تحتج بأنه لن يؤمن، لكن لست مطالباً بأن تطمع في إيمان كل أحد، أنت مكلف بأن تدعو كل أحد، ولهذا موسى وهارون عليهما السلام دعوا فرعون مع علم الله جل وعلا الأزلي أن فرعون لن يؤمن، والنبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا جهل بتكليف من الله مع علم الله الأزلي أن أبا جهل لن يؤمن، فالدعوة شيء، والطمع في الإجابة شيء آخر، فما كان في بعض نفوس المؤمنين من طمع دخول اليهود جملة في الدين هذا أبعده الله جل وعلا، وهذا على وجه مخاطبة الأمم على وجه الإجمال لا على وجه الإفراد، وهذا قيد مهم.

    وقد ذكر الله علتين في سبب عدم وجود ذلك الطمع، علة أظهرها وعلة أخفاها، فالعلة التي أظهرها قوله جل وعلا: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [البقرة:75] هذه كلها علة واحدة.

    والمعنى أنهم سمعوا كلام الله وعقلوه ثم حرفوه وهم يعلمون أنهم محرفون له، أي هم مصرون على التحريف، فإذا اجتمعت هذه الأربعة انتفى الطمع في إيمانهم، والخطاب هنا عن علماء اليهود وأحبارهم، هذه العلة التي أظهرها الله وهي علة مشاهدة للمؤمنين، ويجب أن يستصحبوها حتى لا يقع في قلوبهم طمع في إجابة أولئك القوم.

    أما العلة التي أخفاها الله فهي علمه الأزلي أن هؤلاء لن يؤمنوا إذ لو كان في علم الله أنهم سيؤمنون لم يخاطب المؤمنين بألا يطمعوا بإيمانهم، فلو كان في علم الله الأزلي أنهم سيؤمنون لما عاتب الله المؤمنين في الطمع لأنه سيتحقق مراد الله القدري، لكن الله جل وعلا علم قدراً أنه لن يقع منهم إيمان، فكانت هذه العلة الثانية في نفي الطمع عن قلوب المؤمنين، لكنه تعبدهم بالثانية فأظهرها ولم يتعبدهم بالأولى فأخفاها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم..)

    قال الله عنهم: وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76] .

    اختلف الناس في معنى الآية، فذهب فريق من العلماء ومنهم الحسن البصري وبعض السلف إلى أن المقصود منافقو اليهود.

    وقال آخرون: إن هذه الآيات تنضم إلى ضميمتها في آل عمران: آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [آل عمران:72].

    والذي نختاره أن هذا القول من أحبار يهود لمن لهم به علاقة من الصحابة، يقولون لهم: آمنا بهذا النبي كما في كتبنا لكنهم يستدركون قائلين: إنه نبي للعرب خاصة، ولسنا مكلفين بأن نؤمن به، فإذا عاد أولئك الذين قالوا هذا القول للصحابة يعاتبهم غيرهم ويقولون لهم: كيف تقرون لهم بأنه موجود في كتبكم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة:76].

    ( فتح الله عليكم ) يعني أخبركم في التوراة عن وصف النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخبرتموهم -أي العرب- المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار والمهاجرين، والأنصار على وجه الخصوص؛ لأنهم أكثر صلة وعلاقة باليهود كان ذلك إقامة للحجة عليكم.

    ثم قال ربنا: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76]،

    اختلف العلماء في قول الله تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ [البقرة:76] هل هو خطاب من الرب للمؤمنين فيكون أشبه بالعتاب أو هو خطاب من الأحبار بعضهم لبعض؟ أنا أميل إلى الثاني أن اليهود يلوم بعضهم بعضاً على ما وقع منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أو لا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون)

    قال الله جل وعلا معنفاً إياهم ومخبراً بأنه يعلم السر والنجوى: أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ [البقرة:77] أي لا يفزع إلى هذا الطريق، ولا يميل إلى هذه الجادة، ولا يقول بهذا القول من يعلم أن الله جل وعلا مطلع عليه يعلم سره وعلانيته.

    وهذا أمر يجب أن يستصحبه المسلم، فالله جل وعلا أجل من أن يخادع: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14] ، يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ [لقمان:16] فالله يعلم سرهم ونجواهم أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] إلى غيرها من الآيات الدالة على عظيم علمه جل وعلا، وأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، فاستصحاب هذا الشأن العظيم من صفات الرب تبارك وتعالى يعين العبد على أن يصل بنفسه إلى طريق النجاة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني)

    كان الكلام فيما سلف عن الأحبار والعلماء، فانتقل الحديث إلى الدهماء والعامة، ومجمل ما أراد الله أن يقوله للمؤمنين: أمة هذا حال أحبارهم وعلمائهم فكيف يكون حال عامتهم ودهمائهم؟!

    قال الله: وَمِنْهُمْ [البقرة:78] أي غير العلماء. وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] أميون لا يجيدون القراءة ولا الكتابة عامة، ولهذا قال الله: ( ومنهم ) ليسوا كلهم؛ لأن اليهود يقرءون ويكتبون، لكن من يقرأ ويكتب منهم معدود في العلماء والأحبار، والحديث هنا عن العامة والدهماء.

    وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ [البقرة:78] أماني تحتمل معنيين: إما أنها مأخوذة من الأكاذيب والأغاليط والأحاديث، وهذا وارد في كلام العرب، قال كعب بن زهير :

    فلا يغرنك ما منت وما وعدت إن الأماني والأحلام تضليل

    فالعرب تجعل الأماني مرادفة للكذب والأشياء المتوهمة التي ليست لها حقائق ولا تثبت على حال.

    فلا يغرنك ما منت وما وعدت إن الأماني والأحلام تضليل

    والبيت من قصيدة لـكعب بن زهير مطلعها:

    بانت سعاد فقلبي اليوم متبول.

    وكلمة بانت بمعنى بعدت، وليس بمعنى ظهرت، ومن يردد البيت ربما يغلب على ظنه أن المقصود ببانت ظهرت، ولو ظهرت لما قال ما قال في وصف قلبه، ولما ذكر نأي الديار وبعدها عن نظره، وأنه الذي أورثه قلباً مكلولاً وهماً وحزناً.

    إذاً: أماني تأتي بمعنى الكذب والأحاديث، وتأتي بمعنى التلاوة، تأتي معنى التلاوة، قال الله تعالى: أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52] أي في تلاوته، قال حسان :

    تمنى كتاب الله أول ليله وآخره لاقى حمام المقادر

    ومعلوم أن عثمان رضي الله عنه قتل والمصحف بين يديه، وقد اشتهر عن عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه كان كثير قيام الليل كما قيل عنه:

    يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً.

    فكان يقرأ في الليل، وحسان أراد أن يقول: إن عثمان استفتح ليله بقراءة القرآن، فقوله: تمنى كتاب الله ليس معناه أنه كان بعيداً عنه وطلبه وإنما كان يتلوه، لكنه آخر الليل لاقى حمام المقادر يعني الموت.

    وحسان كان من أكبر المناصرين لـعثمان ، قال في نونيته بعد مقتل عثمان :

    لتسمعن وشيكاً في دياركم الله أكبر يا ثارات عثمانا

    إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا ما دمت حياً وما سميت حسانا

    وينسبون إليه وفي نفسي شيء من هذا البيت وهو قوله:

    يا ليت شعري وليت الطير تخبرني ما كان بين علي وابن عفاناً

    لكني أظن أن هذا البيت قد زيد في مرحلة تاريخية ما، والتاريخ الإسلامي لا ريب أنه زيد فيه زيادات في كل مرحلة، وسلبت منه حقائق في كل مرحلة، بحسب مصالح أصحاب تلك المرحلة وأهل النفوذ فيها السياسية أو الدينية، ولهذا أحياناً يكتم العالم بعض علمه؛ لأنه لو أظهره لأبطل سلطان أقوام، وإبطال سلطان أقوام يجعلهم يتسلطون عليه، ولهذا ذكر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن بعض علمه لو أظهره لقتل، أي لقتله بعض ولاة ذلك العصر، فيخسر الناس علمه بالجملة، وهذا من فقه أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، لا كما فهمه المشغبون على أهل الحديث فجعلوا هذه الكلمة مثلبة في حق أبي هريرة ، لكن الإنسان إذا نظر إلى الأشياء نظرة باحث عن الحقيقة يوفق، وإن كان أراد أن يبحث ليوافق ما يريد أن يطلبه لن يجد شيئاً فيضطر إلى لي النصوص وإلى إعمال أشياء كثيرة فيها حتى تتفق مع مراده.

    لا أريد أن أستطرد كثيراً فنعود للآية فنقول: هذا الاختلاف اللفظي في معنى أماني جعل العلماء يختلفون في معنى الآية.

    قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [البقرة:78] ، والمعنى أن من هؤلاء اليهود طائفة لا تفقه شيئاً، فهي إذا تلت التوراة أو قرئ عليها الكتاب لا تفهمه إلا كما تفهم الأقاصيص والأحاديث والأغاليط، ولا تقوم منها على بينة، وهذا هو حال الدهماء، وقد مر معنا حال العلماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم..)

    قال الله جل وعلا: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79]

    كلمة ويل يراد بها إيقاع الشر والهلاك، ولم يسمع من العرب فعل لها من لفظها، والأصل في اللغة السماع لا القياس، فمن جاء بشيء سمع عن العرب فقد أثبت الحجة.

    الله جل وعلا يتوعد هنا قوماً من اليهود كانوا يكتبون الكتاب، وقبل قليل ذكرت أن التاريخ الإسلامي زيد ونقص منه، كذلك حال اليهود، في كل مرحلة زمنية الأحبار الذين كلفوا بحفظ التوراة يزيدون فيها ويضيفون وينقصون بحسب الحال التي هم فيها.

    فمثلاً عندما لم يزعم العرب أن نبياً سيبعث منهم لم يلجأ اليهود إلى محو صفات النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا حاجة تقتضي لمحوه، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم في العرب ولم يظهر فيهم اضطروا إلى أن يغيروا ويكتبوا شيئاً آخر يضيفوه في التوراة ليبدلوا به الوصف الإلهي لنبينا صلى الله عليه وسلم حتى لا يغتر الأتباع به، فيقحمون أنفسهم في التوراة حتى يبقوا على سلطتهم الدينية والتشريعية والتنفيذية، فيتحكموا في أموال الناس، وهذا هو معنى الثمن القليل الذي قاله الله جل وعلا عنهم: لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [البقرة:79]، وقد حررنا ذلك الأمر في لقاء سابق.

    فالله جل وعلا هنا يقول: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [البقرة:79] فارتكبوا ثلاثة أمور: حرفوا ما سبق، وأضافوا من عندهم، واشتروا بما أضافوه ثمناً قليلاً بعد أن زعموا أنه من عند الله جل وعلا، وهذا من أعظم الفرية على الله تبارك وتعالى.

    ومن تأمل هذا لا يتعجب من صنيع اليهود؛ لأنه إذا كان هذا حال آبائهم فحري بهم أن يكون هذا حال أبنائهم وأتباعهم وذراريهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة)

    قال الله جل وعلا بعد ذلك عنهم: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً [البقرة:80] اختلف في الأيام المعدودة وماذا أراد اليهود بها؟ مع أن الآية واضحة في أن اليهود يعترفون بوجود الجنة والنار وكذلك النصارى، قال الله جل وعلا عنهما: وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ [البقرة:111] ، وقال الله جل وعلا عنهم: وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ [البقرة:113]، والذي يعنينا أن الله جل وعلا ذكر عنهم أنهم قالوا أن النار لن تمسنا إلا أياماً معدودة، وأشهر أقوال أهل العلم أنهم قصدوا بها الأيام الأربعين التي عبدوا فيها العجل، قصدوا أنهم يعذبون في النار أياماً معدودة وهن أربعون لعبادتهم العجل، وقال بعض العلماء أقوالاً أخر لكني لا أعلم مستنداً لها لا من النظر ولا من الأثر؛ فضربنا الذكر عنها صفحاً.

    نعود فنقول: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80]

    هذا ترتيب منطقي، يعني زعمكم هذا مبني على أحد أمرين: إما أن يكون لديكم عهد من الله، وإما أن يكون قول افتريتموه على الله، فإذا ثبت أنه ليس لكم عند الله عهد فلم يبق إلا أن يكون قولكم فرية، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا [البقرة:80] وليس لهم عند الله عهد. فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ [البقرة:80] كما تزعمون.

    أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [البقرة:80] يقول بعض العلماء: أم هنا للإضراب الانتقالي يعني بل تقولون على الله ما لا تعلمون، لكن الأفضل جعلها على الترتيب المنطقي الذي بيناه آنفاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته..)

    قال الله جل وعلا مجيباً لهم: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:81] (من) من ألفاظ العموم، فالقرآن أعظم من أن ينزل لقضية واحدة، والله جل وعلا ليس بينه وبين أحد من خلقه نسب، وهاتان الآيتان فاصلتان، قال الله: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً [البقرة:81] ، وقال بعدها: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [البقرة:82]، والمعنى ليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب، كل أحد في كل مصر أو في كل عصر إذا اكتسب سيئة وأحاطت به خطيئته أي مات على الكفر فهذا مخلد في النار كائناً من كان، ولو كان والد نبي كأبي إبراهيم ، أو ابن نبي كـكنعان بن نوح ، أو عم نبي كـأبي لهب وأبي طالب ، ومن آمن وعمل صالحاً ومات على الإيمان ووافى الله بالإيمان فهذا كتب الله جل وعلا له الجنة؛ لأن الله اشترط فقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة:40] (أوفوا بعهدي) أي: امتثلوا أوامري. (أوف بعهدكم) أي بالقبول والثواب، فهذا مآله الجنة أياً كان والده وأياً كانت أمه.

    مثلاً العاص بن وائل السهمي كان من صناديد الكفار وابنه عمرو صحابي، وخالد سيف الله وأبوه الوليد بن المغيرة نزل فيه ما نزل من القرآن، فلا يوجد بين الله وبين خلقه تلك المعايير الموجودة في الدنيا، ليس بين الله وبين أحد من خلقه إلا الإيمان والعمل الصالح، وهذا ينبغي أن يستحضره المؤمن في كل آية يتلوها في كتاب الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله..)

    عاد الحديث الآن إلى الكلام عن بني إسرائيل الحاليين والسابقين، قال الله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ [البقرة:83] وهذا مر معنا كثيراً أن الدعوة إلى عبادة الله وحده هي أس دعوة الرسل، وكل الرسل جميعاً دعوا إليها.

    وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة:83] وهذه أول آية في القرآن ذكر الله جل وعلا فيها -حسب ترتيب المصحف- بر الوالدين.

    وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] القرآن يربي في الناس فقه الأولويات، فمن لم يعط حق الله لن يعطي حق الخلق، ومن منع الوالدين لن يعطي القريب، ومن منع القريب لن يعطي اليتيم، ولذلك من الفقه الخاطئ أن يوجد في الرجل صفة تدل على كذب الأول؛ لأن من ضيع حق الله وحق والديه والله لن يؤدي حق الناس، فإن صنع ذلك ورأيته بعينك بحيث لا يمكن لك أن تنكره فاعلم أن ما فعله لغرض دنيوي محض لا لهدي هو يقوم عليه، فرتب ربنا حقه ثم حق الوالدين ثم حق ذوي القربى، والعرب كانت تأنف من الرجل الذي يكون شره على قرابته، قال طرفة :

    وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند

    والله قال لنبيه:وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] ، ونوح عليه الصلاة والسلام لما دعا قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [نوح:28]

    ثم قال الله تعالى: وَالْيَتَامَى [البقرة:83] هذا جمع يتيم وقد مر معنا الحديث عنه، والمساكين جمع مسكين، وهو من أذله الفقر وأعجزه فأصبح ساكناً.

    وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] الناس عامة المؤمنين والكفار، وهذا من تأديب الله للأمم السابقة واللاحقة أن الإنسان يكون قوله هيناً ليناً حتى يقبل منه، وقد قالت العرب:

    أبني إن البر شيء هين وجه طليق ولسان لين

    وأعجز الناس من عجز أن يحوي الناس بلسانه، قال المتنبي :

    لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

    فالإنسان العاقل يحتوي الناس بكلامه حتى عندما يقول: لا، فيقولها بأسلوب مقبول تبين أنه لا يجد شيئاً، النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه ضعفاء المهاجرين والأنصار في غزوة العسرة قال الله عنه: قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التوبة:92]، فالتعبير النبوي في الرد تعبير لطيف، وهذا مندرج تحت قول الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] وقد كانت العرب تضرب الأمثال برجال معدودين يحسنون الخطاب، وبعضهم كان إذا أتاه سائل يقول له: الآن لا أجد، لكن أعطيك ورقة أن لك علي كذا، فإذا أصابتني حالة يسر عدت فأخذتها بمقتضى هذه الورقة!

    خالد بن سعيد بن العاص كان من أكرم العرب، أصابته فاقة وعزل من منصبه من المدينة، فذهب إلى قصره في وادي العقيق في عروة من بعض أودية المدينة جهة الغرب، وكان هذا الوادي يسيل وعليه قصور أكثر الناس من أهل الثراء كقصر سعد بن أبي وقاص ، وهو راوي حديث: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) كان يقصد نفسه لما جاءه ابنه وأخبره أن الناس يقتلون على الخلافة وهو في قصره، وعندما مات سعد بن أبي وقاص حمل من قصره في غرب المدينة إلى الحرم على أعناق الرجال.

    الذي يعنينا أن خالداً هذا لما عزل وكانت دار الإمارة بجوار المسجد النبوي رجع، فلك أن تتصور أميراً يعزل، لن يرجع معه أحد، الناس كانوا يلتفون حوله لإمرته، والآن لا مال ولا إمرة، لكن بعض الناس لا يقدر السلاطين على مناكفتهم بالكلية، فعندما رجع سار معه شاب فطن حتى وصل معه إلى باب القصر، فلما وصل معه إلى باب القصر قال: يا أخي! سم حاجتك، فإنك منذ اليوم ترافقني. قال: والله! لا أريد شيئاً، قال: ولماذا سرت معي؟ قال: رأيت مقصوص الجناح فأحببت أن أعضدك. فوقعت هذه الكلمة في قلب خالد موقعاً عظيماً، فقال له: أخرج ورقة، فأخرج ورقة فكتب له أن له عليه عشرين ألف دينار ديناً، ونادى غلاماً له ليشهد، ثم ختمها وأعطاها الغلام، فذهب الغلام، فمات خالد بعدها بقليل، وكان رجلاً من وجهاء بني أمية في عهد معاوية ، وقد قال لابنه قبل أن يموت: اذهب إلى معاوية فإنه سيتكفل بديني، وأخبره أنت بنبأي، فلما مات خالد ذهب ابنه إلى الشام وأخبره بموت أبيه، ومعاوية وخالد كلاهما من بني أمية، فلما أخبره قال له: ما أوصاك؟ قال: أوصاني أن آتيك وأخبرك. فقال: خيراً فعل أو حسناً دلك عليه، فأعطاه آلاف الدنانير ليقضي بها دين أبيه خالد.

    فعاد ابن خالد إلى المدينة وأعلن في الناس بطريقة الإعلان آنذاك، حيث ينادي مناد أن يأتي الدائنون ليأخذوا ديونهم، فجاء التجار الذين كان بينهم وبينه معاملات، ثم جاء هذا الشاب ومعه هذه الورقة وفيها عشرون ألف دينار، وهو مبلغ كبير جداً، فلما أخذه الابن قال: ما أظن أبي يكتب هذا، أنت لست بتاجر، وإنما أنت صعلوك من صعاليك المدينة، كيف استحققت أن تأخذ على أبي هذا المبلغ؟ فجاء الشاهد وقال: أنا أشهد أنه صحب خالداً إلى قصره فسأله خالد: لم صحبتني؟ قال: رأيتك مقصوص الجناح فأحببت أن أعضدك فكتب له هذه الورقة، فأعطاه العشرين ألف دينار.

    موضع الشاهد: من هذه القصة نص الله عليه في آية مكية؛ لأن البقرة مدنية، والقصة متأخرة في عهد بني أمية، قال الله جل وعلا: وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ أي: المساكين قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28]، ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا [الإسراء:28] أي: شيء تؤمله من الله، ولا يوجد مؤمن عاقل يعرف الله إلا وهو يؤمل شيئاً من الله، فمقطوع الأمل من الله لا يعرف الله، الذي يعرف الله على حال استعداد أن تأتيه نعمة الله.

    وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ [الإسراء:28] أي المساكين. ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا [الإسراء:28] أي أجلهم إلى حين، قل لهم: ائتوني بعد غد.. ائتوني آخر الشهر.. لعلك تأتيني آخر السنة.. لعلك تأتيني في رمضان، وما أشبه هذه الكلمات التي تندرج في قول الله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83] .

    قال الله جل وعلا: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ [البقرة:83] وهذه ظاهرة مر معنا كثيراً مثلها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم..)

    قال الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:84-85] .

    الخطاب لليهود المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم، وهم ثلاث طوائف، وكانت الحرب قبل الإسلام مشتعلة بين الأوس والخزرج، وتنبه جيداً لما سيأتي فلن تفسر الآية إلا إذا عرفت التاريخ، فقد كانت قبائل اليهود تلتزم الحياد، والحرب كانت بين الأوس والخزرج، وكانت الغلبة للخزرج كثيراً، والآن ضع نفسك مغلوباً مكان الأوس، تضطر أن تشرك الذين في الحياد وتجرهم إلى المعركة جراً، فذهبت الأوس تستنصر باليهود فرفضت اليهود وذكروا حيادهم، ولما علم الخزرج أن الأوس تستنصر باليهود ذهبوا إلى يهود قريظة والنضير وقالوا: نخشى أن تكونوا مع أبناء عمتنا، فأعطوهم المواثيق أنهم سيبقون على الحياد، فما اطمأنت الخزرج فطلبوا رهائن، فأعطت اليهود للخزرج أربعين غلاماً منهم حتى يضمنوا أنهم لن يشتركوا في الحرب، وفعلاً لم تشترك اليهود في الحرب، وبقي الأربعون غلاماً مع الخزرج.

    والله يقول: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7] فلما شعر الخزرج أن أربعين من اليهود تحت أيديهم، وقد غلبوا إخوانهم من الأوس أرادوا أن يتحولوا إلى مواطن سكن بني قريظة وبني النضير، فقد كانت أخصب أرضاً وأكثر نخلاً، فجاءوا لليهود وقالوا: زيحوا عنا قليلاً، نريد أن نسكن دياركم، فغم ذلك على اليهود، وقد هددهم الخزرج فقالوا: إن لم تقبلوا قتلنا الأربعين، فرجع اليهود إلى رجل عاقل فقال هذا الرجل واسمه كعب : يا قومي ابقوا على دياركم ونخلكم وأموالكم ولا تبرحوا منها، أما الغلمان فلا يلبث الرجل منكم أن يأتي أهله فيولد له غلام مثله.

    أحد العرب كان مسافراً وترك وراءه زوجه وولدة وأباه وأخاه وجيرانه، فلما جاء قال: كيف حال الأب؟ قالوا: مات، قال: ملكت أمري، قال: أين الزوجة؟ قالوا: ماتت. قال: تجدد فراشي. قالت: أين ابني؟ قالوا: مات. قال: آتي أهلي الجدد ويأتيني الله بغيره. قال: أين أخي؟ قالوا: مات. قال: قصم ظهري. من أين يأتيه أخ؟

    الذي يعنينا الآن أنه قال هذا العاقل: الغلمان تلد الأزواج غيرهم، لكن الأرض والديار والنخل ما الذي يعوضها؟ فقتلت الخزرج الأربعين، ودخلوا في حلف بني قينقاع، فاضطر بنو النضير وقريظة أن يدخلوا مع الأوس، وبمقتضى هذين الحلفين أصبح اليهود يقاتل بعضهم بعضاً؛ لأن بني النضير وبني قريظة في كفة، وبنو قينقاع في كفة أخرى.

    والحرب لابد أن تنتهي وترتفع، قال الله عن هذا بقوله: تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4] ، ولا يعرف هذا التعبير قبل القرآن، فلما وضعت الحرب أوزارها لجأ اليهود إلى أن يفدوا أسراهم، ففدوا أسراهم، ما علاقة هذا بالآيات؟ أوجب الله عليهم في التوراة فداء الأسرى، وحرم عليهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فمحرم أن يهودياً يقاتل يهودياً، فهم بصنيعهم هذا قاتلوا بعضهم، ففعلوا ما نهوا عنه، وقاموا بما وجب عليهم من فداء الأسرى، فعاتبهم الله تبارك وتعالى فقال: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]، فأصبحوا فعلوا شيئاً وتركوا شيئاً، وما كان ينبغي عليهم أن يقاتلوا بمقتضى التوراة التي بين أيديهم.

    فذكر الله تبارك وتعالى أنه حرم عليهم أن يخرجوا أنفسهم، والمعنى الملة الواحدة، والله جل وعلا جعل كل ملة كالنفس الواحدة، قال عليه الصلاة والسلام: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو...) إلى آخر الحديث.

    قال الله جل وعلا: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [البقرة:85]

    من ناحية الصناعة النحوية (تظاهرون) أصلها تتظاهرون بتائبين فحذفت إحداهما، ولا ريب أن هناك تاء زائدة وتاء أصلية، لكن اختلف النحاة البصريون والكوفيون في أيهما التي حذفت هل هي الأصلية أو الزائدة؟ فقال البصريون وإليهم نميل في الغالب: إن المحذوف الأصلية؛ لأن التاء الزائدة دخلت لمعنى، فلا معنى لحذفها، كيف أدخلها لسبب ثم أخرجها؟! وأما الأصلية فلا معنى لها لأنها من الأصل باقية. وقال الكوفيون: إن المحذوف هو التاء الزائدة؛ لأنها أضعف، والأصلية هي الأقوى، فلا معنى لحذف الأقوى وبقاء الأضعف، واضح؟ وهذا كثير في القرآن، قال تعالى: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا [القدر:4] ، والأصل تتنزل، وهذا تعريج نحوي على قول الله تعالى: تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ [البقرة:85]

    ثم قال جل وعلا: فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85] .

    ( فما جزاء من يفعل ذلك منكم ) اختلف في (ما) هذه هل هي استفهامية أو نافية؟ والحق أنها تحتمل الاثنين، ولا أستطيع أن أجزم بإحداهما، تحتمل أن تكون نافية، وتحتمل أن تكون استفهامية.

    فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [البقرة:85] هذه فيها قرينة ودلالة وشاهد على أن من الذنوب ما يعجل الله جل وعلا عليه العقوبة في الدنيا، وما كان سبباً في الذنب لا يمكن أن يكون سبباً في الرفع، فالذنب الذي هو أحد أسباب الابتلاء لا يمكن أن يكون هو نفسه سبب الرفع، مثلاً عندما يحصل الآن حرب أو يحصل أذى للمسلمين في أي قطر في أي مكان، وفي أي زمان، يأتي مجموعة من أهل الفن ومن دعاة الفجور العلني فيقيمون المظاهرات أو يقولون: سنفعل ونفعل، هذا بشرع الله لا يستقيم؛ لأن وجود هذه الأعمال التي يتبناها أولئك الأقوام هي من أسباب تسلط العدو، فلا يمكن أن يرفع البلاء بسببهم هم، إنما الذي يمكن أن يقدموه التوبة، عليكم أنتم أن تتخلصوا من ذنوبكم فيرفع الله عنا البلاء، ولا يعقل أن تكونوا أنتم مقدمين في قضية رفع البلاء عن الأمة! هذا محال؛ لأن أي عذاب وأي ابتلاء وتسلط عدو أو جدب ديار أو غيره هو بسبب الذنوب، ولا يلزم أن تكون محصورة في ذنب واحد، لكن ليس من المعقول أن يكونوا هم السبب في نزول البلاء ويكونوا هم أنفسهم سبباً في رفعه إلا أن يتوبوا، وهذه نقطة يجب أن يتنبه لها الإنسان، ولا يغتر بكثرة النفير الظاهر في الفضائيات والقنوات، علمنا الله وإياكم ما ينفعنا ونفعنا وإياكم بما علمنا.

    وقوله تعالى: فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ [البقرة:86] الأفضل حملها على عذاب الدنيا لأن عذاب الآخرة مستقر.

    وَلا هُمْ يُنصَرُونَ [البقرة:86] هذه يجب حملها على عذاب الآخرة؛ لأن النصرة قد تقع في الدنياـ فقد يسلط أهل الكفر حيناً على أهل الإيمان.

    هذا ما تيسر إيراده، وأعان الله على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.