إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عائض القرني
  3. موقف أهل السنة من الجبرية والقدرية

موقف أهل السنة من الجبرية والقدريةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الجبرية والقدرية فرقتان من فرق الضلال على طرفي نقيض، وينبغي الحذر من شبهاتهما وضلالهما.

    وفي هذا الدرس يبين الشيخ بعض شبهاتهما ويفندها، ويبين موقف أهل السنة، وذلك من خلال حديث محاجة آدم وموسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

    1.   

    حديث محاجة آدم وموسى

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    معنا في هذا الدرس مناظرة بين الوالد والولد، بين الأب والابن، بين آدم وموسى عليهما الصلاة والسلام، وقد التقيا فحصل بينهما مناظرة ومحاجة، نقلها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم إلينا، ففي صحيح البخاري وصحيح مسلم وموطأ الإمام مالك وسنن أبي داود والترمذي عنه صلى الله عليه وسلم بألفاظ متباينة متعددة، مفادها: قال عليه الصلاة والسلام: (تحاج آدم وموسى، فقال موسى عليه السلام: أنت آدم أبونا، وخلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك جنته، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة -هذا كلام موسى عليه السلام - فقال آدم عليه السلام: أنت موسى بن عمران نبي بني اسرائيل، كتب الله لك التوراة بيده، واصطفاك وكلمك وقربك نبياً، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ قال عليه الصلاة والسلام: فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى) هذه في رواية، وفي ألفاظ مختلفة أن آدم عليه السلام تكلم مع موسى ومدحه بمدح أكثر، وأن موسى مدح آدم بمدح أكثر، وهذه هي قصة الحديث.

    وفي هذا الحديث مسائل سوف نعرج عليها بإذن الله، ولكن قبل ذلك نقول: ما هو بسط هذه القصة؟

    الرسول عليه الصلاة والسلام يخبرنا بهذا الحديث الذي هو أصل في باب القضاء والقدر، يقول: التقى آدم أبو البشر مع موسى عليه السلام وموسى رجل جريء، كان شجاعاً مقداماً، لا يكل ولا يمل، كل سؤال في رأسه لابد أن يعرضه ويناقشه على بساط البحث، فما هاب من أبيه ووالده، بل جلس معه، ولكن انظر كيف تلطف معه بالخطاب، فهو لم يقل لماذا أخرجتنا؟ أو لماذا خيبتنا؟ أو لماذا طردتنا؟ ولكن بدأ معه بالمدح والثناء، فقال: أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده -هذا مدح- ونفخ فيك من روحه- وهذا مدح- وأسكنك جنته- وهذا مدح- فلماذا أخرجتنا من الجنة؟ هذا عتاب، فرد كذلك آدم عليه السلام بعبارة طيبة للابن وكأنه يستهديه يقول: أنت من؟ قال: أنا موسى، قال: نبي بني إسرائيل، قال: نعم. لم يقل لماذا تلومني؟ وإنما قال: أنت موسى الذي كلمك الله عز وجل، وقربك نبياً، وكتب لك التوراة بيده، بكم وجدت الله كتب عليَّ قبل أن يخلقني؟ قال: بأربعين عاماً، قال: فلماذا تلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين عاماً؟ فسكت موسى وانقطع، قال: عليه الصلاة والسلام فحج آدم موسى، أي غلبه.

    وفي هذا الحديث سبع عشرة مسألة، أولها: أين وقعت هذه المحاجة (المناظرة) وما هو مكانها وزمانها، وعلى بساط من؟ وعلى إشراف من وقعت هذه المحاضرة وكيف التقيا؟ فذاك أبو البشر من أول البشرية، وهذا في منتصف عقد التاريخ، موسى عليه السلام من أبناء أبناء الأبناء فكيف التقيا؟ وذاك قد مات منذ آلاف السنين، وهذا شب وترعرع في بني إسرائيل، فأين كان اللقاء وما هو الظرف الذي عاش فيه؟ وكيف وقعت هذه المناظرة؟ هذه مسألة.

    المسألة الثانية: لماذا خص موسى بالمحاجة من بين الأنبياء؟ لماذا لم يتبرع رسول الهدى بهذه المناظرة، أو عيسى أو إبراهيم عليهم الصلاة والسلام جميعاً، وإنما انتدب لها موسى من بين الأنبياء؟ هذه مسألة.

    الثالثة: كيف الجمع بين قول آدم عليه السلام لموسى: كتبها الله عليً قبل أن يخلقني بأربعين. وفي صحيح مسلم أن عليه الصلاة والسلام يقول: (كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) وهنا يقول: أربعين عاماً، وبين خمسين ألف سنة وبين أربعين عاماً فرق لا يخفى، فكيف الجمع؟

    المسألة الرابعة: ما هي هذه المصيبة التي شكى منها موسى عليه السلام، هل موسى يلوم آدم عليه السلام على الإخراج من الجنة، أم يلومه على الأكل من الشجرة، أم يلومه على الكسب (أنه فعل ذنباً) أو يلومه على القضاء والقدر أم ماذا؟.

    الخامسة: قوله صلى الله عليه وسلم: ( فحج آدم موسى) هل هي بالرفع آدمُ، أو آدمَ بالنصب؛ لأن السجزي الحافظ المحدث كان يقول: (فحج آدمَ موسى) وكان هذا الراوي مع أنه من المحدثين الكبار، لكن كان فيه قدر، فيستدل بهذا الحديث أنه لا قدر، وأن الحق مع موسى عليه السلام وهم يجعلون موسى في هذا الحديث قدرياً ويجعلون آدم عليه السلام جبرياً، فالمعتزلة يستدلون بموسى والجبرية يستدلون بآدم عليه السلام.

    المسألة السادسة: في الحديث رد على القدرية وليس فيه دليل للجبرية، وسوف يأتي مذهب القدرية والجبرية ومذهب أهل السنة والجماعة في كتاب القضاء والقدر.

    المسألة السابعة: القدر يحتج به في المصائب، ولا يحتج به في المعايب، هذه قاعدة أتى بها شيخ الإسلام رحمه الله.

    المسألة الثامنة: هل للمذنب أن يحتج بالقدر، كمن زنا أو سرق أو شرب الخمر؟ هل له أن يقول: كيف تلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلق السموات والأرض، فإذا قلنا له: أتحتج بالقضاء والقدر؟ قال: نعم، آدم احتج عند موسى بالقضاء والقدر؟ هذه مسألة.

    المسالة التاسعة: غلبة آدم لموسى؛ لماذا غلب آدم موسى؟ ما هي الأمور والحجج والبراهين التي جعلت آدم يغلب موسى عليهما الصلاة والسلام.

    العاشرة: ردت القدرية هذا الحديث وأبطلته بردين وسوف أذكرهما.

    الحادية عشر: آدم عليه السلام معذور بأمرين وسوف أذكرهما إن شاء الله.

    الثانية عشر: الأدب في الحوار.

    الثالثة عشر: الجنة التي أخرج منها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة غير جنة الخلد؟

    الرابعة عشر: يقول آدم لموسى: (أعطاك كل شيء) عموم يراد به الخصوص، وهذا سوف يأتي.

    الخامسة عشر: مناظرة العالم لمن هو أعلم منه، والابن يناظر أباه.

    السادسة عشر: إثبات القدر وخلق أفعال العباد وللبخاري كتاب يسمى خلق أفعال العباد أو أفعال العباد.

    السابعة عشر: سيرة موسى في القرآن ومناظرته مع الطغاة والمجرمين في الدنيا.

    هذه مسائل هذا الحديث لكن قبل أن نبدأ بالعنصر الأول بهذا نأخذ العنصر الأخير وهو: سيرة موسى عليه الصلاة والسلام.

    سيرة موسى في القرآن ومناظرته مع الطغاة

    يختار الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لكل حقبة من حقب التاريخ والزمن نبياً يناسب تلك الحقبة، فكل أمة تبرع في فن من الفنون يأتي الله عز وجل بنبي يبرع في هذا الفن.

    الأمة العربية أجادت في الفصاحة، فأتى الله تعالى بأفصح من نطق الضاد وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وأمة عيسى عليه السلام أجادوا في الطب، وفي المداواة والمعالجة، فأتى الله بعيسى وجعل معجزته الطب، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه بإذن الله، ومداواة المرضى، وموسى عليه الصلاة والسلام برع قومه في السحر والمناظرة، فأتى به وجعل عصاه تلقف ما يأفكون، فكان انتصاره من هذا الباب.

    موسى عليه الصلاة السلام، له دلائل في القرآن أولها الشجاعة، فإنه كان قوي الجسم والإرادة، من قوة جسمه أن أهل التفسير والسير والتاريخ ذكروا أنه لطم فرعون طاغية الدنيا وهو طفل صغير، لطم فرعون الذي يقول: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51] يأتي عند سريره فيقوم على فرعون فيضرب وجهه بكفه، وهذه شجاعة.

    الأمر الثاني: يرد ماء مدين فيأخذ الصخرة التي لا يحملها إلا النفر من الناس.

    الثالثة: أنه ينازل في الميدان بعصاه، ويقاتل السحرة وكانوا ثلاثين ألفاً.

    الرابعة: يعبر البحر بالجيش ويقاتل فيما بعد حيث يقول له بني إسرائيل: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24].

    ومن ميزه عليه السلام: الحياء، فكان حيياً كما قال عليه الصلاة والسلام، ولذلك فمنشأ الأمانة الحياء، تقول ابنة الرجل الصالح، قيل: إنه شعيب وقيل غيره: يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ [القصص:26] قوي يصلح للاستئجار، ومع القوة أمانة فليس كل قوي أمين، وليس كل أمين قوي، لكن من جمعهما فهو الفاضل، ولذلك فإن ابن تيمية له لطائف في هذا الباب، يقول: لما تولى أبو بكر وكان رجلاً ليناً صلح معه خالد لأنه كان قوياً، ولما تولى عمر كان قوياً فلم يصلح في قيادته خالد، وإنما صلح أبو عبيدة لأنه كان ليناً.

    فالقيادة العسكرية كانت لـخالد في عهد أبي بكر، ولذلك أبو بكر ما كان يسمع في خالد شيئاً، يقوم على المنبر وعمر يقول: اعزل خالداً، اعزل خالداً، فيقول: والله لا أغمد سيفاً سله رسول الله أو سله الله على المشركين؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: {خالد سيف من سيوف الله سله على المشركين}.

    ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم      ولا رمى الروم إلا طاش راميها

    قد كنت أعدا أعاديها فصرت لها      بفضل ربك حصناً من أعاديها

    ولما تولى عمر كان أول مرسوم أصدره عزل خالد، فصلح معه أبو عبيدة رضي الله عنه وأرضاه، فذاك أمين لين، وأبو بكر أمين لين، وعمر قوي أمين، وخالد قوي أمين، فسبحان من مازج بين الأجناس والأشخاص والهيئات! وموسى جمع الأمانة والقوة، يذكر المفسرون أن ابنة شعيب لما أتت كانت تمشي على استحياء، حيث أتت إلى رجل غريب، وقد تولى إلى شجرة، سقى لهما ثم لم يتكلم معهما كثيراً، وهي مع أنها تكلمت أكثر منه في القرآن قالت: لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [القصص:23] لكن بإيجاز ما قالت: لا نسقي إلا بعد صلاة الظهر إذا ذهب الناس بمواشيهم، لأن طول الكلام معناه شيء من الريبة، وما قالت: أبونا رجل صالح جالس في البيت أرسلني وأختي لكي نسقي الغنم، لكن قالت: وأبونا شيخ كبير، أما هو فسكت وما تكلم، فمال إلى الشجرة، فلما أتت تمشي على استحياء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25].

    فأتى معها، فلما مشى قال أهل العلم: كان يمشي أمامها، وهي تمشي وراءه، وهو يقول: دُليني على الطريق، فتقول: يميناً ويساراً حتى وصل إلى أبيها، لهذا كان عليه الصلاة والسلام قوياً أميناً.

    والمسألة الثانية: أن صراعه كان صراع مناظرة ومقاتلة، فهو تصارع مع فرعون بالحجة، فعندما دخل على بساط فرعون بادره فرعون بالكلام، والأصل أن يتكلم موسى لأن الوافد هو الذي يتكلم، لكن الخائن الخبيث المجرم بدأ بالكلام، وهذا من قلة الأدب، حتى يقول الحسن البصري: ما أطيش وما أخف عقل فرعون! الواجب أن يتأكد ويتأنى إذ وفد عليه وفد، والأصل أن الأبيات إذا دخل دارك تنظر ماذا يتكلم؟ لكن فرعون قفز من سريره، وقال: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] لكن موسى عليه السلام أدبه الله بأمور وسوف نعرض إليها سريعاً، وقصة العصا معروفة، وكذلك قصة الإرسال معروفة، لكن لما وصل على البساط هو وهارون، وقد كان طلب أن يأتي معه هارون؛ لأنه أفصح منه، كما قال: رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ [القصص:34].

    وموسى عليه السلام متخوف من أمور:

    منها: أنه سيذهب إلى طاغية، ومنها: أنه قتل نفساً منهم، ومنها أن الرجل ليس بفصيح، حيث أن موسى لم يكن خطيباً مفوهاً، ولم يكن محاضراً من الدرجة الأولى، وإنما يقول: وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي [طه:27-28] يقول: يا رب! احلل عقدة من لساني عله أن يفقه شيئاً مما أقوله، لكن مع ذلك بعد أن أحل الله العقدة، لازالت اللكنة في اللسان، فذهب معه هارون وقد قال بعض المؤرخين: إنه أكبر من موسى بسنة، لكن الله فضل الله هذا على هذا، فمشيا فلما رأى القصر ورأى أبهة السلطان والصولجان والهيلمان والقوة، التجأ موسى إلى الله وقال: رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى [طه:45] كأنه يعلم الله بفرعون، والله يعلم فهو الذي خلقه، لكن الخوف، قال: لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] أنا معكما رقيب، لا يتحرك حركة إلا وأنا وراءه فتكلما معه ولا تخافا، لكن مع ذلك لا يأخذكم الغرور والعجب، إذ علمتم أني وراءكم، وذلك كما لو قلت لابنك ولله المثل الأعلى: اذهب وأنا معك، فلا يذهب هذا الولد يطرق باب الجيران أو يضارب أبناء الناس ويقول: أبي فلان بن فلان! ولله المثل الأعلى، فذهبا فقال الله لهما حتى لا يغترا: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44].

    لكن الرجل كان طاغية، أغلق الله قلبه، وطبع على فؤاده، ومن يدري لعل الله أن يهديه، ويشرح صدره، ومن قال لك: إن الناس قد ختم الله على قلوبهم، ولذلك من الأخطاء أن يتحدث الداعية إلى بعض المذنبين أو المجرمين ويقول: هذا لا يهديه الله ولو هدى الناس جميعاً، نعوذ بالله ومن جعل الهداية لناس دون ناس! ومن أخبرك بسابق علم الله في الناس! بل بعض الناس كان مهتدياً ثم ضل، وبعضهم كان ضالاً ثم اهتدى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً [طه:44] قيل لـابن عباس: ما هو القول اللين؟ قال: يمنياه بالشباب: قال: أي قولا: سوف يرد الله عليك شبابك، ويبقي عليك ملكك وثروتك وعزك وسلطانك لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 44] فلما دخلا البساط، بدأ المجرم يتكلم قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] يسأل عن الربوبية، لا يسأل الخبيث عن الألوهية، هو ينكر بالظاهر، ولكن في الباطن يعلم أن الله هو الخالق سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولكنه يضحك على الناس، الذين يصفقون له: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] ثم يقول حجة أخرى ساخرة: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ [الزخرف:52] يقول: أنا أفضل وأسرتي وموكبي أم موسى هذا الذي هو راعي غنم؟ الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] أي لا يفصح، فليس له لسان ولا كلام فصيح، وأنا فصيح وخطيب، قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ [الزخرف:54] أي: حتى قومه كانوا فاسقين، فقد كان فيهم خفة وطيش وعدم تعقل، ويتبعون الهوى، فأيدوه، فلما دخل سأل عن الربوبية، وإلا فقد رد عليه في آية أخرى قال: قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً [الإسراء:102] أي: مقطوع الحجة.

    فبدأ فقال: فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] فكيف يكون الرد؟ الرد في غير القرآن، أن يقول له: ربنا الله، لكن هو ينكر الله قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] إن كنت أنت أعطيت كل شيء خلقه ثم هديت فأنت رب، وأما هاتان الصفتان فلا تنطبقان إلا على الواحد الأحد سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فلما حاص وانقطعت حجته سأله مسألة أخرى، ومواقف موسى كثيرة في القرآن سوف أتعرض لبعضها إن شاء الله.

    مكان المحاجة بين آدم وموسى

    المسألة الأولى: أين وقعت المحاجة؟

    اختلف أهل العلم في مكان هذه المحاجة، وذكر ابن حجر هذه الأقوال في المجلد الحادي عشر من الفتح، وابن تيمية كذلك في المجلد الحادي عشر من الفتاوى ولم يتعرض للمكان، لأن ابن تيمية شيخ الإسلام يريد دلالة الألفاظ، أما التي لا ينبني عليها كثير فائدة فلا يتبعها رحمه الله؛ لأنه لايهمنا أن تقع المناظرة في السماء الأولى أو الثانية أو في الثالثة، أو في السابعة، أو في الأرض، أو في القبر، لا يهمنا ولا يتركب عليها كثير علم، ولا كبير فائدة، هذه مسألة.

    ومن الأقوال أنهم قالوا: وقعت المحاجة والمناظرة في السماء التي فيها آدم عليه السلام، وآدم في السماء الأولى، فقد جاء في الحديث الصحيح المتفق عليه في حديث الإسراء والمعراج أنه في السماء الأولى،فقالوا: المناظرة وقعت في السماء الأولى، وموسى في السماء السادسة، والابن يجب أن ينتقل إلى الأب وهو آدم، وأيضاً أن السائل موسى هو يحتاج أن يسأل، فلابد أن ينزل هو إلى من يجيبه لا العكس، هذا قول.

    وقال البعض: لا. بل وقعت عند موسى في السادسة، لأنه أرفع، فكأن آدم عليه السلام ارتحل حتى وصل فجلس مع موسى فتناظرا هناك، لكن نقول للفريقين: ليس هناك دليل أنها في السادسة أو في الأولى وهذا تنظير عقلي، وعلم الغيب لا يثبت بهذا التخمين، ولا يثبت ذلك إلا بأدلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم لكننا نعلم أن هذه المناظرة وقعت في حياة البرزخ بهيئة الله أعلم بها.

    وذكر بعضهم أنها وقعت في المنام، ذكر ذلك ابن حجر عن بعض أهل العلم، وقد أسرف وأخطأ كثيراً من قال: هذا مثل ضربه الله وإلا فإن الحادثة لم تقع، يا سبحان الله! الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرنا بأنهم تحاجوا ونحن نقول: لا. لم يتحاجوا! مثل بعض الناس يقولون: إن الله عز وجل يقول: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ [الزمر:13] قالوا: لم يكن هناك أصحاب قرية، لكن الله ضرب مثلاً، وهكذا يقولون في أصحاب الكهف وغيرها من الوقائع، وهذا فيه إدخال للشك والريبة، نعوذ بالله من ذلك.

    فالمحاجة وقعت على الصحيح في السماء؛ لكن الله أعلم في أي سماء وقعت، وقلنا في السماء؛ لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات، ومر عليه الصلاة والسلام عليهم جميعاً وكلم بعضهم، وأكثر من تكلم معه موسى، ولذلك ورد في حديث يقبل التصحيح: {أن موسى لما تجاوزه النبي صلى الله عليه وسلم بكى، فقالت له الملائكة: مالك تبكي؟ قال: نبي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخل من أمتي!} قال ابن تيمية: هذا من المنافسة وليس من الحسد.

    وموسى دائماً جريء في الحق، ولذلك من جرأته أن طلب من الله عز وجل وهو خائف على بساط القدس، وفي مقام التزكية فيقول: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الأعراف:143] سبحان الله! مطلب عظيم، فيقول الله عز وجل: لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143] وقد كان أول مرة لما سمع الصوت ولىّ هارباً وترك عصاه وحذاءه، ولكن لما آنسه الله تدرج في الخطاب حتى قرب، وبعدها يقول: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي [الأعراف:143].

    ومن جرأته أنه أتى بالألواح فلما أتى إلى بني اسرائيل وقد عبدوا العجل ألقى الألواح من يده، فلذلك يقول ابن تيمية: إن الله عز وجل غفر له وعفا عنه بأمور لوكانت من غيره لكانت كبيرة، مثل إلقاء الألواح وفيها كلام الله عز وجل، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ [الأعراف:154] أتى مغضباً وأتى إلى أخيه وهو نبي من الأنبياء فأخذ بلحيته يجرجره أمام بني إسرائيل قَالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي [طه:94] يقول ابن القيم في مدارج السالكين:

    وإذا الحبيب أتى بذنب واحد      جاءت محاسنه بألف شفيع

    يقول: أتى موسى عليه السلام بذنب لكن محاسن موسى وهي آلاف المحاسن شفعته، لكن المنافقين إذا أتى أحدهم بكلمة لعنه الله وأخزاه، فمثلاً أحدهم يقول للناس: إن هذا لا يقصد بصدقته إلا الرياء والسمعة، فينزل الرد مباشرة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] وأحدهم يقول: يا رسول الله! ائذن لي ولا تفتني فإني إذا رأيت نساء الروم فتتنت، فيرد الله عليه: أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ [التوبة:49] لا يعفو ولا يسامحه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لأنه خبيث.

    أما الصادق فإن الله يعفو عنه، ولذلك كان في عمر شبه بموسى عليه السلام؛ في الحديبية يعترض على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: [[يا رسول الله! كيف تقبل الدنية في ديننا؟ كيف نصالحهم ونحن أهل الحق وأهل السيف والقتال وكفار قريش على الضلال والباطل هذه قسمة ضيزى]] أو كما قال، وأبو بكر ما تكلم، فالرسول عفا عنه وسكت، ويأتي صلى الله عليه وسلم ليصلي بالناس على عبد الله بن أبي في صلاة الجنازة فيقفز عمر ويأخذ برداء المصطفى سيد البشرية، وخيرة الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، يقول: يا رسول الله تصلي على ابن أبي، أما علمت أنه فعل كذا وكذا، أما علمت ماذا فعل يوم كذا وكذا؟ والرسول عليه الصلاة والسلام يعلم هذا، بل يرى. وتأتي سودة، فيقول: قد عرفناك يا سودة، يقول عمر: أي: استتري حتى لا تعفرين، فيتدخل حتى في نساء الرسول صلى الله عليه وسلم.

    ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم: {أما أنت يا أبا بكر! ففيك شبه بإبراهيم وعيسى عليهما السلام، وأنت يا عمر! ففيك شبه بنوح وموسى عليهما السلام} فأشبه الناس بموسى عمر، وأشبه الناس بإبراهيم أبو بكر عليهما السلام ورضي الله عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

    إذاً وقعت المحاجة في السماء، وبدأ الحوار بين الابن وأباه، بدأ بالحوار: موسى عليه السلام.

    أسباب اختصاص موسى بالمحاجة من بين سائر الأنبياء

    المسألة الثانية: لماذا خص موسى بالمحاجة من بين الأنبياء؟ لماذا تقدم موسى وتبرع أن يحاج عن البشرية وعن الذرية مع أبيه وأبينا عليه السلام بهذا؟

    قيل أولاً: لأن موسى صاحب مناظرة ومحاجة، فحياته دائماً الصراع بين التوحيد والشرك، وبين الضلال والهدى، وبين الرشد والغي، ولذلك يقول بعض علماء الإسلام: كاد القرآن أن يكون لموسى، لا تقرأ في السورة قليلاً إلا وتسمع: ولقد أرسلنا موسى، ثم يذكر محاوراته ومجادلاته لأهل الباطل، فلما تربى على هذا رشح إلى أن يناظر آدم عليه السلام، وقيل لأنه بعث بالفرائض الشديدة والتكاليف، ولأنه صاحب شريعة، فهو الذي ناظر آدم عليه السلام.

    الجمع بين أربعين عاماً وخمسين ألف سنة

    المسألة الثالثة: كيف الجمع بين أربعين عاماً وخمسين ألف سنة، يقول آدم عليه السلام لموسى: {كيف تلومني على شيء قد كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة} بينما يقول صلى الله عليه وسلم: {إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة} فكيف نجمع بين هذا وهذا؟

    قال أبو الفرج ابن الجوزي: الجمع بينهما أن يقال: إن الله عز وجل كتب المقادير وكتب القضاء في أزمان متفاوتة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، بعضها كتبها قبل أن يخلق الخلق بأربعين عاماً وبعضها بمائة عام، وبعضها بخمسين ألف سنة فهي في أزمان متعددة، لكن أطولها أجلاً خمسين ألف سنة، وبعضها كتبها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في اللوح المحفوظ، وكتاب آخر: إن رحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سبقت غضبه، لكن السؤال الثاني: كيف عرف موسى أن المدة أربعون عاماً أين هذه الكتابة التي يقول آدم لموسى؟ أين وجدها؟ هل قرأ موسى اللوح المحفوظ؟ هل اطلع على الغيب؟

    نعم. أطلعه الله على شيء من علم الغيب في التوراة، التوراة كتبها الله بيده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، خطاً وكتابةً تليق بجلاله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فقول آدم: يا موسى! أنت في هذا المستوى من الفهم والعقل والفضل وتلومني على شيء أنت وجدته في التوراة، بكم وجدت الله كتب علي هذا؟ قال: بأربعين عاماً، فسكت موسى.

    موضوع محاجة آدم وموسى

    المسألة الرابعة: ما هي هذه المصيبة التي شكى منها موسى عليه السلام، هل يقول موسى لآدم عليه السلام: لماذا أخرجتنا من الجنة؟ وهذا قضاء وقدر أم يقول له: لماذا أكلت من الشجرة؟ وهذا قضاء وقدر، وهل موسى خفي عليه أن الله عز وجل كتب عليه أن يجعله خليفة في الأرض: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] فقبل أن يخلقه قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للملائكة: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [البقرة:30] فهو في الجنة لكن أنزله إلى الدنيا، فالله في سابق علمه قد كتب أن ينزل آدم إلى الدنيا، فكيف يأتي موسى ويقول: كيف تأكل من الشجرة؟ كيف تخرج من الجنة؟

    لا. هذا ليس بصحيح ولا وارد عند أهل السنة، وإنما الصحيح أنه عاتبه، كأنه يقول: يا أبانا سامحك الله، وغفر لك، كنا في الجنة في راحة، وكنا في نعيم ثم أنزلتنا إلى الدنيا، فهو لا يلومه على الأكل من الشجرة؛ لأن الله كتبه عليه، ولا يلومه على الذنب؛ لأن الله قدر الذنب عليه، وسوف يأتي هذا في كلام بعد إنما يلومه على المصيبة، كأن تأتي إلى أحد الناس قد أسرع في سيارة وولدك معه، فوقع الحادث ومات ابنك، فلا تقل: لماذا مات ابني؟ لأن الله كتب عليه الموت، لكن تقول: يا فلان جزاك الله خيراً، كيف تسرع وأنت معروف بالخلق الطيب؟ أما تعرف أن السرعة تضر أهلها؟ أما تعرف أن السرعة مصيبة؟ كيف تقع منك هذه المخالفة؟ فهذه وجهة نظر موسى عليه السلام، وليس ذاك النظر البدعي، الذي هو رد للقضاء والقدر، فحاشا موسى أن يرد القضاء والقدر، فهو يعلم بأن الله كتب مقادير كل شيء، وهو نبي كامل.

    من هو المحجوج؟

    المسألة الخامسة: فحج آدم موسى، بالرفع: (آدمُ) أهل السنة يقرءون {فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى، فحج آدمُ موسى} بالرفع، أي أن الغلبة كانت لآدم على موسى، وأن المغلوب في هذه المناظرة هو موسى، لكن أهل البدعة يقولون: {فحج آدمَ موسى، فحج آدمَ موسى، فحج آدمَ موسى} أي أن آدم مفعول به محجوج مغلوب، وأن موسى غالب، فيريدون الاستدلال على ألا قضاء ولا قدر، وهم القدرية والأصل عنهم أنهم ينكرون الحديث، ومنهم المعتزلة أو القدرية، الذين نفوا القدر، وأن الله عز وجل خلق الأمور هكذا بلا سابق قضاء ولا تقدير وأنها تحدث بالصدفة، نجاحك -مثلاً- صدفة، ليس بقضاء وقدر، وفرقة: القدرية نشأت واستمر مريرها، وهي من أخطر الفرق على الإسلام، وفي أول حديث من صحيح مسلم أن يحيى بن يعمر وصاحبه وفدا إلى المدينة قالا: فوجدنا ابن عمر رضي الله عنهما، قال: فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن ميسرته والآخر عن ميمنته، فقلت: يا أبا عبد الرحمن! إن عندنا قوماً في العراق يقولون: إن الأمر أُنُف -معنى أُنُف أي أن الأمر مستقبل لم يكتب الله علم المقادير ولا القضاء- فما حكم هؤلاء؟ أو كما قال، قال ابن عمر: أخبرهم أنهم براء مني وأني منهم بريء، والذي نفسي بيده لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً وفضة ما قبل الله منه عملاً حتى يؤمن بالقضاء والقدر ثم أتى بحديث جبريل الطويل وفي آخره: وأن تؤمن بالقدرخيره وشره، هذا الشاهد.

    والقدرية يقولون: لا قضاء ولا قدر، وكذبوا لعمر الله وخسروا وأخطئوا خطأً بيناً وغلطوا غلطاً فاحشاً، وقابلتهم فرقة أخرى هي: الجبرية وهم يقولون: العبد مجبور على المعصية، أي: يقولون للزاني: سامحك الله أنت مصيب؛ لأن الله كتب عليك وأنت مجبور وأنت نفذت أمر الله، ويقولون لشارب الخمر: أنت نفذت أمر الله فلست بملام فأنت مجبور على هذا العمل، فأخطأ هؤلاء وهؤلاء، وتوسط أهل السنة وهداهم الله لما اختُلِف فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

    قال أهل السنة: للعبد مشيئة، ولله مشيئة، ومشيئة العبد داخلة تحت مشيئة الله عز وجل، والله عز وجل كتب كل شيء الطاعات والمعاصي، لكن لا يجبر الله أحداً على المعصية، ولذلك يقول ابن تيمية: بعض الناس من أهل البدعة، قدري في الطاعة جبري في المعصية، تقول: لماذا لا تصلي مع الناس صلاة الفجر؟ قال: كتب الله عليَّ ألا أصلي صلاة الفجر، فإذا قلت له: لماذا شربت الخمر يا بعيد؟ فيقول: كتب الله علي أن أشرب الخمر، فقال: هو قدري في الطاعة لأنه ينفي القدر، وجبري في المعصية لأنه يقول بالجبر، والقدرية يستدلون بفعل موسى عليه السلام، فيقولون: إن موسى ينفي ويعارض القدر، وكذبوا.

    و الجبرية يقولون: آدم يقول أنا مجبور على هذا الفعل فيستدلون بالجبر وسوف يأتي موقف أهل السنة من ذلك بإذن الله.

    الرد على القدرية والجبرية

    المسألة السادسة في الحديث: كيفية نرد على القدرية بهذا الحديث؟

    نقول: آدم عليه السلام يقول: كتب الله عليّ هذا قبل أن يخلقني بأربعين عاماً فهو أمر مقدر، إذاً فنقول للقدرية الذين نفوا القدر: إن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض، فكل شيء عنده بقدر قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ * وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [القمر:49-50] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] يعني من يؤمن بالقضاء والقدر يهد قلبه وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن:11] أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف:54] فالخلق: هو خلق الله في هذا الكون، والأمر: التدبير والتصريف.

    إذاً: فنرد على القدرية بأن تقول: إن الله كتب مقادير الخلق قبل أن يخلقنا سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وليس فيه دليل للجبرية الذين يقولون: إن الله عز وجل يجبر العبد على المعاصي، فقالوا: أجبر الله آدم أن يأكل من الشجرة، وأجبره على أن يعصيه ويخرج من الجنة، فنقول: كذبتم وضللتم وخالفتم الصواب، بل آدم عليه السلام ما أجبره الله أن يأكل من الشجرة، فقد علم الله في علم الغيب أنه يأكل من الشجرة، لكنه لم يخبره، ولا ألزمه، لكنه ألزم نفسه، وهذا هو الكسب من العبد لذلك هنا أمران: فإنه قضاء وكسب، فمثلاً: من ترك الصلاة، ففي علم الله أنه يترك الصلاة، ولكن هو الذي كسب ترك الصلاة قال تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5].

    فلا يستدل أحد بالقضاء والقدر على المعصية، فمن استدل على المعصية بالقضاء والقدر فهو جبري مخالف مبتدع ضال اتبع هواه، وهو خاسر فاجر، نعوذ بالله من ذلك، وسوف يأتي عذر آدم عليه السلام.

    جواز الاحتجاج بالقدر في المصائب لا في المعايب

    المسألة السابعة: القدر يحتج به في المصائب لا في المعايب، من القواعد المجيدة والجيدة، أن القدر يحتج به في المصائب ولا يحتج به في المعايب؛ فإذا أصبت بمصيبة كأن يسقط ابنك من على السقف فتكسر ومات، فلا يصح أن يقول لك الناس: لماذا سقط ابنك؟ أو تقول: يا رب! كيف تسقط ابني ولا تسقط أبناء الجيران، أو كيف ترسب ابني وتنجح أبناء فلان، أو مثلاً أصابك عمى -نسأل الله أن يعافينا وإياكم وأن يمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا- فلا تقل: لماذا أصابني العمى؟ لكن تقول: قدَّرَ الله وما شاء فعل، فهذه مصائب وقعت، يجوز فيها الاحتجاج بالقدر لكن لا يستدل به في المعايب، مثل إنسان يشرب الخمر فإذا قلت: كيف شربت الخمر؟ قال: كتب الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة أن أشرب الخمر في وادي فلان عند آل فلان بعد صلاة كذا وكذا! فهذا من الحمق، أو مثل إنسان يسرق، فتقول: كيف تسرق؟ قال: كتب الله عليَّ! أو إنسان يضرب أبناء الناس، يتصدى لهم في كل حي وحارة، ويقول: كتب الله عليَّ قبل أن يخلق السموات والأرض أن أضرب أبناء الجيران، فنقول له: لا. هذا لا يصح.

    وهذا عمر بن الخطاب وفد إليه سارق، فقال: لماذا سرقت؟ قال: سرقت بقضاء وقدر، قال عمر: سبحان الله! عليّ بالسكين، يظن أنها تنطلي على أبي حفص، أعطي القوس باريها، فلما أتى بالسكين وقطع يده، قال السارق: كيف تقطع يدي والله كتب عليّ أن أسرق، قال: نعم، سرقت بقضاء وقدر ونحن نقطع يدك بقضاء وقدر.

    فقطع عمر يد السارق تنفيذاً للأمر الشرعي، وفعل ذاك أمر كوني، ولا يعارض الأمر الكوني بالقضاء الشرعي لأن عمر رضي الله عنه وأرضاه كأنه يقول: أنت تعرف أن هذا حق وهذا باطل، هذا رشد وهذا ضلال، هذا ثواب وهذا خطأ، وإلا لماذا نحن نأتي فنحب الظل ونكره الشمس؟ في منافعنا الدنيوية نحرص على ما ينفعنا، والإنسان منا يكد ويكدح في النهار،حتى يحصل معاشه، وإذا قلت له: اجلس في بيتك بارك الله فيك وسوف يأتيك رزقك قال: لا. لابد أن العبد يكد ويشتغل ويجد وسوف يأتيه رزقه إن شاء الله، لكن إذا أتت الصلاة فلا يتحرك إلى المسجد، ويستدل بالقضاء والقدر، لماذا لا يستدل بالقضاء والقدر في المعاش؟ وفي أمر المعيشة وتدبير أحواله، وأغراضه ويستدل بها في الطاعة؟ فنلزمه بمثل ما ألزم نفسه.

    إذاً القدر يحتج به في المصائب لا في المعايب، لكن هنا مسألة قد يستشكلها البعض، وهي: أن احتجاج آدم عليه السلام كان في المعايب؛ فأكل الشجرة من المعايب، وليس من المصائب، أليس والخروج من الجنة من المعايب والذنب، لأنه الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى سماه ذنباً، ولم يسمعه مصيبة فقال: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] فلم يقل: أبتلاه الله بمصيبة، وإنما قال: فعصى، سماه عاصياً، أليس في هذا دليل على أن آدم عليه السلام استدل بالقضاء والقدر في المعايب ولم يستدل به في المصائب، نقول: لا، يقول ابن القيم في كتاب شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل.

    القضاء والقدر يستدل به في مسألتين:

    المسألة الأولى: في المصائب.

    كلما أصابتك مصيبة فقل: قدر الله وما شاء فعل، ويستدل به في المعايب في صورة واحدة وهي: فمثلاً إذا تبت أنت، كنت في شبابك مسرفاً على نفسك ثم تاب الله عليك وهداك، فرءاك الناس وأنت خطيباً، ومتكلماً واعظاً، فيقولون لك: أنسيت فعائلك طول الدهر؟ أنسيت صنائعك؟ أمثلك يدعو الناس؟! فتقول: نعم قدر الله عليّ في شبابي أن أفعل، ولكن هداني الله، وهذا من باب استدلال آدم عليه السلام لموسى، يقول لموسى: أتاب الله علي الآن أم لا؟ قال: نعم تاب عليك، قال: فلماذا تلومني على أمر قد كتبه الله علي وتاب الله علي منه، وموسى عليه السلام يعلم أن الله تاب على آدم، لأن الله سبحانه يقول: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37] وقال: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23] فذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه تاب عليهما، فأنت يصح لك أن تحتج بالقضاء والقدر بعد أن تتوب من الذنب، أما قبل أن يتوب الإنسان فلا يجوز له أن يحتج بالقضاء والقدر.

    كمثل إنسان يترك المساجد ويهجر بيوت الله، ويعصي الله عز وجل، ويتمرد على حدوده، ويقول: قضاء وقدر! نقول: كذبت لعمر الله، بل أخطأت على الله عز وجل وتجاوزت حدوده.

    جواز احتجاج المذنب بالقدر في بعض الصور

    المسألة الثامنة: هل للمذنب أن يحتج بالقدر؟ قد ذكرت أن ابن القيم ذكر صورة واحدة وهي أن تحتج بالقضاء والقدر إذا تبت من المعصية كما مثلت من قبل. ومسألة أخرى يجوز أن تحتج بها في القضاء والقدر، وهي: أن تبين أن كل شيء بقضاء وقدر، فمثلاً: أخطأت فتقول: هذا كتبه الله علي. لكن لا تجعله حجة ولكنك تجعله إيماناً بالقضاء والقدر، فليعرف هذا، فإنه أصل عظيم وأصل من أصول أهل السنة والجماعة.

    أسباب غلبة آدم لموسى

    المسألة التاسعة: لماذا غلب آدم موسى؟ ما هو السبب الذي جعل آدم يغلب موسى؟

    غلبه بالحجة بسببين اثنين، وهما أصلين عظيمين، وبرهانين كبيرين.

    أولهما: أن آدم تاب، فما هي الفائدة إذاً أن يحاجه موسى وقد تاب، وانتهى الأمر، وتاب الله عليه وغفر الله له، وأسكنه الجنة وجعل العائد من ذريته في الجنة، فلماذا يلومه؟ إنسان كان مسرفاً على نفسه ثم أعلن توبته، وأصبح من عباد الله،هل تأتي وتقول له: لماذا كنت فاجراً قبل سنوات؟ لماذا كنت عاصياً العام الأول؟ لماذا كنت تترك الصلاة؟ هذا ليس بصحيح، فقد تاب وانتهى الأمر.

    والسبب الثاني: أنه قضاء وقدر والله كتب عليه القضاء والقدر، فلماذا يلومه على شيء كتبه الله عليه، ولكن موسى عليه السلام يلومه على الكسب، وعلى فعله وهو إخراج الذرية بسبب هذه المصيبة.

    القدرية وردهم لحديث محاجة آدم وموسى

    المسألة العاشرة: ردت القدرية الحديث بأمرين:

    أولهما: قال القدرية المعتزلة: إن هذا الحديث لا يصح، ولذلك يأتي أحدهم، أظنه العلاف أو الجبائي، ويمسح الحديث من كتب الحديث بيده، نعوذ بالله.

    ولذلك رئي أحدهم في المنام -كما ذكر الذهبي - كأن الله حول صورته صورة كلب وهو يمسح هذا الحديث، كيف يمسح هذا الوحي! إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى [النجم:4-5].

    ولذلك يقول الجهم بن صفوان: لو كان لي من الأمر شيء لمحوت آية في القرآن، قالوا: وما هي؟ قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]

    وذكر ابن تيمية: أن الجهمية في عهد المأمون كتبوا على الكعبة (ليس كمثله شيء وهو العزيز الحكيم والآية هي: (وهو السميع البصير) انظر إلى الهوى، فيأتي هذا الخبيث الفاجر ويمسح الحديث؛ لأنه يعارض مبدأه، سبحان الله! لا يؤمن بالحديث؛ لأنه صاحب هوى ومبتدع ضال، فاعتقدوا أنه يهدم مبدأهم ومنهجهم الفكري الضال هدماً، وقالوا: سبب رد الحديث أمور:

    أولاً: هذا الحديث ليس بصحيح، قلنا لهم: لماذا؟ قالوا: موسى أعقل وأفضل وأعلم بالله عز وجل من أن يلوم آدم على أمر قد تاب منه، ثم يقولون: وموسى عليه السلام قتل نفساً فتاب منها فقبل الله توبته، فكيف يلوم ذاك على أكل الشجرة وهو قد قتل نفساً، فهو لا يلوم أبداً، وهذا هو الفقه الأعوج فهم يردون الحديث بالهوى.

    ويقولون: ثانياً: لأن أهل الجرائم والمخالفات يستدلون بالحديث، يقول هؤلاء القدرية: لو وافقنا على قبول الحديث، كان كل واحد أردنا أن نقيم الحد عليه، يقول: لا، هذا بقضاء وقدر، نأتي بالسارق نقطع يده، فيقول: لا تقطعوا يدي، هذا قضاء وقدر، نأتي بالزاني الثيب نرجمه فيقول: قضاء وقدر، ولذلك قالوا: الحديث مردود -رد الله وجوههم في النار- نعوذ بالله من الهوى، ونسأل الله أن يتوب على من تاب منهم وعلى كل المسلمين.

    أعذار آدم عليه السلام

    المسألة الحادية عشرة: آدم عليه السلام معذور بأمرين:

    أولاً: لأن في المسألة أمرين: كسب وقضاء وقدر، فأما القضاء والقدر، فقد عذره الله عز وجل؛ لأن الله كتب عليه، وأما الكسب فلأنه تاب منه، وقال: ربنا إنا ظلمنا أنفسنا، فكيف تلوم إنساناً تاب من المعصية، ورجع وعاد.

    ثانياً: اللوم كان بعد التوبة، فلا لوم بعد التوبة، إذاً فغلب آدم موسى وحجه، ودفع ما قال وانتصر عليه، وبقيت الصلة والقربى بينهما وكان النصر في هذا الحديث للوالد على ولده، وعرف موسى أن الحق مع آدم عليه السلام.

    الأدب في الحوار

    ومن المسائل الأدب في الحوار، ذكر ذلك ابن حجر والقاضي عياض وقال: فيه أدب الحوار، فإنه ما شنع عليه ولا لامه، ولا سبه ولا شتمه، وإنما تلطف فقال: أنت أبونا الذي خلقك الله بيده، كما قال تعالى: (لما خلقت بيدي) فالله صوره من طين بيده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى تصويراً يليق بجلاله، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له الملائكة، كل هذا من الفضل، قال: ثم لامه: أنت خيبتنا وأنزلتنا إلى الدنيا، فأذنبنا، وأخطأنا وأسرفنا، وكأنه يقول: أنا قتلت نفساً، وفعلت وفعلت، وفعل بنو إسرائيل هذه المصائب والجرائم وكلها بعد أن نزلنا من الدنيا، فكيف يا أبانا فعلت بنا هذا الفعل؟ فآدم يتلطف معه ويقول: أنت موسى. أي: ليت الخطاب جاء من غيرك، كأنك تقول أنت الولد الذكي أو الرجل الكريم، ولذلك يقول عمر كما في البخاري لـعثمان لما تأخر عن صلاة الجمعة: وتأتي في هذا الوقت! لأن عثمان من مشاهير الإسلام ومن السابقين ومن العشرة المبشرين بالجنة فكيف يتأخر! أي ليت التأخر من غيرك؛ فإنه لو كان الخطاب من موسى ما كان قال آدم ذلك، فقال: أنت موسى الذي اصطفاك برسالاته، وكلمك، وكتب التوراة لك بيده، كيف تلومني على هذا؟!

    الحِكم الربانية في خروج آدم من الجنة

    قال ابن حجر: وفيه تعريض من آدم لموسى كأنه يقول: يا موسى ما حصلت لك هذه الكرامات إلا بعد أن نزلت أنا من الجنة، وإلا لو كنا بقينا في الجنة ما كان لك هذه الكرامات، والمراتب العالية، هل لو بقي آدم في الجنة كان هناك فرعون، ولما أرسل الله موسى إليه، ولما ضرب البحر بعصاه، ولا كان معه الحية والثعبان. فكأنه يقول: اتق الله عز وجل، واحمد الله على هذا الفضل، فبسبب نزولي من الجنة إلى الدنيا حصلت لك هذه المقامات العلية وإلا لو بقيت أنا في الجنة كنت أنت بقيت من سائر الناس، ولما كان هناك ابتلاء، ولذلك فلله الحكم البالغة، كيف أنزل آدم؟ لكن الظاهر أن نزول آدم من الجنة كان مصيبة، وإننا نسترجع منها، ونقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كلما ذكرناها قلنا: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ لأنها مصيبة وسبب كونها مصيبة لأمور:

    أولاً: لو كنا في الجنة ما كان علينا تكاليف، لا صيام ولا صلاة ولا حج ولا عمرة ولا زكاة، وكنا مرتاحين.

    الأمر الثاني: ما كان علينا مصائب وآلام وأحزان، فهذا مشلول وهذا مبتلى بالعمى، وهذا بالصمم، والمستشفيات مليئة، وحوادث السيارات، والأزمات، وغلاء الأسعار، وتخريب البيوت، والدمار والبراكين والحروب، وضرب الطائرات والصواريخ، كل هذه المصائب ما كانت توجد، وكنا في أمن وسكينة في الجنة.

    والأمر الثالث: لو كنا في الجنة، ما كان انقطع نعيمنا أبداً، لكن هناك نعيم أراده الله عز وجل لنا:

    أولاها: أن الله عز وجل لما أنزل هذا الخلق منهم الأنبياء والرسل ومنهم الشهداء والصالحون، ومنهم الأخيار والذاكرون، ومنهم الصوام والقوام، ومنهم العباد والدعاة، ومنهم المجاهدون والمستبسلون، فهذا فضل من الله عز وجل.

    ثم الفضل الآخر أن الله عز وجل جعل منازل الجنة بهذه المنازل، ثم الأمر الآخر: أن الله امتحننا بالعبودية فصدقنا، فإنك إذا أتيت تعطي ابنك الجائزة بعد أن بذل وجد في الامتحان؛ كان في نفسك اطمئنان أنك أعطيته بحق، وهو يفرح لأنه أدى وعمل، وأما الطفل الصغير الذي لا يعرف ألف ولا باء ولا تاء ولا جيم ولا ثاء، فتأتي تعطيه الجائزة هو سيأخذها وهو يدري أنه ليس هناك جدارة، وأنت في نفسك لست فرحاناً بهذه الجائزة التي أعطيته، وذلك لأنه يكسر نوافذ الناس بالحجارة، أو يؤذي الناس بصوته، لكن مادام قد أعطيته هذا الفضل فقد استحق الفضل هذا، فهو من أرباب الفضل.

    فالأدب في الحوار كان وارداً، وكان سمتاً حسناً، ولذلك لما قرأ صلى الله عليه وسلم سورة الكهف أخذ يسافر بروحه وبكيانه مع موسى والخضر وهما في سفر عجيب وفي حوار غريب، فلما انتهى القصص، قال الخضر عليه السلام: هذا فراق بيني وبينك، قال صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يستمر في الحوار، يقول: {يرحم الله موسى ليته صبر حتى يقص علينا من خبرهما} كأنه صلى الله عليه وسلم يقول: استعجل موسى، وليته صبر قليلاً حتى نسمع كثيراً من الأخبار العجيبة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعيش الأنس والمتعة، ويعيش التربية والأدب، ويعيش التفقه مع القرآن، كان يقرأ القرآن -كما يقول سيد قطب - على خلاف ما نقرأه الآن، الواحد منا إلا من رحم الله إذا قرأ سورة القصص، يفكر: متى ينتهي منها ويمر بقصة موسى عشرين مرة، وهي قصة معروفة يعرفها حتى الأطفال، ولكن في قراءتها متعة ما بعدها متعة، وسلوى ما بعدها سلوى، ولذلك يتنقل بك القرآن في حدائق غناء وقصص عجيبة، وهو كتاب السماء، وهو كتاب الأعاجيب، مرة يقص عليك قصة يوسف وأنت تعيش معه في الجب وفي القصر، ثم في السجن، ومع الأبناء ومع الإخوة، وفي الرؤية، فما تنتهي من السورة حتى امتلأت علماً ويقيناً وإيماناً، ومرة يمر بك في الحدائق الغَنَّاء فيصف لك الأشجار السامقة، والتلال الوامقة، والنجوم اللامعة، والشمس الساطعة، وخرير الماء، وزقزقة العصافير، ويتركك من هذا المشهد، وينتقل بك إلى يوم القيامة، فإذا الأهوال: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ [التكوير:1-5] وبينما أنت في ذلك الرعب ينتقل بك في ساحة الجهاد وإذا السيوف تلمع، وإذا الرماح تأخذ الأنفس والأرواح.

    ولذلك يقول أبو العلاء المودودي في كتاب كيف تقرأ القرآن وهو كتاب من أحسن ما كتب، يقول: العجيب في القرآن أنه ليس كأي كتاب من كتب البشر، نحن الآن البحوث التي تقدم في الكلية، أو في أي مؤسسات علمية، يأتي أولاً قال: البحث فيه ثلاثة أبواب، والباب فيه أربعة فصول، والفصل فيه مطالب، والمطلب فيه فقرات، وهنا فهرس، ومقدمة الباحث، وكلام المشرف، والتعقيب، والحاشية، لكن القرآن لا يسلك هذا المسلك، يسلك بك مسلكاً عجيباً يتحدث لك في الكون، وبينما تقول سوف يستمر في الكون ينتقل بك إلى الطلاق، وأنت في الطلاق ومصارعة الزوج مع زوجته والمشاكل العائلية، وإذا بك في الحديقة وهو يتكلم لك عن الأزواج البهيجة، في الورود والزهور والماء، وبينما أنت كذلك وإذا به يدخل بك على الملوك، ويأمرهم بالعدل يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ [ص:26].

    ومن أسرار القرآن أنه لا يدعوك إلى فن من الفنون التي أتى بها البشر، هو ليس كتاب هندسة، وقد سبق هذا الكلام، ولذلك بعض الناس يقول في القرآن هندسة، فنقول له من أين الهندسة؟ قال: فيه دليل على أن الخط المستقيم أقرب خط بين نقطتين، قلنا: من أين؟ قال: من قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] هذا ورد في تفسير موجود، ويقول: الخط المثلث دائماً زواياه منفرجة، قلنا: من أين؟ قال: من قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في سورة المرسلات: انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ [المرسلات:30-31] فهذا ليس بصحيح.

    وقال آخرون: القرآن كتاب جغرافيا، لأنه ذكر التضاريس، وذكر المناخات والمحيطات وهذا ليس بصحيح، وقال آخرون: القرآن كتاب طب، من أين؟ نعم هو يذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لمحات لكن القرآن كتاب هداية، يهدي البشر، ويحكم الدنيا بحكم الله، ويقود الإنسان إلى الله، الذي لا يعرف السر هذا فسوف لا يهتدي بالقرآن الكريم كثيراً.

    القرآن كتاب هداية، وليس كتاب تاريخ ولا جغرافيا ولا هندسة ولا طب، وما أخبرنا متى ولد فرعون وكم عند فرعون من الأبناء والبنات، ولا متى توفي، إنما أخبرنا أنه مجرم، وأنه ضل، وأخبرنا أن موسى مهتد، وأنه دعاه إلى الله، ولا أخبرنا متى انتقل صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ومتى وصل إلى المدينة بحفظ الله ورعايته في الساعة كذا من يوم كذا في تاريخ كذا، ومن الذي كان على كبار مستقبليه، وكيف استقبل بحفاوة وتكريم، لا، ولم يخبرنا عن قارة آسيا ولا إفريقيا ولا أمريكا الشمالية والجنوبية، ولا استراليا.

    ولم يخبرنا عن المناخ كذلك، أن الرياح تنخفض في المنخفضات وترتفع في المرتفعات، وأنها إذا هبت في وقت البرودة فهي باردة، وإذا هبت في وقت الحر فهي حارة، لا، إنما أخبرنا أنه يريد أن يقود الإنسان إلى الله.

    مذهب أهل السنة في الجنة التي أخرج منها آدم

    المسألة الثالثة عشرة: الجنة التي أخرج منها آدم جنة الخلد، وهذه مسألة خلافية بين أهل السنة، حتى يقول بعضهم: هذه الجنة في الدنيا وليست جنة الخلد؛ لأن من يدخل الجنة لا يخرج منها، هذا شيء؛ ولأنه كيف أخرج آدم من الجنة، هل سقط من السماء وما أخبرنا الله كيف سقط، ولا الوسيلة التي نزل منها، ولكن الصحيح أنه كان في جنة الخلد، لعدة أمور:

    أولاً: قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى [طه:121] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا [طه: 123] فدليل على أنه هبط من علو وقال: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ [طه:118-120] وهذا دليل على الذين قالوا: إن جنة الخلد ليست في السماء، لكن قالوا: الشيطان كيف يدخل الجنة؟ الشيطان لا يدخل الجنة، ولذلك يأتي بعض الخرافيين يقول: الشيطان لما أراد أن يدخل الجنة احتال بحيلة، قلنا: ما هي الحيلة؟ قال: ابتلعته حية، ثم دخلت الحية الجنة، يعني كأن الله عز وجل بغفلة عن هذا، وهو يخادع من؟! رب السماوات والأرض، الذي خلق الجنة وخلق الناس، وكأن علم الله لا يدرك أن في باطن الحية شيطاناً، ورد هذا في بعض كتب التفسير، والصحيح أنه وسوس، وأنه ابتلى به العبد حتى في السماء، لما خلق الله آدم كان الشيطان موجوداً ذاك الوقت، وما أعلم دليلاً على أن الشيطان لم يكن في الجنة، لكن هناك دليل على أن الشيطان لا يدخل الجنة فيما بعد، فالجنة التي أخرج منها هي جنة الخلد، التي نسأل الله عز وجل أن يعيدنا إليها:

    فحي على جنات عدن فإنها      منازلك الأولى وفيها المخيم

    ولكننا سبي العدو...

    من هو العدو؟ إنه الشيطان، يقول ابن القيم: يا عبد الله، عد إلى جنتك الأولى التي كان فيها أبوك، فمن يشابه أبه فما ظلم، فأنت إذا أذنبت فتب حتى تعود إلى الجنة، لأنها دارك الأولى.

    ومما يجب على المسلم أن يعتقده في القضاء والقدر: أن يؤمن بالقضاء والقدر، ويفعل الأسباب، فإن القضاء والقدر لا ينافي فعل الأسباب، فمن نفى القضاء والقدر فقد نفى أمراً معلوماً من الدين بالضرورة، وقد ابتدع في دين الله، ومن عطل الأسباب فقد تخاذل وأصابه الوهن والكسل والعياذ بالله.

    إذاً فنحن مأمورون أن نفعل الأسباب، ونؤمن بالقضاء والقدر، يقول رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن ناقته قال: يارسول الله أأعقل ناقتي أم أتوكل؟ قال: اعقلها وتوكل، فنحن أهل سبب وأهل إيمان بالقضاء والقدر، فمن أراد أن ينجح فليسأل الله تعالى النجاح وليثابر على المذاكرة؛ فإن الله عز وجل سوف يوفقه ويهديه سواء السبيل، فالأسباب لا يعطلها القضاء والقدر.

    وبعض الناس يبلغ بهم التواكل إلى إيمانهم بالقضاء والقدر، فيقولون كل شيء بقضاء وقدر، فلا نحرص على شيء ولا نفعل شيئاً، وبعضهم يحرص على الأسباب، ولذلك ذكروا عن بعض الحمقى، قيل جحا وقيل غيره، كان يريد أن يشتري حماراً من السوق، فقيل له: أين تريد؟ قال: أريد أن أشتري حماراً، قالوا: قل إن شاء الله، قال: لماذا أقول إن شاء الله؟ الدراهم موجودة والحمار موجود في السوق، فذهب فضاعت منه الدراهم، فعاد إلى بيته قالوا: أين الحمار؟ قال: ضاعت الدراهم إن شاء الله!

    فالآن تذكر (إن شاء الله عز وجل) فالآن أبطل القضاء والقدر، وبعض الناس من أهل التصوف أبطلوا الأسباب، فبعضهم يخرج في الصحراء، قيل له: خذ خبزاً، قال: لا. الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى هو الرزاق العليم،فيذهب فإذا توسط الصحراء بحث وبحث ودعا الله أن ينزل له خبزاً من السماء، ثم يموت، لأنه ترك الأسباب.

    وقد ذكر ابن تيمية عن هؤلاء المتواكلين الصوفية عجائب لا يعلمها إلا الله عز وجل، لكن نحن أهل الإسلام وأهل السنة -نسأل الله أن يجعلنا منهم- مأمورون أن نؤمن بالقضاء والقدر، ونؤمن بتعاطي الأسباب، وسمعت أنا شخصاً -نسأل الله أن يهديه- يقول لزميله وهو يذاكر، قال: ذاكر والله لن تنجح إلا بالمذاكرة، لأن ذاك كان يدعو بعد الصلاة، قال: ضيعت الوقت يا أخي تعال ذاكر، قال: أنا أدعو الله بالنجاح، قال: النجاح أن تذاكر لا أن ترفع يديك بعد الصلاة، نعوذ بالله، وهذا فجور وفسق، إن فعله بجهل فيُعَلَّم، وإن كان علم فإنه فاجر فاسق، فنحن مأمورون بكثرة الدعاء وببذل الأسباب، وإذا بلغت الأمور مبالغها، وقد اجتهدنا فلا لوم، المعاتبة تأتيك والأسف إذا لم تفعل شيئاً ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: {احرص على ما ينفعك} انظر ما أحسن اللفظ: {احرص على ما ينفعك} من أمور الدنيا والدين {واستعن بالله ولا تعجز} لأن العجز مخالفة الأسباب أو تركها {فإن أصابك شيء؛ فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، لكن قل: قدر وما شاء فعل} فهذا معنى قدر الله وما شاء فعل، هذا مكانها، وهذا موضعها، إنسان يذاكر لينجح، فلما ذاكر وسهر وبذل ولخص وراجع، وشرح وأدمن القراءة، كتب الله عليه أن يرسب؛ فله أن يقول: قدر الله وما شاء فعل، فنقول: صدقت وأحسنت وآجرك الله على هذه المصيبة، لكن إنسان نام وكتبه ليست موجودة ولا يدري ما هو المقرر، ودائماً يسأل الناس قبل دخول القاعة، ويقول: النجاح على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ثم رسب، فيقول له الناس: ما لك؟ فيقول: قدر الله وما شاء فعل، كلامه صحيح لكنه ملام، لأن كسبه ليس معه، فلم نلم الأول لأنه كسب وكسبه معه، فكسبه يدافع عنه، وهذا نلومه لأنه ليس له كسب.

    بيان معنى قوله: (وأعطاك كل شيء)

    المسألة الرابعة عشرو:

    من المسائل التي وردت معنا يقول آدم عليه السلام لموسى: {وأعطاك كل شيء} هنا يمدح آدم موسى فيقول: {أعطاك كل شيء} يقول ابن حجر: هذا عام يريد به الخصوص، ونحن نعرف أن الله عز وجل لم يعط موسى كل شيء، ما أعطاه فضلاً مثل محمد عليه الصلاة والسلام، ولا أعطاه الشفاعة الكبرى، ولا ختم به الرسل، ولكن المعنى: أعطاك كل شيء مما تقبله أنت أو مما أعطاك، مثل قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للملكة بلقيس كما في سورة النمل قال: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل:23] مع العلم أنها لم تؤت من هذه الوسائل العصرية، لا التلفون ولا طائرة، ولا صاروخ ولا سيارة، ولا أوتيت حتى من ملك سليمان، ليس عندها من الجن من يصنعون لها جفان كالجواب، وقدور راسيات، وما آتاها الطير، وما كان لها الريح، وما سخر لها بعض الأمور، لكن هذا عام أريد به الخصوص، يعني مما تقبل، أو مما يقبل الملك أو يقبله الملك.

    مثل ذلك يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25] الريح هذه هل دمرت كل شيء؟ لا، ما دمرت السماء الأرض، ولا دمرت الهواء، وإنما قال: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف:25] وبعدها يدل على أنه لم يرد به كل شيء، قال: فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] بقيت المساكن، فدمرت ما يقبل التدمير.

    ولك في العموم أن تقول: جاء الناس ما بقي منهم أحد، من كثرتهم وقد بقي منهم ألوف مؤلفة، أو تقول: ذهب الناس للحج جميعاً وما بقي أحد وقد بقي منهم ألوف مؤلفة، فهذا إذا رأيته في القرآن فهو من العام الذي أريد به الخصوص، وقد يراد بالخصوص العموم في سور أخرى، وهذا مكانها في كتب أصول الفقه.

    مراجعة الفاضل من هو أفضل منه

    المسألة الخامسة عشرة:

    مناظرة العالم لمن هو أعلم منه، والابن أباه، على المسلم أن يتواضع وأن يقبل الحق من أي أحد، وللتلميذ أن يسأل الشيخ، يقف التلميذ ويقول للشيخ: كيف تفعل كذا وكذا؟ ولذلك يقول أحد الصوفية: لا يفلح التلميذ إذا قال لشيخه: لماذا هذا الأمر؟ قال الذهبي معلقاً عليه: والله يفلح ثم يفلح والدين عند الصوفية ألا ترفع أذنك ولا رأسك ولا عينك، وكل ما يقال لك تأخذه، ولذلك تطمس عندهم الذاكرة، وهذا دين النصرانية فهم يؤمنون بأن الواحد ثلاثة، وإذا قلت: لماذا؟ قالوا: أنت لا تصلح في الكنيسة، أنت نجس! مع أن الطفل الذي عمره ثلاث سنوات يعرف أن الثلاثة ثلاثة، لكن هم يقولون: الواحد ثلاثة، إذا قلت: لماذا الواحد ثلاثة؟ قالوا: أنت لا تصلح للنصرانية، بينما الله عز وجل ذكر لنا العقل في القرآن قال: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43] وقال: قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا [الأنعام:148] يقول: أي إنسان يريد أن يجادلك في مسألة، قل: هل عندك دليل؟ عليك بالدليل حتى ولو كان من كان، ولو كان شيخ الإسلام ابن تيمية، إذا جاء بمسألة؛ لك أن تمسك بتلابيب ثوبه بلطف، وتقول: يا شيخ الإسلام يا ابن تيمية! ما هو دليلك في هذه المسألة؟ هل عندك دليل من المعصوم صلى الله عليه وسلم، فأي إنسان لا يمكن أن يشرع في الدين، إذا قال لك أحد: هذه المسألة الصحيح فيها كذا وكذا، فتقول: لماذا الصحيح فيها؟ قال: لأن فلاناً فعله، وهل فلان مشرع، هؤلاء يحتج لأقوالهم ولا يحتج بأقوالهم، هم بحاجة إلى أن نبحث لهم عن أدلة من الكتاب والسنة، ولسنا بحاجة إلى أن نجعل أقوالهم أدلة ,ولذلك الهدهد جاء من اليمن، ووقف عند سليمان الملك، سليمان العظمة والعزة عليه السلام، الذي يقول: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35].

    لذلك نسب إلى الحجاج نسأل الله العافية، يقول: أظن، سليمان كان فيه حسد، قالوا: استغفر الله، قال: نعم، يقول: وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] نعوذ بالله وعليه من الله ما يستحقه، بل سليمان أراد الملك ليسخره في طاعة الله عز وجل، فلما أتى الهدهد قال: وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ [النمل:22] يقول: عندي علم، وعندي شيء أنت ما أدركته، فتواضع له سليمان عليه السلام.

    إذاً: فالعالم يباحث ويسأل، وإذا رأيت الأستاذ والمدرس والمعلم في الفصل يلغي الأسئلة، ويلغي الحوار فاعرف أنه لأحد سببين:

    إما أنه فاشل ليس عنده من العلم شيء، فلا يريد أن يفضح نفسه بين الناس، أو أنه دكتاتوري ظالم، يريد أن يفرض سيطرته في الفصل ويلغي عقول الناس، يقول لخمسين تلميذاً أو ستين أو مائة بعد أن يلغي إرادتهم تماماً: هذا الحق الموجود، فإذا رفع أصبعه قال: اسكت، خذ هذا وفي الامتحان تجيب بهذا. وإلا فالرسول عليه الصلاة والسلام أعلم الناس وأهداهم وأفقههم وأخشاهم، سأله الصحابة وأجاب، وسأل الأمم أنبياءهم بلا تعنت وأجابوا، وسأل التلاميذ علماء الإسلام فأجابوا، فالسؤال للتعليم وارد.

    إثبات القدر وخلق أفعال العباد

    المسألة السادسة عشرة:

    إثبات القدر، وخلق أفعال العباد، فأفعالنا مخلوقة، فمثلاً: إذا وضعت يدي هكذا، فهذا الشيء قد كتبه الله قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، أخذ الحسن البصري أصبعه فوضعها في راحته، قال: والذي لا إله إلا هو لقد كتب الله وضع أصبعي هذه على يدي قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كل شيء وقع في الكون من ذرة أو حركة أو سكنة أو لفظة أو لمحة أو ضوء، أو مسار أو أي شيء فهو بقضاء وقدر وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96].

    لذلك بوّب البخاري بـخلق أفعال العباد، وأتى فيه رحمه الله بمسائل وهو من أهل السنة وأئمتهم.

    وفي الختام نسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لطاعته وأن يفقهنا في دينه، وسلام على آدم يوم وقف في موقف الحوار، وسلام على موسى يوم ناقش أباه وجلى الأمر على جلية، وسلام على أنبياء الله المرسلين وعلى عباده الصالحين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، ووفقنا لكل خير، وخذ بأيدينا إلى كل رشد.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.