إسلام ويب

الشيوعية إلى الهاويةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لله سبحانه وتعالى سنناً في خلقه لا تتغير ولا تتبدل، ولذلك ما طغى طاغية وتكبر وتجبر إلا قصمه الله وأذله، وما سارت أمة من الأمم، أو فئة من الفئات أو جماعة من الجماعات على غير نهج الله؛ إلا أبادها الله ودمرها كما دمر الأمم السابقة، والسقوط في الحقيقة إنما هو سقوط المبادئ لا الأشخاص، وبانهياره ينهار الأشخاص، وأي مبدأ مخالف لدين الله فهو ساقط مهما طال الزمان.

    1.   

    أسباب سقوط الشيوعية

    إن الحمد لله، نحمده ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    عنوان هذا الدرس: (الشيوعية إلى الهاوية) وهو حديث الساعة وقضية الزمن، وهو حدث هائل هز العالم، ولا بد أن يتكلم عنه الدعاة، وأهل العلم ويفيضوا فيه، وتكون الأمة على مسمع ومرأى من هذا الحدث الهائل، وما هي قدرته سُبحَانَهُ وَتَعَالى وتأثيره، فسبحان الذي يغير ولا يتغير: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] ويقول سبحانه تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ [الرحمن:26-27] وهو سُبحَانَهُ وَتَعَالى، الذي يغير هذه الدول ويبيدها.

    حارت الأفكار في قدرة من     قد هدانا سبلنا عز وجل

    فاترك الحيلة فيها واتكل     إنما الحيلة في ترك الحيل

    ثم ليعلم المسلم أنه لا يقع في الكون من صغير ولا كبير، ولا تولية ولا عزل، ولا غنى ولا فقر، ولا قوة ولا ضعف، ولا سلم ولا حرب، ولا نصر ولا هزيمة إلا بقدرة القادر، فإن الله يقول عن نفسه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ [الرحمن:29].

    قال ابن القيم رحمه الله: يغني فقيراً، ويفقر غنياً، ويجبر كسيراً، ويعافي مبتلىً ويولي هذا ويعزل هذا، ويملك هذا وينـزع الملك من هذا، فلله الحكمة المطلقة، وله القدرة النافذة، جل اسمه.

    يقول أبو العلاء المعري:

    تقضون والفلك المقدر ضاحكٌ      وتقدرون فتضحك الأقدار

    والمعنى: أنكم أنتم تحاولون أن تبنوا شيئاً والله يريد هدمه، وتريدون أن تمضوا شيئاً والله يريد إيقافه، وتريدون إحياء شيء والله يريد إماتته.

    دخل القاضي عبد الجبار المعتزلي على أبي المعالي الجويني والقاضي عبد الجبار المعتزلي على مذهب المعتزلة وهم لا يرون أن الله يقدر المقادير سبحانه، وهو رأي مبتدع أخذ من المجوس، وهم يرون أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى لا يدري بالأمر حتى يقع، وهذا كذب، وكان أبو المعالي الجويني أشعرياً لكنه أهدى وأقرب إلى السنة من القاضي عبد الجبار المعتزلي.

    قال القاضي عبد الجبار: سبحان من لا يقدر الفحشاء، وهذا فيه كلام وفيه دغل، ومعناه: أن الفحشاء تقع والله لا يقدرها، قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ [الأنعام:112] وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [يونس:99] وقال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا [الأنعام:107] قال أبو المعالي الجويني: سبحان من لا يقع في كونه إلا ما يشاء.

    إذا علم هذا -أيها الإخوة- فليعلم أن الشيوعية الآن تهوي إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، أي: إلى غير رجعة، فما هي أسباب هذا السقوط والانهيار؟ وما هي أسباب هذا الموت والدمار؟ وهل لقدرة الله تأثير؟

    نعم والله فإن الله تعالى يقول: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] وقال تعالى: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49] وقال تعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [الأنعام:59].

    أسباب سقوط الشيوعية سبعة أسباب:

    1- الشيوعية خالفت فطرة الله قال تعالى: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [الروم:30].

    2- الأنظمة التي واجهتها الشيوعية سواء كانت مهتدية كالإسلام أو ضالة كـالرأسمالية، كانت مصيبة في عدائها للشيوعية في المذهب الاقتصادي، أو في الحوار والرأي أو في الحكم والقرار، وكان لهذا الوقوف من جانب الإسلام والرأسمالية أعظم الأثر في انهيار الشيوعية.

    3- الجماعة التي لا تجتمع على الحق لا بد أن تتبدد في الأخير، وهي سنة الله عز وجل، فـالشيوعية قامت بالثورة عام (1917م) ولم تكمل اثنتين وسبعين سنة إلا وهي تعلن الانهيار والموت، والإسلام عمره الآن (1500) سنة أو نحو ذلك، وهو سوف يبقى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وكلما بقي وكلما استمر أعلن شموخه وعزته.

    4- شب الأفراد عن الطوق، وذهبت عبودية البشر، فإلى متى يبقى الإنسان عبداً للإنسان؟

    5- قوة وسائل الإعلام الغربية في تدمير الشيوعية في نفوس أصحابها بما تعرضه عليهم من مغريات، وما تطاردهم في أنفسهم من حاجيات، ومن فقر مدقع وعوز وضعف.

    6- مصير العسف وخاتمة الجبروت الهاوية.

    7- الجهاد الأفغاني يمكن أن يكون سبباً سابعاً وإلا فالبعض يرونه السبب الأول وأنا أقول هو السابع.

    مخالفة الفطرة من أسباب سقوط الشيوعية

    أيها الناس: يقول سيد قطب رحمه الله: تحققت سنة الله عز وجل فيمن أعرض عن منهجه، والله يقول في كتابه لمن لم يهتد، ولمن حكم أنظمته على حكم الله الذي أنزله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الوحي السماوي الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام، يقول لأبنائه سواء كانوا أفراداً أو جماعات أو دولاً أو شعوباً، قال تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110] يؤخذ من الآية.

    أولاً: أن من لم يهتد بنور الله فهو فاسد المزاج ضعيف العقل.

    الثاني: أن الله له بالمرصاد فلا يتمم عمله، والله يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس:81] والله يقول: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ [يوسف:52].

    الثالث: أنه لا بقاء إلا لدينه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؛ قال تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] فـالشيوعية خالفت فطرة الإنسان، والإنسان مفطور على أن هناك رباً وإلهاً يوحَّد، فقد أتت بمقولة كارل ماركس وقالت: (لا إله والحياة مادة) وليس في الكون إله، والإله الذي زعمته الأنبياء والرسل على حد قولهم أسطورة لا حقيقة له.

    الأمر الثاني: أنها قالت: يمكن أن يعيش الإنسان بدون دين، وبلا عقيدة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: {كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه} أو كما قال عليه الصلاة والسلام، والله يقول: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] [الروم:30] ويقول: هَلْ أَتَى عَلَى الإنسان حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2].

    ففرت من العبودية لله، وجعلت العبودية للبشر، لـلينين واستالين، وغيرهم من عملاء الأرض، ومن الخونة للشعوب ومن قاتلي الإرادات، إذاً فلن تتصور الشيوعية التصور الجميل للأحداث، لا للكون ولا للإنسان ولا لله، أما الله فنفته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وألحدت به، وكذبت بالألوهية، وأما الإنسان فجعلته عبداً للإنسان.

    ولا يعرف في تاريخ الناس منذ أن خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ذلة وضعف الإنسان وعبودية الإنسان واستخزاء الإنسان إلا في الشيوعية.

    حدثنا بعض الدعاة الذين ذهبوا إلى موسكو في فترة برجنيف في مهمة علمية كان لا بد أن يذهب إليها، يقول: والله لقد مررنا بمعسكرات للناس حتى ظننا أنها معسكرات الحيوان، وفيها البشر الذين أخطئوا أو أرادوا الخروج على الشيوعية أو أرادوا كسر هذا الحاجز، أو أرادوا أن يبدوا حوارهم، رأيناهم في معسكرات من شباك وأسلاك شائكة وهم يعلفون كما تعلف الأنعام تماماً، يوصل إليهم الخبز والماء، وعندهم دورات مياه، وقد رأيناهم ألوفاً مؤلفة وراء الأسلاك الشائكة كالحيوانات تماماً.

    ثم تصورت الشيوعية كذلك أن الكون قائم بنفسه، وأنه لا مؤثر له، وأن يد القدرة لا دخل لها في تسيير الكون، وقالوا: الطبيعة خلقت نفسها والأحداث خلقت نفسها، ولا دور للقدرة في ذلك، فكان مصيرها الانهيار والتكذيب، جرباتشوف اعتنق النصرانية على خلاف بين المطلعين، قيل: اعتنقها في أول سنة تولى الحكم هناك، وقيل: قبل الحكم بثلاث سنوات، وقرأت كتابه البروسترويكا، وفي الصفحة الخمسين وما بعدها يعلن ذلك، وكأنه يريد الدين، وكأنه اعتنق النصرانية ولم يوفق لاعتناق الإسلام ولا اهتدى لنور الله، وكأنه ما وجد داعية يرشده لهذا النور الذي أتى به محمد عليه الصلاة والسلام، فرأى هو أنه لا بد للإنسان من دين، وأن من الخطأ أن يعيش بلا دين فاعتنق النصرانية.

    ولعلها لظهور دول نصرانية كـالولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو أسبانيا وغيرها بهذا الدين، ظن هو أن الهداية من هذا: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116].

    الإسلام والرأسمالية قوتان واجهتا الشيوعية

    والشيوعية واجهتها قوتان في الأرض، قوة الإسلام وقوة الرأسمالية.

    والرأسمالية تؤمن بالتملك للفرد، وأن للفرد أن يتملك، وهي على ما فيها أخف من الشيوعية، ونحن لا نقر الرأسمالية ونعتبرها مذهباً خاطئاً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وتربوياً، وهو منهج أرضي سوف يسقط قريباً بإذن الله، لكنها على كل حال، سلمت بحق الفرد، وقالت: لابد للإنسان أن يتملك، بينما الشيوعية تجرده، ولما أتت الشيوعية في عدن، سأل أحد العلماء أحد العدنيين قال له: كيف الشيوعية التي عندكم؟ زعمت أنها سوف تقدمكم، هل قدمتكم؟ هل أطعمتكم خبزاً؟ هل أشبعتكم؟ هل كستكم؟ قال: لا. القائم بطحوه والكادح كدحوه.

    ويقول المجرم نزار قباني:

    ماركسيون والجماهير جوعى     فلماذا لا يشبع الفقراء

    وحدويون والبلاد شظايا     كل جزء من لحمها أجزاء

    وهذا الكلام صحيح، يقول: أين هذا الشبع يا ماركسيون؟! في عدن، أو في أثيوبيا، أو في أي مكان، أين شبع الجماهير؟!! الإنسان يكدح من الصباح إلى المغرب، ثم تؤخذ غلته وتقسم على الشعب، فالنائم في الفلة تحت المكيف يأخذ حصته كما تأخذه أنت، وأنت تزرع بطاطس في المزرعة.

    ووالله لقد رأينا طوابيرهم وهم يأخذون البطاقات ليستلموا حصصهم من السكر والشاي، والطابور الواحد فيه أكثر من ثلاثمائة رجل يريد حصته من حفنة من السكر وهو كادح.

    والشيوعية ترى أن مال الشعب للشعب، وأن المحصول للجميع ولا بد أن يوزع، وهي النظرية الاشتراكية الخاطئة التي تجعل الذي يتصبب عرقاً ويتعب ويجمع ويدخر، كالذي يخنع في بيته ولا يعمل ولا يبذل ولا يضحي، هذه مما واجهتهم به.

    أما الإسلام فله قرار آخر؛ لأن الله تعالى يقول: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [البقرة:138] والله يقول: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].

    يقول: هل هناك أنظمة في الأرض أحسن من الله حكما، فهلا أجرى الإنسان طاقته فيما يعود عليه بالنفع مثل:

    * مصارف الزكاة.

    * التكافل الاجتماعي.

    * الصدقة.

    * كفالة اليتيم.

    * الحقوق العامة التي سنها الإسلام.

    * المضاربة.

    * الاشتراك المالي.

    * أنواع الشركات.

    كلها تؤدي إلى أن هذه الأموال تستثمر وتسعد بها الأمة أفراداً وجماعات، ولكن النظرية الإسلامية الاقتصادية لم تطبق إلى الآن، أروني شعباً طبق النظرية الإسلامية الاقتصادية الحقة!! لم تطبق في الأرض إلى الآن، ولم يرها الناس إلا في عهد الخلفاء الراشدين، فإنهم لم يقروا الربا ولم يؤمنوا به وحرموه ورفضوه ولم يقبلوا به أبداً. ولكن العالم الآن يريد أن يرى الإسلام يعلن تجربته الحقة في عالم المال ليقتدي به، ولكن المسلمين الآن يتعاملون بالربا، ولم يقدموا تجربة صحيحة.

    الشيوعية باطل لا يدوم

    الثالث: الجماعة التي لا تجتمع على حق، وكل جماعة أسست على ضلالة فخاتمتها الانهيار والله يقول: أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [التوبة:109] يذكرني هذا بكلام عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه كما في صحيح البخاري يقول: [[إذا رأيت قوماً يتناجون في دينهم، فاعلم أنهم على دسيسة]] وأي جماعة أو حلف أو أسرة اجتمعت على باطل فسوف يهدم الله الباطل على رءوسهم: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41] بعض المفسرين العصريين له كلام جميل، يعرض قضايا في الآية منها:

    * أن الأنظمة الوضعية وإن طالت وعظمت فإنها كخيوط العنكبوت تنهار.

    * أن الذي لا يؤسس على قرار فإن مصيره إلى الدمار.

    * أن الأيادي التي ليست يد الله فوقها فإنها خاسرة خائبة، فالله يقول لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10] فما أحسن التعبير! وما أحسن النظام الذي يعيشه المسلم ويد الله فوق يده ترعاه وتحوطه وتحفظه وتكلؤه!!

    قام كارل ماركس واخترع نظرية الشيوعية هذه وألفها في مذكرة، وأنا صراحة أقول لكم: لقد قدم كارل ماركس لشيوعيته ولنظريته أكثر بكثير مما قدمت أنا وإياكم للإسلام، فمن شاء أن يغضب منكم فليغضب، ومن شاء أن يرضى فليرض، ضحى تضحيات ما ضحيناها نحن لديننا وهو خاطئ، حتى يقول عمر رضي الله عنه: [[اللهم إني أعوذ بك من جلد الفاجر ومن ضعف المؤمن]] وهذا أمر عجيب، وهذه مصيبة عظمى أن تجد الفاجر فيه جلد وصبر وتضحية هائلة، وتجد المسلم خائفاً جباناً، خواراً، لا يرفع مبادئه.

    كارل ماركس كان في بلجيكا ودخل بيتاً هو وامرأته وطفلاه بغير إذن، وكان عليه ثوب مقطع، والسبب أنه ألف نظرية الاشتراكية الاقتصادية؛ لأنه يدعو الناس إلى اشتراك الاقتصاد وهو جائع وعارٍ لم يجد عملاً في بلجيكا ذهب إلى كل مؤسسة وطردته، دخل في أثناء المطر بيتاً، فأتى صاحب البيت فأخرجه هو وأطفاله وسحبه من رجليه وألقاه إلى الشارع، وذهب إلى فرنسا وأدخل الحبس، لأنهم يقولون: يريد أن يثور على الرأسمالية ثم نقل إلى انجلترا وسجن فترات، ومع ذلك ما زال مصراً يسجن ويحبس ويسحب وهو مصر، وفي الأخير طبقت نظريته واعتنقها مليار (ألف مليون) فـالصين والاتحاد السوفيتي في ناحية، ثم يدخل في ذلك حلف وارسو بما في ذلك تشيكوسلوفاكيا وبولندا ويوغسلافيا.، هذه الدول الشرقية كلها على نظريته في الاقتصاد، وبعض الدول العربية في ذلك، وتركوا محمداً عليه الصلاة والسلام ورسالته، وسوف يأتي معنا كلام الشيوعيين العرب الآن.

    في عام (1917م) قام الحزب الشيوعي بالحكم وقتل لينين من الشعب الروسي في أيام معدودة (ستة عشر مليوناً) ومجموع ما قتل من الشعب من الاتحاد السوفيتي (واحد وثلاثون مليوناً)كسكان هذه البلاد ثلاث مرات، قتلهم، وهذه مثبتة في وثائق عن الشيوعية، وفي الموسوعة السياسية، وأعلن ذلك مثل أنور الجندي وغيره من الكتاب.

    إن الشاهد في ذلك أنه حكمهم بالحديد والنار، وأقام هذه الجمهورية على الجماجم، وفعل استالين أدهى وأمر من ذلك.

    نخرج من هذا: بأن أي فئة طغت في فترة من فترات التاريخ فإنها سوف تنهار، ولا يغرك أن يستقيم نظام علماني في البلاد العربية أو غيرها في فترة من فترات الزمن، فإن الله أعلن عليهم الانهيار، وأعلن أن هذا الأمر لا يستمر.

    الوعي عند الإنسان سبب في انهيار الشيوعية

    السبب الرابع في انهيار الشيوعية:

    إن الأفراد شبوا عن الطوق، وأصبح الإنسان الآن بدرجة من الوعي، وما أصبح عبداً للإنسان، أصبح عنده تطلع على أن يعلن صوته وحواره، وأن يكون شجاعاً في كلمته، ذهب العصر الذي يجب أن يكون الإنسان فيه حيواناً، يقاد ويضرب ويعلف ويؤمر وينهى، لكن الإنسان أصبح يتطلع إلى مرحلة هي المرحلة العمرية، أتدرون ما هي المرحلة العمرية؟ إنها مرحلة الأوج والقمة التي عاشها الحوار في عهد عمر رضي الله عنه وأرضاه، ولذلك يحييه شاعر وادي النيل ويقول:

    قل للملوك تنحوا عن مناصبكم     فقد أتى آخذ الدنيا ومعطيها

    يقول: رجاءً اتركوا هذه الأمور لـعمر، يعيشها عمرية، الذي يأخذ الدنيا في ساعة، ويسلمها في ساعة، فأصبح العالم الآن يريد النظرية العمرية، نظرية أن يأتي الأعرابي في صلاة الجمعة وعمر بشحمه ولحمه ودمه وإخلاصه وصدقه وهيبته على المنبر، فيقطع عمر الخطبة فجأة ويقول للناس: [[يا أيها الناس: ماذا ترون فيَّ لو اعوججت أو قلت عن الطريق هكذا]] يعني: ملت، وخرجت عن الخط المستقيم في الاقتصاد والسياسة والعدل والحوار والحق، فقام أعرابي من أقل الناس ثقافة بمستوى ثقافة عصرهم -بدوي- ولعلها أول جمعة يصليها مع عمر، فقام من آخر المسجد فاستل سيفه، ثم قال: [[والله -يا أمير المؤمنين- لو رأيناك ملت عن الطريق هكذا لقلنا بالسيوف هكذا قال عمر: اجلس بارك الله فيك، الحمد لله الذي جعل في رعيتي من لو ملت عن الطريق هكذا، لقالوا بالسيوف هكذا]] وحياه عمر وشكره على هذه المقولة.

    هذا الحوار الذي أحياه الإسلام، حتى الكافر يربط في المسجد ولا يزحزح ولا يزعزعه الرسول عليه الصلاة والسلام، ويأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاقب بعض الناس قبل أن يسمعوا البرهان فيقول الله: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ [التوبة:6].

    يقف عمر مرة ثانية ثم يقول: [[بسم الله، أيها الناس اسمعوا وعوا، فيقوم سلمان من وسط المسجد ويقول: والله لا نسمع ولا نعي، قال: ولم؟ قال سلمان: تلبس ثوبين وتلبسنا من ثوب ثوب]] -ثياب قدمت من اليمن في الصدقات وزعها عمر على الناس، ولكنه رجل طويل رضي الله عنه، فثوبه ما أتى إلا إلى الركبة، فأخذ ثوب ابنه عبد الله ووصله بثوبه- قال: [[يا عبد الله بن عمر! أجب سلمان، قال عبد الله بن عمر: نعم، هذا الثوب الثاني هو حصتي من المسلمين وقد دفعته إلى أبي عن رضاً من نفسي وهو حق لي أتصرف فيه كيف أشاء، قال سلمان: الآن قل نسمع ومر نطع]].

    فالعالم الآن يتجه إلى النظرية العمرية، ولا يريد أن يكون مستخزياً تحت السياط والقهر والتبكيت من أي جهة كانت من الجهات. نعم. أدرك ذلك العالم الشيوعي، والذي يرى من الأفلام التي تصل من هناك ويراها شهود العيان، أنه لما حوصر جرباتشوف في القرم نزل المدنيون بالأبدان العارية والثياب الممزقة؛ يقفون أمام الدبابات، ويطرحون أنفسهم ويضطجعون على الأرض أمام الدبابات يعارضون الحزب الشيوعي الذي يتولى الحكم، يقولون: لا نريد جرباتشوف، إلى درجة أنك تجد هذا الإنسان المنهك الجائع المتعب الضامئ يريد أن يخالف هذا الطابور الحاشد من الدبابات.

    نعم. العالم صراحة يحقق شيئاً بنفسه بغض النظر عن الدين، لكن التعددية التي يشهدها العالم سببها أن الإنسان أصبح مثقفاً، وأصبح يدرك ويرى أن له حق الحوار، أي: من حقي أن أبدي رأيي، وأن أعلن حواري وأقول كلمتي دون أن أكون مهدداً بكرامتي أو حريتي أو دمي، فالفرق بين جرباتشوف هذا أو برجنيف أو استالين أو لينين، أنه يرى هو أنه لا بد أن نسمع الرأي الآخر، وهم يقولون: الرأي الآخر نسحقه بالدبابة. هذا من أسباب سقوطها.

    وسائل الإعلام أخرجت الشيوعية

    السبب الخامس: قوة وسائل الإعلام:

    فالإعلام الغربي سلط شاشاته وأسلاكه وصحفه وصوته ونظراته على العالم الشيوعي في غرب الأرض وفي شرقها، ويطالبهم بالوعود، يقول: أين وعود الشيوعية؟ والفرد منكم يسكن قصراً ويملك سيارة فخمة، ويكون في مرتبة عالية وينعم برغد العيش، بينما نحن في عالم الغرب نسقنا بعض أمورنا التي أعلناها للناس في الرأسمالية، وعلى كل حال بعض الذنب أهون من بعض، والنظرية الاقتصادية الرأسمالية أهون بكثير من النظرية الاشتراكية التي أقامها كارل ماركس، فالإعلام أحرج الضمير الشيوعي، أو الإنسان هناك أحرجه بمطالبه وأوصله إلى جدار مغلق وإلى متاهة، وقال: أين وعودكم؟ وقد تلفظ بها حتى الشيوعيون العرب، فأنا أسلفت لكم قول قائلهم وهو شاعر من فصيلتهم يقول:

    ماركسيون والجماهير جوعى     فلماذا لا يشبع الفقراء

    يقول: وعدتمونا أن تدخلوا الغاز في بيوتنا والخطوط المسفلتة إلى قرانا، وأن تنيروا لنا الأجواء، وأن تدفعوا لنا اللحم والخبز والماء والكساء، فأين هي؟

    كما قلت لكم وكما قال الرجل العدني الذي اعتمر: القائم بطحوه والكادح كدحوه، وهذا أمر معروف، فلما رأى الناس ذاك السلطان الإعلامي، وقوة التأثير الغربي بوسائله، أدرك أنه كان مخطئاً، وأنه كان في حظيرة الحيوان، وأنه كان يسير بلا إرادة، وقد سحب عقله وبرهانه، فتذكر وفكر ملياً، ثم أعلن تمرده على هذا الحكم الجبروتي الناري الدموي الفاسق.

    الانهيار عاقبة الجبروت

    السبب السادس:

    إن مصير التعسف وخاتمة الجبروت الانهيار، وأن الظلم لا يدوم، وقد ذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى فقال: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [النمل:52] وذكر سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أنه يدمر القرى إذا أعرضت عن منهجه أو ظلمت، قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ [إبراهيم:28].

    ووالله لقد بدل الشيوعيون نعمة الله كفراً، وأحلوا قومهم دار البوار والخزي في عالم السياسة والعسكرية والاقتصاد والتربية، ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً [الطلاق:8-9].

    وأي عتو أعظم من عتو الشيوعية على الله، أن تقول: (لا إله والحياة مادة) وتجرد قدرة الله عز وجل من الكون، وتنسب التأثير للطبيعة، وتأخذ ملك الله عز وجل فتستبد به، وتجرده سبحانه تعالى من الخلق والأمر قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] وله القدرة وله التأثير، وله العاقبة سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40].

    الشعوب مهما صبرت فإنها لا تصبر إلى درجة أن يكون الإنسان في مسلاخ حيوان، ولا تجمع كلها أبداً على الرضا بالظلم إلى آخر المطاف، فإنها تتمرد في أي مرحلة من مراحل التاريخ، أو أي جيل من الأجيال، أو في أي بقعة من بقاع الأرض، وقد رأينا في تجربة الشاه مع الشعب الإيراني، بغض النظر عن استقامة هذا الشعب، أو عن اتجاهه أو عن ديانته، أو عن حصيلته أو عن مبادئه، لكن رأينا ذاك الرجل وهو يخرج من قصر الظلم والجبروت وهو يحمل الكلاشنكوف، وصوره مثبتة بطائرة هيلوكبتر، ويرش الشعب الإيراني في الشوارع معه جنوده، ويقتلون الناس كما تقتل الحشرات بهذا السائل المبيد، ومع ذلك تخرج الطوابير الأخرى وتعلن تمردها فإذا قتلت أتى الطابور الآخر يزحف بالجثث ويأخذها ويسحبها ويخرج الناس كأنهم من جديد يرفضون الظلم، وفي الأخير انتصرت هذه الإرادة وسحق الظلم إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.

    وهذه سنة الله عز وجل، وقد جرب ذلك الجاهليون، حتى يذكر ابن قتيبة: أن الظلم عاقبته وخيمة، وقالوا لامرأة من بني عبس: أين ملوك عبس وقد كانوا يحكمون الدنيا؟ قالت: ظلموا فأُخذوا.

    وذكر ابن كثير أن البرامكة لما أدخلوا الحبس، قالوا: لـيحيى بن خالد البرمكي، أبعد الوزارة والإمارة والتجارة أدخلت هذا المكان؟! وقد أدخل مكان لا يرى الشمس سبع سنوات، أدخله هارون الرشيد، والعجيب -سبحان الله- أنه تحقق فيه القول المأثور: {من لم يعرفني سلطت عليه من لا يعرفه، أو من لا يخافني سلطت عليه من لا يخافه} فسلط الله عليهم أقرب الناس إليهم هارون الرشيد، تركهم في السجن سبع سنوات، ما رأوا الشمس، قالوا: بعد النعيم المقيم أصبحتم هنا، قال: دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل غفلنا عنها وما غفل الله عنها.

    سجن المهدي الخليفة العباسي أبا العتاهية وحبسه، فأرسل له قصيدة من الحبس يقول فيها:

    أما والله إن الظلم شؤم     وما زال المشوم هو الظلوم

    إلى ديان يوم الحشر نمضي     وعند الله تجتمع الخصوم

    فبكى المهدي وأعلن إطلاقه، ولكن الله عز وجل سوف يحكم، وسوف يجمع الأولين والآخرين ويقول: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر:16] أين الأنظمة الوضعية؟

    أين السلطات الأرضية؟

    أين الدبابات التي كانت تسحق البشر؟

    أين الزنزانات التي كان يجلس فيها الفرد ويباد؟

    أين السياط الملتهبة التي كانت تقطع منها جلود الناس؟

    أين الكرابيج؟

    أين الأسلاك الكهربائية؟

    أين البرك الباردة المثلجة التي تمزع الأبشار؟

    قال تعالى: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] ويقول تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] فأين سلاطينكم وأين كياناتكم وأين قواكم؟ ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً [مريم:93-94].. وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً [مريم:80] فكانت نتيجة حتمية أن تصل الشيوعية إلى هذه الخاتمة التي أسعدتنا وأثلجت صدورنا، وتمثلنا فيها بقول أبي تمام:

    ما ربع مية محفوفاً يطوف به     أبهى إلى ناظري من خدها الترب

    لما رأت أختها بالأمس قد خربت     كان الخراب لها أعدى من الجرب

    رمى بك الله جنبيها فهدمها     ولو رمى بك غير الله لم يصب

    مداولة الأيام بين الناس سنة الله في خلقه

    السبب السابع: أنها سنة الله عز وجل، قال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62] وقال تعالى: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّة اللَّهِ تَحْوِيلاً [فاطر:43].

    يقول ابن الوردي:

    أين من شادوا وسادوا وبنوا     هلك الكل فلم تغن القلل

    كتب الموت على الناس فكم     فل من جيش وأفنى من دول

    حارت الأفكار في قدرة من     قد هدانا سبلنا عز وجل

    من الذي تولى وما عُزل، وحكم وما انتهى، واستذل وما ذل، وعلا وما أُخذ؟

    سنة من سنن الله.

    إن التجربة الإسلامية في التاريخ تثبت أنه حتى على الأجناس لا بد أن تطوف السنة الإلهية، قاد العرب فترة من التاريخ، فلما توجهوا إلى الموسيقى والبلوت والسهرة الخائبة أعطى الله قيادة الناس للأكراد، فأخذها صلاح الدين ونور الدين مرحلة من المراحل، فلما توجه الأكراد إلى حيص بيص وإلى الضياع وإلى ما لست أدري، أعطاها الله السلاجقة وكان منهم محمود بن سبكتكين وأمثاله، فلما تركوها سلمها الله للأتراك وأخذوها مرحلة، ثم ضاعت شذر مذر، وهي تنتظر الآن من يأخذها ليسلمها إلى عيسى عليه السلام.

    من الأسباب ولعل هذا السبب الثامن وأنا كنت أسلفت في العناصر أنه السابع:

    الجهاد الأفغاني من أسباب سقوط الشيوعية

    أما الذين يقولون: إن السبب الوحيد هو الجهاد الأفغاني، فأقول: لا. هذه نظرة من وجهة نظري، وقد تكون خاطئة، ذلك أنه كيان ضخم بُني من قبل اثنتين وسبعين سنة على يد أذكياء وعباقرة في مستوى الأرض، ثم أقيم له جيش عرمرم هائل، وتعداد الجيش الروسي في بعض الأنباء، وبعض وكالات الاستخبارات العالمية قد يصل إلى ستة ملايين، وهو أضخم بكثير من الجيوش الغربية، وهو يملك ترسانة هائلة، ولكن مصيبته التبديد والتشتيت؛ لأنه يعيش القهر والاستخذاء.

    مرة من المرات أنزلوا في منطقة كرواتيا ستين ألف مظلي، شعوب كلها ستحمل السلاح، وقبل ثلاث ليالٍ -وهذا القرار هو من الكنيسة- أعلن التلفزيون الإسرائيلي انزعاجه من وضع جمهوريات روسيا الإسلامية في الاتحاد السوفيتي، إذ تملك جمهورية كازاخستان الإسلامية والتي يحكمها نور سلطان ستمائة وستين رأساً نووياً، وهذه الجمهورية إسلامية، وكان في طرفها البخاري والترمذي والنسائي وسيبويه:

    أولئك أبآئي فجئني بمثلهم     إذا جمعتنا يا جرير المجامع

    وهذه الولاية كانت الجمهوريات الاتحادية العظمى تنازعها على الحدود، فأعلن نور سلطان قبل ثلاث ليالٍ: إما كففتم عنا وإلا سوف نستخدم بعض الرءوس النووية، فكفوا.

    ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه     يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

    وهذا استطراد، نعم جاء الجهاد الأفغاني، ولكن من ينظر إلى الخارطة وإلى الحدث، وإلى التأثير يرى أنه لم يؤثر بشكل مباشر، فإنه كان في جنوب الاتحاد السوفيتي في بقعة صغيرة في أفغانستان، قام مجموعة صغيرة من الأخيار والأبطال، بضرب جيش هذا الباغي وسحقه وإخراجه، فلم يكن سبباً مباشراً ولكن كان من الأسباب إن شاء الله، وللمسألة كلام وتحتاج إلى تمعن أكثر، وإلى إثبات وبراهين وحقائق من كلا الطرفين.

    1.   

    واجبنا أمام سقوط الشيوعية

    ما هي مسئوليتنا أمام سقوط الشيوعية؟ هل المطلوب أن نعلن لكم الأخبار هذه ونسكت، لو كان ذلك لكفتكم هيئة الأخبار والصحف، وهيئة الإذاعة البريطانية؛ أن تستمعوا إليها فتخبركم بما وقع هناك من الضياع والانهيار والدمار، ولكننا نريد أن نحللها تحليلاً إسلامياً من منظور إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ولا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن عين قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162].

    الاعتبار بسقوط الشيوعية

    أولاً: الاعتبار بهذا السقوط، وأن وراء ذلك السقوط قوة أعظم منه، فمن الذي يغير ولا يتغير ويبدل ولا يتبدل؟ إنه الله وبكلمة (كن) غيَّر مجريات التاريخ، وأحياناً تجد الأمور مستقرة ومجتمعة، ثم يغيرها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في لحظة، لأنه كل يوم هو في شأن، والله يقول: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18] وكل نظم الأرض سوف تلحق بذلك الرأسمالية واليهودية والعلمانية المتحكمة في كثير من الشعوب الإسلامية؛ كلها سوف تلحق بذلك، فليست هي أقوى ترسانةً وجيشاً من الشيوعية، وليست أكثر عقولاً، بل قد يعلن في كثير من الملفات العسكرية أن الأدمغة التي اكتشفت القنابل الذرية والنووية والهيدروجينية أنها روسية، أو أنها من الاتحاد السوفيتي، والتي كسبت أعظم جوائز نوبل من المعسكر الشرقي، والأدمغة الألمانية هاجرت في فترة من الفترات إلى هناك وأصبحت في تلك الجمهوريات، فلن تكون أقوى من هذا، فمن باب أولى أن تلحق هذه على الطريق، ولكن لكل أجل كتاب، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً، وعنده سُبحَانَهُ وَتَعَالَى علم الغيب وهو سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الذي جعل لكل شيء أجلاً وقضاء.

    الاعتبار من هذا أن الإنسان لا يزهو بقوته، ولا ينسى قوة الله، ولا يغتر بما عنده من شيء، وليعلم أنه ضعيف أمام القدرة الإلهية، قال تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ [النحل:96] قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [فاطر:15].

    واجبنا دعوة الناس إلى منهج الله

    ثانياً: دعوة الناس وتقديم الحق لهم، فقد احترقت أوراق المناهج الأرضية والأنظمة الوضعية، وأصبحت كاذبة فاشلة أمام الناس، وصَدَّق الناس أنه لا ينقذهم بإذن الله إلا الإسلام، فمن يقدم الإسلام، إن الإسلام ليس جبلاً ولا نهراً ولا شجرة، إنما الإسلام يكمن في أناس يحملونه.

    أتى الخوارج إلى علي بن أبي طالب، قالوا: حكمت الرجال في دين الله، قال: ماذا فعلتُ؟ قالوا: صيرت الحكمين بينك وبين معاوية، فأخذ علي مصحفاً كبيراً -وهذا عند ابن كثير وعند الذهبي- وأخذ يقول: [[يا قرآن يا مصحف احكم بيني وبين معاوية]] ثم يلتفت إلى المصحف ويقول: أما تتكلم؟! والمصحف لا يتكلم، والإسلام لا يتكلم، لكن يتكلم أصحابه ويحكمون، والله عز وجل لو كفى إنزال نسخ من القرآن لكان أنزلها على أبي جهل وعلى أبي لهب ووزعها على أهل مكة بواسطة جبريل، لكن أنزل رسولاً يحكم، والله يقول له: لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء:105] ويقول له: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى [النجم:1-2] فأنتم الآن البديل، وأنتم الطرح المعقول، وأنتم الخير المنتظر الذي ينتظره العالم. لكن:

    إني أبشر هذا الكون أجمعه     أنا صحونا وسرنا للعلا عجبا

    بفتية طهر القرآن أنفسهم     كالأسد تزأر في غاباتها غضبا

    عافوا حياة الخنا والرجس فاغتسلوا     بتوبة لا ترى في صفهم جنبا

    أنتم الآن البديل، قلت لكم من قبل ستة أشهر، وصلت رسالة من أحد الشباب العدنيين من أوزبكستان، وأظنها والله أعلم ولاية في جنوب الاتحاد السوفيتي، أرسلها من هناك وقال: إي والله، هذا شيوعي من عدن يدرس هناك علماً دنيوياً، فهداه الله على يد أناس من الدعاة في تلك الجمهورية الإسلامية، فأعلن إسلامه وهو يقول: المصاحف عندنا في الولاية نتداولها، كل يوم يكون المصحف في بيت لنقرأ كلام الله، العالم بحاجة إلى إسلام، العالم يريد هذا الدين، العالم يريد هذا الإيمان الذي بعث به محمد عليه الصلاة والسلام، فمن يحمله ومن يقدمه؟ أنتم أيها الناس، لقد قدم أولئك لكم الثلاجة والبرادة والصاروخ والطائرة، وهم ينتظرون منكم أن تقدموا لهم حياة الإيمان وحياة الغيب والشهادة، وحياة الدنيا والآخرة والسعادة الأبدية التي تكمن في دين الإسلام.

    إذاً: البديل هو الإسلام، فقد أعلن كل منهج أنه أفلس وأنه لا يستطيع أن يوجه البشر، لأن الذي يوجه البشر هو الذي خلق البشر، وفطرهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    إرشاد الحكومات الإسلامية واجب على العلماء والدعاة

    ثالثاً: في سقوط الشيوعية درس للشيوعيين في البلاد الإسلامية والعربية، اعتبروا يا أولى الأبصار إن كان عندكم أبصار، أسيادكم المؤثرون وأعمامكم سقطوا، فكيف بكم أنتم؟! والعجيب أنه لما حاول الحزب الشيوعي أخذ السلطة من يد جرباتشوف قبل أيام، قام الشعب في موريتانيا بمظاهرة يقولون: تعيش الشيوعية، وأرسلت البرقيات من عند العملاء من كل مكان، والأذناب الذين يعيشون على الخيزرانات والسياط الذين جاعوا وجوعوا الشعوب معهم، يرسلون التأييد لهذا الحزب الفاشل، فلما انهار ورجع جرباتشوف قالوا: ما أردنا ذلك، إنما أردنا شيئاً آخر.

    وسمعت هناك رجلاً اسمه أكرم في الحزب الشيوعي اللبناني في مقابلة بالهاتف مع هيئة الأخبار البريطانية، قالوا له: ما رأيك في هذا الحزب الشيوعي الذي استقل السلطة؟ مع العلم أن الناس يخرجون عراة من بيوتهم ويضطجعون أمام الدبابات يرفضون الشيوعية، ما هو الدليل؟

    قال: لا يعني ذلك فشل الشيوعية، فقد أثبتت نجاحها، لكن الفشل فشل من قام بها وأثبتها للناس، قبح الله ذاك الوجه، أصحابها يقولون: فشلت واحترقت وتدمرت وهذا العميل المرتزق أعمى البصر (أعور ويناقر) يقول: لا ما سحقت.

    مليار شيوعي الآن يعلنون أنهم يريدون أن يخرجوا من ثيابهم ولا يريدون الشيوعية أبداً ويعلنون أنها فشلت، ثم يفاجأ هذا بعدها بأن جرباتشوف يحل نشاط الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي يقول: محذور! يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا [الأعراف:38] فرأيت الرافعات في موسكو تذهب بواسطة العمال إلى تمثال لينين لتسقطه في الأرض فيسعى الناس من شرفات المنازل ومن الحدائق ويقفزون بالأحذية فيسحقون وجهه، ثم ترفع الرافعة الأخرى على استالين فتسقطه، فيسعون ويدوسونه بأقدامهم، حتى يبيدوا الصور، فما معنى ذلك؟ معناها الخزي والعار، قال تعالى: وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16].

    ترشيد الصحوة الإسلامية

    رابعاً: واجب علينا ترشيد الصحوة وتقديم الأولويات في إصلاح الناس جميعاً، فليس السر في الصحوة أنها تصلح الفرد فقط، وليست المسائل الجزئية التي لا بد منها، لكن ليست هي الأولى أي: ليست رسالتنا أن نطالب الناس فقط بتربية لحاهم، وتقصير ثيابهم، واستخدام السواك، هذا أمر لا بد منه وهو من سنن محمد عليه الصلاة والسلام؛ لكن هناك قضايا كبرى لا بد أن تستهلك أعظم الأوقات وأشرف الساعات في عرضها للناس، كمسألة الإيمان أنه بديل عن الكفر، مسألة الحاكمية للواحد الأحد: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ [مريم:40] إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ [الأنعام:57] وأنه لا يجوز لإنسان أن يتصرف بالحكم في الأرض، وأن الخلافة لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ثم لأوليائه في الأرض أن يحكموا بحكم الله يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26].

    من الأولويات: أن نقدم رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام صافية، أنا أتصور أن الشرقيين هؤلاء كالشيوعيين والغربيين الرأسماليين يظنون الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يتمثل في مثل القذافي أو الخميني، أو صدام حسين، ولذلك ما دخلوا في الإسلام، إسلام يخرج لنا هذه النماذج لا نحبه، وهؤلاء في واد والإسلام في واد آخر، الإسلام طبقه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وأحمد بن حنبل والشافعي وأبو حنيفة ومالك بن أنس وابن تيمية وابن القيم ونور الدين محمود وصلاح الدين وعمر بن عبد العزيز، هذا الإسلام، فوجب علينا أن نقدم لهم هذا التاريخ المشرق، وأن نقدم لهم ماذا فعل الإسلام يوم حكم بحقيقته هذه الأرض، وكيف طوقها بالعدل.

    وأنا أحيلكم إلى مقالة للشيخ الأستاذ الكاتب الكبير: علي الطنطاوي حفظه الله، في بداية كتابه قصص من التاريخ، اسمها (نحن المسلمين) وهي مقالة جديرة أن تقرأ فإنه طرح طرحاً عجيباً، نظرية الإسلام أمام نظريات أهل الأرض، أولها يقول: نحن المسلمون، سلوا كل سماء في السماء عنا، وسلوا كل أهل الأرض عنا من الذي أعتق الإنسان وكان عبداً، عمر رضي الله عنه وأرضاه يأتيه رجل من مصر قبطي، فيقول: يا أمير المؤمنين! ضربني محمد بن عمرو بن العاص، ابن أمير مصر، قال: ولِمَ؟ قال: سابقته بفرسي فسبقته، وقال: أتسبقني وأنا ابن الأكرمين، فنـزل فلطمه حتى لم يعد يدري أين يتجه، فذهب إلى الهيئة العليا، إلى عمر -الذي يوقف الشيطان عند حده- بل يأتي عمر من طريق والشيطان من طريق، عمر الإسلام والعدل والخير- فاستدعى عمرو بن العاص واستدعى ابنه محمداً، وجمع الناس، ولما قدم عمرو لم يدر بالخبر، ولما رآهم عمر قبل أن يُسلِّموا، أخذ الدرة وهي درة فيها علاج يخرج الشياطين من الرءوس، في صيدلية عمر بن الخطاب، شارع إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] قال: والله لا يحول بيني وبينهما أحد، ثم أخذ عمرو بن العاص، فبطحه أرضاً.

    كل بطاح من الناس     له يوم بطوح

    ثم بطح ابنه محمد ثم أخذ العصا واعتلاهم على صدورهم يضربهم، ويقول: [[متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً]] هذه تكتب بماء الذهب، وأصبحت كلمة عمرية.

    من واجب شاب الصحوة أن يكون إنساناً مؤثراً، لا يكون سلبياً، ولنعلم أن كارل ماركس قدم لشيوعيته ونظريته أعظم مما قدمت أنا وأنت للإسلام، بل لينين سجن في مرة واحدة ست سنوات في عهد الحكم القيصري، ومع ذلك فهو مُصِرّ وعنيف، هو من قرية من الشمال، حتى أثبت إرادته وحكم، وقد رأينا من الفاشلين والظالمين من ضحى لدينه ومبدئه ولو كان ضالاً أعظم مما ضحى المسلم لعقيدته، وكما سلف معنا، يقول عمر: [[اللهم أني أعوذ بك من جلد الكافر وعجز الثقة]].

    ومن الأمور والأسرار أن عمر الإسلام كما قلت لكم: خمسة عشر قرناً وهو لا يزال في نمو وتصاعد حتى تكون العاقبة له، وكما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الخاتمة للدين.. في أحاديث كثيرة، فسوف يستمر هذا الدين حتى يرث الله الأرض ومن عليها وتقوم الساعة.

    الشيوعية عمرها اثنتان وسبعون سنة، وهذه السنوات كلها قهر وإبادة، وقد قلت لكم: الشيوعية قتلت في حكمها واحداً وثلاثين مليوناً، منهم ستة عشر مليوناً قتلهم لينين وحده، غير السجون والمعتقلات والتعذيب والتشريد، وسخروف كتب مقالة قبل أن يموت وقد نشرتها جريدة الشرق الأوسط من قبل فترة في عهد برجنيف، وأنذر برجنيف أن الشيوعية سوف تسقط، ويقول: أدركها أدركها، فنفاه إلى جزيرة سيبيريا ثم توفي.

    وهم صراحة يعلنون هذا، ويعلنون أنهم إلى الدمار، لكن ما استجاب لهم أحد حتى وقعت لهم خيبة أمام العالم، ومصير النظم شرقية كانت أو غربية والتي قامت على التراب وعلى الطين ولم تستمد قوتها من رب العالمين، ولا من دينه القويم، الذي بعثه رحمة للناس، هو هذا المصير، فالأنظمة البوليسية وأنظمة التجسس تسقط بالفعل، وأنظمة الانقلاب الدموي تسقط، وقد شوهد في العالم الثالث أن الانقلابات الدموية التي تتولى الحكم في فترات، إما حكم عسكري أو حكم علماني كافر يتولى في فترة من الفترات، أنها تواجه بالانقلابات المستمرة، انظر الآن إلى العالم الغربي في حكمه كيف استقر في فترة من الفترات، كمثل النظام الأمريكي لأنه من عهد جورج واشنطن إلى الآن ما يقارب ثلاثمائة سنة إلا شيئاً، والآن الرئيس الموجود يشكل الرقم ثمانية وثلاثين أو تسعة وثلاثين، وقد ذكر هنري مانجرو في كتاب الولايات المتحدة الأمريكية أن هذا النظام لا يقبل الفساد في السلطة فـجونسون لما أخفق في فيتنام أزيح، ونيكسون لما أخفق في فضيحة ووتر جيت أزيح كذلك، وكارتر أزيح، وغيرهم كثير.

    أما العالم الثالث هذا، فإنك تفاجأ في ست ساعات أن يتولى واحد، ثم يدخل عليه الثاني فيضربه بمسدس ويسحبه كالكلب، ويتولى الثالث ويغتاله بقنبلة، ويتولى الرابع فتجهز له سيارة مفخخة، لأنها ابتعدت صراحة عن مسألة الحوار والنصح وإبداء الرأي، وقامت على الانقلاب الدموي، وعلى الكبت والحديد والنار، ومنهم من قامت على نظرية كافرة في الاقتصاد لم تؤمن بمنهج الله عز وجل بالاقتصاد ومصيرها كمصير أختها، وإياك أعني واسمعي يا جارة: وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ [الأحقاف:27].

    مد يد العون للمسلمين من الجمهوريات المسلمة

    خامساً: من واجبنا في هذه المرحلة مد يد العون للمسلمين في الجمهوريات الإسلامية، كل من له استطاعة، وكل من له قدرة أن يمد يد العون فليفعل، وقد سمعت أن كثيراً من الدعاة سافروا قبل هذه الأحداث بشهر إلى موسكو للدعوة إلى الله عز وجل بكثير من الأموال، لأن أبناء البخاري ومسلم والترمذي والنسائي يسكنون هناك وهم ينتظرون من إخوانهم الإسلام والعون والوقوف.

    من واجبنا كذلك: تصحيح وجهات نظر الناس، لأن الإعلام في أي مكان ليس أميناً في توجيه قدرات الناس ولا طاقاتهم ولا معلوماتهم، وأعلن الإعلام نفسه عجزه أمام الأحداث، وأنه لا يستطيع أن يقدم صورة مشرقة، فحق على الدعاة أن يقدموا هم بأنفسهم الصورة المشرقة بالوثائق والبراهين وألا تعتمد الأمة على ما تسمع أو ما ترى أو يبث، لأننا رأينا أنها تزور الحقائق وتلف، وأنها تبتر وتقدم صورة مشوهة أحياناً أو تختلس وتسرق، فحقيق علينا أن نقدم الصورة الحقة التي تصل الدعاة من وسائل ثابتة وثيقة الصلة بالحق، أو بها ثقة أن نقدمها للناس حتى يكونوا على مرئيات حقة.

    الدعاء للمسلمين

    سادساً: أن على الإنسان أن يمد إخوانه بالدعاء في مشارق الأرض ومغاربها، وفي السحر وأدبار الصلوات، أن ينصر الله دينه، وأن يجعل العاقبة له، وأن يجعل الخلافة في الأرض والنصر والتمكين لأوليائه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهذا مطلب أساسي.

    واجبنا نحو هذه المرحلة: أن نتجه إلى تربية الشباب؛ لا على العواطف، لكن على الحق الموروث من معلم الخير عليه الصلاة والسلام، على العلم (قال الله قال رسوله) على الحلقات الهادئة دون أن نربيهم على العواطف المجنحة التي لا تعتمد على حقائق ثابتة، وإنما يكون ضررها أكثر من نفعها.

    واجبنا تعرية الباطل

    سابعاً: ومن واجبنا أيضاً خطباء وأئمة ودعاة أن نعري الباطل، وأن نمرغه في التراب وهو أحسن ما يكون، كما فعل شيخ الإسلام طيب الله ثراه، فالذي جعله يحبس وجعل الحديد ووزنه أربعة كيلو في يديه هو تعريته للباطل، وتمريغه للباطل لقد مرغ الجهمية والمعتزلة والبطائحية والاتحادية والحلولية والزنادقة، والحكم الفاشل المنهار الذي يحكم بغير ما أنزل الله عز وجل، ولذلك كان مصير ابن تيمية أن يبقى في الأذهان حياً، ويبقى علمه خالداً، بخلاف غيره من العلماء الذين جمعوا المختصرات في الحواشي، فما زادوا على ما وجدوا إلا أن جمعوا، ولذلك مات بعضهم بموته، ولم يبق له إلا الأثر أي: المخطوطات التي تركها مثاباً عليها، أما العلم الحي المتدفق الذي يتركه ابن تيمية فهو العلم الذي يجب أن نحمله نحن لنحقق للإنسان سعادته ويكمن في تمريغ الباطل: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55].

    ولا يقل أحد من الناس: إني تدخلت فيما لا يعنيني إذا مرغت الباطل، بل مما يعنيك أن تمرغ الباطل، فإن الله عز وجل أول ما بدأ في سورة البقرة أنه مرغ بني إسرائيل، حتى يقول سيد قطب: لا بد من هذا النسف والإبادة والتدمير لبني إسرائيل.

    أذكر قصة في رمضان في قرية من القرى، يقول أحد الأئمة: صليت بهم في التراويح وكان معنا شيخ كبير عامي، فقرأت بهم البقرة، واستمرينا إلى سابع ليلة، فالتفت الشيخ فسلم عليَّ بعد الصلاة، قال: أين القرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ هذا القرآن كله لبني إسرائيل ما سمعنا القرآن إلا يتكلم عن بني إسرائيل، قال: فرجعت إلى بعض التفاسير ووجدت كلام سيد قطب، يقول: لا بد من هذا النسف والإبادة والتدمير لهم، يقول أهل العلم: لابد من التخلي قبل التحلي، قبل أن تعلن فكرتك لا بد أن تزيل الأفكار الموجودة، فالله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بدأ فنسف بني إسرائيل وأفكارهم ومعتقداتهم الباطلة المدمرة، ثم أتى إلى النصارى وبكتهم، ثم أتى ورد على المانوية.

    وكثير من أهل العلم يقول: إنه رد على المانوية في أول سورة الأنعام، وعلى كل مذاهب الأرض، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]. قالوا: رد على اليهود والنصارى والمانوية، أما المانوية ففي قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1] لأن المانوية تقول: إله الخير النور وإله الشر الظلمة، وتجرد الله من الألوهية، حتى يقول المتنبي لـسيف الدولة:

    فكم لظلام الليل عندك من يد     يحدث أن المانوية تكذب

    يقول: أنت تنتصر في الليل، والمانوية تقول: الإنسان لا ينتصر، وأنت دست أعداءك في الليل وقطعت رءوسهم في الليل، سيف الدولة هذا البطل، قال:

    فكم لظلام الليل عندك من يد     يحدث أن المانوية تكذب

    الشاهد من هذا أنك إذا أردت أن تعرض فكرتك:

    أولاً: أزل الأفكار المنحطة، جنبها طريقك، ولذلك فعل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في القرآن، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً [الفرقان:1] انظر للتخلية: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:2-3] ثم أثبت سُبحَانَهُ وَتَعَالَى الألوهية لنفسه.

    1.   

    الاحتمالات التي تئول إليها الشيوعية

    الفرضيات الآن المنتظرة للاتحاد السوفيتي بعد انهيار الشيوعية ثلاث فرضيات وثلاثة احتمالات:

    الأول: إما أن تعود الشيوعية إلى وضعها، وهذا احتمال ضعيف، وإن عادت فسوف تعود مهترية وسوف تحكم بالحديد والنار فترة، ثم تذهب إلى غير رجعة، وهي إنما تتمالك صراحة بالحديد والنار، يوم يكون الحديد قوياً والنار ملتهبة والبطش جبروتياً سوف تبقى، ويوم يضعف هذا فسوف تنهار، يمكن أن تعود، من يدري؟ ولذلك لا يغتر الشيوعيون العرب الذي أرسلوا برقيات وهنئوا أنها إذا عادت أنها سوف تطبق الدنيا، لا. أصل الشيوعية في الصين قبل ثلاث سنوات أراد أهلها أن يخرجوا من ثيابهم، لكن أمسكوهم في معرض العدالة، بل هو الظلم الذي في بكين، وسحقوهم بالحديد والنار، وطوقوهم بالدبابات، وطاردوهم في الحدود ومنعوهم، وسوف يخرجون كما خرج الناس في الاتحاد السوفيتي، وقد قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ [هود:81] وهذه سنة الله عز وجل.

    والاحتمال الثاني: جمهوريات منفصلة وهذا الواقع الآن، ويقول: إنها كارثة، هي كارثة لهم كدولة عظمى، لكنها للإسلام والمسلمين نسأل الله أن تكون أملاً وطموحاً، أن تأتي هذه الجمهوريات وتعلن حكم الله في الأرض, هي تملك رءوساً نووية، وتملك طاقات هائلة وتجارب ومصانع، وتكون قوة للإسلام وللصحوة، وتكون الخاتمة والعاقبة للذين آمنوا، والعاقبة للمتقين، وليس على الله بعزيز سُبحَانَهُ وَتَعَالى.

    وقد ذكر الداعية الكبير الشيخ عبد الرحمن الدوسري رحمه الله، في كتابه في التفسير وفي بعض أشرطته، أنه ينتظر وأنه ليس على الله بعزيز أن تحول قوى الأرض بيد الإسلام في فترة من الفترات، فيسيِّر بها ثقافة الإنسان وحضارته، ويحكم بها الإنسان، ثم يدمغ بها الباطل، وهذا أمر قد يحدث، ولا نستغربه ولا نستبعده.

    احتمال ثالث: موافقة بينهم وبين الغرب على نظام ليبرالي مؤقت، وهذا مثل التعايش السلمي، أن يكون بينهم تنسيق وتعايش سلمي، يبقى هؤلاء ويبقى هؤلاء على نظامهم الذي ارتأوه في مثل مالطا، وفي مثل غيرها من اللقاءات، وفي مثل هنسكي على أن يعيشوا على وفاق دولي، وأن يسكت بعضهم عن بعض، ولكن هذا لن يستمر، وأنا أقول: لعل الله عز وجل يجعل من هذه الأحداث صلاحاً للإسلام: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] وإن العالم الآن لينتظر من المارد يسمونه هم المارد كما يسميه زويمر، لكن أسميه أنا الفجر والفتح، وهو الإسلام أن يكون هو التجربة للإنسان وهو الذي يعيده إلى ربه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، لأنه هو حكمه سُبحَانَهُ وَتَعَالى وهو الذي سنه للناس وهو أدرى بطموحات الإنسان وطاقاته وآماله وحاجياته, والله يقول: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] فلا أحسن من الله حكماً! ولا أحسن من الله تربية! ولا أحسن من الله نظاماً! ولا أحسن من الله ترشيداً! والشرف العظيم للإنسان أن يتصل بالله، حتى يذكر كثير من العلماء يقول: الشرف أن يتصل الفاني بالباقي والضعيف بالقوي، والفقير بالغني، فنسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالى أن ينصر دينه وأن يعلي كلمته.

    1.   

    معنى السقوط ومفهومه

    هذا كلام الشيخ: سعيد بن زعير.

    نقطة أبدأ بها بعد الحمد لله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم: تكرر الحديث عن سقوط الشيوعية فما المقصود بالسقوط، وماذا نعني بهذا السقوط؟

    وما دلالة السقوط؟

    وما هو مفهوم السقوط إن كان هناك سقوط؟

    وما هو المفهوم للسقوط إن لم يكن هناك سقوط أيضاً؟

    متى نقول: إن نظرية أو نظاماً أو فكراً أو دولة سقطت، فسقوط المبادئ سقوط فكري وسقوط عقلي وسقوط معنوي، وسقوط منطقي، ليس بالضرورة سقوطاً مادياً، وإن كان السقوط المادي بعده هو الخاتمة والنهاية، سقوط الشيوعية في تبدل درجة التمسك.

    الشيوعية مبنية على نظرية مادية، بدأها الشيوعي ماركس وهيجل وهي نظرية مادية جدلية، ثم تغيرت وآخر أشكال التغيير ما قام به جرباتشوف، وإن كان جرباتشوف شيوعياً، بشكل جديد للشيوعية، وإلغاء المبادئ في الشيوعية وهدم لبعض الأساسيات في الشيوعية، فماذا يعني السقوط في المبادئ؟

    هو أن يغير أصحاب المبادئ مبادئهم، لو كان الفكر الشيوعي صحيحاً ما غيره أصحابه، ولذلك إذا رأينا أصحاب المبادئ يغيرونها فهو السقوط، وسوف آخذ هذا المبدأ أو هذا القول فيما يتعلق في سقوط الشيوعية وهو التبدل في المبادئ، تغيير المبادئ، هدم فكرة وإبدالها بأخرى عند الشيوعيين، قد يستمر الاتحاد السوفيتي، قد يوجد جرباتشوف وقد يوجد بعده من هو أشد منه تبديلاً، لكن هذه دلالات على سقوط الذين يحرمون الناس في الاتحاد السوفيتي من التملك في بداية الشيوعية يمنعون أن يكون لك بيت، يمنعون أن يكون لك أي شيء من وسائل الإنتاج، هذا المبدأ الأصلي، وإذا به يتغير ويقبلون التملك لوسائل الإنتاج وللمزارع، لماذا بدلوا؟ لأنهم علموا بأن الذي كانوا عليه غير صحيح، وهذا هو السقوط، دعنا من رأي الرأسماليين أو رأينا نحن المسلمين، هم أنفسهم أحسوا بأن الأسس التي قام عليها النظام الشيوعي غير صحيحة، وهذه قمة السقوط.

    سقوط الشيوعية معناه: اقتناع الشيوعيين أنفسهم بأن الشيوعية غير صحيحة ولو لم نجد أحداً من الشيوعيين كتب بأن الشيوعية غير صحيحة، فهذا هو السقوط الحقيقي، صاحب الفكرة استبدلها بفكرة أخرى، هذا السقوط الذي حدث للشيوعيين هل سينطبق على غيرهم؟

    عندما بدل الشيوعيون مبادئهم، وقلنا: إن هذا هو معنى السقوط؛ فهل سينطبق هذا السقوط على غير الشيوعيين؟

    نحن المسلمين نقول: نعم. لكنَّ الشيوعيين والرأسماليين وأصحاب المذاهب غير الإسلامية، يقولون: ما دليلكم؟

    أنا وأنتم يكفينا الدليل عندما نقول: يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ [الأنبياء:18] أنتم تؤمنون بهذا وتقبلونه؛ لأنكم تحترمون المصدر الذي جاء منه القرآن، وبأن الله سيقذف الحق على الباطل فيدمغه، لكن أصحاب الفكر الشيوعي المادي، بل وأصحاب الفكر الرأسمالي المادي لا يؤمنون بأدلة تأتي من مصادر نحترمها نحن، لذلك سوف نأخذ دليلاً على ذلك وهو حادث الشيوعية دليلاً على البقية- ما الفرق بين الشيوعية والرأسمالية؟

    ولا أريد ما يقال لنا في المدارس؛ لأن الكلام الذي يقال لنا في النظم وفي النظريات كلام ميت لا يحيي في النفوس شيئاً، عندما تدرس النظرية الشيوعية أو تدرس النظرية الرأسمالية، أو يدرس الاقتصاد الشيوعي أو الرأسمالي في مواد الثقافة الإسلامية تدرس تدريساً ميتاً، أقول لكم: ما الفرق ليس مما نقرأ في الكتب، ولكن مما نعايشه في الواقع، ما الفرق بين الشيوعية والرأسمالية؟

    أقول: إنه لا فرق بينهما، عندكم أنتم ينبغي ألا يكون فرق بينهما، لِمَ؟

    لأن الشيوعية والرأسمالية فكر ضال غير مهتدٍ بعيد عن هدي الكتاب والسنة.

    الشيوعية والرأسمالية، كلاهما نظام ينظم للناس شئون حياتهم بعيداً عن القرآن وعن السنة، وكل منهج بعيد عن الكتاب والسنة، فهو عندنا ضلال وسقوط، وإن سقط اليوم أو غداً أو بعد غد، وإلا سوف يأتي يوم من الأيام ونقذف بالحق على الباطل فيدمغه؛ شيوعياً أو رأسمالياً أو قومياً أو من أي مصدر، قال تعالى: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً [الإسراء:81] قالها الرسول صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، قبل الفتح وهو في مكة قبل أن يهاجر لم يقل هذا للكافرين، لكن في قرارة نفسه أنه سيأتي يوم من الأيام وتقال هذه الآية وتسقط الأصنام، كل نظام على وجه الأرض لم يقم على الكتاب والسنة فهو ساقط، دليله عندنا من القرآن قال تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18] ودليله للماديين الذين لا يؤمنون بالقرآن: سقوط الشيوعية نفسه، سقطت الشيوعية لأنها مقطوعة الصلة بالله، وستسقط الرأسمالية وغيرها من المبادئ، وكل مبدأ ينظم حياة الإنسان أو حياة المجتمع بغير هدى الله؛ فإنه سوف يسقط، المسألة مسألة زمن فقط، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالى هو الذي يقدر الزمن الذي تحتاجه الشيوعية لتسقط، وكذلك الرأسمالية والعلمانيون الأذناب في بلاد المسلمين، المسألة مسألة زمن، وكل هؤلاء من الساقطين، هذه واحدة مما يتعلق بمعنى السقوط..

    دول العالم الثالث والمبادئ

    الفقرة الثانية: دول العالم الثالث التي يصنف فيها دول العالم العربي والإسلامي كلها، أو دول العالم النامي، أو الدول النامية، أو الدول المتخلفة.

    هذا العالم الثالث دوله ما علاقتها بالمبادئ؟ أي: هل هي صاحبة مبادئ ثابتة أم أنها تتحول وتتشكل في المبادئ؟ ومن هي الدولة من دول العالم الثالث صاحبة المبادئ الثابتة التي لا تتغير؟ خذوا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب من هذه الدول النامية، خذوا علاقتها الدولية وعلاقتها بشعوبها، هل هي لديها مبادئ لا تتغير؟ هل هي ثابتة مثلاً في عدائها للشيوعية؟

    في علاقتها السياسية بالدول الأجنبية، هل دول العالم الثالث ثابتة، بمعنى أنها صاحبة مبدأ تقول: الشيوعية إلحاد وكفر بالله، ونحن أصحاب مبادئ إسلامية لا علاقة لنا بـالشيوعية، هل هذا مبدأ، ومتى يكون مبدأً؟

    إذا كان على مر الزمن، وعلى مر الأحقاب، وعلى مختلف الفترات لا يتغير فهو مبدأ، ولكنك تجد من دول العالم الثالث من هي شيوعية تماماً، متحالفة مع الشيوعية، فإذا بها تتحول مائة وثمانين درجة لتصبح رأسمالية، سبحان الله! أين المبادئ؟!

    هذا مثال، وأريد من هذا المثال أن أصل إلى تقرير ثانٍ مبني على الأول، والأول وصلنا منه إلى أن معنى السقوط هو سقوط المبادئ.

    الثاني: أن دول العالم الثالث ساقطة بمعنى: أنه لا مبادئ لها، وإذا أردنا أن نطبق، فخذ أي مجالٍ من المجالات، ستجد أنه ليس هناك مبادئ تحكم، دول العالم الثالث، بل تجدها حليفة لليسار ثم إذا بها حليفة لليمين، تجدها شيوعية فإذا هي ليبرالية، تجدها دولة ديمقراطية وإذا بها دولة بوليسية قمعية، تدعو إلى تعدد الأحزاب، وإذا بها مرة أخرى تخرج الدبابات في الشوارع، فلماذا؟

    لأنها ساقطة ليس لها مبادئ ثابتة، وسقوط الشيوعية هو في مثل هذه الصورة نموذج، الدول التي ليست لها مبادئ ثابتة هي أيضاً في طريقها للسقوط.

    أمثلة لسقوط المبادئ

    أضرب أمثلة فيما يتعلق بهذه التحولات، كنت في بلد من البلدان العربية -مثال على عدم الثبات للمبادئ حتى في حياة الناس- والتلفزيون أحد الوسائل التي تعطيك واقع البلد الذي أنت فيه، وهي حقيقة ينبغي ألا تغيب عن واقع كل الناس، إذا أتيت لبلد فافتح تلفزيونها وهو أصدق من يعطيك واقع هذا البلد، فإن كان هذا التلفزيون يعرض مبادئ إسلامية أو شيوعية، أو رأسمالية، أو العهر، أو الفضيلة، فهو أحد الشواهد القوية على ما عند هذا البلد؛ في تلفزيون تلك البلد أروي لكم والله على ما أقول شهيد، كان عنده ندوة قبل المسلسلة، والمسلسلة كما تعلمون عرف إعلامي في كل البلدان العربية، مسلسلة هو تعليم لحياة غير حياة تلك البلاد من خلال المسلسلة، يقدم في ندوة قبل المسلسلة عرض للنظام الاقتصادي اليساري الشيوعي الاشتراكي، ويقول المنتدون وهم ثلاثة: بأن هذا البلد لن يقوم الاقتصاد فيه ولن تتحقق فيه البنية الاقتصادية ولن تنهض فيه الشركات الكبرى، أو ما يسمى بالقطاع العام إلا من خلال هذا التطبيق الشيوعي، أو من خلال تطبيق نظام القطاع العام كما نص في الندوة، وينصرونه ويدافعون عنه، وأنه لا نهضة للاقتصاد إلا بإعادة النظر في الأخطاء التي تمت في التطبيقات التي في القطاع العام أو في القطاع الحكومي، أو في الملكية العامة للشعب لوسائل الإنتاج.

    ندوة بنصف ساعة كلها تدور حول ضرورة أن يكون الاقتصاد اقتصاداً مبنياً على الملكية العامة، وألا تتاح الفرصة للقطاع الخاص، ولا للأفراد بأن يملكوا، لأن التجربة التي طبقت في هذا البلد هي التي جلبت النجاح، بعد هذه الندوة جاءت المسلسلة، ونترك المسلسلة لا دخل لنا بها، بعد المسلسلة ندوة أخرى، الندوة الأخرى تتكلم على أنه لا نجاح لهذا البلد إلا بتطبيق الاقتصاد الذي يعتمد على الملكية الفردية! وعلى حرية الأفراد بالتملك، وعلى أن الاقتصاد العام والملكية العامة هي التي أثرت على البلد، وأنه ينبغي أن تدفع سياسة اقتصاد السوق والانفتاح على الاقتصاد العالمي، هذا الكلام الذي سمعته في الندوتين من الناحية العلمية ومن الناحية الاقتصادية لا يقبل بأي معيار، كيف أنه في تلفزيون بلد واحد يعرض هذان النموذجان وفي ليلة واحدة؟! فهو أقوى الأدلة على أن ذلك البلد -بل ومعظم البلاد في العالم الإسلامي- لا تعيش مبادئ، بل هي في أزمة مبادئ، تعلن أنها تعيش في هذا المبدأ وتطبق مبدأً آخر، تعلن حربها على المبدأ وتطبق نفس المبدأ، تعلن أنها تلتزم بنظام معين وتمارس غيره، إذاً الدول في العالم الثالث -دول العالم العربي والعالم الإسلامي- تعيش أزمة مبادئ، لأن المبادئ لا تحكم لها تصرفاتها.

    ما الفرق بين هذه التغييرات وبين ما نسميه في فكرنا وثقافتنا الإسلامية بتجديد الإسلام؟ قضية مطروحة فكرياً وهي خطيرة؟

    والمثال الواضح، عندما يقول الشيوعيون العرب: بأن كارل ماركس، ومن أتى بعده في التطبيقات الشيوعية، لم يخرجوا عن دائرة الشيوعية وإنما ممارساتهم هي اجتهاد في التطبيق الشيوعي، بمعنى: أن النظرية الشيوعية باقية، وإنما هي تطبيقات، وبعض المحسوبين على المسلمين اليوم يقولون: إننا في حاجة إلى اجتهاد في الإسلام شبيه بالاجتهادات الشيوعية والرأسمالية في نظمها.

    1.   

    الاجتهاد في الإسلام

    السؤال: ما الفرق بين اجتهاد الإسلام الصحيح وبين هذه الاجتهادات؟ خلاصة الفرق بإيجاز شديد:

    الجواب: الاجتهاد في الإسلام لا يكون مع النص، نصوص الإسلام ومبادئه ثابتة لا يستطيع أي مجتهد كائناً من كان أن يغيرها، وفي المثال الذي ضربه قبل قليل الشيخ عائض عندما قال: إن أبا ذر عندما اجتهد اجتهاداً يحرم الملكية، ويحرم كنز المال رفض الصحابة منه هذا الاجتهاد، وأي مجتهد يجتهد سواء كان عالماً كبيراً أو من أهل الاجتهاد فاجتهاده في حدود فهم النصوص، ودون أن يخالف نصاً للرسول صلى الله عليه وسلم، أو يخالف ما أجمع عليه المسلمون، أو يخالف رأي الصحابي الذي انتشر بين الصحابة ولم ينكروه، أما إذا قال الصحابي رأياً وأنكره عليه الصحابة، مع احترامنا للصحابي وغيره إذا اشتهر، ورفضه مجموعة من المسلمين سواء كانوا من الصحابة أو كانوا مجموعة من العلماء بعدهم فإن هذا اجتهاد لا يعتد به.

    لدينا الآن مجموعة من المجددين يتحدثون الآن عن اسم التجديد في الإسلام، وأخطر من يتصدى لنا هم هؤلاء المجددون، إنهم يجددون وهم ليسوا من أهل الاجتهاد، ومواصفات المجتهدين في الإسلام لا تنطبق عليهم، وسابقتهم سيئة، لأن معظمهم كانوا من الشيوعيين أو من الليبراليين العلمانيين، ونحن لا نحجب باب التوبة عن أحد؛ لكن ذلك الفاسق أو الضال أو المنحرف أو المرتد عندما قال: إنه تاب أو رجع، نقول: حياك الله، وخذ باب الاجتهاد واجتهد وتقبل الله توبتك، وهذا بينك وبين ربك، أما أن تبدأ لنا بلوثاتك العقلية وتقول بأنك مجتهد، فلا. لا مجال للاجتهاد ممن يسمون: (المفكرين الإسلاميين الكبار) إذا مرت عليك هذه العبارة فضع يدك على قلبك وانتبه، إذا قيل لك المفكر الإسلامي الكبير، أو المجتهد الإسلامي الكبير، أو المجتهد الإسلامي المستنير، فانتبه! فإن أكثر من يحمل هذا اللقب أو تطبل له الصحافة وتعطيه هذا اللقب ممن يجتهدون في المبادئ، ويجتهدون في النصوص، وقطعيات الإسلام لا اجتهاد فيها.

    من اجتهاداتهم: أن الربا ليس بحرام، وأنه لا تفريق بين الناس على أصل الدين، أعوذ بالله! والله ما سمعت حتى الكافر يقول هذا، الكافر يعرف أنه كافر، فيأتي مجتهد فيقول: إنه مفكر إسلامي وأن التفريق بين الناس على أساس أنه آمن بمحمد أو لم يؤمن به بدعة، ومن المفكرين المجتهدين من يقول بهذا، لكن نحن في حاجة إلى مجتهدين، ليجتهدوا في شيئين:

    الاجتهاد الأول: أن يعيدوا الناس إلى أصول الدين؛ هذا مطلب.

    المطلب الآخر: في أن يجتهدوا في تسخير الوسائل الجديدة الحديثة لخدمة أصول الدين، نحن نريد مجتهدين في هذا النطاق، يجتهدون في عودة عقول البشر، عودة عقول المسلمين إلى أنه لا مجال إلا في الأصولية، لا نجاح إلا في الأصولية، تلك الكلمة المفترى عليها، لا نجاح إلا بتمسكنا بأصول الدين، وأدعوكم لقراءة ما كتبه سماحة الشيخ ابن باز في جريدة عكاظ وهو مكتوب من خلال وكالات الأنباء السعودية، وهي كلمة جديرة بأن تقرأ وأن تكتب بماء الذهب.

    وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.