إسلام ويب

الهدايةللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لا بد لمن يسلك سبيل الهداية التي يتوصل بها إلى رضوان الله سبحانه وتعالى من أمور، منها:

    دعاء الله عز وجل بالتوفيق للهداية.

    وتدبر كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.

    والتمعن والنظر في الكون والخلق كيف هدى الله عز وجل كل إنسان إلى ما هو أهل له من عمل ووظيفة وغاية.

    فيجدر بهذا السالك به أن يعرف أسباب الهداية وأحوالها وسبل التوصل إليها.

    1.   

    أهمية الهداية

    الحمد لله القائل: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:1-6].

    والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار).

    أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها المسلمون الفضلاء! أيها الصائمون النبلاء! أيها الأتقياء الأولياء! عنوان هذه المحاضرة: الهداية.

    أزفها بمناسبة هذا الشهر الكريم، وأهديها لمن فكر أن يتوب، ولمن رشح نفسه أن يكون عبداً لله، ولمن فكر يوماً من الأيام أن ينقذ نفسه من الهموم والغموم والأحزان، والتمزق والفجور، والبعد عن الله، أعداء الله يشكون الظلام؛ لأنهم ما رأوا نور محمد عليه الصلاة والسلام، ويشكون الظمأ؛ لأنهم ما شربوا من نهره صلى الله عليه وسلم، ويشكون الجوع؛ لأنهم ما جلسوا على مائدته:

    أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا      إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

    قد مشينا في ضياء الوحي حقاً واهتدينا     ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه

    قد شربنا من كئوس الوحي حقاً وارتوينا     وكتبنا في العلا بالحق تمجيد الإله

    عناصر هذه المحاضرة:

    أولها: الهداية إلى الصراط المستقيم، وما هو الصراط المستقيم؟ وأي صراطٍ مستقيم هو؟ بين مناهج الأرض وأطروحات الأرض، وقوانين الأرض، أسباب الهداية، كيف يهتدي العبد، الهداية تزيد وتنقص، الهداية إلى الأعمال الصالحة، الهداية العامة والهداية الخاصة: أقسام الهداية، انفراد الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى بالهداية وحده، لا يهدي إلا هو، الهداية لصاحبها، وليست لأحد من الناس، هل الهداية سببٌ للمخاوف؟ سؤالٌ يجاب عنه في المحاضرة...

    الهداية بالوحي، لا بمادةٍ أخرى؛ لأن الوحي وحده أثبت أنه الطريقة السلمية إلى الله عز وجل، الهداية هي السعادة الحقيقة، الهداية المطلقة، من معالم الهداية ودنيا الهداية، شرح الصدر علامةٌ للهداية، أما العنصر الخامس عشر: فهو مع محمدٍ عليه الصلاة والسلام، ومع الهداية في السنة النبوية، من كلامه، ومن منهجه ومن مشكاته صلى الله عليه وسلم.

    وقبل أن نبدأ نقول: إنما يمكن أن يشفي سقمنا ومرضنا هو الهداية وحدها، ولذلك توجه هذه الكلمة لطبقات الناس؛ للملوك وللأمراء، وللوزراء، وللعلماء، وللعامة، وللأغنياء، وللفقراء؛ لأن الله نادى الجميع فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [النساء:1].

    تعال يا من حاله في وبال     ونفسه مغروسةٌ في عقال

    يا راقداً لم يستفق عندما      أذن في صبح الليالي بلال

    روض النبي المصطفى وارفٌ     وأنتمُ أصحابه يا رجال

    والذي لا يركب في سفينته لن ينجو أبداً، وسوف يدركه الهلاك وتدمر حياته ومستقبله، جرب أهل الذكاء ذكاءهم فكان إخفاقاً ولعنة، وجرب أهل المال مالهم فكان غضباً عليهم وسحقاً وفقراً، فعرفوا بالتجارب والاستقراء أنه لا يمكن أن ينجو أحد إلا في سفينة محمد عليه الصلاة والسلام، وأنا جعلت أكثر مادة هذه المحاضرة آيات من القرآن الكريم، وجمعت في هذا الموضوع أكثر من ستين آية من كتاب الله عز وجل، تتكلم كلها عن الهداية، وعن تعريف الهداية، وأسباب الهداية، وطرق الهداية، ونتائج الهداية، ومن المهتدي حقيقة، وما علامة الهداية، وكلها سوف تسمعونها.

    1.   

    الهداية إلى الصراط المستقيم

    في القرآن ثلاث آيات تتحدث عن هذا المبدأ، يقول سبحانه وهو يوجه المؤمنين إلى الدعاء: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6] وقال سبحانه: وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:68] وقال سبحانه: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:2].

    قيل: القرآن، وقيل: محمدٌ عليه الصلاة والسلام، وقيل: طريق النجاة، وقيل: الإسلام، والصحيح: أنه كل ما يهديك إلى الله فهو الصراط المستقيم، والصحيح أنه الإسلام، فهو الطريق الذي وقف في أوله صلى الله عليه وسلم ورفع فيه راية لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والطريق الذي يؤذن فيه بلال، والطريق الذي سلكه من قبل نوح وآدم وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، هو الطريق الخالد لذاك الموكب الكريم، فهذا هو الطريق المستقيم: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ [الفاتحة:7] وهم الأنبياء والرسل والصالحون والشهداء وحسن أولئك رفيقاً، والصراط المستقيم هو أقرب موصل بين نقطتين، فليس فيه عوج ولا لبس، ولا مذاهب أرضية، ولا أطروحات بشرية، إنه مستقيم جد مستقيم يوصلك إلى الأمام.

    ولا تركن لغير الهداية، لا تتوقع أن منصبك أو كرسيك أو مالك أو ولدك سوف ينقذك من عذاب الله، إن لم تتشرف بحمل الهداية، قال تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً [مريم:93-95].

    لبيد بن ربيعة أحد شعراء العرب كان شاعراً مشهوراً، كان عنده جماهير، يصفقون له ويمدحونه، لكنه ذاق جرعةً من دواء محمد عليه الصلاة والسلام، فوجد الهداية، فاعتزل الشعر والجماهير والغناء، وقال:

    الحمد لله إذ لم يأتني أجلي     حتى اكتسيت من الإسلام سربالا

    كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا     وحسب المنايا أن يكن أمانيا

    إذا وصل بك الحال إلى أن لم تكتشف في هذا القرن الخامس عشر، أن الهادي بعد الله -هداية الدلالة- محمدٌ عليه الصلاة والسلام، فإنك إذاً ما اكتشفت، ولا عرفت شيئاً.

    وقال سبحانه: وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:68] وهذه في سورة النساء، يقول الواحد الأحد: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:66-68].

    والخطاب لليهود، ولكل من سار على منهج اليهود، أو شابه اليهود في سيرهم، يقول: لو فعلوا بهذه السنة وهذا القرآن والوحي وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً * وَإِذاً لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [النساء:66-68]. وقال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة:13] أنا وأنت علينا ميثاق، والميثاق ختمٌ أتى به صلى الله عليه وسلم، فمن حمله في كتفه أداه إلى الجنة، وهذا الميثاق يقال عليه: شارة المدينة، وخرج من مسجده صلى الله عليه وسلم، وهو علامة لـأهل السنة، إذا رآهم المحاسبون يوم العرض الأكبر أدخلوهم الجنة، ومن لم يحمل الختم فليس على مسيرة محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

    وقال سبحانه للرسول عليه الصلاة والسلام: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:2] وهذه الآية من سورة الفتح التي نزلت بعد صلح الحديبية.

    قال أهل العلم: "كيف يهديه وقد هدي؟ واهتدى وهدى الملايين؟ لساني ولسانك، وعيني وعينك، وأنفي وأنفك، وأذني وأذنك، كلها أدواتٌ تتحرك بلا إله إلا الله، هذه الملايين اليوم التي تصوم في شعوب الأرض كلها ورقات من شجرته عليه الصلاة والسلام:

    أتطلبون من المختار معجزةً      يكفيه شعبٌ من الأموات أحياهُ

    ويقول شوقي:

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له     وأنت أحييت أجيالاً من الرممِ

    يقول شوقي: إن كان عيسى أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله، فأنت يا رسول الله! أتيت إلى شعوبٍ ميتة، وإلى حضارة واهية، وإلى قلوب متفلتة، فأحييتها بلا إله إلا الله!! وأعدتها إلى الله، وحركتها بلسان الحق، حتى خطبت على منابر الدنيا، قال أهل العلم: وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً [الفتح:2] أي: يزيدك هداية إلى هدايتك..!!

    وكان عليه الصلاة والسلام، إذا قام في الليل -وهذا عند مسلم من حديث عائشة كان إذا قام من الليل يقول: : ( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيم) فهداه الله هدايةً عامة، وهدايةً خاصة، وهدى به الأمم عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    أسباب الهداية

    السبب الأول: الصدق مع الله

    أما أسباب الهداية فاسمع إليها: أعظم سبب أن تصدق مع الله، الآن القلوب وضعت في الحرم، ففي التراويح وضعوا مهجهم أمام الله، ملوكاً وكباراً وأغنياء وفقراء، منهم الطائف، ومنهم العاكف، ومنهم الساجد، ومنهم الراكع، كلهم يستمعون القرآن والرسالة الخالدة، وكلهم يريد أن ينال المغفرة والرضوان من الله، لا أحد يشتكي على أحد، لا معاريض ولا وثائق ولا دعاوي، كل القلوب اتجهت إلى الله عز وجل، فأعظم ما يمكن أن يجعلك مهتدياً، ويرشحك أن تتوب، ويجعلك عبداً لله أن تصدق مع الله!!

    السبب الثاني: المجاهدة

    يقول سبحانه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] يقول أحد الشعراء الحكماء -وعجب ابن تيمية من قصيدته في درء تعارض العقل والنقل - وكان هذا العالم شاعراً مجيداً وكان داعياً إلى الله -يقول في قصيدة لوعة وأسى وحسرة وتبتل إلى الله:

    وحقك لو أدخلتني النار      قلت للذين بها قد كنتُ ممن أحبه

    وأفنيت جسمي في علومٍ كثيرةٍ     وما منيتي إلا رضاه وقربه

    أما قلتمُ: من كان فينا مجاهداً     سيحمد مثواه ويعذب شربه

    أترجم القصيدة وهي بالعربية، لكنها مناجاة الأصفياء والأخيار، يقول: وحقك.. يقول: "والله لو أدخلتني النار لأتكلمن إلى أهل النار وأقول: والله إني كنتُ أحب الله في الدنيا.

    وحب الله شيءٌ عظيم: يشرب الخمر شارب في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مرات، فيجلدونه بالجريد والنعال والأحذية، ويقول أحد الصحابة عنه: قاتلك الله قال عليه الصلاة والسلام: { لا تسبه.. فوالذي نفسي بيده، ما علمته إلا أنه يحب الله ورسوله} ولو أنه يشرب الكأس، لكن هناك فطرة من الحب، غير أنه ما سقاها وما قواها حتى تصبح شجرة: تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا [إبراهيم:25].

    فيقول هذا: "يا رب! وحقك إن أدخلتني النار قلت للذين بها: قد كنتُ ممن أحبه". ويقول في آخر القصيدة: أما قلتمُ من كان فينا مجاهداً.. أما قلت في القرآن يا رب! من جاهد فيك سوف تعظم قدره وتكرمه: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] قال:

    أما قلتم من كان فينا مجاهداً      سيحمد مثواه ويعذب شربه

    يا الله! يا الله! هذه الأمة اتجهت إليك، ما تريد بديلاً عن الإسلام، وهذه الصحوة العارمة جربت كل شيء، فما وجدت خلودها ولا أمنها ولا استقرارها إلا في الإسلام.

    السبب الثالث: الإيمان

    ويقول سبحانه عن المؤمنين: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس:9] لم يقل: بأبصارهم؛ لأن كثيراً من الناس عندهم أبصار لكنهم ما استخدموها في الهداية! عندهم عيون يرون، ويبصرون ويدركون، يلتقطون الإبرة في ظلام الليل وفي الوهج على الأرصفة، ولكنهم ما رأوا علماً مكتوباً عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله مما بلغه لنا رسول الله عليه الصلاة والسلام: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9]. والإيمان هداية، الإيمان مع المادية الجدلية العصرية ومع الشيوعية الإلحادية، جُرب أنه هداية، عاش كثيرٌ من الشباب في أمريكا، فتحصنوا بالإيمان فأصبحوا كأنهم من أبناء الصحابة، وترك بعض الناس في الجزيرة الإيمان، فتردوا حتى كأنهم من ذرية أبي لهب وأمية بن خلف، فالإيمان أعظم ما يهدي العبد يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9].

    السبب الرابع: القرآن

    وقال سبحانه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9]. هذا القرآن وحده مع السنة يهدي للتي هي أقوم، في العقائد، والمعاملات، وفي العبادات، وثيقة -وقد كررت هذا الكلام- أثبتت قوتها وأثبتت أنها سوف تبقى بإذن الله، كما يقول شوقي:

    آياته كلما طال المدى جددٌ      يرينهن جلال العتق والقدمِ

    وقال آخر:

    أتى على سفر التوراة فانهدمت     فلم يفدها زمان السبقِ والقدمِ

    ولم تقم منه للإنجيل قائمةٌ     كأنه النوم زار الجفن في الحلمِ

    وثيقة ماركس اللعين عليه غضب الله انتهت في اثنتين وسبعين سنة على يدِ أذنابه وعملائه، لكن الإسلام ما زال منتصراً في الساحة، في القارات الخمس يمرُ مر السحاب، صنع الله الذي أتقن كل شيء، القرآن وحده: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

    وانظر إلى هذا التعبير، يهدي للتي هي أقوم: للتربية، وللسلوك، وللأخلاق، وللمعتقدات، والمعاملات، لتحكيمه في حياة الناس، للسياسية الشرعية، وقال سبحانه في أسباب الهداية: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] احفظ هذه الجملة وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] ولم يقل: يهدِ عينه؛ لأن العين قد تذهب، كثيرٌ من الناس عمي، ولكن قلوبهم كالشمس، وكثيرٌ من الناس مبصرون ولكن قلوبهم ظلماتٌ بعضها فوق بعض، ظلمات الشهوات والمعاصي: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] يقول تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22].

    :وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ [التغابن:11] قال ابن عباس: [[هو العبد تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى، ويعلم أنها من عند الله، فيهدي الله قلبه]] عندنا في الإسلام المؤمن يموت ابنه فيقول: آمنتُ بالله وتموت زوجته، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويتهدم بيته ويحترق ماله، ويرى المصائب مثل الجبال، فيقول: إنا لله راجعون، فيهدي الله قلبه، ويزيده إيماناً على إيمانه، دين أقوى من الحديد، إرادات تكسر الحجر، لأنه دينٌ خالد يصل بالعبد إلى رضوان الله عز وجل والسعادة.

    1.   

    الهداية تزيد وتنقص

    أنا وأنت لسنا كـأبي بكر الصديق، أبو بكر الهداية في قلبه مثل الدنيا، النور في قلبه مثل الشمس لا يصيبه ظلام أبداً؛ لأن وقته للإسلام، من أول يوم وضع يده في كف محمد عليه الصلاة والسلام مبايعاً ومهاجراً ومجاهداً حتى أفنى كل شيءٍ عنده في خدمة هذا الدين، وأنا وأنت نطالب اليوم أن نهتدي فنصلي في المسجد جماعة، ونطالب أن نترك الغناء والمخدرات والدخان، أما أن نطالب أن نفعل مثل أبي بكر، فلا:

    زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً      أبشر بطول سلامةٍ يا مربع

    لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم     ليس الصحيح إذا مشى كالمُقعدِ

    لشتان ما بين اليزيدين في الندى     يزيد بن عمرو والأغر بن حاتم

    وما بيننا وبينهم كما بين الثرى والثُريا!

    ألم تر أن السيف ينقص قدره     إذا قيل: إن السيف أمضى من العصا

    نحن مع الصحابة مثل العُصي وهم سيوف؛ لأن الصحابة كانوا يستيقظون مع الصباح، يقول أحدهم وقد انتبه وقد استيقظت عيناه وقلبه، من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، فأول ما يفكر به كيف ينصر هذا الدين، كيف يقدم روحه، أما نحن فأول ما نستيقظ نتفكر في إفطارنا ووظائفنا وخبزنا ولحمنا وثلاجتنا وفاكهتنا، اهتماماتهم كلها للإسلام، تقطع يد أحدهم، وتتعلق بعصبة، أو بعرق، فيجعل يده بين ركبتيه، ثم يتمطى عليها حتى تنقطع لئلا تشغله عن الجهاد؛ وتقطع يد جعفر بن أبي طالب اليمنى فيأخذ الراية باليسرى، وتقطع اليسرى، فيحتضنها بين عضديه.. أو ليست هذه معالم الهداية؟؟!!

    من يصل إلى هذه الدرجة؟! أحد الصالحين كان فيه مرض، فكان يتبسم ويقول:

    إن كان سركمُ ما قال حاسدنا     فما لجرحٍ إذا أرضاكمُ ألمُ

    هذا البيت لـأبي الطيب المتنبي، رمي وهو ينشد عند سيف الدولة بدواة، فسال الدمُ من جبهته، فضحك سيف الدولة، فيقول المتنبي: يا سيف الدولة! إن كان سرك هذا الدم، فأنا لا أجد أذىً لأنه سرك.

    فأتى الولي الصالح، فقد رد البيت إلى من يستحقه.

    والهداية -أيها الإخوة- تزيدُ وتنقص، يقول سبحانه: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17] تعبير القرآن لا يرتقى إليه، أسلوبٌ فذ، مثل كلامنا ومثل القرآن كمثل مادة التراب، نحن نستطيع أن نصنع من مادة التراب آجراً، ونصنع منها أواني فخارية، لكن هذا التراب خلق الله منه الإنسان، والقرآن من حروف نتكلم بها، ولكن كلامنا لا يمكن أن يقارب مستوى القرآن.

    قال تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17].

    فهم اهتدوا من أول الطريق، الذي يصلي الصلوات الخمس يعطيه الله خشوعاً، والذي يترك الغناء يحبب الله إليه القرآن، والذي يتجه إلى ذكر الله عز وجل يقوده الله عز وجل إلى بر السلام: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد:17] وفي البخاري: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به.....).

    فمن مشى في الطريق خطوةً زاده الله هداية، المؤمن دائماً في هداية بعد هداية، والكافر والفاجر في إعراضٍ بعد إعراض، لا يخرج إلا من جرائم إلى جرائم، يضع الكأس فيحمل المجلة الخليعة، ويضع المجلة الخليعة فيعرض عن القرآن، ويعرض عن القرآن فيترك المسجد، ويعق والديه فيقطع رحمه، فهو في مصائب ومدلهمة، ويقول سبحانه: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً [الكهف:13] عندنا الوقود، والطاقة، يسميها سيد قطب: محطة الوقود، هذه محطات جعلها الله للمؤمنين كالمار في سيارته -ولله المثل الأعلى- كلما أوشك وقوده أن ينتهي، تزود من الطريق التي سلكها محمد عليه الصلاة والسلام، والوقود هنا هو الإيمان والذكر والقرآن والسنة وصدق التوجه إلى الله والصيام، أنتم بين موعظةٍ وصيامٍ وتلاوةٍ واعتكافٍ وعبادة، فهي وقودكم: وَزِدْنَاهُمْ هُدىً [الكهف:13] عندنا الهدى نحن زدناهم من عندنا لا من عند غيرنا، وزدناهم على الجمع والتعظيم، وقوله زدناهم دليل على أن أصل النبتة موجودة في قلوبهم، أما الذي بتر الإيمان في قلبه، وأتى يطلب الشفاء، فهذا إنسانٌ ما عرف الطريق أصلاً، بتر الفطرة، ويقول سبحانه: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَرَدّاً [مريم:76] فيزيدهم بعد أن اهتدوا.

    ثم ذكر أن من عواملِ طاقات الهداية ومما يزيد الهداية الأعمال الصالحة الباقيات، ومن الباقيات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، نحن المؤمنون عندنا هزجٌ جميل.

    قرأت قبل أيام لخواجة مؤلف في علم النفس يقول: فإذا أحسست بالقلق فعليك أن تستمع إلى الموسيقى، فأقول له: خيب الله شبابك، وسود الله وجهك، وجهت الإنسان للموسيقى ليدفع القلق، وقد علمنا عليه الصلاة والسلام ذكراً وهزجاً خالداً، علمنا أن نقول: لا إله إلا الله، وهي كلمة تنشرح لها القلوب:

    الله أكبر كل همٍ ينجلي     عن قلب كل مكبرٍ ومهللِ

    يونس عليه السلام في بطن الحوت في الظلام، ولما أظلمت الدنيا في عينيه قال: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فانقشعت من أمامه الظلمات:

    أين ما يدعي ظلاماً يا رفيق الليل أينا      إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

    أين هذا الظلام؟ يقول لسان حال المؤمن: أين الظلام الذي يشتكيه الناس؟ أين هذه المستشفيات النفسية التي فتحت لأهل القلق والهموم والغموم؟ أين الظلام؟ أنا لا أجد ظلاماً؛ لأنني أصلي وأحمل القرآن وأذكر الله، وأتبتل إلى الله:

    أين ما يدعى ظلاماً يا رفيق الليل أينا      إن نور الله في قلبي وهذا ما أراه

    1.   

    الهداية إلى الأعمال الصالحة

    وهناك هداية جزئية إلى الأعمال الصالحة، قال سبحانه عن المؤمنين: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ [الحج:24]: وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ [الحج:24] أي: أن الله وفقهم فهداهم إلى الطيب من القول.

    لا إله إلا الله! هذا الإيمان عجيب، يحول الإنسان بين عشيةٍ وضحاها إلى أن يصبح نظره طاعة، وكلامه طاعة، وحركته طاعة، ومشيه طاعة، حتى كلامه يصبح ذكراً يقول سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر:10].

    إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10] ودل على نفسه سبحانه بالضمير لا بالاسم الظاهر؛ لأنه معروف عند المؤمن أنه إلى الله، العرب في أشعارهم كانت تعبر بالضمير تعظيماً للممدوح، يقول المتنبي يمدح كافوراً:

    قطعت الفيافي والشناخيبَ دونه     وجبت هجيراً يترك الماء صاديا

    أبا كل طيب لا أبا المسك وحده      وكل غمامٍ لا أخص الغواديا

    وترك اسم كافور، وما أعلمنا به في القصيدة، لأنه مشهور.

    ولو أن هذا المتنبي قطع الفيافي إلى الله وترك هؤلاء البشر لكان له عند الله شأن لكن مرة عند سيف الدولة، فإذا جفاه سيف الدولة، خرج إلى كافور، وإذا طرده كافور خرج إلى عضد الدولة لأنه ما عرف الطريق.

    قال:

    قطعت الفيافي والشناخيب دونه     وجبت هجيراً يترك الماء صادياً

    يقول: إني جبت الصحراء وظمئت في الصحراء حتى كدت أموت لآتي إليك والشناخيب هي الجبال، والشاهد قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10] والصالحون يعرفون على من يعود الضمير في قوله: (إليه، وأنه هو الله).

    وورد في قصة سليمان عليه السلام، والقصة في تسخير الريح له، كما قال تعالى: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] غدوها شهرٌ ورواحها شهر، سخر الله له الريح، فكان إذا أمرها أن تنتقل به من مكان إلى مكان انتقلت به الريح، وأصبح في السماء، معه وزراؤه وأمراؤه وحاشيته على بساطٍ من الريح، فحجب سليمان بهذا البساط عليه السلام الشمس عن فلاحٍ يزرع في الأرض؛ فنظر فوجد بساط سليمان عليه السلام يخترق الجو عابراً من مكانٍ إلى مكان، فالتفت فرأى سليمان ورأى الناس معه على بساطٍ من ريح، وتعبير القرآن جميل يقول: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] أي: أنها إذا أرادت أن تهوي به فلا تهوي مرةً واحدةً فيتكسر، بل تهوي بالتدريج حتى تنزله كما تفعل الطائرة في مدرجات المطار: رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ [ص:36] قال أهل العلم: بانبساطٍ متدرج حتى يصل، قال: فلما التفت الفلاح قال: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، ولم يكن يعلم أن قوله: (سبحان الله) أعظم من ملك آل داود، فسمعها سليمان عليه السلام؛ لأنها اخترقت الحجب لتصعد إلى رب العالمين: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر:10]. قال للبساط: اهبط هنا فهبطت الريح، قال للفلاح: ماذا قلت؟! قال: رأيتك فقلت: سبحان الله! لقد أوتي آل داود ملكاً عظيماً، قال: والذي نفسي بيده، لقولك: (سبحان الله) خيرٌ مما أوتي آل داود.

    هذه الكلمة وحدها خيرٌ من ملك الدنيا وما عليها، ويقول سبحانه: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [النور:35] تعبيرٌ عجيب! وهنا أضواء دنيوية لكنها تضمحل أمام نور الله.

    فأنت شمس والملوك كواكب      إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

    إذا أتى نور الله بطل كل نور: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35]. ولا يهدي الله لنوره إلا من يشاء، ومن يحب، وفي حديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من يحب) فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، ومن هداه الله فقد أحبه، أما الدنيا فأمرها سهل، يعطيها الله الكافر الوثني في أفريقيا، والملحد الأحمر في روسيا والنصراني الأشقر في أمريكا، والصيني الأصفر في بكين، فكلهم سواء، أما الهداية فلا يعطيها الله إلا لصنفٍ من الناس: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].

    1.   

    الدعوة عامة والهداية خاصة

    كان هذا القرآن دعوة لكل من في الأرض، ولكن المهتدين قليل، يقول سبحانه: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25] فالدعوة عامة لكل مخلوق، لكن الهداية خاصة، قال تعالى: وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس:25] صراطاً مستقيماً غير ذي عوج، فلا يهدي الله عز وجل إلا من شاء سُبحَانَهُ وَتَعَالى ومن أحب، وما كل من دعي سوف يهتدي، لكننا نقيم الحجة على الناس، ونسمعهم كلام رب الناس، ونخبرهم بسنة سيد الناس عليه الصلاة والسلام كما أمر الله بنيه فقال: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [يونس:108].. وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46].

    1.   

    الهداية قسمان

    والهداية نوعان:

    هداية توفيق لا يملكها إلا الله، وهداية دلالة للرسول عليه الصلاة والسلام، ودليل الأول قوله سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [السجدة:13] لو شاء الله، لهدى المعمورة، ولو شاء الله لأدخل الناس الإسلام، ولو شاء الله ما بقي كافرٌ على وجه الأرض، ويقول سبحانه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص:56].

    حرص محمد عليه الصلاة والسلام على قرابته، وعلى أعمامه وعلى أبناء عمومته، زارهم في البيوت.. حاول.. بكى.. سالت الدموع على خده ليهتدوا حتى ينجوا من النار.. لكنهم رفضوا!!

    بينما جاء سلمان من أرض فارس وبلال من الحبشة وصهيب من أرض الروم، أتوا كلهم يقولون: لبيك اللهم لبيك!! وأبو طالب عند الركن لا يهتدي وأبو جهل عند المسعى والحطيم وزمزم لا يعرف الله!!: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] أنت لا تملك الهداية: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59] عنده مفاتيح القلوب، وهو يفتح على من يشاء، متى شاء.

    بعض الصالحين عنده ابن مثل الشيطان، وبعض الفجرة عنده ابن كأنه حمزة، أو سعد بن معاذ، أو طلحة، أو الزبير قال تعالى: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]. هذه هداية التوفيق لا يملكها إلا الله، أما هداية الإرشاد، وهداية الدلالة، فهي للرسول عليه الصلاة والسلام:

    إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا     كفى بالمطايا طيب ذكراكَ حاديا

    وإني لأستغشي وما بي غشوة     لعل خيالاً منك يلقى خياليا

    وأخرج من بين البيوت لعلني     أحدث عنك النفس بالسر خاليا

    أجتمع بالناس لكنني لا أجد لكلام الناس طعماً مثل طعم كلامك، عند البخاري ومسلم، وأجلس مع الزعماء، لكنني لا أجد زعيماً مثلك، وأسمع كلام العلماء، لكنني لا أسمع كلاماً ككلامك.

    وأخرج من بين البيوت لعلني      أحدث عنك النفس بالسر خاليا

    يقول الله عن هدايته صلى الله عليه وسلم: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ليس كمثله صراط..!! لا صراط الشيوعية، ولا صراط العلمانية، ولا صراط اليهودية، ولا صراط النصرانية، ولا الماسونية وصراطه صلى الله عليه وسلم أشد ضياءً من الضحى.

    1.   

    انفراد الله تعالى بالهداية

    واختص سبحانه وتعالى بالهداية، لا يملك أحد أن يهدي أحداً، وهذا أمر معلوم؛ فبعض الناس لو استمع ألف محاضرة ما اهتدى، وبعض الناس يسمع القرآن من أوله إلى آخره، ولا يغير في حياته مثقال ذرة، وبعض الناس لو انتطحت الجبال بين عينيه فلن يهتدي، بل دفن بعضهم أبناءه بيده في القبر، وسمع ذكراً للموت، وآتاه الله من الوعظ ما الله به عليم، ومع ذلك يترك الصلاة..!!

    يقول سبحانه: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس:35] أسلوب عجيب، إنني أقف عاجزاً أمام هذه الآيات، فقد فسدت لغتنا فلا نتذوق القرآن.

    قبل ليالٍ اهتز الحرم كما سمعتم بسورة يوسف والإمام يقرؤها، ووالله إن القلب يشهد أنه لا يستطيع أحد من الناس أن يأتي بمثل هذا القرآن، يكفي الملاحدة أن يسمعوا هذا القرآن ثم يحكموا بعقولهم، هل يستطيع أحد من البلغاء أن يقول مثل هذا القرآن؟! فإمام الحرم لم يتمالك شعوره فانفجر في الحرم باكياً، عند قول يوسف لإخوته: قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف:92].

    يقول تعالى: أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [يونس:35] أتهديكم هذه الأصنام والزعماء والآلات والجهات التي تنتسبون إليها ولا تنتسبون إلى الله أتهديكم هي؟! هي تحتاج إلى من يهديها، فكيف أنتم تستهدون بها..؟! أعمى ويقودك!! أعمى يقود عمياناً!! أصم يدل الناس بالسماع على السماع وهو لا يسمع!! مالكم؟! مالكم كيف تحكمون؟!! أفمن يهدي إلى الحق وهو الله سبحانه أحق أن يتبع وكذلك محمد عليه الصلاة والسلام.

    أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى [يونس:35]. بحاجة إلى أن يهدى وما هدي أصلاً، ويقول سبحانه: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ [الإسراء:97] الحقيقة أن من هداه الله فهو المهتدي، أما غيرُ من لم يهده الله فلو لبس كل اللباسات وادعى الدعاوي ورفع اللافتات فليس بمهتد لا توجد دعوى في الدنيا إلا أثبتت الدعايات أنها ممحوقة، فهذا لينين أتى وقال: من أجل الكادحين -والكادحون هم العمال- وأتى إستالين بذلك، وأتوا بالانفتاح، وقالوا: "نحن أتينا لنصرة حقوق البشر، وأتينا لرفع الإنسان، وأتينا لإصلاح حال الشعب، ولإغناء الفقراء، ولضم الشتات، والديمقراطية، وغيرها من هذه العبارات، والله يثبت أنهم ضلال وأنهم ولو ما ادعوا في الظاهر فإنهم ليسوا مهتدين، من يهد الله فهو المهتدي، أما غيره فليس بمهتد، ويقول سبحانه: قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ [آل عمران:73].. إذا فاخروك فقل: إن الهدى هدى الله.

    1.   

    الهداية لصاحبها

    يظن العبد إذا اهتدى أنه زاد من الإحسان لله، وفي الحديث الصحيح عند مسلم: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً) والله الذي لا إله إلا هو، لو كان سكان الأرض كلهم على إيمان أبي بكر ما زاد في ملك الله ذرة، وما نفع الله ذلك، والله الذي لا إله إلا هو لو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص عند ذلك من ملك الله شيئاً، قال سبحانه: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ [الإسراء:15] أنت تنفع نفسك وتنقذها حين تؤدي ما افترض الله عليك، يقول ابن القيم: لله الفضل والمنة، يعطيك الإيمان، ويعطيك الحياة، ثم يتوب عليك، فتكون المنة لله ليست لك.

    أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام أعراب من بني أسد، قالوا: يا محمد! اشكرنا، قال: على ماذا؟ قالوا: أسلم العرب كلهم بالسيف وأما نحن فأسلمنا بلا قتال، فسكت عليه الصلاة والسلام، وما أحب أن يجرح مشاعرهم، مع أنهم دخلوا واهتدوا على يده صلى الله عليه وسلم ثم يقول قائلهم: احمد الله.. احمد ربك أنني اهتديت على يديك!!، فهذا غير صحيح، ومثلهم كمثل إنسان تهديه تمراً أو رطباً، فيقول: احمد الله أني أخذت هديتك، احمد الله أني قبلت مالك. فسكت عليه الصلاة والسلام، فأنزل الله: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17].

    المنة لله. الفضل لله.. والعطاء لله.. أتمن على الله وهو قد هداك؟! قال تعالى: مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا [الإسراء:15].

    1.   

    الهداية والمخاوف

    هل الهداية سبب للمخاوف؟ هل يمكن أن تكون هدايتك سبيلاً للخوف، وسبباً لأن تعلق به التهم وأن تكون متزمتاً في نظر الناس كان وهو فاجر وفاسق عبداً للأغنية، وعبداً للسيجارة والبلوت، وكان في أمنٍ، وكان حسن الخلق، فلما استقام وقصر ثوبه واهتدى وسجد لله وأعفى لحيته وأحب الله ورسوله أصبح متزمتاً ومتطرفاً في نظركم، فما لكم كيف تحكمون؟!! إن هذا القول يشبه ما قاله أبو جهل وأمثاله: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا [القصص:57] لا إله إلا الله حجة واهية يضحك الإنسان منها، يقول أبو جهل وأبو لهب: نحن لو اتبعناك تخطفنا من أرضنا وأهلكتنا العرب، وأصبحنا حرباً للناس، فاسمع الرد العجيب: وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ [القصص:57].

    نحن أمناهم في الجاهلية فكيف في الإسلام؟! نحن طردنا عنهم أبرهة الأشرم وسلطنا عليه طيراً أبابيل في وادي محسر مع فيله وجيشه، وعاد خاسئاً حقيراً!! نحن حاربنا جيوش العالم من أجل الحرم، فلما أتيت أنت بلا إله إلا الله، قالوا: نخاف إذا اتبعناك أن نتخطف، ما تخطفوا في الجاهلية، فكيف في الإسلام؟! وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ [القصص:57]. وما حول الحرم جبال سود لا حدائق ولا بساتين ولا مزارع ولا أنهار ولا أشجار ولا أزهار ولا ورود، حتى إبراهيم عليه السلام لما ترك زوجته وولده، التفت وإذا الصخور وهي سوداء مثل الليل، والحرارة متوهجة، لا ماء ولا شجر، ولا مدر فالتفت فرفع يديه، وقال: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].

    الآن ألوف مؤلفة في الحرم ما اشتكى أحدٌ منهم أنه ما وجد رطباً في السوق، أو تفاحاً أو برتقالاً أو موزاً، الأرزاق تأتي من كل أنحاء الأرض، تأتي من المشرق والمغرب ومن أوروبا وأمريكا ومن كل بلاد العالم طازجةً وجاهزةً ومثلجة وحارةً وباردة؛ لأن إبراهيم دعا!! يا خسارة على هذه العقول..! ويا خسارة على هذا الأبصار..!! يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا [القصص:57].

    1.   

    الهداية بالوحي

    إن الهداية ليست بالذكاء، وليست بأساليب أخرى، إنما الهداية بالوحي، قال سبحانه: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة:24] يهدون بكتابنا وسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، فيا من رشح نفسه ليكون داعية؟! ويا من فكر أن يدعو نفسه إلى الله أو بيته، وسيلتك الوحي: القرآن والسنة.

    لقد جرب كثير من مؤثرات الدعوة كالإعلام والدعاية والتشهير والصياح والقصص الموضوعة، لكنها كلها تنتهي، يمكن أن يبكي الناس وهم جلوس لكنهم يخرجون من المسجد فينسوها، وما وجد أشد تأثيراً من القرآن والسنة الصحيحة الثابتة: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

    فالهداية تكون بالوحي: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:1-4].

    قد شربنا من كئوس الوحي حقاً واهتدينا     ورسول الله قاد الركب تحدوه خطاه

    والذي لا يشرب من ماء الوحي سوف يبقى ظمآناً إلى أن يرد النار، ولن يجد ما يرويه ولا يشرب من الكوثر ولا من الحوض المورود، لأنه لم يشرب شربة من الوحي، فلن يشرب شربةً من حوضه صلى الله عليه وسلم لا يظمأ بعدها أبداً.

    1.   

    الهداية هي السعادة

    السعادة الحقيقية: هي الهداية، انظر إلى أحوال الناس، كثير من الناس عنده قصورٌ كثيرة، وعنده من المال ما يمكن أن يطعم به ألوفاً مؤلفة من الناس ويعيشهم ويسكنهم، لكنه في اضطراب معقود الجبين، على جبينه مكتوبٌ عليه لا سعادة، يوشك أن يأخذ السكين وينحر نفسه، نقول له: مالك؟! عندك المال والمنصب وكل شيء؟! قال: ما رأيت السعادة، الله يجيب على هذا التساؤل فيقول: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:123-126] أتاك رسول الله عليه الصلاة والسلام وآتاك القرآن، والإيمان، وأتتك الرسالة، وأتتك لا إله إلا الله، فأعرضت عنها، لم يكن لها قدرٌ عندك في حياتك ولا ميزان، ولا أصالة، ولا اهتمام، ووالله إنا نعلم أن من الناس اليوم من يعيش ويجعل الدين في آخر اهتماماته، حتى وقت الصلاة، وتأدية الصلاة، والقيام إلى الصلاة، في آخر جدوله اليومي ثم يصلي صلاةً باردةً ميتةً سقيمةً مريضة، ويقول: أين السعادة..؟؟!!

    نحن جربنا دينكم ما وجدنا السعادة، نقول: لو حملت الدين ذقت الدين، كما ذاقه الصالحون، عرفت طعم السعادة، وما شقيت بعدها أبداً، بإذن الله.

    1.   

    الهداية المطلقة

    الله له هداية مطلقة، وهدايةٌ خاصة؛ الهداية المطلقة: يدخل فيها العجماوات والحيوانات والبهائم، يقول سبحانه: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الإنسان:3] وهذه لكل مخلوق: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الإنسان:1-3].

    وفرعون يقول لموسى: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] اسمع إلى الجواب الصارم، يقول الزمخشري صاحب الكشاف: "لله دره من جواب أسكته..!! أسكت الخبيث الغبي، إسكاتاً ما بعده اسكات: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى [طه:49] لو قال موسى: ربنا الله، لقال فرعون: أنا الله، ولو قال: ربنا المالك، قال: أنا المالك، لكن الجواب كان مفحماً: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، كل شيء أعطاه خلقه ثم هداه هدايةً مطلقة إلى أسباب المعايش.

    النملة هداها الله.. من هدى النملة؟! من علم النملة أن تأتي في الصيف فتكتنز للشتاء، عند النملة مخازن ومستودعات، قسم المستودعات لا يصرف منه إلا في الشتاء؛ ومن شك منكم فليبحث في جحر نملة، وهذا مثبت بالعلم التجريبي، وهناك قسم للاستهلاك المحلي اليومي، وقسم العاملات، وقسم الملكة لها مكتبٌ خاص، تجتمع في دورات سنوية بالعاملات والشغالات، هل هذا من هدي النملة من نفسها؟ لا والله، هل عند النملة دماغ تفكر في هذا المستوى؟! إن الله هو الذي هداها وإلا فهي ما تملك شيئاً.

    اسمحوا لي غفر الله لكم أن أورد قصةً أوردها ابن القيم في مفتاح دار السعادة يقول: ذكر أحد الصالحين أن نملةً من النمل خرجت من جحرها، والنمل يسلك طريقاً عابراً ويتخذه ويفتحه ويعبده ويزفلته، ثم لا يأخذ طريقاً آخر، وأنت انظر إليه، والنمل إذا كان هناك ماء قليل، بمستوى النملة صنع النمل جسراً من أفراده ثم يمشي بقية النمل عليه، واسألوا الواقع وانظروا.

    قال ابن القيم: فخرجت نملة تبحث عن رزقها من الشغالات، لأن هناك ملكة لا تخرج أبداً، وهناك عاملات تبني بيوتاً وتخزن وترصد الحبوب والقمح، وهناك شغالات تحمل الطعام، فخرجت الشغالة فوجدت رجل جرادة؛ رجل الجرادة أكبر من النملة، فحاولت أن تسحبها يميناً أو يساراً فما استطاعت، فذهبت إلى النمل فأخبرتهم؛ وبينهم لغة خاصة؛ ولغة الحيوان مثبتة.

    وهذا الروسيسخروف الذي توفي قبل شهرين اكتشف في مذكرات له أن للنبات لغات خاصة، وكاد أن يسلم هو، لكنها حكمة الله عز وجل. يقول: للنباتات نبراتٌ خاصة من الصوتيات، والورد بينه صوتٌ خاص، والنخل صوتٌ خاص -قدرة الباري سُبحَانَهُ وَتَعَالى- فالحيوان بقدرة الله عز وجل له لغة خاصة: عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16] خرجت هذه النملة فاصطدمت برجل الجرادة فما استطاعت أن تحملها فأتت إلى شغالات أخرى، فأتت الشغالات معها فأتى الرجل الصالح فرفع رجل الجرادة، فأتوا فما وجدوا في المكان شيئاً، فلما رجع النمل أنزل الرجل الصالح رجل الجرادة، فأتت تسحبها فرجعت إلى الشغالات فأخبرتهم فأتى النمل فرفع الرجل رجل الجرادة فلم يجد النمل شيئاً فرجعوا ثالث مرة، فرفع الرجل، فقال النمل: قد كذبت، قال: فطوقوها ثم مزقوها قطعةً قطعة.

    عودوا إلى مفتاح دار السعادة، واسألوا ابن القيم في ذلك، واسألوا أهل الكتب العلمية مثل: الطب محراب الإيمان، أو كتب الأمريكان، الله يتجلى في عصر العلم واسألوا كتاب الإنسان لا يقوم وحده لـكريسي موريسون وكتاب الإنسان ذلك المجهول لـألكسيس كارل فهذه حقائق شهد بها الكافر وهو كافر، فكيف بالمؤمن؟!

    قال سبحانه: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10] يمتن على الإنسان بالهداية وهذه هداية مطلقة، يقول: بينا له طريق الخير من الشر، التمر والجمر، دللناه على طريق الجنة وطريق النار، وقال سبحانه: الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى [طه:50] وقال سبحانه: وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى [الإنسان:3] وقال سبحانه: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:3] علمناه الطريق وأتينا بمحمد عليه الصلاة والسلام، وأنزلنا القرآن، وقلنا: هذه القبلة، وهذا الماء وهذا المسجد فتوضأ وصلِّ، وطريق الشر كذلك، وهذه الخمارة والبارة والعود والوتر والغناء والمجلة الخليعة وافعل ما شئت، أنت أبصر بنفسك، والطريق غداً:

    ستعلمُ في القيامة إن عُرضنا     غداً عند الإله من الملوم

    أما والله إن الظلم شؤمٌ      وما زال المسيء هو الظلوم

    إلى ديان يوم الدين نمضي      وعند الله تجتمع الخصوم

    : ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62].

    1.   

    من معالم الهداية

    من معالم الهداية: وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [النازعات:19] يقول موسى: لا تتكبر علينا يا فرعون لأني راعي غنم وأنت سلطان جبار، أنا أهديك، اسلك معي، امض معي. قال: أنت لا، تكبر وطغى وكفر، قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] قال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف:51]؟ فأجراه الله من فوق رأسه، دسه مع الضفدع في الطين حسب يناغي ويفاغر والطين مخدوشٌ في عنقه وهو يقول: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] فكان الجواب: الآن يا خسيس، آمن بالله؟! فيقول: وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى [النازعات:19].

    ومن معالم الهداية: قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ [السجدة:13] لله الحكمة، وقال سبحانه في الكفار: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:23] والخطاب إما للملائكة يقول: خذوهم إلى الجحيم، دلوهم الباب، افتحوا لهم أبواب جهنم، أو الخطاب إلى خزان النار، اهدوهم إلى صراط الجحيم، أما المؤمنون فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام قوله: (إن المؤمن أهدى ببيته في الجنة منه في الدنيا) لا إله إلا الله، أدنى أهل الخيم منزلة له عشرة أمثال الدنيا:

    أقلهم ملكاً من الدنيا ملك      وعشرة أمثالها من دون شك

    لكنما موضع سوطٍ فيها      خيرٌ من الدنيا وما عليها

    لكن من يهدي هذه الأمة إذا دخلت الجنة! (أبواب الجنة ثمانية: بين المصراع، والمصراع كما بين أيلة (القدس) إلى صنعاء، وليأتين عليه يومٌ وهو كظيظ من الزحام) فمن يهدي هؤلاء؟ قال: يمشي المؤمن في الجنة حتى يصل إلى منازله، من هدى المؤمن؟ الله سبحانه، أما الكافر فإنه يكب في النار كباً قال سُبحَانَهُ وَتَعَالى: فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ [الصافات:23] نعوذ بالله من الجحيم، أسأل الله لا يرينا وإياكم النار:

    إن الملوك إذا شابت عبيدهمُ     في رقهم أعتقوهم عتق أبرارِ

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً     قد شبت في الرق فاعتقني من النارِ

    ويقول سبحانه: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل:16] وهذه هداية يشترك فيها الناس، بهذه النجوم يهتدي بها الكافر والمسلم، ولكن نجم النجوم محمد عليه الصلاة والسلام، والذي لا يهتدي به سوف يضل ضلالاً بعيداً، وقال سبحانه عن فرعون -ففرعون واعظ، لكنه يدرس العقيدة الباطلة- يقول: وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29].

    كذب عدو الله، فإن سبيل رشاده النار..!!: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] وبعض الناس اليوم فيه نسبة من فرعون، تجد الذي يقود الشباب إلى الضلال، يقول: ما أدلك إلا على الخير، وأنا أريد لك ما أريد لنفسي، هؤلاء الدعاة لا تصاحبهم، هؤلاء المطاوعة احذر منهم، أنا لا أريد لك إلا ما أريد لنفسي، نقول له: شيخك وأستاذك فرعون يقول: وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:29] أتى بقومه وأدخلهم النار، وقال: هذا سبيل الرشاد.

    ومن معالم الهداية، قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [طه:79] يخبر الله عنه قال: وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى [طه:79].

    ومن معالمها: لما دخل موسى على فرعون، إن ترك السلام صعب، تدخل إلى نصراني تريد أن تدعوه إذا لم تقل صباح الخير أو good morning sir، وجئت تقول: أسلم يا عدو الله! أدعوك إلى طاعة الله، فذلك غير لائق.

    لكن الله أعطى موسى أدب الدعوة هو وهارون فقال: فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه:44] فلما دخل القصر، قال: إن سلمت على هذا المجرم كيف أسلم عليه؟!! وإن تركت السلام فذلك أمر عسير، فقال: والسلام على من اتبع الهدى، ففهمها ذلك فظن أنه هو ممن اتبع الهدى فجلس، قال: وكنياه في المجلس، قال: يا أبا مرة! أأدعوك؟! والقول اللين عند المفسرين أنه قال: إذا أسلمت أبقى الله لك ملكك وشبابك وصحتك، فأسلم تسلم، هذا القول اللين، هذه من معالم الهداية، ثم التدرج في الهداية، فالهداية لا تبدأ من أول يوم، فبعض الشباب يهتدي لشهر، ثم يقول: أنا قلبي قاسٍ، تقولون: الإيمان فيه هداية، وأنا ما زلت في وساوس، فنقول له: اصبر اصبر.

    يقول ابن تيمية: "ليست العبرة بنقص البدايات، لكن العبرة بكمال النهايات" اصبر قليلاً، تزود من القرآن، اذكر الله، وادع الله، واحضر مع المسلمين، واحضر المحاضرات والدروس، وسوف تهتدي إن شاء الله، قال سبحانه في التدرج: ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى [طه:122] اجتباه أولاً، وتاب عليه وهدى، تأتي الهداية تدريجياً مع الأيام، فالإسلام مثل النبتة تغرسها فلا تخرج غداً، هل رأيت رجلاً غرس نخلة وأتى يقطفها في النهار الثاني؟! لا، الإسلام يأتي مثل النخلة، يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ [إبراهيم:24].

    إن شجرة الإسلام تسقى بالتراويح وبالنوافل وبالتسبيح وبالقرآن وبالذكر وبالعبادة، فتنبت، وقد تأتيها أعاصير فتميل قليلاً، يأتيك ذنب فتستغفر وتتوب، ويأتيك فتور فتستغفر وتتوب، وتتفلت مع زملائك فتستغفر وتتوب، يأتيها ريح وشمس، لكن أصلها ثابت..!! ثم تصل إلى حال أن الأعاصير لا تستطيع لها، بعض الشجر عمره ألف سنة، ومهما نخر النمل ساقها فإنها تظل ثابتة، لكن لو مرت عليها بعوضة وهي في بداية نموها والنخلة مثل الإسلام، والإسلام مثل النخلة، هبطت بعوضة على نخلة، فأرادت أن تطير، فقالت البعوضة للنخلة: تمسكي أريد أن أطير، قالت النخلة: والله ما أحسست بك حين وقعت عليَّ، فكيف أحس بك حين تطيرين.

    ثابتاً على الحق لا يتزلزل أبداً فيصبح الشاب المؤمن المهتدي، ولذلك تجد بعض الناس لو سمع ألف أغنية فإن إيمانه مثل الجبال، ولو سمع ألف فتنة، ولو غمسته في موسكو أو في بكين فلا يتزلزل إيمانه، ولو قطع قطعة قطعة، وبعض الناس مزلزل وهو في أول الطريق..!!

    وقال سبحانه في التدرج: وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82] فتأتي الهداية تاجاً، والله يدعو المؤمنين إلى أن يطلبوا الهداية، ونسأل الله أن يثبتهم على الهداية: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] ربنا إن كثيراً من الناس ما صاموا وقد صمنا، وما سجدوا وقد سجدنا، وما قاموا وقد قمنا، نسألك الثبات على الإيمان، والثبات على الإسلام، والثبات على الرسالة الخالدة، حتى نلقاك وأنتَ راضٍ عنا.

    وذكر الله المتحسرين على الهداية فقال: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر:57] لكن هيهات، الآن تتحسر يوم العرض الأكبر؟! ويقول سبحانه عن موسى والبحر أمامه وفرعون خلفه، والموت أمام عينيه، وأصبح كما قال المتنبي لـسيف الدولة:

    وقفت فما في الموت شكٌ لواقفٍ     كأنك في جفن الردى وهو نائمُ

    تمرُ بك الأبطال كلمى هزيمة      ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ

    قال بنو إسرائيل: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] يقولون: إن الموت أدركنا فرعون عنده ستمائة ألف مسلح وراءهم، والبحر أمامهم، فيقول موسى عليه السلام والعصا بيده: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] يقول: أنا معي ربي جربتُ شرعته هداني في مناسبات، وأنقذني حتى في قصر فرعون وغلبت فرعون، وعند فرعون ستة وثلاثون ألف حارس بالسيوف وأنا وحدي ونصرني..!! ونصرني في الميدان! ونصرني يوم ألقيت العصا! ونصرني يوم كَادَني ذاك!! أما الآن فمعي ربي: قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] فأوحى الله إليه الضرب بالعصا، يقول ابن جرير الطبري في التاريخ: اضرب بعصاك البحر، فكان موسى متأخراً قليلاً، فقال لهارون عليه السلام: اضرب أنت، ظن موسى أن الأمر فيه سعة، هو أو هارون سواء، فضرب هارون فما تغير البحر، بل قال ابن جرير إن البحر يقول: من هذا الجبار الذي يضربني، فقال الله عز وجل لموسى: اضرب أنت..!!

    وإن تفق الأنام وأنت منهم      فإن المسك بعض دم الغزالِ

    فأخذ العصا وقال: بسم الله، فضرب فانفلق..!! هذا من الهداية.

    1.   

    شرح الصدر علامة للهداية

    1.   

    الهداية في السنة

    أختتم بها هذه المحاضرة التي أهديها بمناسبة هذا الشهر الكريم إلى من أعرض ونقول له: تب، وإلى من تاب نقول: استمر، وإلى من استمر نقول: واصل، وإلى من واصل نقول: اجعلها خاتمتك.

    يقول عليه الصلاة والسلام يوصي علياً: (قل اللهم اهدني وسددني) والحديث عند مسلم، وكان يقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن مسعود عند مسلم: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى) كلمات مباركات، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، وكان يقول عليه الصلاة والسلام: (واهدني إلى أحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت).

    وأختم بذاك الدعاء المشهور الذي أطلبُ منكم ومن نفسي أن نحفظه وأن نكرره في هذه الليالي المباركات، وهو في صحيح مسلم عن عائشة كما مر: (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) هذه هي الهداية. وهذه هي رسالة محمد عليه الصلاة والسلام.. هي معالم الخلود.. وهذه هي النجاة..

    اللهم تقبل منا واصرف عنا كل سوء، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.