إسلام ويب

كفى بالموت واعظاًللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإنسان في هذه الحياة الدنيا إما أن يكون غارقاً في شهواتها ولذاتها حتى تنسيه الدار الآخرة.

    وإما أن يجعل الدنيا دار ممر ويجعل همه الأكبر الدار الآخرة، ويجعل الموت وما بعده نصب عينيه.

    وهذه المادة تتناول أمراً عظيماً ومهولاً ألا وهو تذكر الموت وسكراته وخنقته، ويتخلل ذلك نتف من قصص الأنبياء والصالحين عند الموت وحالهم عند تذكره.

    1.   

    حال الناس عند سكرات الموت ودخول القبر

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومن واجب أهل الفضل علينا أن نشكر لهم فضلهم، ومن واجب أهل الإحسـان أن نشكر لهم إحسانهـم، فنشكر مدير هذه الثانوية بالغ الشكر، والأساتذة أيضاً، ونشكركم أيضاً لحسن استماعكم وتواضعكم لاستماع هذه الكلمات، ونسأل الله أن ينفع بها، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم.

    أمَّا بَعْد:

    فقد كانت هذه الكلمة ربما تدور حول الموت، وحدد موضوعها، وحينما أخبرت بهذا الموضوع تذكرت أبياتاً للشاب العالم الزاهد/ حافظ الحكمي - رحمه الله تعالى- في الموت، إذ يقول:

    والموت فاذكره وما وراءه      فمنه ما لأحدٍ براءه

    وإنه للفيصل الذي به      ينكشف الحال فلا يشتبه

    والقبر روضةٌ من الجنان     أو حفرةٌ من حفر النيران

    إن يك خيراً فالذي من بعده     أفضل عند ربنا لعبده

    وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ      ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ

    تالله لو علمت ما وراءك     لما ضحكت ولأكثرت بكاءك

    من هذا المنطلق، ومن هذه الذكرى يمر الإنسان في قافلة الموت، ويتذكر هذا المصير المحتوم، وهذه الساعة المقضاة من الله على ابن آدم، ساعة الموت التي يذل فيها الجبار، ويذعن فيها العاصي، ويعود فيها المتمرد، ويتوب فيها المذنب. ساعة الموت هذه الأليمة التي يمر بها الملك والمملوك، والرئيس والمرءوس، والغني والفقير.

    وكان من الجميل بنا أن نذكر بعض قصص المحتضرين وأخبارهم وأنبائهم علنا أن نتذكر هذا المصرع الذي لا يفوتنا أبداً، وسوف نمر به ولو طالت أعمارنا، ولو تمتعنا بالشباب والصحة، ولو زهدت لنا السيارات والعمارات، ولو سكنا في الشقق الفاخرة، ولو لبسنا الثياب الفاخرة الجميلة، ولو تمتعنا بالمطاعم، وجلسنا على الموائد، وتزاورنا وضحكنا كثيراً، إنها سوف تمر بنا هذه الساعة التي تنسي ما قبلها، والتي يتذكر فيها الإنسان حسابه مع الله، ماذا فعل، وماذا قدم؟

    ما عمل بتلك الساعات التي أفناها بالقيل والقال، واللهو واللعب، والجلوس الذي لا طائل من ورائه، ومرافقة أقران السوء، وأصحاب الانحراف الذين ما زادوه إلا ضلالاً وإعراضاً عن الله.

    تلك الساعة لا بد أن نحسب لها حسابها من الآن، ولا بد أن نقف معها وقفةً طويلةً جداً لنتذكر بماذا سوف نلقى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى في هذه الساعة؟

    وبماذا سوف نرد على الملكين؟

    وماذا سوف نقول إذا طرحنا في القبر وتلك الحفرة التي تعرفونها؟.

    التي يتجرد فيها الإنسان من كل شيء إلا من الأعمال الصالحة، فيتجرد من المنصب، فيدخل في قبره بلا منصب، وبدون: يا صاحب الفخامة! ويا صاحب المعالي! ويا صاحب السماحة! وإنما يدخل جثماناً في قطعٍ بيضاءٍ، فيوسد في هذه الحفرة، ويتولى عنه الناس.

    يدخل بلا سيارة، ولا إخوان أو خلان، وبلا زوجة أو صاحب أو قرين إلا الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ولو نجا أحد من الناس من ساعة الموت، لكان الجدير أن ينجو محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ولكنه والله ما نجا، فمر بها كما يمر بها الإنسان، ووقف معها كما يقف الإنسان، وهو أشرف الخلق على الله تبارك وتعالى، وهو أكرم الناس على رب الناس، لكنه تلقاها برحابة صدر، لأنه أحسن العمل مع الله.

    النبي صلى الله عليه وسلم يعالج سكرات الموت

    يروي البخاري ومسلم في صحيحيهما: أنه لما احتضر صلى الله عليه وسلم وضع خميصته -وهي قطعة قماش- على وجهه الشريف من شدة الكرب، وروحه تنتزع من بين جنبيه، وهو يقول: {لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات، اللهم أعني على سكرات الموت، اللهم خفف علي سكرات الموت، تقول عائشة: بأبي هو وأمي! والله إنه كان يضعهـا في الماء، فيبلها -أي: الخميصة- ثم يضعها على وجهه، ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت} ثم يقول صلى الله عليه وسلم وهو في السياق: {بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى، بل الرفيق الأعلى} قال الصحابة: إنما قال ذلك صلى الله عليه وسلم لأنه خيِّر بين أن يمد له في عمره، وأن ينسأ له في أجله، أو يلقى ربه، فقال: بل الرفيق الأعلى. أي: أريد اللقاء الآن، أريد الرحيل من هذه الدنيا الآن، أريد الموت في هذه الساعة، لأنه يعلم صلى الله عليه وسلم أنه مهما طال عمره، ومهما امتد أجله، فإنه سوف يلقى هذا المصرع، فمن الآن إذا كانت هذه الحياة نهايتها هذه النهاية، فبدون كلفة، وبدون مشقـة وهموم وغموم، الآن آخذهـا وأجرع كأس الموت، وأرتاح من هذه الحيـاة.

    وتوفي صلى الله عليه وسلم كما يتوفى الناس، ومات كما يموت بنو الإنسان، لكنه بقي ذكره أبد الآبدين؛ لأنه أحسن العمل مع الله، والإنسان يطمع في طول العمر، وامتداد الأجل، لأن بعض الناس يرى هذه الحياة متعة، سكنى، ومطعم، وملبس، وزواج، وترقي، ومناصب، فيرى أن هذه الحياة أحسن من الحياة الأخـرى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ [البقرة:86] أولئك الذين ضلت أعمالهم، أولئك الذين حبط مسعاهم، أولئك الذين خسروا الصفقة مع الله، يريدون هذه الحياة فحسب.

    موسى يصارع ملك الملك

    وقف موسى عليه السلام، فقال: يا رب! أريد عمراً طويلاً، قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: اختر ما شئت، وجاء ملك الموت -بلا شك وأنتم تعرفون ذلك في قصة صحيحة- فضربه موسى عليه السلام ففقأ عينه، فعاد ملك الموت إلى الله، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، ففقأ عيني، فرد الله عليه عينه، وعاد ملك الموت إلى موسى ليقبض روحه، قال: يا موسى! تمنى ما شئت من العمر، قال: ثم ماذا؟، قال: ثم تموت، قال: الآن إذن، فقبض روحه، ولذلك يقول أبو العتاهية:

    نح على نفسك يا مسكين إن كنت تنوح     لتموتن وإن عمرت ما عمر نوح

    فإذا كان هذا العمر، ولو عمر نوح، فلا بد من النهاية، ولا بد من المصير المحتوم.

    قصة أبي بكر ومعاوية عند الموت

    روى أهل السير أن أبا بكر رضي الله عنه وأرضاه لما احتضر، دخلت عليه ابنته عائشة، فسلمت عليه، وبكت طويلاً، ونظرت إليه وهو خليفة المسلمين، ورفيق الرسول صلى الله عليه وسلم في الغار، وصديق الإسلام يموت في ثوبين متواضعين مجرداً من الدنيا، لا يملك إلا بدنة، وبيتاً متواضعاً من طين وفراشاً واحداً، يموت وهو يملك العالم الإسلامي تحت إدارته وخلافته، فتشتد سكرات الموت عليه، فأنشدت عائشة بعض الأبيات وهي تعزيه في روحه رضي الله عنها، والتفت إليها، مؤنباً ومعارضاً لها بهذا الاستشهاد، كذب الشاعر وصدق الله: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] هذا الموقف ليس موقف قول شعر، وليس موقف محاضـرات، وليس موقف مرادات، بل هذا موقف قول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19].

    ما معنى تحيد؟ أي: تتصرف كلما أتاك المرض، ذهبت إلى المستشفى والعيادة، وعرضت نفسك على الطبيب علك تمتع، لكن إذا جاء الموت، انتهى كل شيء.

    ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] هذا ما كنـت منه تتصـرف، وتحاول أن تلـف وتعرض، ولكن الآن لا منجا وملجأ من الله إلا إليه، انتهى كل شيء.

    دخلوا على معاوية رضي الله عنه وأرضاه في الملك، وهو على سرير الموت، وهو في دمشق عاصمة الإسلام، فلما أتاه الموت، قال: أنزلوني على التراب، فقالوا: يا خليفة المسلمين! ويا أمير المؤمنين! نرى السرير أرفق لك، قال: أنزلوني لا أبا لكم، انتهى السرير، وانتهى الملك، فأنزلوه، فلما وضعوه في التراب كشف الفراش، ووضع خده، وبكى طويلاً على التراب، قال: صدق الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16] فنسي كل شيء، نسي جيشه وجنده، ونسي ملكه وقصوره، وما كان يعد، وانتهى الأمر إلى هذا الموقف، وهذا المصير المحتوم.

    وأنتم تعرفون أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي الآخر، لما حضرته الوفاة، بكى طويلاً، وقال: يا ويلتاه! ما أغنى عني ماليه، هلك عني سلطانيه، يا ليتني كنت راعي غنم، يا ليتني كنت زبالاً، يا ليتني كنت غسالاً، فبكى الناس حوله من كلامه هذا، فلما بلغ كلامه سعيد بن المسيب رحمه الله -عالم المسلمين- قال: [[الحمد لله الذي جعلهم يفرون إلينا وقت الموت، ولا نفر إليهم]] لأنهم لا يستيقظون إلا وقت الموت، ولا يتنبهون إلا في هذه الساعة، وإذا الأمر خرج من أيديهم، وإذا العمر ليس معهم، فيفيقون ويتذكرون، فإذا ما بأيديهم حيلة.

    ولذلك الذكي كل الذكي الذي يعد لهذه الساعة، ولا يغتر بالشباب والصحة، لا تقل: إني شاب وسوف أتخرج، وسوف أحضر بعض الرسائل، وسوف آخذ بعض المناصب، ثم أستعد للموت، فإن هذا هو الغباء كل الغباء، وهذه البلادة كل البلادة، ومن أعطاك عهداً من الله أنك سوف تستمر في هذا العمر؟ ومن أعطاك من الله خبراً ميقناً أنك سوف تعيش حتى تتخرج؟ لا والله. إن الموت معك، وإن ملك الموت ليصاحبك، ولكن يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [الرعد:11] أي: إن الموت معك، لكن المعقبات تحفظك حتى يأتي أمر الله، فإذا أتى أمر الله، تولى عنك هذان الملكان الحافظـان، فقد يأتي أجلك وأنت في الطيارة في الجو، أو في السيارة، أو وأنت على كرسي الدراسة تستمع، وكلك آذان صاغية لما يقول الأستاذ، وإذا بك تفاجأ وأنت تنتقل إلى الدار الآخرة.

    عمر ومعاذ عند الموت

    فهذا عمر رضي الله عنه وأرضاه - وأنتم تعرفون من عمر - الذي قضى حياته كلها في الجهاد وقيام الليل والصلاة والذكر والزهد, والعدل رضي الله عنه وأرضاه, خرج على المسلمين يوم الجمعة، فصلى بهم، ثم بكى في الخطبة بكاءً عظيماً، ثم قال: [[أيها الناس! إني رأيت في منامي أن ديكاً رومياً ينقرني ثلاث نقرات، وقد عرضت هذه الرؤيا على أسماء بنت عميس -زوجة جعفر - فأخبرتني أن رجلاً من الموالي سوف يطعنني ثلاث طعنات، فإذا أنا طعنت، فالله خليفتي عليكـم، وأوصيكم بتقوى الله، وأستودعكم الله الذي لا تضيع ودائـعه]] ونزل رضي الله عنه وأرضاه من تلك الجمعة، وعاد في فجر يوم السبت ليصلي بالناس، وكان من هديه رضي الله عنه وأرضاه أن يقرأ سورة يوسف، وابتدأ فيها حتى بلغ قوله تعالى حكايةً عن يعقوب: وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [يوسف:84] فضج بالبكاء رضي الله عنه وأرضاه، وقطع صوته في القراءة، وبكى الناس خلفه، ولما ركع، تقدم إليه ذاك المارد الفاجر أبو لؤلؤة المجوسي بخنجره الذي يحمل حدين مسمومين وطعنه ثلاث طعنات، ولما طعن، قال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم هوى صريعاً في المحراب، شهيداً في سبيل الله تبارك وتعالى، وجاء عبد الرحمن بن عوف، فأكمل الركعة الثانية رضي الله عنه وأرضاه وصوته يقطعه البكاء، لأنه علم أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قد انتهى من الحياة، وفر أبو لؤلؤة يطعن الناس يمنةً ويسرةً حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً مات منهم سبعة، وبقي ستة جرحى.

    وبعد ذلك حمل الناس عمر رضي الله عنه وأرضاه ودماؤه الطاهرة تنسكب على مناكبهم وتنهمر على أكتافهم، وهم يأخذونه إلى بيته رضي الله عنه وأرضاه، يعزونه في نفسه، وقد انتهى من الحياة، ولما وضعوه على فراشه وسريره في بيته، تقدم الصحابة يعزونه - اسمع إلى التعازي، اسمع إلى الكلمات الصادقة، وإلى حرارة الإيمان في تعازي الصحابة بعضهم لبعض- يتقدم ابن العباس رضي الله عنه وأرضاه، فيقول: [[السلام عليك يا أمير المؤمنين! فيقاطعه عمر، ويقول: لست للمؤمنين بأمير، إنني أصبحت من أهل الدار الآخرة اليوم، فيقول: السلام عليك يا أبا حفص! والله لقد أسلمت فكان إسلامك نصراً لله ولرسوله وللمؤمنين، وهاجرت فكانت هجرتك فتحاً، وتوليت فكانت ولايتك عدلاً، فبكى عمر رضي الله عنه وأرضاه من هذه الكلمات، وقال: إليك عني ياابن عباس! والله لوددت أني أنجو من هذه الدنيا كفافاً لا لي ولا علي]] فانحرف ابن عباس يبكي رضي الله عنه وأرضاه.

    ثم تقدم علي بن أبي طالب عليه رضوان الله، فقال: { السلام عليك يا أبا حفص! والله لقد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياتـه يقول: جئـت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر، فأسأل الله عز وجل أن يحشرك مع صاحبيك} فبكى وكأنه ارتاح لهذه الكلمة.

    ثم قال للناس: أيها الناس! أستودعكم الله وأوصيكم بتقوى الله، وقال وهو في السياق: إني ما أكملت الفجر الصلاة الصلاة، وعيونه تترقرق بالدموع، وأُتي له بلبن فشرب، فخرج اللبن من كبده ومع دمه رضي الله عنه وأرضاه، فقام وأكمل الركعة، وهو يومئ إيماءً، وفي تلك الساعة الحرجة التي ينسى الحبيب حبيبه، والخليل خليله، وينسى الإنسان كل شيء إلا هذه الساعة؛ يتقدم إليه شاب وهذا الشاب مطيل لثوبه يجر إزاره في الأرض، فسلـم على عمر رضي الله عنه وأرضاه وقبل رأسه، وقال: أستودعك الله يا أمير المؤمنين! أحسن الله عزاءك في نفسك، فقال عمر: [[يا ابن أخي! ارفع إزارك -يوصيه برفع الإزار وتقصير الثوب في تلك الساعة- يقول: ارفع إزارك فإنه أتقـى لربك، وأنقى لثوبـك، فيقول: جزاك الله عن الإسلام والمسلمين خير الجـزاء، فيقول عمر: بل جزى الله الإسلام عني خير الجزاء]] ثم ينتقل إلى الدار الآخرة.

    هؤلاء الأعلام لا بد أن نجلس معهم ساعات، ونخلو معهم سويعات ولحظات، ونعطيهم الوقت الغالي من أعمارنا لنعيش معهم؛ لأن الذي يبقى مع الرثاة، ومع الناس الذين نجاورهم ونعيش معهم -ونحن مثلهم- سوف يبقى خامداً هامداً لا يتذكر الموت أبداً، ولا يستعد ولا تتغير حياته، ولا ينقلب له منقلب، ولا يحسن العمل، لأنه يظن أن هذه الحياة أكل وشرب، وأنها جلوس وزيارة، وأنها شهادة ومنصب، وأنها مال وولد، وهذا مغرور والله.

    فهذا معاذ -وأنتم تعرفون معاذ بن جبل رضي الله عنه وأرضاه- أتته سكرات الموت مع الفجر، فقال: [[اللهم إني أعوذ بك من صبيحة يوم إلى النار، اللهم إنك تعلم أني لم أحب الحياة لغرس الأشجار، ولا لجري الأنهار، ولا لعمارة الدور، ولا لبناية القصور -لكن لماذا تحب الحياة إذاً- قال: لكني والله كنت أحب الحياة لثلاثة خصال: لصيام الهواجر -أي: صيام الأيام الحارة التي تشتد فيها الحرارة- ولقيام الليل -لله دره من عابد وعالم! ما أنبله! وما أحسنه! وما أجمله! حينما عرف الحياة ثم يقول- ولمزاحمة العلماء بالركب في حلق الذكر]] أما غيرهـا فما كنت أحب الحياة بأمر سوى هذه الثلاث، أما نحن لو سئلنـا، لقلنا: كنا نحب الحياة لنزور فلان وعلان، ولنركب السيارة الفاخرة، ونسكن في الشقة الوفيرة، ولنتمتع بالمطاعم والملابس، ولنتقلد المناصب ونجمع الأموال، ولنعتز بالأولاد.

    هذه حياتنا التي لا تفرق عن حياة البهائم إلا في أننا ننطق ونعرف ونتكلم، لذلك وجب علينا أن نعود إلى السلف لندرس حقيقة الموت، وفلسفة الموت مع السلف الصالح، كيف استعدوا للموت؟ وكيف عاشوا معه؟.

    عمرو بن العاص وسفيان الثوري عند الموت

    روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وأرضاه قال: حضرته الوفاة في مصر، وكان والياً على مصر، وفاتح مصر، ومعلم أهل مصر وهو أرطبون العرب، وداهية الإسلام، الذي دوخ ملوك الكفر حتى دخلوا في هذا الدين.

    حضرته الوفاة، فإذا هو متجرد من دهائه وذكائه، وإذا هو متجرد من منصبه وأمواله وأولاده، ذهب المنصب والمال والأولاد، وإذا هو متجرد من كل شيء إلا من العمـل، وكان معه أناس من وزرائه وأولاده وأصحابـه، فحول وجهه إلى الحائط وبكى بكـاءً طويلاً، فجاء ابنه عبد الله بن عمرو الزاهد العابد، فقال: يا أبتاه! ما لك تبكي -وأراد أن يحسن ظنه بالله عز وجل- يا أبتاه! أما صحبت الرسول صلى الله عليه وسلم، أما ولاك غزوة ذات السلاسل؟ أما مدحك؟ أما صحبت أبا بكر وعمر؟ أما فتحت مصر؟ أما جاهدت؟ أما فعلت؟

    فلما طال كلام ابنه عبد الله، وطال بكاء عمرو، التفت عمرو إلى الناس، فقال: أيها الناس! إني عشت حياتي على طباق ثلاث -وسوف أعرضها لكم، وهو في سكرات الموت، يتكلم عن سجل حياته ويعيد لهم التاريخ مرة ثانية من يوم ولد إلى أن يلقى الله في هذه الساعة. اسمع إلى أنبائه وأخباره- يقول: [[إني عشت حياتي على ثلاث طباق كنت في الجاهلية لا أعرف الإسلام، وكان أبغض الناس إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو تمكنت منه لقتلته غيلة، ولو مت على تلك الحالة لكنت من أهل النـار، ثم رزقني الله الإسلام، فهاجرت من مكة إلى المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجده، فلما رآني، هش وبش في وجهي بأبي هو وأمي واستقبلني، وقال: حيهلا يا عمرو! قال: فصحبته وأحسنت صحبته، ووالله ما كنت أملأ نظري منه صلى الله عليه وسلم حياءً منه، والله لو سألتموني الآن أن أصفه لكم- أي: أصف رسول الله صلى الله عليه وسلم- لما استطعت، فيا ليتني مت على تلك الحالة، ولو مت على تلك الحالـة، لرجوت أن أكون من أهل الجنـة، ثم تخلفت بعـده صلى الله عليه وسلم فلعبت بي الدنيا ظهراً لبطـن، فوالله ما أدري هل يؤمر بي إلى الجنة فأنا من السعداء، أو يؤمر بي إلى النار فأنا من الأشقياء، لكن ليس معي من العمل إلا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قبض يده على لا إله إلا الله، قال ابنه عبد الله: فأتينا لنغسله، وفتحنا أصابعه، فما استطعنا أن نفتحها وبقيت مضمومة، قال: فأدخلناه في كفنه وأصابعه مضمومة وأدخلناه في قبره وأصابعه مضمومة رضي الله عنه وأرضاه]].

    فالعدة كل العدة أن تستعد لهذا المصرع، والحزم كل الحزم أن تحفظ وقتك، وأن تستعد بعمل صالح لهذا المصرع، والذكاء كل الذكاء أن تحفظ هذه السويعات التي تمر بك مرَّ الرياح، أو البرق الخاطف أن تستغلها فيما يقربك من الله.

    الله الله لا يغتر الإنسان بشبابه وفراغه وصحته، فإن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إذا أخذ؛ فإنه يأخذ أخذ عزيز مقتدر، وأنتم رأيتموهم ورأيناهم، شباب مترفون أقوياء مصطحون منعمون أهل أموال وثروة خرجوا من بيوت أهلهم، وما ودعوا أمهاتهم، ولا آباءهم، وعادوا أمواتاً وجثثاً هامدةً حتى ما استطاعوا أن يقولوا: السلام عليكم أيها الأهل والجيران، وإلى اللقاء، ما استطاعوا أن يقولوا: وداعاً وعادوا وقد انتهوا من هذه الحياة.

    فالله الله لا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور! أعدوا ما استطعتم من العمل الصالح، فهذه الدقائق تقول لك: إن الموت قد حصل.

    دقات قلب المرء قائلةً له      إن الحياة دقائق وثوان

    وكان سفيان الثوري رحمه الله إذا جلس مع الناس، يجلس قليلاً، وهو يسبح، ثم ينتفض، وإذا هو واقـف، فيقولون له: ما لك يا أبا سعيد؟

    قال: والله ذكرت الموت.

    وإذا أردتم ترجمة سفيان فعليكم بـ" حلية الأولياء " لـأبي نعيم، اقرءوا كيف كانوا، وكيف كانوا يتذكرون الموت، وكيف يعدون له، كان يتذكر الموت وهو في مجلس الحديث، فيقطع التحديث، والفتوى، والموعظة، ويبكي حتى يقولون: كأنه يصرع من البكاء، ثم يقول بأبيات الصلتان السعدي:

    أشاب الصغير وأفنى الكبير      كرُّ الغداة ومرُّ العشي

    إذا ليلةٌ حرمت يومها     أتى بعد ذلك يومٌ فتي

    نروح ونغدو لحاجاتنا     وحاجة من عاش لا تنقضي

    تموت مع المرء حاجاته     وتبقى له حاجةً ما بقي

    يسألونه ويقولون: يا أبا سعيد! ما حكم كذا وكذا؟ فيقول: والله! ما أدري ماذا تقول أيها السائل، قال: كيف لا تدري وأنا أتكلم بالعربية؟ قال: والله! لقد أنساني الموت كل شيء. ولذلك يقول الذهبي: كان سبب موت سفيان الثوري أنه ذكر الموت فتفتت كبده حتى عرض ماؤه على الطبيب، قال: هذا الرجل لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام.

    فهذا رجل فتت ذكر الموت كبده، قرأ سورة "ألهاكم التكاثر" بعد صلاة العشاء، فبقي يرددها ويبكي حتى الصباح، كان يبكي أهله وجيرانه من بكائه رضي الله عنه وأرضاه، لأنه علم علم اليقين.

    يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ [التكاثر:5] لأن علمنا الآن في الآخرة علم ظني ليس علم يقين، ندري أنا سوف نموت، وندفن الأجداد والآباء والأمهات والإخوان، لكنه علم ظني وعلم نظري، ما تعمق في قلوبنا، وإلا لو تعمق في قلوبنا لكنا أقبلنـا على الله، وتجردنا إلى الله وأتينا بهمـة وعزيمـة إلى الله، وحفظنا أوقاتنا مع الله، لكنه علم نظري، فنحن نعرف أننا مسلمون، وأننا سوف نموت، ويقولون: هذه حياة، والله غفور رحيم، وهذه كلمات جوفاء، وهذه كلمات أصدرتها البلادة، وأصدرتها عدم المبالاة مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وإلا لو ذكرنا الموت لكانت حياتنا غير هذه الحياة.

    فالله الله يا إخوتي في ذكر الموت دائماً وأبداً.

    ميمون بن مهران الزاهد العابد التابعي حفر قبراً في حضيرته -بجانب داره- وسواه، وجعل فيه صفائح.

    فدخل القبر وجعل يقرأ أجزاءً من القرآن، وبكى بكاءً طويلاً، ثم يعود ويخرج من القبر، ويقول: يا ميمون! خرجت من القبر، فاعمل عملاً صالحاً.

    وبعضهم كان يأخذ كفناً ويفصله ويعلقـه في سقف بيته، كلما أصبح نظر إلى الكفن وبكى، وقال: أواه!

    ولذلك من حسن الإنسان وذكائه أن يذكر الموت.

    1.   

    أسباب تذكر الموت

    ومن أسباب تذكر الموت أمور سوف ألخصها لكم في ثلاثة أسباب، وفي ثلاثة أمور:

    زيارة القبور

    أن تزور القبور، وأن تكثر من زيارة القبور، فلا تلهيك الأسواق والمعارض والقصور والدور والحفلات، والأشجار والحدائق عن زيارة القبور، اجعل من هذه العشر الزيارات للحدائق والقصور اجعل زيارة واحدة للقبور، ثم قف قليلاً وتذكر أين زملاؤك الذين عاشوا معك؟ أين الذين عرفتهم وعرفوك؟ أين الذين ضاحكتهم وضاحكوك؟ والذين آنستهم وآنسوك وزرتهم وزاروك؟ أين هم؟ وماذا فعلوا؟

    وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه الخليفة الزاهد صلى العيد بالناس -وكان خليفة لاثنتي وعشرين دولة من دول الإسلام، من سمرقند شرقاً إلى طنجة غرباً، ومن طاشقند شمالاً إلى إفريقيا جنوباً، وهو الخليفة الوحيد في هذه المعمورة- صلى العيد بالناس وخرج رضي الله عنه وأرضاه، فلما مر بالمقبرة، وقف وبكى بكاءً طويلاً، ثم قال: يا أيها الناس! هذه قبور الأحبة من بني أمية، هذه قبور آبائي وأجدادي وإخواني وجيراني، هذه قبور أصدقائي أتدرون ماذا فعل بهم الموت؟، ثم بكى، فقال الناس: ماذا فعل يا أمير المؤمنين؟ قال: يقول يا عمر! إنني فقأت الحدقتين، وأكلت العينين -أي: الموت- وفصلت الكفين عن الساعدين، والساعدين عن العضدين، والعضدين عن الكتفين، والقدمين عن الساقين، والساقين عن الركبتين، وفصلت كل شيء على حدة، ثم بكى فبكى الناس جميعاً البار والفاجر.

    وهذه المواعظ التي تقف عندها تعطيك دروساً لا تنساها أبداً، فتقف عند المقبرة، ولو في الأسبوع مرة واحدة لعشر دقائق تتذكـر أباك وجدك وعمك وخالك وأمك وجدتك، تتذكر من صرعوا في هذا المصرع، هل تميز قبر غني من فقير؟ هل تميز قبر ملك من مملوك؟ أين ذهبوا؟ لا بد أن تقف هذه الوقفات، وأن تخصص هذه الزيارات.

    قراءة القرآن وتدبره

    أن تقرأ كتاب الله بتدبر، وتخلو بنفسك، فتتباكى إذا لم تبك، وإذا لم تجد دموعك وقحطت عيناك، فحاول أن تعصر نفسك وأن تتباكى، يقول عمر: إذا لم تبكوا فتباكوا، يعني: تشارك فقط في البكاء عل الله أن يرحمك ويرزقك عينين هطالتين بالدموع، لأن الله حرم على النار عيناً بكت من خشية الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وعيناً باتت تحرس في سبيل الله، فقف وخذ المصحف واقرأ سورة (ق) أو (النجم) أو (الواقعة) أو (الرحمن) فهذه السور التي تنصبُّ آياتها كأنها قذائف على الإنسان، اقـرأ وقف قليلاً وتدبـر عل الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يرزقك إنابة، وأن يعيدك إليه تبارك وتعالى.

    صحبة الصالحين والأخيار

    صحبة الصالحين:

    وقد كانوا إذا عدوا قليلاً     وقد صاروا أقل من القليل

    لا تجلـس مع بعض الناس، أو مع بعض الزملاء الذين يبعدونك عن الله، فأنت تريد أن تقرب من الله وهم يبعدونك عنه أميالاً، تريد أن تقترب من الجنة، فيقربونك من النار، تريد أن تقترب من الهداية، فيأخذونك إلى الغواية.

    فعليك أن تجلس مع الصالحين، وعند الجلوس مع الصالحين تتنزل الرحمات من السماء، وتحفك السكينـة، ويغشاك الله بفيض من رحمته، ويذكرك الله فيمن عنـده.

    ولذلك تمر الملائكة، ثم يصعدون إلى الله، فيقولون: {يا ربنا! جلس أولئك القوم يذكرونك وفيهم فلان ليس منهم، قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: اغفروا لهم جميعاً، وله فاغفروا، قالوا: إنه ليس منهم، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم}.

    فمثل هؤلاء يرحمك الله برحمتهم، ولو كنت بعيداً عنهم، ويدخلك الله معهم.

    الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلقي خطبة في مسجده الميمون المبارك، والناس كلهم آذان صاغية لسماع خطبته، وفي أثناء الخطبة يدخل أعرابي فيقطع الحديث على الرسول صلى الله عليه وسلم، ويقول: {يا رسول الله! متى تقوم الساعة؟ -فلم يقطع صلى الله عليه وسلم خطبته، بل استمر في كلامه كالسيل المنحدر- فلما انتهى، قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: أنا يا رسول الله! قال: ما أعددت للساعة؟ -يعني: العمل ليس أن تسأل عن الساعة ومتى تقوم، وما يهمك أن يدمر العالم، إذا كان موتك بعد لحظات، أو أسابيع، أو سنوات، ما يهمك أن تقوم الساعة، فإذا مت فقد قامت ساعتك- قال: فماذا أعددت للساعة؟ قال: يا رسول الله! والله ما أعددت لها من كثير عمل، ولا صلاة، ولا صيام، ولا حج، ولا عمرة، لكني أحب الصالحين، فقال صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت، قال أنس رضي الله عنه وأرضاه -راوي الحديث- فوالله ما فرحنا بكلمة سمعناها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحنا بهذه الكلمة، فنحن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، ولو لم نعمل بعملهم}.

    فالله الله في الجلوس مع الصالحين، والابتعاد عن الفسقة، والمردة، والمتهاونين بهذا الدين، والمتهاونين بالوقت والحياة، ابتعدوا عنهم الجهد، وانفروا عنهم، ولو كانوا الإخوة الأشقاء من الأم والأب.

    يقول الشافعي -رحمه الله-:

    أحب الصالحين ولست منهم      لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكره من تجارته المعاصي      ولو كنا سواءً في البضاعة

    ثم يرد عليه الإمام أحمد، فيقول:

    تحب الصالحين وأنت منهم      ومنكم كم تلقينا الشفاعة

    فأحب الصالحين، واجلس مع الصالحين، وعليك بهذه الأسباب، وتقرب إلى الله عز وجل بما استطعت من النوافل، لأننا أصبحنا قوماً كما يقول محمد إقبال: علفنا الأكل.

    كان السلف الصالح علفهم الذكر، على مفهوم فلسفة محمد إقبال، وكان قربتهم إلى الله وموائدهم القرآن, والصيام والصلاة وأصبحنا الآن نعتلف, علفنا الموائد الشهية، أكل وشرب وضحك وزيارات، إنهاء للوقت، وضياع للمعلومات وللصالحات، فهذه حياته.

    ولذلك قلّ من تراه من المسلمين من يصلي ركعتي الضحى التي هي ركعة الأوابين، والتي تعادل ثلاثمائة وستين حسنة، والتي ينظر الله إليهم في الضحى، وهم يتململون في الضحى والناس في أعمالهم ومشاغلهم، فيغفر الله لهم.

    وقل من تراه منا يقوم في آخر الليل ساعة السحر حينما يخلو الله بأحبابـه، وبالخواص من عباده فيناجيهم ويناجونـه، ويدعونه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ويستغفرونه.

    وقل من تراه يتوضأ ويصلي ركعتين.

    وقل من تراه يختـم القرآن، ويتعاهد القرآن كل أسبوع، أو على الأقل كل شهر.

    وقل من تراه يزور المقابر ويجلس مع الصالحين في كتب التراجم والأولياء ويزور الصالحين ويستزيدهم إنما نشكو حالنا إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    نسأله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبدل حالنا بأحسن منها، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يتولانا فيمن تولى، وأن يحلينا بالإيمان وبحلية اليقين والإحسان، وأن يذكرنا المصير المحتوم، وأن يجعلنا ممن يستعد له الاستعداد الطيب، وأن يحفظ علينا أوقاتنا وأعمارنا وحياتنا.

    ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب.

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار.

    وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734325577

    عدد مرات الحفظ

    684427234