إسلام ويب

سلسلة المدائح النبوية [أبيات من ميمية أحمد شوقي] [2]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم صرح العدل والمساواة، وبث في هذه الأمة أواصر الأخوة والعطف والصفح والعفو، وطبق ذلك تطبيقاً علمياً أسر به القلوب، وملك به الأفئدة. وهو بذلك سابق للحضارات المعاصرة التي تزعم إقامة مؤسسات العدل وصروح المساواة حسب زعمهم.

    1.   

    بعض ما ورد من نبأ عيسى بن مريم

    الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره، وتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    أيها الإخوة المباركون والأخوات المباركات! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هذا لقاء متجدد يأخذ طابع اللقاء الثاني في التعليق على ميمية شوقي رحمة الله تعالى عليه، وكنا قد علقنا على بعض أبيات منها في اللقاء السابق، وقلنا: إن ميمية شوقي من أفضل ما قيل في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأينا أن يكون الحديث عنها في حلقتين، وقد مضت الحلقة الأولى، ونسأل الله التوفيق في هذه الحلقة.

    نذكر ببعض أبياتها:

    قال شوقي رحمه الله:

    ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

    رمى القضاء بعيني جؤذر أسداً يا ساكن القاع أدرك ساكن الأجم

    لما رنا حدثتني النفس قائلة يا ويح جنبك بالسهم المصيب رمي

    جحدتها وكتمت السهم في كبدي جرح الأحبة عندي غير ذي ألم

    يا لائمي في هواه والهوى قدر لو شفك الوجد لم تعذل ولم تلم

    ذكرت باليتم في القرآن تكرمة وقيمة اللؤلؤ المكنون في اليتم

    جاء النبيون بالآيات فانصرمت وجئتنا بحكيم غير منصرم

    آياته كلما طال المدى جدد يزينهن جلال العتق والقدم

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

    أسرى بك الله ليلاً إذ ملائكه والرسل في المسجد الأقصى على قدم

    لما رأوك به التفوا بسيدهم كالشهب بالبدر أو كالجند بالعلم

    صلى وراءك منهم كل ذي خطر ومن يفز بحبيب الله يأتمم

    جبت السماوات أو ما فوقهن دجى على منورة درية اللجم

    حتى بلغت سماء لا يطار لها على جناح ولا يسعى على قدم

    ركوبة لك من عز ومن شرف لا في الجياد ولا في الأينق الرسم

    مشيئة الخالق الباري وصنعته وقدرة الله فوق الشك والتهم

    تعلمت أمة بالفقر ناجية رعي القوافل بعد الشاء والنعم

    واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم

    هذه بعض أبيات كنا قد تحدثنا عنها سابقاً وذكرنا هذه الأبيات قبلها.

    نعود فنعلق في هذا اللقاء المبارك على بيتين من أيبات شوقي ، فالأول هو قوله:

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

    عيسى عليه الصلاة والسلام هو عيسى ابن مريم كما هو معلوم، وهو آخر الأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم، والناس فيه ثلاثة طوائف:

    النصارى زعمت كفراً أنه ابن الله، وأنه ثالث ثالث، واليهود زعموا أنهم قتلوه، والمسلمون -وهذا هو القول الحق بما علمهم الله- يقولون: إنه عبد الله ورسوله، وقد ا ئتمر على قتله لكن الله رفعه، قال الله جل وعلا: وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:156-158].

    فعيسى عليه الصلاة والسلام رفع إلى السماء الثانية، فلهذا لقيه النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج في السماء الثانية، وأخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أن عيسى سيعود وينزل، واضعاً يده على أجنحة ملك، وكأنه يقطر منه الماء وهو لم يتوضأ بعد، يعني: من يراه يظن أن وجه عيسى يقطر ماء وهو ليس بحقيقة يقطر ماء، يقول صلى الله عليه وسلم: (كأنه خارج من ديماس)، والديماس في اللغة هو الحمام، لكن قد يأتي إنسان فيظن أن معنى الحديث أن عيسى كأنه من توه خارج من قضاء حاجته، وليس هذا مقصود النبي صلى الله عليه وسلم، فالحمام في عصرنا هذا أصبح يطلق على مكان قضاء الحاجة، وأما فيما سلف في اللغة لا يطلق على مكان قضاء الحاجة، وإنما يطلق على المكان الذي يغتسل فيه الناس، وأما الذي يقضى فيه الحاجة فإنه يسمى كنيفاً، فعيسى عليه الصلاة والسلام من يراه يظنه أن عليه بقايا الماء وكأنه لتوه مغتسل، وهذه أنوار نبوية يضعها الله جل وعلا على من يشاء من عباده من أنبيائه ورسله.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم)؛ لأنه ليس بين عيسى وبين محمد صلى الله عليه وسلم نبي، وعيسى أعطاه الله جل وعلا معجزات قبل أن يرفعه إليه، منها: أنه يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وكان يأخذ من الطين فيجعله كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، لكن يأبى الله إلا أن يفرق بينه وبين خلقه، فهذا الطائر الذي ينفخ فيه عيسى فيكون طيراً بإذن الله ويطير لا يلبث إذا غاب أن يسقط ميتاً؛ حتى يعلم الناس أن هذه معجزة وليس عيسى بخالق، فالله يقول: هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ [فاطر:3]، أي: لا أحد يخلق إلا الله، لكن هذه معجزة ولا تسمى خلقاً، فالمعنى الحقيقي لم يؤته الله جل وعلا لعبده ونبيه عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام، وإنما كانت معجزة عيسى إحياء الموتى، فانظر كيف تعامل شوقي مع هذا المعنى، وهذا من الدلائل على أن شوقي أعطي باعاً عظيماً في الفهم.

    قال:

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له، أي: كلمه.

    1.   

    تبشير الأنبياء السابقين برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

    ثم قال: وأنت -أي: يا محمد- أحييت أجيالاً من الرمم

    أي: أن الله جل وعلا منّ على أمة الإسلام بأن أحياهم من الموتة الحقيقة وهي موتة الجهل وما كانوا عليه من شرك وظلم وسوء أخلاق، فأحياهم الله جل وعلا بهذا الدين العظيم الذي بعث به رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إبراهيم، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يكن همه إلا أن يقيم أهله العبادة، فلما وضع هاجر وابنها في وادي مكة قال: رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إبراهيم:40]، ثم تمنى على الله أن يبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكان نبينا صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إبراهيم.

    ثم قال في الحديث نفسه: (وبشارة أخي عيسى)، فعيسى كان يخبر أتباعه ويبشر برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، فلهذا حاول شوقي في هذا المعنى الكبير أن يقارن مقارنة ذات أدب؛ لأن البعض من الشعراء أو المادحين قد يتطرق لمدح النبي صلى الله عليه وسلم لكنه يخطئ عندما يعقد مقارنة يحاول من غير فهم وإدراك أو بعاطفة تزيد عن الحد أن يقلل من شأن الأنبياء غيره، وهذا مسلك غير حميد، فحق لنا أن نمدح نبينا صلى الله عليه وسلم بما هو وفق ضوابط الشرع، لكن لا يحق لنا أن نسيء الأدب مع أنبياء الله ورسله الآخرين، ولا داعي لأن أضرب أمثلة فيمن أخطئوا فيه في هذا الباب، فالمهم أن الإنسان يتأدب مع أنبياء الله ورسله، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا أول من يفيق فأجد موسى آخذاً بقوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعة الطور)، ويتأدب مع أخيه يوسف فيقول: (رحم الله أخي يوسف لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي)، ويقول متأدباً مع أخيه لوط: (رحم الله أخي لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)، ويقول صلى الله عليه وسلم: (لا يقل أحدكم أنا أفضل من يونس بن متى)، وهذا الحديث اختلف الناس في معناه، لكن الصواب عندي -والعلم عند الله- أنه لا يأتي أحد يقرأ أن الله جل وعلا قد أخبر بما أخبر عنه من نبأ يونس بن متى فقال جل وعلا عنه: وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ [القلم:48]، فربما وقع من بعض الصالحين -ظناً منهم- أنهم أفضل من يونس، فنبه النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الأمر.

    1.   

    مجيء نبينا محمد بالعدل والمساواة الحقة

    وأما ما يتعلق ببيت شوقي :

    واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم

    فهذا البيت ليس فرداً في القصيدة، وإنما مهد له شوقي وبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومعلوم أن نبينا نبئ بإقرأ وأرسل بالمدثر، قال شوقي :

    ونودي اقرأ تعالى الله قائلها لم تتصل قبل من قيلت له بفم

    ثم أخذ يطنب في ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته، وما أفاءه الله عليه من هذا الدين العظيم، وكيف أن أتباعه نشروا الدين في أسقاع الأرض، ثم قال معقباً هذا البيت الذي بين أيدينا:

    واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم

    وندرك جميعاً أن الذي تفتخر به الحضارة المصرية هو أهرام الجيزة، وإن كانت هذه تدل على ما كان عند الفراعنة القدماء من تشييد في البناء لكن شوقي أراد أن يقول: إن الحق والفخر لا يكون في البناء الحجري بقدر ما يكون في البناء الإنساني:

    أهرامنا شاد طه دعائمها وحي من الله لا طين ولا حجر

    فافتخار الحضارة المصرية بأهرام الجيزة يقول شوقي فيه: إن الأولى والأحرى بالناس أن يفتخروا بما قدمه الدين من مظاهر عظيمة ومناقب جليلة على لسان سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم.

    واترك رعمسيس، أي: أي كل حضارة سبقت اتركها خلف ظهرك، ثم بين:

    إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم

    ونحن نعلم أن العالم المعاصر يفتخر كثيراً بالثورة الفرنسية المعاصرة، ويجعلون من تقويض سجن الباستيلا أمراً يتغنون به ليل نهار، وهذا نبه عليه شوقي رحمه الله في قصيدة أخرى:

    وما البستيل إلا بنت أمس وكم أكل الحديد بها صحينا

    أو كما قال، فالذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام العدل في النفس البشرية أولاً، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، فلما أصلح الله رسوله فرداً كان حَريّاً بعد ذلك أن يكون المجتمع وأن تكون الأمة قائمة على العدل، وما يتغنى به الإنسان اليوم من الحضارات وحق لها من ظهور منظمات ومؤسسات تعنى بحقوق الإنسان لا حرج في ذلك ولا ضير، قال قائلهم:

    زمان الفرد يا فرعون ولى ودالت دولة المتجبرينا

    بعض الأمثلة على العدل والإخاء عند نبينا محمد صلى الله عليه وسلم

    إلا أننا ينبغي أن نعلم أن هذا الأمر لم يقم به أحد أعظم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان شعار فرنسا اليوم ثلاثة شعارات وهي: المساواة والحرية والإخاء، فإن المساواة قالها نبينا صلى الله عليه وسلم في حديثه الشهير: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، وقوله صلى الله عليه وسلم لما أتت إليه قريش بقدها وقديدها تقدم أسامة بن زيد ليشفع في المرأة المخزومية، فقال صلى الله عليه وسلم: (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)، ولا يوجد في النساء أشرف من فاطمة ، وهي البضعة النبوية والجهة المصطفوية رضي الله عنها، ومع ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: إن قربها مني وكونها بضعة مني لا يعفيها ذلك من إقامة الحد عليها لو أنها سرقت، وهذا مبدأ عظيم وموئل كريم جاء به رسول الهدى ونبي الرحمة ورسول الإنسانية جميعاً، وهو الذي تتغنى به الحضارة المعاصرة، لكننا ينبغي أن نكون منصفين نحكم بالعدل: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، فنقول: إن الحضارة الإنسانية المعاصرة اليوم بلا شك أنها بعدت كثيراً -وهذا من فضل الله علينا- عن كثير من التجبر والظلم الذي كان سائماً في عصور سابقة وأيام غابرة، لكن الحضارة الغربية كفرت بالطاغوت إلى حد كبير لم تعظم الفرد، لكنها لم تؤمن بالله، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء بدين نؤمن من خلاله بالله تبارك وتعالى رباً، فنعبده جل وعلا وحده لا شريك له، ونخلص له العمل، وننبذ كل طاغوت متجبر وراء ظهرنا.

    نعود فنقول: إن شوقي يتغنى بالحضارة الإسلامية:

    واترك رعمسيس إن الملك مظهره في نهضة العدل لا في نهضة الهرم

    والنبي صلى الله عليه وسلم كما بين ذلك في فاطمة ابنته بينه في نفسه، فقد وقف صلى الله عليه وسلم يوم بدر يسوي الصفوف، فإذا بأحد أصحابه -وأظنه عكاشة - يتقدم، فضربه النبي صلى الله عليه وسلم من باب حيثيات عمله، حتى يرجع إلى الصف بشيء كان في يده، فقال ذلك الصحابي الجليل: أوجعتني يا رسول الله! فطلب القصاص، فقام نبي الرحمة ورسول الهدى -وهو أشرف من يمشي على الأرض- فكشف عن بطنه وقال اقتد يا عكاشة، لكن هذا الصحابي لم يكن يروم قصاصاً، وإنما كان يروم التصاقاً بنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم.

    فعرفنا من هذا الموقف وزدنا يقيناً بعدل نبينا، لكن ذلك الصحابي ضم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل بطنه، فقال له عليه الصلاة والسلام: (ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول الله قد حضر ما ترى - أي: الموت والطعن والرماح والسيوف والعدو وملاقاته- فأحببت أن يكون آخر العهد أن يمس جلدي جلدك يا رسول الله).

    هذا الموقف العاطفي هنا قد لا نستطيع أن نبحر فيه كثيراً، وإنما نتكلم عن موقف العدل، فهذا هو نبي الرحمة ورسول العدل صلى الله عليه وسلم يقيمه بينه وبين أصحابه.

    ويعدل بين نسائه وزوجاته في النفقة والمبيت والسكنى، ويقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما أملك ولا أملك)، وكان صلى الله عليه وسلم في الآداب التي علمها الناس يعطى السقاء والإناء الذي عن يمينه، فجلس على شماله أبو بكر ومشيخة الصحابة، وعن يمينه غلام صغير، فلما جيء له بالقدح وشرب أعطاه الذي عن يمينه، وهذا من كمال عدله صلوات الله وسلامه عليه.

    ويعلم عليه الصلاة والسلام أن الأسرة مجموعة أفراد، فيقول: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، لأن الضغينة إذا تكونت في الأسرة فسد المجتمع، فالمجتمع أصلاً ليس إلا مجموعة أسر، فهو عليه الصلاة والسلام بدأ بالنفس الإنسانية يصلحها، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ثم ينشر العدل بين الرجل وأزواجه، ثم ينشر العدل بين الرجل وأولاده: (اتقوا واعدلوا بين أولادكم)، ثم ينشر العدل في المجتمع، فينزل القرآن: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8]، فإذا كان الله يأمرنا بالعدل مع أعدائنا، فكيف مع أهلينا وموالينا وإخواننا وبني جلدتنا ومن يدين بدينا! ذلك أولى وأحرى، أي: ملك يقوم على الظلم فهو منتهي، وأي: ملك وأي حضارة بتعبير أوضح تقوم على العدل والإنصاف فإنها تبقى، وهذا سر بقاء كثير من الحضارات، وأما التي تقوم على الظلم فإنها لا تلبث أن تنتهي، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأت بالعدل فقط، وإنما أتى بكثير أو بكل ما يمكن أن يصلح الله به البشرية، لكن نحن مقيدون بالبيت الشعري.

    وقد بعث صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر؛ لأن النبي صالح يهود خيبر على النصف من الثمار والتمر، ومعلوم أن خيبر وإن كانت بلدة شديدة الحمى إلا أنها بلدة كثيرة التمر، يقول حسان :

    فإنا ومن يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا

    ومع ذلك لما ذهب عبد الله بن رواحة -وهو التلميذ النجيب في مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم- وأراد أن يأخذ منهم نصف ثمارهم قال لهم: يا معشر يهود! والله إنكم أبغض خلق الله إلي.

    وهذه الطريقة مرضية في التعبير عما في نفسك، لكن لا تتجاوز إلى بخس الآخرين حقهم.

    وإني قادم إليكم من أحب الناس إلي، يقصد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ولا يمنعني بغضي لكم وحبي لهم أن أجور بينكم، فقد أمرت بأن أعدل، فعدل في خرص النخل، فقالت اليهود -وهم أهل العلم بلا شك، لكنهم لا يعملون بعلمهم- قالوا: بالعدل قامت السموات والأرض. فالله جل وعلا يقول: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

    إذا تجاوزنا مسألة قول شوقي :

    إن الملك مظهره في نهضة العدل

    1.   

    تحريم الظلم وعواقبه

    وانتقلنا إلى العدل بين الناس، أو بتعبير أوضح أن الإنسان لا يظلم من حوله، والإسلام حتى يسد هذا الباب حذر من الظلم، جاء في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، ومن الطرائف في تأديب النفس البشرية حتى لا تظلم ولا تجور، جاءت الآثار تدل على أن الله يقبل دعوة المظلوم وإن كان كافراً؛ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن وهم يومئذ أهل كفر، فقال له وهو يودعه على أبواب المدينة: (واتق دعوة المظلوم فأنه ليس بينها وبين الله حجاب)، فمن أراد أن ينصف نفسه، أو أراد أن يرتقي بنفسه إلى الدرجات العلى والمنازل الرفيعة فيصنع في كل أحد إذا وقف بين يديه في شيء يخصه ما يحب أن يصنعه الله به إذا وقف بين يديه، وهذه المراتب عالية ودرجات رفيعة لا تعطى لكل أحد، لكن كما قال الله: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35].

    وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه ولاه عمر على الكوفة، فاشتكاه بعض أهلها ظلماً وزوراً، فبعث عمر -وهذا من العدل- أشبه ما تسمى بلجنة تحري تسأل الناس عن سعد ، فكلما مروا على قوم وسألوا عن سعد أثنوا عليه خيراً، حتى دخلوا مسجداً أظنه كان لبني عبس هناك، فقام رجل فقال: إن سعداً لا يحكم بالسوية، ولا يعدل في القضية، وذكر أمور يذم بها سعداً ، فقام سعد رضي الله عنه وأرضاه وكنيته أبو إسحاق فقال: اللهم إن كان عبدك هذا قام رياءً وظلماً وسمعة فاللهم أطل عمره وعرضه للفتن، يقول راوي الحديث: فإن هذا الرجل الذي ظلم سعداً عُمِّر حتى جاوز التسعين فسقط حاجباه على عينيه من شدة الشيب، وهو في السن هذا احدودب ظهره، وأخذ يمشي في طرقات الكوفة ويتعرض للنساء والفتيات يغمزهن ويلمزهن ويتعرض لهن في طريقهن، فإذا قال له الناس: يا رجل! اتق الله وأكثر من الحياء فلا يصنع من كان في سنك مثل هذا، فيقول مجيباً يبين واقع حاله: شيخ كبير أصابته دعوة سعد ، فالإنسان أحياناً قد يؤتى قدرة على أن يظلم، لكنه إن كان لديه رقابة حقيقة مع ربه تذكر أن الله جل وعلا أقدر عليه من قدرته على من يريد ظلمه، وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16].

    وعثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه ظلمه الذين خرجوا عليه وطوقوا داره في يوم عرف بيوم الدار، وسمي بيوم الدار لأن الخوارج اقتحموا على عثمان داره، وموضع الشاهد الذي يعنيني هنا تحريره من هذه القضية أن هؤلاء دخلوا عليه وقتلوه، وهو أمير البررة وقتيل الفجرة رضي الله عنه وأرضاه، فلما قتلوه قامت زوجته نائلة بنت الفرافصة تدافع عنه زوجها، فلما أرادت أن تدافع عنه كانت امرأة بدينة نسبياً، فأحد الرجال ضربها من خلفها، فقالت غاضبة والموقف موقف دماء زوجها مضرج بالدماء، قالت: مه -كلمة استنكار- قطع الله يديك ورجليك وأدخلك النار، تدعو عليه مظلومة، فهذا الرجل شوهد بعد سنين في البصرة أو بالكوفة وهو مقطوع اليدين والرجلين ويقول: يا ويلاه من النار! فرآه رجل لا يعرفه فقال: أنت في النار؟ أنت من أهل الجنة أنت مبتلى؛ لأنك مقطوع اليدين والرجلين، فأظنك ستكرم يوم القيامة، فقال: إنك لا تدري لقد دخلت على عثمان يوم الدار وشاركت في قتله، وضربت زوجته فدعت علي قائلة: قطع الله يديك ورجليك وأدخلك النار، فأنا الآن أقول عن نفسي: مقطوع اليدين والرجلين وبقيت واحدة أن أدخل النار، فتجد أن الله أجاب دعوة نائلة ؛ لأنها مظلومة، وهنا يتحرر لنا مع القيمة العظمية التي بثها النبي صلى الله عليه وسلم في أمته وهي العدل والإنصاف وعدم ظلم الناس، فهو وإن جاءت بها الحضارة المعاصرة وقامت بها مؤسساتها، إلا أن نبينا صلوات الله وسلامه عليه كان أسبق إلى هذا كله، وبينه بياناً شافياً عن ربه تبارك وتعالى.

    هذا ما تيسر إيراده في التعلق الثاني لنا على ميمية شوقي والتي مطلعها:

    ريم على القاع بين البان والعلم أحل سفك دمي في الأشهر الحرم

    أسأل الله لي ولكم التوفيق.

    وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007964870

    عدد مرات الحفظ

    720720715