إسلام ويب

قصة عائد إلى اللهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذه قصة عائد إلى الله، عرف طريقه المستقيم إلى الله بعد أن كان شارداً على الله، فقد مرت عليه السنوات وهو يعيش في ظلام كما يعيش كثير من الشباب المعرضين عن الله.

    ولما أراد الله هدايته لمست مسامعه كلمات داعية عملاق، فأصغى لها، فوصل الصوت إلى قلبه، فإذا به ينهد باكياً ثم يسلك سبيل الهداية.

    1.   

    قصة تائب

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير، الحمد لله الذي خلق السماوات والارض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ هدى الله به البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، صلى الله عليه ما اتصلت عينٌ بنظر، وما تألقت أذنٌ لخبر، وما هتف ورقٌ على شجر، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    يا رب عفوك لا تأخذ بزلتنا     وارحم أيا رب ذنباً قد جنيناه

    كم نطلب الله في ضرٍ يحلُّ بنا     فإن تولت بلايانا نسيناه

    ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا     فإن رجعنا إلى الشاطي عصيناه

    ونركب الجو في أمنٍ وفي دعةٍ     فما سقطنا لأن الحافظ الله

    وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ *أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    هذه قصة أرويها هذا اليوم.. قصة عائد إلى الله.. قصة تائب عرف طريقه المستقيم إلى الله، رجلٌ يعيش ولا يزال يعيش على قيد الحياة، رجلٌ نيَّف على الخمسين من عمره؛ عابدٌ من العباد.. وليٌ من الأولياء، نحسبه والله حسيبه، لا أذكر اسمه فقد سألني بالله ألا أسمي اسمه للناس يوم أروي هذه القصة، يعيش في مدينة من مدن بلادنا.

    هذا الرجل قصته عجيبة! تروي قصة الإنسان يوم يعيش حياتين، وفترتين، ومرحلتين، يوم يعيش في أول عمره الضياع، والهيام، والضلال، والشرود، والتمرد على أمر الله تبارك وتعالى، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً .. [الفرقان:44] أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [الجاثية:23].

    حياته قبل التوبة

    هذا الرجل كان يعمل جندياً -حارساً- يتولى نوبته ببندقيته لكنه لا يعرف الله، يقول: مرت بي تلك الفترة والله ما سجدت لله سجدة إلا رياءً ومجاملة للناس.

    كانت تمر به الأشهر الطويلة لا يغتسل من الجنابة.. لا يركع ركعة.. لا يتلو القرآن.. لا يذكر الواحد الديان.. شاردٌ عن الله.. ميت بمعنى الكلمة.

    ليله يسهر مع الغناء الماجن، مع رفقة السوء، مع شلل الإجرام، مع عصابات التمزق والفشل والانهزام، مع الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً.

    فإذا أدركه النوم؛ نام بلا طهارة كالجثة الهامدة، ميت، لا يعرف مواقيت الصلاة؛ لأنه لا يصلي، وإذا استيقظ استيقظ متى يريد بلا طهارة، بلا ذكر.. بلا وضوء.. بلا عبادة.

    نهاره ذهابٌ وإياب يوم يترك نوبته في الحراسة، والعجيب في أمره! أنه قوي البنية؛ لكنه ضعيف القلب آنذاك، صلب المراس لكنه مهزوم الإرادة، متحرك الأعضاء لكنه فاني العزيمة والإقبال على الله تبارك وتعالى.

    كان يُشْعِل السيجارة بعد الأخرى، وإذا رأى أهل التدين والالتزام استهزأ بهم، يرى أن الإسلام رجعية، وأن الدين تخلف، وأن السنة سخف، وطالما زاره بعض الدعاة مما رأوا من إجرامه وفساده ووعظوه وحذروه وأنذروه، فكان يردد كلمته المشهورة: كفرٌ صراحٌ ولا دينٌ مُخَشْخَش؛ يعني: نفاقٌ صلبٌ عَمْدٌ وفجور، ولا دين أتلبس به أمام الناس.

    قاطَع والدَيه؛ وهما على بعد ثلاثمائة كيلو متر منه.. هجرهم، وسبهم، وشتمهم، كان يجلس مع رفقته فيستهزئ بالصالحين، ويستهزئ بالسنن، ولا إله إلا الله كم يتمرد القلب على الله إذا لم يعرفه! ولا إله إلا الله كم يهدم كيان الإنسان إذا لم يهتدِ هذا الإنسان! قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِـنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُـمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ [عبس:17-20].. أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَـاناً وَشَفَتَـيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد:8-11].. يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:6-7]... هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً [الإنسان:1-3].

    واستمرت السنوات بعد السنوات وهو يعيش في ظلام، كما يعيش اليوم كثير من الشباب المعرضين عن الله؛ يأكلون، ويشربون، ويطبِّلون، ويزمِّرون، ويرقصون؛ لكنهم لا يعرفون الله.

    مساكين! الذين يتصورون أن الحياة دفٌ، وطبلٌ، ونايٌ، ووتر.

    مساكين! الذين جعلوا الحياة لذةً، وشراباً، وأكلاً كالبهائم.

    مساكين! الذين ما عرفوا حلاوة الإيمان، وطعمه ولذته.

    واستمرت الليالي والأيام بهذا الرجل وهو في حراسته يحمل بندقيته، يسمع النداء الخافق العالي بالأذان فلا يجيب داعي الله، ويرى الصالحين يتوجهون إلى المسجد فلا يشاركهم أبداً.

    أسباب توبته

    ولقد قيض الله لهذا الرجل داعيةً عملاقاً؛ هذا الداعية وإن كنت لا أعرفه، لكن يعرفه كثير من العلماء وطلبة العلم في هذه المنطقة وغيرها، اسمه: محمد بن حمود اليمني؛ رجلٌ ما ذَكَرَتْهُ الكتب لكن ذَكَرَتْهُ القلوب، وما عَرَفَتْهُ الصحف لكن عَرَفَتْهُ الأرواح، وما سُجِّل بالجرائد لكن سَجَّله الله في الخالدين.

    حُدِّثْنا بتواترٍ عنه أنه كان يأخذ القلوب فيسافر بها إلى الله، فأقف مع هذا الرجل، وأقف في قصة حدثنا بها بعض الصالحين؛ قصة بين هذه القصة، تتحدث عن هذا الداعية، يقول الرجل الصالح: "رأيت في المنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيت كأنني في سوق وقد اجتمع الناس في هذا السوق، فلما ارتفعت الشمس، وأخذ الناس يتبايعون ويتشاورون في السوق، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم -بأبي هو وأمي- يرتقي إلى منبر السوق، وإلى مكانٍ عالٍ في السوق فيعظ الناس، ويبكي ويُبكي الناس، قال: حتى رأيت بعض الناس سقطوا مغمىً عليهم من التأثر، فرشوا بالماء وحملوا من السوق -هذه رؤيا منام- قال: وفي الصباح نزلت إلى سوق البلدة فوقفت مع الناس، فلما احتمت الشمس وارتفع النهار واجتمع الناس، وإذا بهذا الداعية، يصعد منبراً مرتفعاً في السوق.. يكبر ويهلل، وتتساقط دموعه قبل الكلمات.. إي والله! قال: فرأيت الناس يتساقطون من التأثر ويرشون بالماء، ويحملون إلى الظل، فكان هذا تأويل رؤياي من قبل".

    نعود إلى قصة هذا الرجل الأول، قال: وفي أثناء ما كنت في نوبتي آخذاً بندقيتي بجانب مسجدٍ في هذه البلدة، والناس يصلون وأنا لا أعرف الصلاة، وإذ بهذا الداعية يرتفع صوته بعد صلاة العصر؛ منذراً، ومحذراً، ومذكراً، وهو يتلو قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِـهِ وَلا تَمُـوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْـلِمُـونَ [آل عمران:102] ثم أخذ يشرح الموقف والعرض الأكبر، ويصف الجنة والنار.

    وقد سلم هذا الرجل قلبه لهذا الداعية، ووصل صوته إلى قلبه قبل أن يصل إلى أذنيه؛ لأن الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب.

    قال: فاستأسر قلبي بين يديه، فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا [محمد:4].

    قال: وانتقلت من البلدة بروحي فما أدري أين أنا، وأصابني من الإعياء والبكاء والإغماء ما الله به عليم، حتى ما استطعت أن أتحامل على رجلي فجلست على الأرض.

    قال: وكان صوته ينفذ إلى القلب مباشرة؛ وهو يتحدث عن الحشر والنشر ومواقف الحشر وكأن ربي بارزٌ على عرشه يوم العرض الأكبر.

    قال: واستمريت في البكاء إلى قبيل المغرب حتى سلمت نوبتي لزميلي، وذهل الناس مني واجتمعوا عليَّ مالك مالك؟ قلت: لا شيء، أتوب إلى الله.. أستغفر الله.. أعود إلى الله، اللهم اغفر لي، اللهم ارحمني، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    وهكذا يفعل الداعية المخلص بالقلوب.. يفتح مدناً من القلوب بالكلمات لا تفتحها الجيوش المجيشه، ولا الجنود المجندة.

    وقام هذا الرجل وذهب فاغتسل من الجنابة التي مكثت عليه أشهراً طويلة، وغير ملابسه فقد غير قلبه، وقام يستغفر ويتوب ودموعه تتساقط مع قطر ماء الوضوء.

    إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ     تبين من بكى ممن تباكى

    قال: وأول صلاةٍ صليتها صلاة المغرب، فلما صليت وإذا أنا بالداعية، فسلمت عليه، فهش وبش في وجهي، وكأنه اشتراني وأعتقني -والله- وعانقه في نفس الوقت؛ وهذا هو السحر الحلال، وهو: تبسم أهل الفضل والنبل والعلم؛ ليشتروا القلوب ويبيعوها بجنة عرضها السماوات والأرض.

    يقول الله لرسوله عليه الصلاة والسلام: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] ويقول له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159].

    قال: فذهب بي هذا الداعية إلى بيت يجاور المسجد، وسألني: لماذا أبكي؟ فقصصت عليه حياتي، فشاركني في البكاء، وقلت: الآن أولد مولداً جديداً، قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].

    التائب حَفِظَ القرآنَ في أربعة أشهر

    قال: أخذ هذا الداعية يحدثني عن الهداية، وعن طريق الجنة، وثواب الله للصادقين، وجزائه للتائبين، وعن إقباله على المقبلين.

    قال: وسألني كم أحفظ من القرآن؟ قلت: لا أحفظ شيئاً، قال: سبحان الله! وكيف صليت معنا آنفاً، قال: وقفت هكذا، حتى الفاتحة لا أحفظها؛ لأنه قد يبلغ ببعض الناس التمرد والإعراض إلى أن يفهم كل شيء إلا الإسلام، ويعرف كل شيء إلا القرآن، ويحب كل شيء إلا الدين، بل وجد في مجتمعاتنا وأوساطنا ومدننا من يحفظ مئات الأغنيات ولا يحفظ سورة، هذا موجود وحاصل، وهكذا يفعل المعرض والشارد عن الله عز وجل.

    قال: فقام فعلمني الفاتحة وسوراً أخرى، ثم ألزمني برجلٍ من أهل القرية عنده صلاح، وقال: حفِّظه كتاب الله، قال: والله الذي لا إله إلا هو -الرجل يروي قصته- ما أخذت أنام من الخوف؛ من خوف الله في الأربع والعشرين ساعة إلا ساعتين، وحفظت القرآن كله حفظاً عن ظهر قلب في أربعة أشهر؛ لأنه أحب القرآن، وأقبل على الواحد الديان، وعرف طريقه إلى جنة الرضوان.

    هذا الرجل استمر في الهداية، وأصبح عابداً، وأعرف أنه يقرأ القرآن ويختمه في كل ثلاثة أيام، ويصوم كثيراً من الأيام، ولا يتمالك عينيه إذا قرأ القرآن إلا أن ينهد باكياً.

    يحدث بقصته هذه فيبكي؛ لأنها قصة عجيبة، تمر بنا كثيراً، وهي قصة النجاة من النار، وقصة العودة إلى الواحد القهار، وفي أولها حرمانٌ وفي آخرها رضوان، أولها لعنة وشقاوة وآخرها رحمةٌ وحسنٌ وإقبالٌ على الله الواحد الأحد.

    فيا من عاش حياة الإعراض! ويا من أدبر طويلاً في أيامه! ويا من جعل ليله ونهاره مسارح للمعاصي! أَقبِلْ على الله وتعال إليه، وضع يمينك في حبل محمدٍ عليه الصلاة والسلام، ليصلك بالله الواحد الأحد.

    هذا نموذجٌ من حياة كثيرٍ من الناس، وعندنا من هذا وعند كثيرٍ من الإخوة عشرات النماذج؛ من الذين أعرضوا ثم أقبلوا، من الذين عاشوا الخذلان والحرمان ثم عرفوا الطريق إلى الواحد الديان، قال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125].

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    قصة تائب آخر

    الحمد لله رب العالمين؛ ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الإخوة الكرام! فإن قصص التوبة والإقبال على الله عزوجل تملأ التاريخ، ومن يقرأ سير الصحابة والسلف الصالح يجد كل واحدٍ منهم مر بفترتين في الغالب؛ فترة الإعراض والظلام وفترة الإقبال على الله.

    ومما حُفِظ عن شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه ونور ضريحه- أنه قال: لا بد لكل عبدٍ أن يولد مولدين اثنين: المولد الأول: يوم أتت به أمه، وهذا يشترك فيه الناس حتى البهائم، فإن كل مخلوقٍ له هذا المولد، ويعيش هذه الحياة، ويحس بهذا الميلاد الكافر والمؤمن.. البهيمة والدابة.. الطائر والحشرة، كلهم يولدون هذا المولد.

    أما المولد الثاني: فلا يذوقه إلا المؤمن، ولا يحسه إلا المؤمن؛ وهو الميلاد الثاني الذي ذكره سبحانه بقوله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] ما معنى ذلك؟ هل معناه: أنه كان ميتاً لا يتحرك، ولا يأكل، ولا يشرب؟ لا. إنما معناه: أنه كان ميت القلب والإرادة والعزيمة، ميت السير إلى الله، يأكل ويشرب؛ ويُطَبِّل ويُزَمِّر ويُغَنِّي؛ ويتمرد ويفسق، لكنه ميت، قال الله: فَأَحْيَيْنَاهُ [الأنعام:122] أي: بالإيمان، وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122] أي: بالعلم، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] فالميلاد الثاني قال: هو ميلاد الإنسان في الإسلام، يوم يخلع كل شرك وشبهة ونفاق ومعصية ويأتي فيسلم نفسه إلى الله، ويشتري نفسه من الله، ويعتق رقبته من النار، هذا هو الميلاد الثاني، وهذا الميلاد ذاقه الصحابة رضوان الله عليهم ولا يزال كثير من الناس يعيشونه في هذا العصر وبعد هذا العصر.

    سلامٌ على التائبين جملةً الذين عرفوا الطريق إلى الله.

    أحد العلماء في مدينة الرياض حدَّثنا بقصة وقعت لقريب له؛ هذا القريب يقول: كان جندياً من جنود إبليس.

    وكنت امرءاً من جند إبليس فارتقى     بي الحال حتى صار إبليس من جندي

    يقول: كان متمرداً على الله حتى وصل الحال به إلى أن دعت عليه أمه بالهلاك، وأن يريح الله العباد والبلاد منه.

    يذهب في الليل فلا يأتي إلا في ساعة متأخرة، يأتي وهو محشوٌ من حبوب المخدرات ومن السكار والخمر، أما المسجد فما دخله أبداً، وربما لو دخل المسجد لنجسه.

    مع الدعاة إلى الله

    قال: واستمر على هذه الحال حتى تأذى منه جيرانه وشكوه، وحاول بعض الدعاة معه محاولة فوصلوه إلى بيته، ووعظوه بالله، وسألوه بأسماء الله الحسنى أن يتوب، وعلى الأقل أن يمسك على الناس شره، وصل البلاء به المواصيل، وما بقي إلا توبةٌ نصوحٌ، أو قاصمةٌ من الله يوم يأخذ الظالم فلا يفلته أبداً.

    قال: وبينما نحن نعظه، بكى، وظننا أنه تاب، وأنه أحس بالعودة إلى الله، ولكن دون جدوى عاد كما كان، بل أمَرَّ مما كان، وكان يستهزئ ويسخر بنا في رسائل وجلسات، وكان عنده أصحاب يدعونه إلى الردى والغواية.

    قال: واستمر به الحال، فكتبنا له رسائل، وحاولنا أن نتوسط ببعض الناس، شفعُنا فيه أن يهتدي فرفض.

    تذكرنا طريقةً مبتكرة للهداية؛ وهي طريقة ناجحة، طريقة إهداء الشريط الإسلامي، أن يصل إليه، وأن يستمع إليه، وأن يُوْدَعَ في بيته وفي سيارته.

    قال: فاشترينا مجموعة من الأشرطة ووضعناها في سيارته، قلنا: هذه آخر محاولة، وبعدها ندعو الله أن يريح العباد والبلاد منه؛ لأنه سبب في غواية كثير من شباب الحي والحارة.

    قال: وقدر الله، والله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى له أزمنة يقدر فيها الهداية فلا يستعجل على أمره، أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ [النحل:1].

    قال: سافر هذا الرجل إلى مدينة الدمام، وفي أثناء الطريق سمع الغناء حتى ملَّ، وسمع البذاء والسخف حتى كَلَّ وسئم، وقبل أن يصل إلى مدينة الدمام بمراحل حاول أن يسمع هذه الأشرطة الموجودة؛ ليسمع ما يقول هؤلاء البشر السخفاء في نظره.. الحقراء في فكره، هل يتكلمون كالناس؟! هل عندهم شيء؟!

    قال: ففتح شريطاً يتحدث عن اليوم الآخر، قال: وتأمل وألقى سمعه، وتحدث الشريط عن حياة الإنسان وعن رحلته، وعن ضعفه، وعن موقف الإنسان يوم العرض الأكبر، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18].

    قال: وبدأ التأثر، وانتهى الشريط، وأخذ شريطاً آخر يتحدث عن الجنة، وبدأ التأثر والبكاء منتهاه -وهو يتحدث عن نفسه- حتى يقول: ما كدت أتحكم في إطار السيارة وفي قيادتها حتى دخلت المدينة، ومع دخوله المدينة أدخل الله الهداية قلبه.

    وأول ما وصل وصل إلى مكانٍ فتوضأ فيه، وجدد وضوءه، وبدأ بالمسجد وصلى ركعتين، وأعلن توبته وهو يبكي أمام الله، وصلى مع الناس، وعاد إلى الله وأكمل سماع هذه الأشرطة التي زادته عمقاً وإيماناً وبصيرة.

    عاد إلى أهله بوجهٍ غير الوجه الذي ذهب به؛ وجه الإيمان.. وجه النور والهداية.. وجه الإقبال على الله عزوجل، يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:106-107].

    ليسو كقومٍ إذا لاقيتهم عرضاً     أهدوك من نورهم ما يتحف الساري

    تروى وتشبع من سيماء طلعتهم     بوصفهم ذكروك الواحد الباري

    مَن تلق منهم تقل: لاقيت سيدهم     مثل النجوم التي يسري بها الساري

    الأهل والجيران يفرحون بتوبته

    وصل إلى بيته وأخبر والدته فانصدعت بالبكاء من الفرح، ومن الفرح ما يبكي:

    طفح السرور عليَّ حتى إنني     من عظم ما قد سرني أبكاني

    وأيام وإذا بالناس من الجيران يتوافدون عليه؛ يهنئونه بهذا النجاح، وهذا المستقبل، وإذا برب العباد يوزع محبته على الناس، ففي الصحيح: {أن الله عزوجل إذا أحب عبداً، قال لجبريل: إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم يقول للملائكة: فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض -وفي بعض الروايات: حتى إن الناس ليَشربون حبه مع الماء البارد، وإذا أبغض الله عبداً، قال لجبريل: إني أبغض فلاناً فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم يخبر أهل السماء فيبغضونه، ثم يوضع له البغض في الأرض، حتى إن الناس ليشربون بغضه مع الماء البارد}.

    أحبوه، وواصل مسيرته مع الله، وما زال حياً وأصبح مثالاً وأسوةً: وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً [الفرقان:74] وهدى الله على يديه كثيراً من الناس، ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4].

    عباد الله! جددوا توبتكم وإقبالكم إلى الله الواحد الأحد، أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين، فإن ربكم غفور شكور.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً} اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.

    وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.

    اللهم إنَّا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.