إسلام ويب

الراحمون يرحمهم اللهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • رحمة الله تعالى بعباده واسعة وعظيمة، وهي أوسع لهم وأرجى، وفي هذا الدرس تجد بياناً لبعض مظاهر رحمة الله، التي منها ما وضعه الله من الرحمة في نبيه صلى الله عليه وسلم، التي من خلالها ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليها، وتجد تلك التربية متمثلة في عمر، مما يدعوك إلى أهمية وفائدة تعليم الناس كيف يتراحمون.

    1.   

    سعة رحمة الله تعالى

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالإسلام، رفعت رءوسنا بالإسلام وكانت مخفوضة،وأنرت قلوبنا بالإسلام وكانت مظلمة، وشرحت صدرونا بالإسلام وكانت ضيقة. عز جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي كل شيء رحمتك وآيتك، أنت رب الطيبين، وملجأ المضطهدين، وعضد المستنصرين، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

    والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، من شرحت له صدره، ووضعت عنه وزره، ورفعت له ذكره.. من جعلته قدوة للناس، وإماماً للمتقين.. من جعلته خطيباً للناس إذا وفدوا، ومتكلماً لهم إذا احتشدوا، ورافعاً لعلمهم إذا عقدوا.. هديت به البشرية، وأنرت به أفكار الإنسانية، وزعزعت به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    فضل الرحمة

    أمَّا بَعْد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، واعلموا أن رحمة الله عمَّت الكائنات، وأن أعظم صفات المولى تبارك وتعالى هي الرحمة، فهو رحمن رحيم، رحمن الدنيا والآخرة.

    والملائكة يوم تتوسل إلى ربها ومولاها تبارك وتعالى تثني عليه بالرحمة، فتقول: رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم ) [غافر:7] فرحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى تبلغ ما بلغ علمه، رحمته عز وجل لا تتناهى، خلق الرحمة -كما في الصحيح- في مائة جزء، فجعل جزءاً واحداً في الدنيا، يتراحم بهذا الجزء الناس والحيوانات والعجماوات؛ حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تطأه، وأما تسعة وتسعون من الأجزاء فادخرها الله عنده يوم القيامة، والله عز وجل خير الراحمين، قال تعالى: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:118].

    فرحمته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لا تتناهى، ولذلك طلب من عباده أن يكونوا رحماء، ومدح المؤمنين فقال عنهم: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54].

    فما أعظم رحمة الله! وما أجل هذه الصفة يوم يتذكرها العبد المسلم فيكون رحيماً بعباد الله!

    وأبعد القلوب عن الله -تبارك وتعالى- القلب القاسي، فالله لا يحب الجبارين والمتكبرين، ولا الذين يحملون قلوباً قاسية لا تشفق ولا ترأف ولا ترحم ولا تلين.

    قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ [الحديد:16].

    قست قلوبهم باللعنة وهم بنو إسرائيل، وقست بقطيعة الرحم، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وقست بالزنا والتناحر والتقاطع، ولذلك قال الله فيهم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13].

    أُتي الرسول صلى الله عليه وسلم بسبيٍ من الكفار، وفي السبي امرأة والهة، أُخِذَ ولدُها من بين يديها وهو طفل رضيع، فأصبحت حائرةً مضطربةً، تبحث في السبي، فكلما وجدت طفلاً وضعته على ثديها وهي تبكي، حتى وجدت طفلها، فأخذت الطفل، فوضعته على ثديها وهي تبكي، وروحها تكاد يفارق نفسها فقال عليه الصلاة والسلام: {أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ قالوا: لا، -والله- يا رسول الله! وهي تقدر ألا تطرح ولدها في النار، فقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده! لله أرحم بعباده من هذه بولدها}.

    عدم تعجيل العقوبة في الدنيا

    ومن رحمة الله: أن يرى العصاة الفجرة الجبارين المتكبرين يسفكون الدماء، ويأكلون الأموال، ويتعدون على الأعراض، ويغتصبون الأملاك، ورحمته لا تزال تكلؤهم، وستره لا يزال يغشاهم، وكنفه لا يزال يعمهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وهو لم يغفل عنهم، قال تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:41-42].

    الرحمة تشمل كل ذي كبدٍ رطبة

    يعلمنا الرسول عليه الصلاة والسلام أن الرحمة لا تكون بين الناس فحسب، لا بين الرجل وزوجته، ولا بين الرجل وابنه فحسب؛ بل بين الكائنات فقد أخبر صلى الله عليه وسلم: {أن رجلاً من بني إسرائيل مر يوماً من الأيام ببئر مطوية، وقد بلغ به من الظمأ ما الله به عليم، فنزل وشرب، فلما روي صعد من البئر، فرأى كلباً يلهث -والكلب من أخس الحيوانات- لكن الكلب يحمل كبداً رطبة، ويحمل قلباً يتأثر، -فقال الرجل الإسرائيلي يوم أراد الله أن يرحمه، ويتناوله بعين الرضا- قال: لقد بلغ بهذا الكلب ما بلغ بي من الظمأ، فعاد إلى البئر، وملأ خفه من الماء؛ وقدمه إلى الكلب فشرب، فرضي الله عن هذا من فوق سبع سماوات، وأدخله الجنة}.

    ويخبرنا عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم بمأساة عاشتها امرأة يهودية، كانت تحمل قلباً غليظاً، لكن على عالم القطط، وبعض الناس لا تظهر شجاعته إلا على القطط والكلاب؛ مقدام لكن على الكلاب، وشجاع وبطل لكن على القطط، وهذه المرأة الإسرائيلية أعلنت شجاعتها وبطولتها على قطة من القطط، فقد أغضبتها القطة؛ فحبستها في بيت، فأتت القطة تبحث عن الطعام، فلا طعام، لا هي أطعمتها وسقتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، فماتت القطة، فكان جزاء هذه المرأة أن عذبها الله في نار تلظى.

    ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يرى هذا المشهد حين صلى بالناس صلاة الكسوف في المدينة، فتأخر من المحراب خطوة، ثم تقدم خطوة، فلما سلم سأله الصحابة عن ذلك، فقال: {عرضت لي الجنة، فرأيتها في عرض الحائط، ورأيت عنقوداً من عنب لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار، ورأيت فيها عمرو بن لحي الخزاعي يجر قصبه بالنار -لأنه أول من أدخل الأصنام إلى جزيرة العرب- ورأيت امرأة تنهشها هرة تعذب في النار، لأنها حبستها في الدنيا}.

    1.   

    رحمة النبي صلى الله عليه وسلم

    لقد امتدح الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالرحمة، وأخبره أنه ألف القلوب بالرحمة، ولو كان غير ذلك لما تألفت له قبائل العرب، ولو أنفق ما في الدنيا من ذهب وفضة.

    فالعرب أمة مبعثرة همجية ما لم يسيطر عليها الإسلام، وهي أمة مشاغبة متمردة ثائرة، ولذلك لم يكن لها حضارة، وثقافة، ولم تكن لها دولة حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا إله إلا الله، وألف بين قلوبهم، قال تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:63] فكان عليه الصلاة والسلام يمتاز بالرحمة، حتى يقول الله تبارك وتعالى له: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] أي: لو سستهم بالشدة والجبروت والسفك؛ لتفرقوا وتبعثروا وما اجتمعوا لك أبداً.

    يأتي الرجل يحمل من الحقد والحسد والضغينة والقتل للرسول صلى الله عليه وسلم الأمر العظيم، فيعفو عنه صلى الله عليه وسلم ويتبسم له، فيعود حبيباً قريباً إلى قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34].

    رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال

    كان يمر عليه الصلاة والسلام في سكك المدينة على الأطفال، فيقبِّلهم، وكثير من الناس اليوم جبار متكبر، يرى أن من أحقيته وشخصيته وعلوه وسموه ألا يدنو إلى طفل في الشارع، فيمسح رأسه ويقبله؛ يقول: مالي ولأطفال الناس؟! وحضرتي تتنزل إلى هذا لأطارد الأطفال في السكك لأمسح رءوسهم وأقبلهم، لكن المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يدنوا منهم ويقبلهم.

    وإذا رحـمت فأنت أمٌ أو أبٌ     هذان في الدنيا هما الرحماءُ

    فإذا أخذت العهد أو أعطيته      فجميع عهدك ذمةٌ ووفاءُ

    فإذا سخوت بلغت بالجود المدى      وفعلت ما لا تفعل الأنواءُ

    وإذا غضبت فإنما هي غضبةٌ     في الحق لاضعن ولا بغضاءُ

    وإذا سعيت إلى العدا فغضنفر     وإذا غضبت فإنك النكباءُ

    أتى صلى الله عليه وسلم ليصلي بالناس، فسمع طفلة -وهي ابنة بنته زينب وهو جدها عليه الصلاة والسلام- تبكي وقد أقيمت الصلاة، فهل يصلي ويترك الطفلة تبكي، أم يتشاغل بالطفلة عن الصلاة وعمرها سنتان؟ فأخذها على كتفه الأطهر الأرأف الأشرف، وتقدم الصفوف، ليُري القواد والزعماء والعلماء أنه أرحم الناس، فكان إذا سجد وضعها في الأرض، وإذا قام رفعها، فهل بعد هذه من رحمة؟!

    يصلي عليه الصلاة والسلام بالناس، ومن حبابته للقلوب وقربه للأرواح يأتي الحسن والحسين عليهما رضوان الله أبناء فاطمة الزهراء البتول الراشدة المرضية، فينظران الرسول عليه الصلاة والسلام ساجداً في صلاة الظهر، ووراءه في الصفوف الرجال والنساء والأطفال، فضاقت بهم الدنيا إلا ظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأعجبهما المنظر يوم سجد صلى الله عليه وسلم وأرخى أكتافه، فصعد الحسن على ظهره، ثم صعد الحسين، وأصبح صلى الله عليه وسلم ساكناً في سجوده وأطال السجود، فلما سلم سأله الناس: {ما لك أطلت السجود يا رسول الله؟! قال: إن ابني هذين ارتحلاني فخشيت أن أوقعهما في الأرض فأوذيهما، فانتظرت حتى نزلا} فمن يفعل هذا؟!

    إننا نتعامل مع الأطفال بالضرب والشتم والمطاردة في المسجد، حتى إن كثيراً من الأطفال أصبح يخاف من المسجد خوفاً عظيماً، لما يسمع فيه من التهديد والإرهاب والثوران، لكن المصطفى صلى الله عليه وسلم تحبب إلى الأطفال حتى دخل عليه الصلاة والسلام إلى قلوبهم.

    يذهب إلى أحد الأطفال، وكان له طائر يلعب به، فمات الطائر فأصبح موت هذا الطائر مصيبة في حياة الطفل، فيعزيه صلى الله عليه وسلم ويقول -والحديث صحيح-: {يا أبا عمير! ما فعل النغير} فما كأن المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا متفرغاً لهؤلاء الأطفال، مع العلم أن هموم البشرية وأحداثها تدور على كتفه صلى الله عليه وسلم.

    تخفيف الصلاة رحمةً بالضعفاء وذوي الحاجات

    من الرحمة التي أنزلها الله في قلبه عليه الصلاة والسلام أنه يصلي بالناس فيسمع بكاء الأطفال، فيتجوز في الصلاة، فيقول: {إني أدخل في الصلاة فأريد أن أطيلها، فأسمع بكاء الطفل فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه} سبحان من أعطاك الرحمة! وسبحان من أنزلها في قلبك! وسبحان من علمك أن تتعامل مع الناس؛ حتى قدت البشرية إلى بر السلام!

    كان يغضب من التشديد على الناس، ويريد التيسير؛ أرسل أبا موسى ومعاذاً داعيين ورسولين ومنذرين ومبشرين إلى اليمن، فكان آخر ما أوصاهما به أن قال لهما: {يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا}.

    وأتاه رجلٌ من الأنصار فقال: {يا رسول الله! والله الذي لا إله إلا هو إني أتخلف عن صلاة الفجر من أجل ما يطيل بنا فلان} يعني معاذاً رضي الله عنه وأرضاه، فقد قرأ بهم مرة من المرات سورة البقرة، فقسمها في ركعتين، فأتى هذا الأنصاري وكان وراءه أسرة ومتطلبات وأشغال ودواعي، فترك الصلاة وصلى صلاة خفيفة، وذهب يشتكي معاذاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، فهل قال الرسول صلى الله عليه وسلم أحسنت يا معاذ؟ أحسنت يوم أطلت وقرأت وأسمعت ورتلت؟ لا. بل غضب صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، فلما دخل معاذ غضب عليه الصلاة والسلام في وجهه، وقال: {أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ! أفتان أنت يا معاذ! من صلى منكم بالناس فليخفف؛ فإن فيهم الكبير والصغير والمريض وذا الحاجة} فهذا الدين رحمة، ويسر وسهولة.. دين دخول إلى القلوب , وشراءٌ للأرواح.

    كانت عيناه عليه الصلاة والسلام تدمعان دمع رحمة، وإلا فهو من أشجع الناس.

    وإذا لقيت كتيبة يوم الردى     أدبت في يوم الردى أفعالها

    وإذا وعدت وفيت فيما قلته     لا من يكذب فعلها أقوالها

    وكان صلى الله عليه وسلم يتأثر في المواقف، فقد دخل على ابنه إبراهيم وهو يجود بنفسه، فبكى حتى شهق صلى الله عليه وسلم، فقال ابن عوف: {حتى أنت يا رسول الله؟! -أي: حتى أنت تبكي- قال: إنها رحمة ويضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله}.

    ويأتي إلى الحسن فيقبله أمام الجماهير، فيقول الأقرع بن حابس التميمي - وهو رجل تربى في البادية صلداً كالحجر قاسياً كالصحراء- قال: { يا رسول الله! أئنكم تقبلون الأطفال؟! والله إن عندي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم، فالتفت إليه صلى الله عليه وسلم، وقال: أأملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟}.

    يرى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه رجلاً يريد أن يذبح شاة، فقادها برجلها، فقال عمر: [[يا عبد الله! اتقِ الله، وقد الذبيحة إلى الموت قوداً جميلاً، كفى بك أن تذبحها]] ولذلك تجد بعض الناس يتعامل ببشاعة وقسوة وفتك مع الحيوانات؛ ومع الأبقار والأغنام والدجاج والقطط والكلاب؛ وكأن ليس لها قلوب ولا أكباد، والله الذي خلقها ولو لم يرد رحمتها ما خلقها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    وأعظم ما نتراحم به بيننا في تعاملنا وزياراتنا وتوادنا قال صلى الله عليه وسلم: {ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء}.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    مظاهر الرحمة في قلب عمر

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    كانت مدرسته عليه الصلاة والسلام تمتاز على مدارس غيره بالرحمة، فقد علَّم أصحابه الرحمة؛ حتى أصبح أشدهم وأقساهم قلباً من أرحم الناس، ولولا هداية الله لـعمر رضي الله عنه وأرضاه لما كان يرحم، ولا عرفت عيناه الدموع، فقد كان عمر من أقسى الناس في الجاهلية، كان سفاكاً فتاكاً لا يعرف المهادنة، ولا يعرف الحوار واللين والسهولة، وإنما الكلمة القوية والأخذ بالعنف، فلما سكب صلى الله عليه وسلم إناء الرحمة في قلبه كان أرحم الناس.

    يقف عمر بن الخطاب يوم الجمعة فتغلبه دموعه رحمةً، فلا يستطيع أن يتكلم، يأتي يصلي بالناس فلا يسمع الناس قراءته من كثرة بكائه، أخذت الدموع في خده خطين أسودين، فمن جعل هذه الرحمة تسري في شرايينه وفي عروقه؟!

    فهذا أسلم مولى عمر، قال له عمر بعد صلاة العشاء: أتنام؟! فقال: نعم، قال عمر: والله ما نمت منذ ثلاث ليال، انطلق بي يا أسلم، فقد جعل الله في عنقي الأرملة والمسكين والشيخ الكبير والعجوز، وإن الله سائلي عنهم يوم القيامة، قال: فذهب معه بعد صلاة العشاء، وبيده درة -عصا- يتمشى في شوارع المدينة، يسأل عن أمنها، وراحة أهلها, يسهر لينام الناس، ويجوع ليشبع الناس، ويظمأ ليروى الناس، فاقترب من بيتٍ في ناحية من نواحي المدينة، فسمع امرأة تبكي، فوضع رأسه على صائر الباب، فإذا المرأة في الولادة، فأخذ يبكي معها، قال أسلم: مالك يا أمير المؤمنين؟! قال: هذه المرأة في الولادة، إنك لا تدري ماذا تجد من ألم الولادة يا أسلم! إني أخاف من الله أن يسألني يوم القيامة عنها، ثم انطلق إلى بيت المال، فأحضر طعاماً وصنعه لها وقدمه، فلما أصبحت تأكل وارتاحت قالت لـ1000029>عمر

    - ولم تعرفه-: والله إنك لخير من عمر بن الخطاب.

    تحمله الجوع ليشبع المسلمون

    هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يقول عام الرمادة: والله لا أبتل في سمن ولا آكل سميناً حتى يجلي الله الكربة عن المسلمين؛ يأتي يوم الجمعة يخطب الناس، فيقرقر بطنه على المنبر من الجوع، فيقول لبطنه ويضرب عليه: [[قرقر أو لا تقرقر، والله لا تشبع حتى يشبع أطفال المسلمين]].

    حسبي وحسب القوافي حين أرويها      أني إلى ساحة الفاروق أهديها

    يا رب هب لي بياناً أستعين به      على حقوق العلا قد نام راعيها

    عمر رضي الله عنه وأرضاه يبلغ من حنانه وبره إلى أن يسأل عن الأطفال ماذا أكلوا وشربوا، وكيف ناموا؟ ثم يواصل استقصاءه للحقائق ليرتاح، فرضي الله عن ذاك الإمام الذي علَّمه صلى الله عليه وسلم الرحمة، وعلَّمه كيف يعيش مع الناس بالرحمة، وعلمه كيف يكون رحيماً بالناس؟

    إنها الرحمة التي علَّمها صلى الله عليه وسلم أصحابه، ومن لا يرحم الناس لا يرحمه الله، وكثير من البطون اليوم تشبع، وما عليها أن يجوع آلاف المسلمين، وتكتسي بأشرف الملابس، وأرقى المعطيات، وما عليها ممن عري من الناس، وتسكن قصوراً شاهقةً والناس ينامون على الأرصفة؛ لأن الرحمة ما سكبت في القلوب كما أرادها رسول الهدى صلى الله عليه وسلم.

    والتراحم الذي يريده الله عز وجل هو التراحم والتواد بين المؤمنين، وأوله أن تلقى المؤمن وأنت تود له ما تود لنفسك، وهذه ضاعت من أوساطنا إلا ممن رحم الله.

    بعضنا لا عليه أن يسعد ولو شقي الناس، ولا عليه أن يجوع الناس إذا شبع، ولا عليه أن يتعب الناس إذا ارتاح، فأين الرحمة التي أرادها الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى؟!

    1.   

    الرحمة التي يريدها الله من المسلمين

    رحمة الرجل لأهل بيته

    من الرحمة التي يريدها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى في الناس: أن يرحم الرجل أهل بيته، وأول ما يرحمهم به أن يقودهم إلى الإسلام، فوالله لرحمتك لأهل بيتك بقيادتهم إلى الإسلام أعظم من تقديم الطعام والشراب إليهم، يظن بعض الناس أن الرحمة لأهل البيت أن يشبعهم ويكسوهم ويسكنهم ويسدل عليهم الخير؛ وهذا من الرحمة، لكن أعظمها أن تقودهم إلى الجنة، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ التحريم:6].

    الرحمة بالمساكين بتفقد مرضاهم وإطعام جائعهم

    أيظن الإنسان أن الله لا يسأله عن بني الإنسان؟! يوم القيامة يقررك الله بذنوبك، فيقول الله: {يا بن آدم! جعت فلم تطعمني} أكلت الموائد الشهية وشبعت وجاع الناس وهذا حديث صحيح من رواية ابن عباس: {قال العبد: يا رب! كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان جاع فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته وجدت ذلك عندي} يجوع جارك ويمسي طاوياً يتلوى من الجوع، ترى الفقراء والمساكين يتلوون في السكك والطرقات والمنحنيات لا يجدون كسرةً يابسةً من الخبز، وأنت ترمي الأكلات في القمامة للقطط والكلاب، حتى أصيبت قططنا وكلابنا بالتخمة، فأصبحت تموت بالتخمة، وأما الأكباد الجائعة والبطون الخاوية، فأصبحت لا تجد قطعة الخبز اليابسة التي ترمى في السكك.

    {يا بن آدم! ظمئت فلم تسقني، قال: كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلان بن فلان ظمأ فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته وجدت ذلك عندي، يا بن آدم! مرضت فلم تعدني} وكثير من عيادات الناس وزياراتهم اليوم أصبحت على الوجاهة والشهرة والمناصب ومعطيات الدنيا.

    الفقراء يمرضون السنوات ولا يعادون، والمساكين يطرحون في المستشفيات على الأسرة ولا يجدون من يعودهم، إن كان رجل له منصب وجاه من الأغنياء وأهل الشهرة:

    ترى الناس أفواجاً على باب داره      أطافوا على تلك الديار وسلموا

    تشكو عتبات الوجهاء من كثرة الزيارة لا لوجه الله، لكن لوجهه وأصبحت دعوات الناس على الطعام للوجاهة، فيدعى وجهاء الناس والفقراء يتلوون بجانب الخيام والقصور والفلل لا يدعون، لأنهم فقراء.

    {يا بن آدم! مرضت فلم تعدني، قال: يا رب! كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما تعلم أن عبدي فلان بن فلان مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدت ذلك عندي}.

    عباد الله! أسأل الله أن يرحمني وإياكم برحمته التي وسعت كل شيء، وأن يجعلنا رحماء مع أهلنا وجيراننا وإخواننا وأمتنا، وأن يجعل الرحمة تعاملنا، وأن يكسونا ثوب الرحمة، وأن يرحمنا سراً وجهاراً وظاهراً وباطناً، وأن يغرس شجرة الرحمة في قلوبنا، لتثمر الصدق واليقين والصراحة والوضوح.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدةً، صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.