إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. صالح بن عواد المغامسي
  4. سلسلة أعلام القرآن
  5. سلسلة أعلام القرآن [يوم الجمعة، طالوت وجالوت، أبو لهب، مكة المكرمة]

سلسلة أعلام القرآن [يوم الجمعة، طالوت وجالوت، أبو لهب، مكة المكرمة]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من الأعلام التي وردت في القرآن يوم الجمعة، وهو يوم يجتمع فيه المسلمون لصلاة الجمعة في المسجد ولسماع خطبتها، ولهذا اليوم من الخصائص والمميزات ما تجعله عيداً في كل أسبوع. كذلك جاء ذكر طالوت وجالوت، وهما علمان على رجل من أهل الإيمان ورجل من أهل الكفر والطغيان، قاد طالوت جيش الإيمان وقاد جالوت جيش الكفر والطغيان. ومن الأعلام الواردة في القرآن كذلك أبو لهب المتوعد بنار ذات لهب، ومكة المكرمة، الأرض المطهرة والبقعة الطيبة.

    1.   

    ذكر يوم الجمعة وما جاء فيها

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

    فهذا بحمد الله وتوفيقه اللقاء الثالث حول أعلام القرآن.

    وقد سبق التأكيد على أن هذه اللقاءات تعنى بأعلام قرآنيه ذكرها الله جل وعلا في كتابه إما مدحاً وإما ذماً، ونعرج عليها إلماماً تاريخياً ومعرفياً قدر المستطاع ولا نطيل في أي من تلكم الأعلام؛ لأن الأعلام كثيرة ونحاول قدر الإمكان أن نأتي على أكثر الأعلام التي أوردها الله جل وعلا في كتابه، وقد مر معنا ذكر جبريل عليه السلام، والكوثر، ويوم الفرقان، وقارون ، وفرعون، وهامان ، وعرفات والمشعر الحرام، وغيرها من الأعلام التي تكلمنا عنها لماماً وسراعاً ما أمكن إلى ذلك سبيلا.

    قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9].

    فيوم الجمعة علم على يوم كان يسمى قبل الإسلام بيوم العروبة، ثم سمي في الإسلام بيوم الجمعة بنص القرآن كما في السورة التي سميت بهذه الآية، وهي سورة الجمعة.

    أول جمعة أقيمت في الإسلام أقامها أسعد بن زرارة وكنيتهأبو أمامة رضي الله عنه وأرضاه، أقامها قبل وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بفترة، حيث جمع أسعد بن زرارة رضي الله عنه وأرضاه المسلمين وصلى بهم صلاة الجمعة، وأقام لهم غداء.

    فكان حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه ممن حضر تلك الجمعة، فلما كبر حسان كان ابنه عبد الرحمن هو الذي يقوده؛ لأنه كان قد عمي في آخر عمره، فكان حسان إذا دخل المسجد ومعه ابنه يقوده وأذن لصلاة الجمعة بين يدي الإمام يترحم حسان على أبي أمامة ويقول: اللهم صل على أبي أمامة ، اللهم اغفر له. ويدعو له، فيسمعه ابنه عبد الرحمن ويتعجب.

    ثم تكرر هذا الموقف مراراً من حسان ، فقال عبد الرحمن رضي الله عنه في نفسه: إن هذا بي لعجز، يعني: ما الذي يمنعني أن أسأل أبي لماذا يترحم على أبي أمامة كلما أذن لصلاة الجمعة؟ فسأله فقال: يا بني! إن أول من صلى بنا الجمعة هو أبو أمامة رضي الله عنه وأرضاه.

    قلنا: كان يسمى هذا اليوم في الجاهلية يوم العروبة، والله جل وعلا أنبأ الأمم التي قبلنا أن هناك يوماً عظيماً مفضلاً عنده جل جلاله، فالأمم سعت في معرفة ذلك اليوم، فزعمت اليهود أنه السبت، فهم إلى اليوم يعظمون يوم السبت، وذهبت النصارى إلى أنه يوم الأحد، فاليهود أخذوها على أنهم يرون أن الله انتهى من خلقه يوم الجمعة واستراح يوم السبت -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- والنصارى تزعم أن الأحد أول أيام الأسبوع، فلذلك ترى أنه هو اليوم الذي اختاره الله واصطفاه، قال صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)، أي: أعطوا الكتاب من قبلنا، وضلوا عن هذين اليومين، فنحن وإن تأخرنا ظهوراً إلا أننا أعلم بهذا اليوم منهم لما علمه الله رسوله صلى الله عليه وسلم.

    المشهور عند أهل العلم أن أول جمعة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم كانت بعد خروجه من قباء إلى المدينة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام نزل قباء في أول الأمر، فالمشهور المنقول عن ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة في المسجد المعروف اليوم بمسجد الجمعة، لكن لا يوجد دليل صريح فيما نعلم يدل على هذا، وهذا هو المشهور المستفيض.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الجمعة: (فيه خلق آدم) ولهذا قال العلماء: إنه سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق آدم (وفيه تقوم الساعة)، أي: يوم الجمعة.

    ما يستحب في يوم الجمعة

    ويسن في يوم الجمعة أمور عدة: قراءة سورة آلم تنزيل السجدة والإنسان في فجرها، وقراءة سورة الكهف في يومها، وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه.

    وهذا ولله الحمد أمر مستفيض بين المسلمين، وكذلك أئمة الحرمين وغيرهم من أئمة المساجد يحرصون على قراءة: آلم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [السجدة:1-2] وسورة الإنسان في فجر يوم الجمعة.

    ويكثر الإمام في الصلاة من قراءة: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1]، وسورة الغاشية، ومن دلالة محافظته صلى الله عليه وسلم على هذا أنه صلى بالناس يوم الجمعة فقرأ فيهما بسبح والغاشية، ثم كان عليه الصلاة والسلام في ذلك اليوم قد وافق عيداً فقرأ في الفجر بسبح والغاشية، مما يدل على أن لسبح والغاشية حكمة لا نعلمها، وإلا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر العيد بسبح والغاشية، ثم يجتمع مع الناس في نفس اليوم الجمعة فيصلي بهم صلى الله عليه وسلم ويقرأ بسبح والغاشية، فينبغي على الأئمة قدر الإمكان أن يحرصوا على عدم تركها، نعم يقرأ بغيرها أحياناً ليبين للناس أنها ليست بواجبة لكن لا يكثر من ذلك؛ لأن اتباع السنة أولى.

    ويوم الجمعة فيه ساعة لا يدعو فيها رجل مسلم إلا استجاب الله جل وعلا له فيها، واختلف العلماء رحمهم الله في تحديدها، لكن نقول جملة: هي ساعة مخفية، وقد قال بعض العلماء: إنها من حين أن يرقى الإمام المنبر إلى آخر وقت صلاة العصر.

    وقال بعضهم: إلى أن تنتهي الصلاة.

    وقال آخرون من العلماء: إنها آخر ساعة من يوم الجمعة أي: قبل الغروب، وكل له دليله، هذا الموطن ليس موطن ترجيحات فقهية، وإنما هو إلمام بأعلام القرآن.

    حكم صلاة الجمعة وخطبتها

    صلاة الجمعة واجبة ليست بدلاً عن الظهر، وإنما الظهر بدل عنها لمن فاتته صلاة الجمعة.

    واختلف أهل العلم فيمن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام في صلاة الجمعة، فمعظم العلماء يقولون: إنه إن لم يدرك الركوع الثاني مع الإمام فاتته الجمعة، فيكملها ظهراً. ونحن لا نرى دليلاً قوياً على هذه المسألة، وهناك آراء لبعض الأئمة أنه يصليها جمعة ركعتين؛ لأنه دخل بهذه النية.

    النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قبلها خطبتين يجلس بينهما، وكان يخطب قبل أن يتخذ المنبر متكئاً على عصا، ويروى أنه بعد أن اتخذ المنبر لم يتكئ على شيء، وكان إذا خطب احمرت عيناه ووجنتاه صلى الله عليه وسلم كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم.

    وكانت خطبته كلمات يسيرات قليلات لا يطيل فيهن، ويجعلها للمواعظ وللرقائق؛ لأن الجمعة يحضرها سائر المسلمين، وليست محاضرة معنوناً لها يحضرها من يريدها، لكن في هذا العصر خرجت الجمعة عن نطاقها الشرعي، فمن خلالها يقول الخطيب آراءه السياسية أو آراءه الفكرية، ومعلوم قطعاً أن آراء الخطيب الفكرية والسياسية تحتمل الصواب والخطأ على حسب علمه بالسياسة وحسب قدراته الفكرية.

    لكن قال الله قال رسوله هذا لا يحتمل صواباً ولا خطأ، والناس الحاضرون لا يأخذون ويعطون معك ولا يناقشونك، إنما يريدون شيئاً يرقق قلوبهم.

    صلاة الجمعة يحضرها العامل .. يحضرها المسلم الأمي .. يحضرها الفقير .. يحضرها الغني .. يحضرها العالم .. يحضرها سائر الناس، فإخراجها عن مراد الله ورسوله هو الذي جعل الناس تكثر فيهم قسوة القلوب؛ لأنهم لا يجدون وقتاً يسمعون فيه الخطيب إلا يوم الجمعة، فإذا جاء يوم الجمعة أخرجهم الخطيب عما يريدون وذكر لهم آراء سياسية أو فكرية أو قضايا لا تعنيهم، أو حتى إذا كانت تعنيهم لا يملكون فيها حولاً ولا قوة، فيذهب أهل الثقافة يناقشون رأي الإمام، ورأي الإمام رأي فكري، وقد يكون هذا الإمام رجلاً تقياً عالماً فقهياً يملك ترقيق القلوب لكنه لا يفقه شيئاً في الأمور الفكرية أو السياسة، فيتكلم في أمور قد يكون قوله فيها صواباً وقد يكون قوله خطأ، وليس عامة المسلمين محل تجربه، وليس هذا موطن الحديث عن مثل هذه الأمور.

    تقول أم هشام بنت الحارث رضي الله عنها وأرضاها: (ما حفظت سورة ق إلا من النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة ما يقرأ بها في صلاة الجمعة)، فسورة (ق) معروف فيها ذكر بدء الخلق، والموت، وإتيان الموقف العظيم، وازدلاف الجنة، وبعد النار، وما إلى ذلك، حتى يكون في ذلك ترقيق لقلوب الناس، أما تلك الأمور فلها مواطنها يتكلم فيها أهل العلم، لكن في لقاءات فكرية، وفي مجالس ثقافية، وفي محاضرات يعلن عنها بهذا الاسم، لكن ينبغي أن يكون المقصود الأسمى لكل خطيب ألا يخرج الناس عن الوعظ ليجعلهم يذكرون بلاغة الخطيب أو فصاحته أو علمه أو قدراته أو آراءه أو عظمته الفكرية، فهذا كله غير مقصود شرعاً.

    المقصود الأساسي: أن يخرج الناس وقد ازدادوا إيماناً بالله وتعلقاً به وتعظيماً له جل شأنه.

    وإذا استطاع الإمام أن يصل بالناس إلى هذا المستوى فقد وفق في خطبة الجمعة.

    سبب نزول قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة...)

    قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، هذه الآية يمكن الكلام عنها من وجهين:

    الوجه الأول: أنها نزلت خصوصاً في قافلة أتت من الشام قادها دحية الكلبي رضي الله عنه وأرضاه، فانصرف الناس عن الجمعة -والظاهر أن هذا كان في أول الإسلام- يبتغون تلك الأموال فأنزل الله تلك الآية.

    الوجه الثاني: أن يوم الجمعة يوم يجتمع الناس فيه، فقال الله جل وعلا: وَذَرُوا الْبَيْعَ [الجمعة:9]، تذكرة بأمر أعظم وهو أنه سيأتي يوم عظيم يجتمع الناس فيه وهو يوم المعاد، وهذا اليوم نعته الله جل وعلا بقوله: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة:254]، فيترك الإنسان البيع في الدنيا ويلجأ إلى الله في مثل هذا اليوم العظيم تذكرة لنفسه باليوم الذي يغدو الناس فيه بين يدي رب العالمين، والإنسان لا بد أن يكون له باعث من نفسه.

    وما عاتب الحر الكريم كنفسه والمرء يصلحه الجليس الصالح

    لا بد أن يكون في الإنسان ناصح من نفسه، فإذا خرج الناس من أي جامع تقام فيه صلاة الجمعة أشتاتاً إلى أماكن عدة تذكر الواحد أنه سيأتي يوم ينصرفون فيه من أرض المعاد، لكنهم لا ينصرفون إلى أمكنة متفرقة، وإنما ينصرفون إلى دارين، قال الله: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7].

    فكلما خرجت من الجامع الذي تصلي فيه الجمعة فتمن بهذا العمل أن تنصرف يوم القيامة إلى رياض جنته، فالمؤمل أن الإنسان يحتسب العمل، ويوظف نفسه للطاعة، ويحتسب الأجر، ويتذكر أيام الله جل وعلا، ويربط بين ما كلفه الله به شرعاً في الدنيا وما كلفه به في الآخرة.

    يوم الجمعة ويوم القيامة

    قال صلى الله عليه وسلم : (إن يوم القيامة يكون في يوم جمعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة تنتظر النفخ في الصور يوم الجمعة).

    فالخلائق سوى الثقلين تعلم أن يوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة، وتدرك أن هذا اليوم يوم جمعة، وإلا فلن تصيخ آذانها وهي لا تعرف أن هذا اليوم يوم جمعة.

    من الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن هداها ليوم الجمعة، فالأمم قبلنا حاولوا أن يصلوا إليه لكن لسوء طويتهم وغلبة شقوتهم ضلوا عن طريق الحق، فذهبت اليهود إلى أنه يوم السبت، والنصارى إلى أنه يوم الأحد، وأنت ترى في الغرب اليوم أن يومي الإجازة عندهم هما يوما السبت والأحد، وعندنا يوم الجمعة.

    وقد وقفنا على أثر يدل على أن عمر رضي الله عنه وأرضاه هو أول من جعل للناس يوماً يستريحون فيه غير يوم الجمعة، وقلنا: إن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه ترك المدينة وذهب إلى الشام ليأخذ مفاتيح بيت المقدس، ويستلم بيت المقدس صلحاً، فلما عاد استقبله أهل المدينة ولم تجر له عادة أنه يكثر الغياب عن المدينة، فقد كان يهاب أن يخرج منها، ومعلوم أنه كان يقول: اللهم إني أسألك شهادة في سبيلك وميتة في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم.

    فلما قدم استقبله الغلمان فأحب أن يكافئهم، فقال لهم رضي الله عنه وأرضاه: إما أن أعطيكم أعطيات حلوى أو دنانير أو دراهم أو شيئاً ترضون به، وإما أن أعطيكم يوماً بدل من الكتاتيب، فقال الغلمان: نريد يوماً ليس فيه كتاتيب، فالناس يحبون أن يخرجوا عن المألوف، ويحبون أن يجدوا لهم راحة.

    هذا ما يمكن أن يقال عن يوم الجمعة.

    1.   

    طالوت وجالوت

    وهنا علمان على شخصين أحدهما كافر والآخر مؤمن، وهما طالوت وجالوت. ذكرهما الله جل وعلا في سورة البقرة، ولم يكرر ذكرهما في أي سورة أخرى، والله تبارك وتعالى أحياناً يريد أن ينبه على الأشخاص وأحياناً يريد أن ينبه على الأحداث، فإذا أراد أن ينبه على الأحداث أغفل ذكر الأشخاص ولو كانوا عظماء، وإذا أراد أن ينبه على الشخص ذكر الشخص ولو لم يكن عظيماً، وإذا أراد أن ينبه على الأمرين ذكر الله جل وعلا الشخص والحدث.

    هنا قال الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ [البقرة:246]، قوله (لنبي) نكرة، ولم يذكر اسم ذلك النبي؛ لأنه ليس المقصود حوار أولئك القوم مع ذلك النبي، وإنما المقصود الحدث التاريخي.

    بنو إسرائيل مكثوا في أرض التيه (40) عاماً، وخلال هذه الأربعين مات هارون ثم مات موسى، ثم عهد موسى بأمر النبوة من بعده إلى يوشع بن نون فتاه، ثم مكثوا سنين طويلة، وخلال هذه السنين الطويلة كان العماليق يحاربون بني إسرائيل ويتعرضون لهم، فكان الإنهاك والقتل في بني إسرائيل أكثر، فلما شعر بنو إسرائيل بالضعف لجئوا إلى نبي لهم قيل: إن اسمه: شمعون وقيل إن اسمه: شوميل، وقيل إن هذين الاسمين لرجل واحد، وهو الأظهر.

    فسألوه أن يبعث الله لهم ملكاً يقودهم؛ لأن الناس لا يمكن أن يجاهدوا أو يحاربوا أو يسوسوا أمرهم بدون شخص يأتمرون به، فهذا أمر خلاف العقل.

    فبنو إسرائيل أرادوا ملكاً يقودهم في الجهاد: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [البقرة:246]، وهذا النبي شوميل أو شمعون كان قد اعتزلهم لما رأى من عصيانهم، وذلك أنه أخذ عليهم المواثيق أنه إذا كتب عليهم القتال أن يقاتلوا، فقالوا: نعم، بل استغربوا وقالوا: وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا [البقرة:246]، فلما كتب الله عليهم القتال نكصوا، فأخبرهم نبيهم أن الله قد بعث لهم طالوت ملكاً، فاعترضوا بأن هذا الملك لم يكن من السبط الذين فيهم الملك، ولم يكن من السبط الذين فيهم النبوة، قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ [البقرة:247]، ولا يمكن أن يوجد ملك بدون عصبة.

    أما العصبة التي كانت مع طالوت فهي أن الله جل وعلا هو الذي اختاره وكفى بها عصبة، لكن في زماننا هذا لا يوجد وحي من الله: أن الله اختار فلاناً! فلا بد من عصبة يقوم بها الملك.

    والمقصود: أن نبيهم أخبرهم إن الله قد بعث لهم طالوت ملكا،ً وأخبرهم بذلك حتى يلين قلوبهم لأمر الله وطاعته، وآتاه بسطة في العلم والجسم، أي: علم عام بالشرع، وعلم بالحروب، وكانت الحروب آنذاك تعتمد اعتماداً كلياً على القوة الجسمية، وقوله جل وعلا: وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ [البقرة:247]، فيه رد على قولهم: وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ [البقرة:247].

    وبعد أخذ وعطاء أذعنوا، وذلك بعد أن أخبرهم نبيهم أن ثمة آيات أعطاها الله جل وعلا لـطالوت، قال الله تعالى: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [البقرة:248]، والتابوت والسكينة تحدث العلماء عنها من جوانب عديدة، لكن لا يوجد شيء يعتمد عليه ممكن أن ينقل، وكلها أقاويل منقولة عن مسلمة أهل الكتاب، ولا يدرى صحيحها من سقيمها أو قويها من ضعيفها.

    لكن نقول جملة: إن الله جل وعلا أعطى طالوت قرائن لا يستطيع معها بنو إسرائيل أن يردوا ملكه منها: تابوت ينصرون به، وهيئة هذا التابوت لا نعلمها.

    أما السكينة فقد تكون بمعناها العربي المعروف وهي الطمأنينة، وقد يكون غير ذلك، كما قيل: إنها ريح، وقيل: إنها طائر، وقيل غير ذلك.

    قال تعالى: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ [البقرة:248]، قيل: عصا موسى وعصا هارون ورضاض من الألواح التي كتبت فيها التوراة لموسى، وهذا محتمل، لكنني لا أجزم به.

    أخذ طالوت الجيش يعبر بهم نهر الأردن لمقابلة العمالقة الذين يقودهم جالوت.

    فالدنيا قائمة على الامتحان وكلما ابتلى الله الإنسان بشيء وفاز فيه يبتليه بشيء آخر، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه، والله يقول: وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43].

    كان جيش طالوت (80000)، ذهب ليحارب بهم فمر على نهر وقال لهم: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249].

    فقسمهم ثلاثة أصناف: قوم سيشربون، وقوم لن يشربوا أبداً، وقوم يذوقون؛ لأن (يطعم) تأتي في اللغة بمعنى: يذوق، وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ [البقرة:249].

    فالذين لم يشربوا بالكلية قطعاً سيكونون في الجيش، والذين سيغرفون غرفة باليد ممكن أن يقبلوا، وأما الذين شربوا من النهر واغترفوا غرفاً كثيراً فهؤلاء لا مكان لهم في جند طالوت.

    وهذه تقاس على الدنيا، فالدنيا مثل النهر الذي اعترض بني إسرائيل، فمن شرب منه بالكلية لا مكان له في الآخرة، ومن أخذ شيئاً بالمقدار الذي يبلغه إلى الله سيصل للآخرة، ومن لم يشرب منه أبداً سيصل، لكن الأوسط أفضل؛ لأنه هدي الأنبياء.

    حكايتان في الابتلاء والافتتان بالدنيا

    يقولون في الأمثال الدارجة: إن رجلاً فقيراً رأى امرأة حسناء، فقال لها: أريد أن أتزوجك، فوافقت، وهو غير مصدق أنها ستقبله، فأخذها إلى المأذون ففتن بها المأذون فعرض عليها نفسه، فأقبلت عليه وتركت الفقير.

    فذهب الفقير فاشتكى المأذون إلى القاضي، فلما أحضر الثلاثة فتن القاضي بها أعظم من فتنة المأذون، فطلبها لنفسه، فذهب المأذون والفقير يشكوان القاضي إلى الوالي، فقال الوالي: أين هذا القاضي الذي يراد به الخير فيجبل الناس على الشر؟ فلما رآها الأمير ازداد بها فتنة وطلبها لنفسه.

    فذهبوا إلى العامة حتى يستعينوا بهم على الأمير، فكل رجل من العامة أخذ يطلبها لنفسه، ففرت من أمامهم وهي تقول: أنا الدنيا؛ الكل يطلبني ولست مكتوبة لأحد!

    إن هذه هي الدنيا لا يوجد أحد إلا ويتعلق بها، وهي تفر من الجميع، فكلما أتعبت نفسك وراءها ابتعدت، وإن تركتها ستأتيك وهي راغمة، وإن جريت وراءها فلن تنال منها إلا ما كتب لك.

    كان رجل من الصالحين مسافراً على ناقة فيها خطام، فأدركته الصلاة وقد خرج الناس، فأراد أن يصلي في مسجد لكنه خاف على الناقة، فنادى غلاماً وقال له: اقبض لي الناقة حتى أصلي ركعتين وأعود، فدخل يصلي، فأخذ الغلام الخطام وشرد به، فخرج الرجل ووجد الناقة ولم يجد الخطام ولم يجد الغلام، فعرف أنه سرقه، وقبل أن يخرج الرجل من المسجد أخرج دينارين، ليكافئ بهما ذلك الغلام، فلما وجد الناقة بدون خطام رد الدينارين في جيبه، وذهب إلى السوق ليشتري خطاماً، فوجد نفس الخطام عند أحد الباعة واشتراه بدينارين وأخذ الخطام، فقال الرجل: لا إله إلا الله، سبحان الله، والله أكبر، يأبى ابن آدم إلا أن يستعجل الرزق.

    قال: لو صبر لأخذ الدينارين حلالاً، لكنه استعجل وأخذهما حراماً، وهذا هو سوء الظن برب العالمين جل جلاله.

    تكملة قصة جالوت

    كان جيش طالوت (80000) فما بقي أحد لم يشرب إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وهؤلاء هم عدد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في يوم بدر.

    أقبلوا على جالوت وجنوده، قال الله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا [البقرة:250]، ولما نجحوا في اختبار النهر كان حرياً بهم أن ينجحوا في اختبار جالوت؛ لأن اختبار النهر مقدمة لما قبله. كان في الجيش رجل يقال له: أبشي والد داود عليه السلام وعنده عشرة من الولد، جاء بسبعة منهم إلى المعركة، أصغرهم داود عليه الصلاة والسلام، وكان معه المقلاع، والمقلاع مثل الجلد، طويل، يوضع فيه حجر يرمى به.

    يقال في بعض الروايات -ولا أجزم-: كان داود وهو ذاهب إلى المعركة يناديه الحجر يقول: خذني يا داود تقتل بي عدو الله، فرد الحجر الأول، ورد الحجر الثاني، وأخذ الحجر الثالث أو الرابع معه، فلما أخذه معه برز جالوت كالعادة، وفر الناس منه، واستأذن داود طالوت فلم يأذن له لقصر قامته وصغر سنه، ثم أذن له بعد إلحاحه، فضرب داود جالوت بمقلاعه فقتله، قال الله في محكم التنزيل: وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ [البقرة:251]، وقد سبق أن أسباط بني إسرائيل انقسموا فسبط كان لهم الملك وسبط كان لهم النبوة، وإكراماً من الله لداود جمع الله جل وعلا له ما فرقه في السبطين، قال الله جل وعلا: وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ [البقرة:251]، فجمع الله لداود الملك والنبوة عليه الصلاة والسلام.

    من هنا نعلم أن طالوت وجالوت علمان أحدهما لمؤمن وهو طالوت والآخر لكافر وهو جالوت.

    أول ملك في الإسلام

    أول ملوك المسلمين هو معاوية، قيل للإمام أحمد رحمه الله: أكان معاوية خليفة؟ قال: لا، إنما كان ملكاً من ملوك المسلمين، وقد اتفق الناس على أن معاوية رضي الله تعالى عنه هو أول ملوك المسلمين.

    وهكذا الأمور تجري بقدر الله، فأمه هند بنت عتبة مكثت مدة تحارب الدين ثم هداها الله للإسلام، وقبل أبي سفيان والد معاوية كانت متزوجة من رجل يقال له: الفاكه بن المغيرة ، وكان الفاكه بن المغيرة كريماً، فكان يضع خباء بجوار بيته يدخله الناس من غير استئذان، فذات يوم كان الفاكه مع هند زوجته ثم قام لبعض شأنه، فجاء ضيف ودخل المجلس ولم يجد الفاكه فرأى هنداً دون أن تراه وفر هارباً. فقابله الفاكه وهو عائد، فظن أنه كان على علاقة مع زوجته هند بنت عتبة ، فدخل عليها فضربها وسألها عن الرجل وهي تحلف أنها لم تر شيئاً، وشاع هذا في مكة قبل الإسلام، وفي مجتمع جاهلي كان يحرص على الشهامة والعرض، فأخذها أبوها عتبة لوحدها وقال لها: يا بنيتي إن كان ما قاله الفاكه حقاً فأخبريني وسوف أدس له من يقتله فينتهي الموضوع، وإن كان كاذباً في دعواه فأخبريني فأنا أحتكم إلى كهان العرب، فقالت: فحلفت له بما كانوا يحلفون به من أصنام الجاهلية أنه ما حصل شيء، فصدقها أبوها، فلما صدقها ذهب إلى الفاكه وقال له: إنك رميت ابنتي بأمر سوء، فلنحتكم أنا وأنت إلى أحد كهان العرب، فوفد الفاكه من بني مخزوم، وعتبة بن أبي ربيعة من بني عبد مناف، وأخذت هند معها نسوة يسلينها في الطريق حتى وصلوا إلى أحد كهان اليمن، وقبل أن يصلوا إلى الكاهن تغير وجه هند ، فخاف أبوها أن تكون قد تراجعت فسألها فقالت: يا أبتاه والله إن الأمر كما أخبرتك لكننا نفد على رجل يكذب أو يصدق، فاختبر أبو سفيان الكاهن قبل أن يعرض عليه القضية، فنجح في الاختبار، بعد ذلك عرضت عليه النساء وفيهن هند فكان هذا الكاهن يمشي يضرب النساء حتى وصل إلى هند فقال: انهضي لا رسحاء ولا زانية ولتلدن ملكاً يقال له: معاوية، ففرح الفاكه وتشبث بها فرمته من يدها وقالت: والله لن يكون منك، يعني: الولد، فلما رجعوا إلى مكة تزوجها أبو سفيان بن حرب فبقيت في نفسها مقولة الكاهن فولدت معاوية ، وكان أبوه أبو سفيان يقول: إن ابني هذا سيصبح ملكاً، فتقول هند : ثكلته إن لم يملك العرب والعجم، فحكم معاوية حتى ملك العرب والعجم، وعمِّر رضي الله عنه وأرضاه حتى بلغ من العمر 77 سنة، حتى كان آخر أيامه يخطب قاعداً؛ لأنه كثر لحمه واشتهر بحلمه.

    جاء أحد ملوك العرب إلى المدينة وأسلم عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يعامل الناس على قدر منازلهم خاصة حديثي العهد بالإسلام، وكان هذا الملك زعيماً في قبيلته، قال النبي عليه الصلاة والسلام لـمعاوية : خذه إلى بيت فلان! يعني: يستريح في بيت فلان! ومعاوية في تلك الأيام كان من المسلمين المتأخرين ولم يكن له صيت، فلما دخل معاوية ، قال للرجل: أردفني وكان الجو حاراً، قال: أنت من أرداف الملوك؟ قال: لا، قال: ابق مكانك، قال معاوية : أعطني نعلاً، فقال على أنفة العرب: لا أعطيك، يكفيك أن تستظل بظل الناقة، قال: اجعل وطاءك على الظل ولا حاجة للنعال، يقول معاوية : أخذته وأنا حافي القدمين، والشمس حارة حتى أوصلته كما أراد النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومرت الأيام حتى حكم معاوية ودخل هذا الرجل على أنه أحد الرعية على معاوية ، فأكرمه معاوية وأعطاه، وكان معاوية حليماً.

    موضع الشاهد: أن الإنسان لا يدري أين يضع الله جل وعلا أمره في الخلق.

    والمقصود: أن طالوت وجالوت علمان من أعلام القرآن أحدهما لأحد المؤمنين وهو طالوت، والآخر لأحد الكفار وهو جالوت.

    1.   

    أبو لهب

    العلم الثالث: أبو لهب ، وهو الوحيد الذي كني في القرآن، قال السيوطي في الإتقان: لا يوجد أحد ذكر بكنيته في القرآن إلا أبو لهب، وهو أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهنا نذكر فوائد متعددة قبل أن نشرع في الكلام عن أبي لهب .

    النبي عليه الصلاة والسلام كان له عشرة أعمام وعدة عمات، واختلف الناس في ضبطهن فقيل: أربع وقيل غيرها.

    من العمات: صفية وهي أم الزبير بن العوام، ومن عمات النبي صلى الله عليه وسلم عاتكة وهي التي مر معنا في يوم الفرقان أنها رأت الرؤيا، وعاتكة اسم تكرر كثيراً في نسب النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا: إن تسعاً من النساء يدلين في النسب الشريف اسمهن عاتكة ، منهن ثلاث من قبيلة سليم، الذين هم من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وجداته، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم يوم حنين مفتخراً: (أنا ابن العواتك من سليم)، عواتك: جمع عاتكة.

    وله عمة يقال لها: أروى ، ولكن اختلف هل ثبتت أم لم تثبت، فلا يوجد كثير أخبار عن عماته.

    أما أعمامه فعشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة: العباس ، وأبو طالب ، وحمزة ، وأبو لهب ، أسلم حمزة والعباس، وكنية حمزة : أبو عمارة ، وكنية العباس : أبو الفضل ، وعبد العزى كنيته : أبو لهب واسمه: عبد العزى ، وإنما لقب بـأبي لهب ؛ لأنه كان جميلاً جداً، وكانت وجنتاه تشرقان كاللهب.

    والرابع أبو طالب واسمه: عبد مناف ، وأبو طالب ، وأبو لهب كلاهما لم يسلما إلا أن أبا طالب كان ينصر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا

    ونصرته للنبي صلى الله عليه وسلم ظاهرة، إلا أنه مات على الكفر، وبعض الناس في عصرنا يجعل من قضية موت أبي طالب فرصة للقدح في الناس، فيقول: إن أبا طالب مات على الإسلام، وإن قلنا: إنه يوجد من العلماء من قال بذلك.

    لكن هذا يقول: إن الذين لا يقولون بأن أبا طالب مات على الإسلام يبغضون النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه تهمة عظيمة للناس، فلا يوجد مؤمن يبغض النبي صلى الله عليه وسلم، حيث لا يجتمع إيمان مع بغض النبي صلوات الله وسلامه عليه، لكن نقول: إن النصوص التي بين أيدينا تدل على أن أبا طالب مات على الكفر، وهذا أمر ظاهر، ونحن لسنا أرحم برسول الله من الله جل وعلا الذي اختار أن يموت أبو طالب على الكفر.

    لما أنزل الله جل وعلا على نبيه: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، وقف صلى الله عليه وسلم على الصفا فنادى في قريش: يا صباحاه، ثم بين لهم ما أنذر به، وكان المفترض أن يكون عمه أبو لهب أول الناس نصرة له، أو على الأقل يسكت كما سكت أبو طالب ، لكنه قال له -والناس حاضرون-: تباً لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا، وانصرف، فتفرق الناس مع أبي لهب ، وكانت له زوجه يقال لها: أم جميل تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، تبت بمعنى: خابت، وخسرت، وهلكت.

    وهذه الآيات من أعظم إعجاز القرآن؛ لأن الله أخبر فيها أن أبا لهب سيكون مصيره إلى النار، ومع ذلك لم يسلم أبو لهب لا ظاهراً ولا باطناً، ولم يستطع أن يقول ولو كذباً: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، ومات شر موتة.

    كانت لـأبي لهب جارية اسمها: ثويبة ، ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم جاءته ثويبة تخبره أن آمنة زوجة أخيه عبد الله ولدت غلاماً، ففرح أبو لهب وأعتقها، فلما مات رآه العباس بن عبد المطلب في المنام فسأله: ما فعل الله بك؟ قال: لم أر بعدكم إلا شراً، إلا أنه في كل يوم اثنين يخفف عني بأنني أسقى من هذا الموضع مابين الإبهام والسبابه؛ لأني أعتقت ثويبة جاريتي لما بشرتني بمولد محمد صلى الله عليه وسلم.

    فانظر كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه، فإن الله أمر أن يخاطب صنوف المدعوين، قال الله جل وعلا: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي [الأنعام:15]، قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [يونس:104]، قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا [الزمر:53]، لكن الله جل وعلا يعلم نبيه الأدب فما قال الله لنبيه: قل يا أبا لهب ، بل خاطب أبا لهب مباشرة ونحى نبيه جانباً؛ حتى لا يقال: إن محمداً يسيء الأدب مع عمه؛ لأن العم صنو الأب وحق الأب عظيم، ولهذا فإن من كرامة الله لنبيه أن أباه مات وهو صغير؛ حتى لا يبقى لأحد حق عليه صلى الله عليه وسلم، ولو قدر أن والديه عاشا كافرين فإنه يبقى لهما حق كما كان حق والد إبراهيم على إبراهيم، لكنه صلى الله عليه وسلم عاش يتيم الأبوين؛ حتى لا يبقى لأحد عليه فضل، اللهم إلا عمه العباس ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم العباس ويجله، وورث أبو بكر وعمر عن النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه لعمه العباس ، وكان عمر رضي الله عنه يستسقي بـالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا دخل فرش له بجواره وأجلسه؛ لأنه عم النبي صلى الله عليه وسلم.

    موضع الشاهد قوله تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1]، حيث تكفل الله بالجواب والرد على أبي لهب ولم يكن للنبي صلى الله عليه وسلم وسيله في الخطاب.

    إن أبا لهب لما نازع الله وحاربه قال الله جل وعلا له ذلك، ولم تنفعه قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا ينبغي أن يُعلم أن الله جل وعلا عزيز فلا ينبغي لأحد أن يقع في قلبه السخرية من آيات الله أو رسله، أو يحاول أن ينازع الله جل وعلا في شيء.

    كان هناك رجل اسمه: محمد بن زكريا الرازي الطبيب تلي عليه قول الله جل وعلا: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ [الملك:30]، فقال: تأتي به الفؤوس والمعاول.

    فأذهب الله جل وعلا في ساعته ماء عينيه، فبقي حياته كلها أعمى.

    فالله جل وعلا يقول في ذاته العلية: إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ [إبراهيم:47].

    والمؤمن الحق يراقب الله جل وعلا في كل شيء حتى لو وقعت منه المعصية -ولا يسلم من المعاصي أحد- فلتقع منه وهو منكسر خائف، يخشى الله ويخشى عذابه، هذا هو المؤمن، وقد شبهه النبي صلى الله عليه وسلم بالفرس المعقود في مكان ما، فمهما ذهب يعود إلى نفس مربطه والمكان الذي فيه حبله. أما منازعة الله فهي عين الوبال ومحل السفال، قيل للإمام أحمد رحمه الله: أطلبت هذا العلم لله؟ قال: الله عزيز، لا أستطيع أن أقول هذا، إنما أقول: هو شيء حببه الله إلي فصنعته.

    ولم يقل: إنني طلبت هذا العلم لله.

    هذه فائدة من هذه القصة، وهي أن الإنسان يراقب الله جلا وعلا، ولا يتكل على شيء من أمور الدنيا.

    1.   

    مكة المكرمة

    قال الله جل وعلا: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96]، بكة بمعنى: مكة، وهي علم على مكان كما هو معلوم.

    ذكر الله جل وعلا في القرآن المدينة وسيأتي الخبر عنها، وذكر مكة بالباء، وبعض العلماء يقول: جرت لغة العرب أن الباء تحل بدل من الميم، يقولون: طين لازب بالباء ويقولون: طين لازم بالميم، وقال بعض العلماء: إن بكة اسم للموضع الذي فيه البيت، وقال آخرون: بكة اسم للمسجد، والصحيح إن شاء الله أن بكة اسم لمكة كلها.

    خصائص مكة المكرمة

    ومن خصائصها: أن الله جل وعلا حرمها يوم خلق السموات والأرض، وهذا من أعظم دلائل اصطفاء الله لتلك البقعة، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض)، ولم يحلها جل وعلا لأحد من الخلق إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ساعة من نهار، وذلك في يوم الفتح، ولما انتهى الفتح ردها الله جل وعلا حراماً. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (فمن أخبركم أن النبي قاتل فيها فأخبروه أن الله أحلها لنبيه ساعة من نهار).

    الأمر الثاني: حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خبره عن الله أنه لا يعضد شوكها ولا ينفر صيدها ولا تأخذ لقطتها إلا لمعرف، فالإنسان إذا رأى أي شيئاً في مكة يتركه على ما هو عليه.

    من عظمتها عند الله أن الله جل وعلا أنه لم يبحها لأي أحد من الجبابرة عبر التاريخ كله،ولذلك حبس عنها الفيل. ورأى النبي صلى الله عليه وسلم كرامة الله له فقال: (إن الله حبس الفيل على مكة وسلط عليها محمداً وأصحابه)، ولما بركت القصواء وقال الصحابة: خلأت القصواء قال صلى الله عليه وسلم: (والله ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل).

    وأهل الفيل قدموا بالفيل يريدون مكة، وهم أبرهة وجيشه، وكانوا نصارى أهل كتاب، وكان القرشيون وثنيين، ومع ذلك نصر الله الوثنيين على أهل الكتاب لكرامة مكة، وإلا فالأصل أن أهل الكتاب أقرب إلى الملة من الوثنيين، كما في آية: آلم * غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم:1-2]، لكن الله جل وعلا حبس الفيل عن مكة، فأينما يوجه .. يتوجه إلا إلى الكعبة فلا يستطيع، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ [الفيل:1-2]، وكلمة ضل في اللغة تأتي على ثلاث معان:

    تأتي ضد الهداية العامة التي هي هداية الإيمان، وهذا أكثر استعمال القرآن، ومنه قول الله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]، وتأتي بمعنى: عدم إصابة هدف محدد، ومنه قول أبناء يعقوب عن أبيهم: إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [يوسف:8]، لا يقصدون أن أباهم كان كافراً؛ لأنهم لو قالوا هذا لكفروا، لكنهم يقصدون أن أباهم ما أصاب الصواب في حبه ليوسف.

    وتأتي بمعنى: اضمحل وأصبح هباء، ومنه قول الله جل وعلا: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ [الفيل:2]، وقوله سبحانه: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة:10]، أي: إذا ذبنا واضمحللنا في الأرض وذهبنا هباء منثورا هل سنعاد؟

    المقصود: أن الله سلط عليهم الطير، وقد قلنا في درس سابق: إن الأصل في الطير أنه مصدر أمان فلا يوجد أحد يخوف بالطير، فلما أرادوا هدم أعظم مكان آمن وهو الكعبة سلط الله عليهم الخوف من حيث لا يحتسبون، فأظلتهم الطير وهم يعتقدون أنهم في أمن، إذ ليست ريحاً يخوفون بها، ولا كواسر وسباع ضواري تأكلهم، فلما اطمئوا بعث الله جل وعلا عليهم حجارة من سجيل.

    جعل الله جل وعلا في مكة بيته الحرام وهو أول بيت وضع للناس، ولا يوجد في الشرع بيت يطاف حوله إلا البيت العتيق، وسمي بالعتيق لأن الله جل وعلا أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إليه.

    أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا البيت لا يسلط عليه كافر إلى قيام الساعة، ولهذا فإن الحملات الصليبية دخلت بيت المقدس ووصلت إلى أطراف الجزيرة واقتحمت الشام مع فضل الشام وما جاء فيه، لكن لم تستطع أي حملة صليبية أن تصل إلى مكة، ولن تستطيع إلى قيام الساعة؛ لأن مكة بيضة الإسلام، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ عهداً من ربه ألا يسلط على المسلمين من يستبيح بيضتهم فأعطاه الله جل وعلا هذا العهد، فلو جلبت أمم الأرض من أقطارها على أن يدخلوها فلن يستطيعوا أن يدخلوها إلى أن يؤذن بقيام الساعة فيأتيها ذو السويقتين من أرض الحبشة يهدمها ويقلعها حجراً حجراً، ويستخرج كنوزها أي: الكعبة. وبعد ذلك لا يطاف بالبيت، ولا يبقى على الأرض مسلم، ثم على هؤلاء وهم شرار الخلق تقوم الساعة.

    جعل الله جل وعلا في مكة بيته، وجعل شعائر عظمى منها المشعر الحرام، ومنى، والصفا، والمروة، ومقام إبراهيم كما قال الله: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97].

    منع الله شرعاً أن يدخلها الكفار، قال الله جل وعلا: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28]، فلا يحل لأحد أن يدخل رجلاً مشركاً أياً كان -كتابياً أو غيره- إلى مكة، بخلاف المدينة فلا يوجد دليل شرعي على أن الكفار يمنعون من دخولها، لكن هذا رأي رآه ولاة الأمر وفقهم الله، وهو ألا يدخلها أحد غير المسلمين، والأمر إليهم، وإلا فلا يوجد مانع شرعي يمنع دخول أهل الكفر إلى المدينة؛ لأن أبا لؤلؤة المجوسي كان عابد نار وقتل عمر رضي الله عنه وكان يعمل حداداً داخل المدينة، وعمر رضي الله عنه لما بلغه أنا أبا لؤلؤة هو الذي قتله كان يعرف أنه مجوسي فقال: الحمد لله الذي لم يجعل موتي على يد مسلم، قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا [التوبة:28].

    جعل الله من خصائصها: أن الصلاة في مسجدها بمائة ألف صلاة ولا يوجد هذا إلا في المسجد الحرام، وجمهور العلماء على أن الصلاة في أي موطن في مكة بمائة ألف صلاة حتى في البيوت لأهل الأعذار، وأما المدينة فالصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فقط، وذلك دون الصلاة في أي مكان خارج المسجد، فخارج المسجد لا تحسب الصلاة بألف صلاة، واختلف الناس في ساحات المسجد الموجود الآن، والصواب أن الصلاة في ساحات المسجد بألف؛ لأن الفقهاء من الحنابلة يقولون: إن رحبة المسجد -أي: المحيطة به- لا تخلو من أحد حالين: إما أن تكون مسورة ولها أبواب فتلحق حكماً بالمسجد، وإن لم تكن مسورة وليس لها أبواب فلا تلحق بالمسجد.

    والساحات التي حول الحرم النبوي مسورة ولها أبواب، فالصواب أنها تلحق حكماً بالمسجد، لكن من أتى إليها فليدخل المسجد، فإذا ازدحمت صلى في الساحات كما يصلي الناس التراويح والأعياد في الساحات.

    أما السيئة فالمشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن السيئة في مكة بمائة ألف، لكن أكثر أهل العلم على خلاف هذا؛ لأن الله قال في آيات محكمات: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]، فلا يرد محكم القرآن برأي ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لكن السيئة فيها التغليظ كيفاً لا كماً، أي: لا يكثر عددها، لكن قد تغلظ كيفاً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الزنا بحليلة الجار أعظم من الزنا بامرأة أخرى، وإن كان الكل حراماً.

    المقصود من هذا: أن مكة بلد الله الحرام الذي عظمه الله جل وعلا يوم خلق السموات والأرض.

    هذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده، والله المستعان وعليه البلاغ وصلى الله على محمد وعلى آله.