إسلام ويب

سلسلة أشراط الساعة الكبرى [دخول أهل الجنة الجنة]للشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في يوم القيامة يفصل الله تعالى بين عباده بحكمه وهو أحكم الحاكمين، فيقضي على بعض خلقه بدخول النار، ويكرم آخرين بدخول الجنة، وأول من يستفتحها منهم هو رسولنا صلى الله عليه وسلم، فيفتح له فيدخل المؤمنون إلى كرامة الله بعد تهذيبهم وتصفية قلوبهم من غلها. وأما أهل النار فيصيرون إلى دار الخزي والهوان، يصلون العذاب الأليم ويستغيثون من حرها فيغاثون بماء الحميم كالمهل يغلي في البطون عياذاً بالله تعالى من حالهم.

    1.   

    المسير إلى الجنة دار الكرامة

    تصفية المؤمنين قبل دخول الجنة

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    فإن أهل الموقف يوم القيامة ينصرفون إلى دارين لا ثالث لهما: إما الجنة، وإما النار.

    والجنة -أسكننا الله وإياكم إياها- درجة عالية كتبها الله جل وعلا للصالحين والمؤمنين والمتقين من عباده، وجعلها وعداً مسئولاً يسأله عباده إياها، والحديث عنها مشهور مستفيض، ولذلك سنقف وقفات علمية معرفية غير وعظية على ما يغلب على الظن أنه غير معروف، أو -على الأقل- غير مشتهر.

    إن أهل الطاعات إذا انصرفوا إلى الجنة يحبسون على قنطرة قبل الجنة؛ لأن الله قال: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89].

    فدخول الجنة يستلزم قلباً سليماً، فلا بد من أن يسعى الإنسان في سلامة قلبه، ومع ذلك يبقى لبعض الناس مع غيرهم شيء من المظالم في الدنيا قلما يسلم منها أحد من هؤلاء الذين كتب الله لهم الجنة، فقبل أن يدخلوا الجنة يحبسون على قنطرة؛ لأن الله حكم عدل، فيقتص منهم لمظالم كانت بينهم حتى ينقوا ويهذبوا، ثم بعد أن ينقوا ويهذبوا ولا يبقى في الصدور والقلوب شيء يؤذن لهم بدخول الجنة، قال الله جل وعلا: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43].

    فالله جل وعلا أسند النزع إلى ذاته العلي، وهذا لا يقع في الدنيا، وإنما يقع في الآخرة، ولهذا روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إني لأرجو الله أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ [الأعراف:43]، وعثمان رضي الله عنه أشد هذه الأمة حياءً، زوجه النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه، وعلي رضي الله عنه زوج فاطمة ، وأول من أسلم من الفتيان، وله مشاهد عظام في الدين، وطلحة رضي الله عنه شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقال يوم أحد: (أوجب طلحة) أي: ثبتت له الجنة، والزبير رضي الله تعالى عنه هو ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال فيه عليه الصلاة والسلام: (لكل نبي حواريون، وحواريي من أمتي الزبير).

    ومع ذلك وقع بين هؤلاء الأربعة ما وقع باجتهاد منهم، وهم منارات شامخة، وقامات سامقة، ومجنون من يجعل نفسه حكماً بين هؤلاء العظام، ولكن نقول: هم أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، وهؤلاء الأربعة مشهود لهم بالجنة، فهم من العشرة المبشرين، وإنما يأتي الإنسان ما يأتيه من الضرر عندما يقحم عقله أو نفسه فيما ليس فيه مجال.

    ومثال ذلك في المعتزلة، وهي فرقة ظهرت قديماً، ومنهم رجل يقال له: عمرو بن عبيد ، كان مشهوراً بالصلاح والتقوى والورع، فلو خاصمته في ملايين الملايين لتركها لك، حتى إن أبا جعفر المنصور كان يستدعيه، فقال له: يوماً وهو الخليفة، والناس يتمنون مجالس السلطان لما يكون فيها من العطايا، قال له: اطلب حاجتك. فقال: حاجتي ألا تستدعيني. أي: لا تطلب مني أن أدخل قصرك ولا آتيك: فخرج، فقال أبو جعفر أبياته الشهيرة:

    كلكم يمشي رويد كلكم يطلب صيد غير عمرو بن عبيد

    يعني: كل من يأتيني هنا يتلطف في الكلام يريدا العطية، غير عمرو بن عبيد ، فإنه لا يريد شيئاً.

    فهذا الرجل -على ما كان عليه من الورع وكثرة الصلاة والصيام- يقول: لو شهد عندي علي وعثمان وطلحة والزبير لما قبلت شهادة أحدهم ولو في قشرة بصلة؛ لأنهم فساق.

    فانظر إلى العقل الذي دعاه إلى أن يعبد كيف دعاه إلى أن يقول هذا على هؤلاء؟! يقول: لأنهم اقتتلوا، والحق لابد من أن يكون مع أحدهما، فالآخر الذي ليس معه الحق ظالم لأخيه، فهو فاسق، والفاسق لا تقبل شهادته.

    فنسي بحار الفضل العظيمة لهؤلاء الأربعة ولغيرهم من الصحابة، وأقحم نفسه حكماً في رجال زكاهم الله جل وعلا في القرآن، وزكاهم رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل إنسان يتكلف شيئاً ليس له تظهر عورته، وتبين سوءته، ويظهر للناس جهله، ولكن العاقل يعلم أن ثمة أشياء لم يكلفنا الله بها، ولا نسأل عنها، ولا نطيق لها حملاً، فنسأل الله لنا ولأنفسنا ولغيرنا العافية منها.

    استفتاح رسول الله الجنة لأهلها

    فأهل الجنة يحبسون قبل دخول الجنة، ثم بعد تصفيتهم يتوجهون إليها، وكانوا في الدنيا يسألونها الله الأيام والسنين، وعندما يرونها يكادون يطيرون شوقاً إليها؛ لأنهم ما صاموا ولا صلوا ولا عبدوا إلا من أجل دخولها، فهي الوعد الذي وعدهم الله جل وعلا إياه، ولكنهم يجدونها مغلقة الأبواب الثمانية، فيفزعون إلى أبيهم آدم قائلين: يا أبانا! استفتح لنا الجنة. فيقول عليه السلام: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم.

    وفي هذا دليل على أن الجنة التي أدخلها آدم وحواء وأخرجا منها هي جنة عدن التي وعدها الله جل وعلا عباده، وليس كما قال بعض أهل الفضل والعلم من أنها جنة أخرى.

    فيقول: لست لها، اذهبوا إلى محمد صلوات الله وسلامه عليه. وقد مر معنا أن الناس ينتهي بهم المطاف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود، وينتهي بهم المطاف في دخول الجنة إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا من إكرام الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، وقد مر معنا أن الله أكرم هذا النبي إكراماً لم يكرمه الله جل وعلا أحداً من خلقه، فإن الله يقول وقد أباح له النساء: تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ [الأحزاب:51]، أي: تقدم من تشاء، وتؤخر من تشاء. فالعدل لم يكن واجباً عليه صلى الله عليه وسلم، فمن اعتزلتها وأبعدتها ثم أردت أن تقربها مرة أخرى فلك ذلك.

    فيستفتح صلى الله عليه وسلم باب الجنة، فيقول له الخازن :من أنت؟ والإنسان إذا أراد أن يطرق داراً؛ فإن من حق صاحب الدار أن يسأل، ولا يعد هذا خذلانا في الضيافة؛ لأن العاقل لا يدخل كل أحد بيته، وفي حديث الإسراء أن جبريل -وهو خير الملائكة- لما عرج مع النبي صلى الله عليه وسلم -وهو خير الخلق- في رحلة المعراج فوصل إلى السماء الدنيا طرق الباب، فقال الخازن لجبريل: من أنت؟ فقال: أنا جبريل. فقال: أمعك أحد؟ قال: نعم، معي محمد. فبعد أن عرف أذن لهما بالمرور والعبور؛ لأنه مالك للمكان فلو كان القادم أفضل من أهل الدار فإن للمسئول عن الدار أن يسأل.

    فحين يستفتح نبينا، فيفتح باب الجنة يدخلها نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ثم يدخلها الصالحون.

    أول هذه الأمة دخولاً الجنة

    والذي ندين الله به أن أول هذه الأمة دخولاً هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ويقول بعض العلماء: إن أبا سلمة رضي الله عنه وأرضاه أول المهاجرين هو أول من يدخل هذه الجنة من هذه الأمة، ولكن الذي يظهر -والعلم عند الله- أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه هو أول من يدخل الجنة من هذه الأمة.

    وحين يدخل أهل الجنة الجنة، يكرمون بزيادة كبد النون، وهذه تحفة تقدم لهم قبل أن ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها كما ورد في الحديث.

    دخول الجن دار الكرامة

    هنا مسألة، وهي: هل الجن يدخلون الجنة أم لا يدخلونها؟

    إن الله تعالى يقول: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ [الأحقاف:29-31].

    فالآية صريحة في أن هؤلاء الجن آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ودعوا قومهم إلى الإيمان فقالوا: يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31] وهذا عند النحويين يسمى جواب الأمر، فقوله تعالى: وَآمِنُوا [الأحقاف:31] أمر، وقوله: أَجِيبُوا [الأحقاف:31] أمر، وجوابه: (يغفر لكم) ولذلك جاءت مجزومة، وعطف عليها: وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ [الأحقاف:31].

    قال فريق من العلماء: إن الجن يكافئون على إيمانهم بأن الله لا يعذبهم بالنار، ولكنهم لا يدخلون الجنة، ومن أدلتهم هذه الآية، فقالوا: إن الله ذكر إيمانهم، والآية في سياق الفضل والامتنان عليهم، فلو كان هناك جزاء على إيمانهم أعظم من الإجارة من العذاب الأليم لذكره الله جل وعلا هنا، فلما لم يذكر الله أنه يدخلهم الجنة دل على أنه يكفيهم من الثواب أن يجاروا من العذاب الأليم.

    واحتجوا بدليل عقلي، فقالوا: إن الجن من ذرية إبليس وذرية إبليس، لا يمكن لها أن تدخل الجنة.

    ويروى عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه قال: إنهم يكونون حول الجنة في أرجائها وأطرافها، ولا يدخلون بحبوحتها.

    وقال آخرون: يدخلون الجنة، ولكنهم لا يرون بني آدم، ويراهم بنو آدم، على عكس ما كانت عليه الحالة في الدنيا.

    وقال آخرون: إنهم يدخلون الجنة، ولكنهم لا يطعمون ولا يشربون؛ لأنهم قريبو الخلق من الملائكة، فيعاملون معاملة الملائكة في أنهم لا يتلذذون بطعام الجنة ولا شرابها.

    وهذه أقوال ليس عليها دليل، ولكن منهجي العلمي أن أذكر كل شيء، ثم أبين ما نعتقد أنه صحيح، وقد ساقها جميعاً الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره، ورآها مرجوحة جداً، وقال الرأي الذي يراه، ونحن مقتنعون تماماً بما دونه الحافظ ابن كثير ، وقد حرر ذلك تحريراً علمياً يدل على علو كعبه رحمه الله تعالى في العلم، وهو بلا شك كذلك.

    قال الحافظ يرد عليهم: إن الله قال في سورة الرحمن: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [الرحمن:46-47].

    فقال: إن الآية مخاطب بها الثقلان: الجن والإنس، والآية في سياق الامتنان، فما كان الله ليمتن على الجن بجزاء لا يحصل لهم، يعني: إذا كان الله يقول لهم وللإنس: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46] ويعدهم بالجنتين، وكان هذا الجزاء لا يحصل لمؤمنهم؛ فلا عبرة ولا داعي لأن يمن الله عليهم بشيء لا يقع لهم، وهذا دليل من القوة بمكان.

    ثم قال رحمه الله تعالى: إن الله جل وعلا إذا كان يعاقب كافرهم على أن يدخل النار وهو مقام عدل؛ فلأن يعاقب ويكافئ مؤمنهم بدخول الجنة -وهو مقام فضل- من باب أولى.

    ثم قال رحمه الله تعالى: يشملهم قول الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107] ، فهم يدخلون في عموم هذه الآية؛ لأنهم مؤمنون، وعملوا الصالحات.

    ثم قال رحمه الله تعالى: إنه إذا ثبت أن الله جل وعلا ينشئ للجنة خلقاً -لم يكلفوا في الدنيا لأن الذين كتب الله لهم الجنة لا يملئونها- ، فمن باب أولى أن يدخلها من كلف وآمن وعمل صالحاً، وهم الجن.

    هذه أجوبته، وهذا الذي عليه أكثر العلماء.

    المشهود لهم بالجنة

    ومما يتصل بالحديث عن الجنة شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه عيناً بدخول الجنة، والعاقل إذا سمع أو بلغه خبر نبوي فإنه يتأمله حتى يستفيد منه عملياً، وإلا كان هذا العلم حجة عليه.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة) وعد العشرة، والعشرة إنما سموا بالعشرة المبشرين؛ لأنهم سيقوا في حديث واحد، وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم لغيرهم بالجنة، فشهد بالجنة لـبلال رضي الله عنه وأرضاه وقال: (ما دخلت الجنة قط) أي: في الرؤيا (إلا ووجدت دف نعليك أمامي- أو قال: سمعت خشخشتك في الجنة) ثم قال: (يا بلال ! أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام. فقال: إنني ما توضأت وضوءاً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت ما كتب الله لي أن أصلي).

    فظاهر الأمر أن هذا كان سبباً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، ولم يقل له: لا أظنه، فهذا سبب عظيم من أسباب دخول الجنة.

    وكان حارثة بن نعمان رضي الله عنه باراً بأمه، فشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وقدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أنموذجاً عظيماً في الجهاد في سبيل الله، فشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه قال عنه عليه الصلاة والسلام: (لمناديل سعد في الجنة أعظم من هذا) يشير إلى حرير أهدي له صلوات الله وسلامه عليه، وكان سعد رضي الله عنه وأرضاه قد بذل جاهه وقلبه ونفسه في سبيل نصرة دين الله تبارك وتعالى.

    فتحرر من هذا أن الوضوء وبر الوالدة من أعظم أسباب دخول الجنة التي شهد بها النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء أعياناً.

    أما عامة الصحابة فمشهود لهم من حيث العموم، لقول الله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18].

    وقال صلى الله عليه وسلم: (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة) فمن لن يلج النار سيكون في الجنة، ولكن لا يشهد بالتعيين إلا لمن شهد له النبي صلى الله عليه وسلم.

    آخر أهل الجنة دخولاً إليها

    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً إليها، وهو رجل يخرج من النار وقد فتسفعه النار، فيحبو مرة ويكبو مرة، فيقول: يا رب! أخرجني منها، فيخرجه الله منها، فتلوح له شجرة فيسأل الله أن يستظل بظلها ويدنو منها، فيأخذ الله عليه عهوداً ومواثيق على ألا يسأله غيرها، وهو يعلم أنه سيسأله، فيدنوا من الجنة، فترفع له شجره أخرى، فيقول: يا رب! أدنني منها أستظل بظلها وأشرب من مائها. فيأخذ الله عليه عهوداً ومواثيق على ألا يسأله غيرها، فيأتيها فترفع له شجرة أخرى أعظم من الأولين، فيأخذ الله عليه عهوداً ومواثيق على ألا يسأله غيرها، فإذا دنا من الثالثة سمع أصوات أهل الجنة فيسألها الله جل وعلا، فيقول الله جل وعلا له: يا ابن آدم! ما يصريني منك؟ أي: ما يقطع سؤلك. ثم يأمره الله جل وعلا بأن يدخلها وله كمثل ملك أعظم ملك من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله، فيقول الرجل: أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! فضحك صلى الله عليه وسلم لما حدث، فقالوا: يا رسول الله! مم تضحك؟! قال: أضحك من ضحك رب العالمين إذ قال له عبده: أتسخر بي وأنت رب العالمين؟! فيقول الله له: لا أسخر بك، ولكني على ما أشاء قادر. أو من قوله: (ولكني على ما أشاء قادر) نأخذ درساً مهماً، وهو أنه يجب أن تعلم وأنت ترفع يديك وتسأل الله أن الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فلنا ذنوب لا يقدر على غفرانها إلا الله، ولنا عيوب لا يمكن أن يسترها إلا الله، ولنا ديون لا يمكن أن يقضيها إلا الله، ولنا آمال لا يمكن أن يحققها إلا الله، ولنا مخاوف لا يمكن أن يؤمننا منها إلا الله، فإذا استقر في القلب أن الله جل وعلا على كل شيء قدير، واستفتح العبد دعاءه وهو يدعو ربه بالثناء على الله ومدحه جل وعلا بما هو أهله، ثم بالصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، فإنه حري بعد ذلك بما وقع في القلب وبما نطق به اللسان أن يستجاب له.

    واعلم أن الله أرحم بك من نفسك، فإن لم تعط العطية في حينها، فإما أن تؤخر وإما أن يكافئك الله جل وعلا بأعظم مما سألت، وخيرة الله لعبده خير من خيرة العبد لنفسه.

    1.   

    مسير المجرمين إلى النار

    أنواع النيران

    إن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- هي الخزي الأعظم والخسران الأكبر الذي أنبأ الله جل وعلا عنه في كتابه، ولا خسران أكبر منها ولا ندامة بعدها، ويقال: إن النيران ثلاث:

    نار تحرق ولها نور ولها ضوء، وهذه نار الدنيا، فإننا نرى نار الدنيا تؤذي من يقترب منها وتحرقه بقدر الله، وفي نفس الوقت لها منافع، ومنها كونها تضيء، قال الله جل وعلا: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ [الواقعة:71-73].

    ونار تحرق ولكن ليس لها نور ولا ضوء ولا منافع، وهي نار جهنم أعاذنا الله وإياكم منها، فلا يمكن أن ينتفع بنار جهنم أحد؛ لأن الله جل وعلا خلقها عذاباً ولم يخلقها للانتفاع، فهي تحرق مثل نار الدنيا، مع الفارق في الحرق، إلا أنه لا نفع من ورائها كما يمكن أن ينتفع من نار الدنيا.

    ونار ثالثة لا تحرق ولها نور ولها ضوء، وهي النار التي رآها موسى عليه الصلاة والسلام عندما اقترب من الشجرة عند جبل الطور قبل أن يكلمه ربه تبارك وتعالى، فهذه نار لها نور ولها ضوء، ولكنها لا تحرق، ولذلك لم تتغير الشجرة التي رآها موسى عليه الصلاة والسلام، وإنما رآها تزداد خضرة.

    خزنة النار

    لقد جعل الله جل وعلا للنار خزنة، والرب تبارك وتعالى أوكل بعض الأمور إلى بعض ملائكته، وهو جل وعلا غني عن هؤلاء الملائكة، ولكن هذه الأمور العظام يدبرها تبارك وتعالى كيف يشاء، فجعل الله جل وعلا للنار خزنة، وجعل عليهم قيماً يقال له: مالك، كما أن قيم الجنة يقال له: رضوان، إلا أن الفرق بينهما أن مالكاً نص الله عليه في كتابه في سورة الزخرف فقال: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77].

    وأما رضوان فلم يرد ذكره في القرآن، ولكن جاء في الآثار، يقول شوقي :

    كما تلقاك دون الخلد رضوان

    ومالك أحد خمسة من الملائكة نص الله عليهم بأسمائهم في كتابه، فالملائكة جم غفير وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر:31]، ولكن المذكورين نصاً بأسمائهم الصريحة في القرآن خمسة: جبريل، وميكال، وهاروت، وماروت، وكلهم ذكروا في البقرة، ومالك عليه السلام ذكر في الزخرف، وكرر ذكر جبريل عليه السلام في التحريم.

    فخزنة النار مسئولون عنها، كما أن خازن الجنة رضوان، ويروى عن علي رضي الله عنه أنه أسلمت على يديه قبيلة يقال لها: همدان، وهي قبيلة يمنية شهيرة، وكانوا شيباً وشباناً معه، فقال يمدحهم:

    فلو كنت بواباً على باب جنة لقلت لهمدان ادخلوا بسلام

    فالشاهد هو استقبال خزنة الجنة لأهل الجنة، وكذلك النار جعل الله لها خزنة، واستقبالهم غير استقبال خزنة الجنة لأهل الجنة، فأولئك يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73] وأما هؤلاء فلا يزالون يسألون أهل النار ويوبخونهم على ما آل بهم إلى هذا الأمر، قال الله: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] قال العلماء: يمكث ألف عام لا يجيبهم، ثم بعد ألف عام -عياذا بالله- يقول: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77].

    ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى أن تحذر النار بكل وسيلة، حتى عبر عن ذلك بقوله: (اتقوا النار ولو بشق تمرة).

    ذكر بعض أعظم أسباب دخول النار

    ولما كسفت الشمس في عهده خرج صلى الله عليه وسلم فزعاً حتى إنه أخطأ في إزاره وردائه، ثم صلى بالناس في محرابه المعروف، والمحاريب التي في الحرم اليوم ثلاثة:

    الأول: المحراب الذي يصلي فيه الأئمة الآن، وهذا المحراب كان موضع صلاة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    وأما الصديق والفاروق والنبي صلى الله عليه وسلم فما كانوا يصلون فيه؛ لأن التوسعة الجنوبية حدثت في عهد عثمان .

    والثاني: المحراب الذي في الروضة الآن، فهذا مكان صلاة نبينا صلى الله عليه وسلم، وصلاة الصديق والفاروق من بعده إلى زمن عثمان .

    وأما المحراب الذي هو خارج الروضة جهة الغرب فهوا محراب بناه سليمان القانوني أحد سلاطين آل عثمان ، حيث كان المذهب الحنفي هو السائد في دولة آل عثمان، وكان الشافعية أكثر الناس حظاً في المسجد النبوي آنذاك، وكانوا يصلون في محراب النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يساوي أهل مذهبه بالشافعية، فبنى محراباً موازياً لمحراب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يجعله في الروضة، وهو المحراب الموجود الآن في غربي الروضة المشرفة.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس ازدلف إلى محرابه وصلى إماماً، وفي أثناء صلاته تأخر إلى الوراء قليلاً، ثم حدث الناس بعد الفراغ من الصلاة، وأخبرهم بأمور عدة، فأخبرهم بأن كل شيء توعدون به قد رآه في صلاته، حتى النار رآها أمامه، ولأجل ذلك تأخر خوفاً من أن يصيبه لفحها، وأخبرهم بأنه وجد فيها أصحاب المعاصي كلهم، حتى صاحب المحجن رآه يجر قصبه في النار.

    حتى وصاحب المحجن معهود ذهني، وهو رجل مشهور في الجاهلية اسمه عمرو بن مالك ، كان عنده عصا طويلة معكوفة في أعلاها، فكان يتربص بالحجاج المارين في الطريق، فإذا مر رجل معه متاع علق محجنه في المتاع ثم أخذه، فإن فطن الرجل وتنبه اعتذر له بأن المتاع تعلق بالمحجن من غير قصد، فيعطيه المتاع ويمشي، وإن كان لم يفطن ولم يتنبه له أخذ المتاع، ومكث دهره كله لا يعرف حتى فضح واشتهر.

    فنأخذ من هذا أن من أعظم أسباب دخول النار بعد الكفر ظلم العباد، وأخذ حقوقهم -عياذا من ذلك- في الأمر الحقير، أو في الأمر الكبير، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، وقال في الظلم: (ولو عوداً من آراك) لأن حقوق الناس لا يجوز شرعاً لأحد أن يأخذها وينالها بأي طريقة، علموا ذلك أو لم يعلموا، ويؤيد هذا أنه صلى الله عليه وسلم قال: (صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها).

    فقوله: (قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس) قال الإمام القرطبي رحمه الله: وهذه السياط موجودة عندنا في المغرب إلى الآن.

    وهذا في زمنه، قال صديق حسن خان في (يقظة أولي الاعتبار): جاء بل هذه السياط وهؤلاء الناس موجودون في كل زمان ومكان، وهي عند أهل الثراء والجاه والسلاطين أكثر من غيرهم.

    فظلم العباد -أياً كان- من أعظم أسباب دخول النار.

    ثم قال صلى الله عليه وسلم: (ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات) وقال في نفس الحديث الذي رأى فيه النار: (يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار) فلما سألن عن ذلك قال صلى الله عليه وسلم: (تكثرن اللعن، وتكفرن العشير) فقوله: (تكثرن اللعن): أي: يجري على ألسنتكن اللعن (وتكفرن العشير) العشير الزوج، أي: ربما أسدى لك المعروف تلو المعروف تلو المعروف، ثم يأتي منك إنكار لذلك المعروف الذي أسدى إليك الزوج، وهذه صفة غالبة في النساء.

    فالإضرار بالناس من حيث الجملة من أعظم أسباب دخول النار على أن السبب الأعظم في دخول النار، والخلود فيها هو الكفر، فليس بعد الكفر ذنب، والكفر والشرك بالرب تبارك وتعالى أعظم أسباب دخول النار، بل هو السبب الأعظم، على أن الكفر والشرك -عياذا بالله- ليس سبباً في دخول النار فحسب، بل إنه سبب مقتض للخلود فيها، فالكفار والمشركون لا يمكن أن يخرجوا من النار البتة، قال الله جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:10-12].

    فأهل الكفر وأهل الشرك خالدون مخلدون في النار أبداً، أما من مات على التوحيد ولم يأت بذنب يخرجه من الملة، فإنه مهما طال بقاؤه في النار سيخرج منها لا محالة، فهذا الذي اقتضته حكمة الله تبارك وتعالى.

    الكلام في النصوص الواردة في خلود بعض أصحاب المعاصي في النار صنفان

    هناك أقوام جاء في ظاهر القرآن أو ظاهر الحديث أنهم مخلدون، ومن أشهرهم:

    الأول: من قتل نفساً عمداً، فإن الله يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    مر وإن أول ما يحاسب عليه الخلق من حقوق الله هو الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء، وأي مقتول يقتل عمداً ينجم عن قتله ثلاثة حقوق:

    حق لله، وحق للمقتول، وحق لأولياء الدم.

    فأولياء الدم يخيرون ين القصاص والدية، والعفو، ولهم أن يختاروا إحداها.

    وحق الله سنؤجل الحديث عنه؛ لأنه يتعلق بالحديث.

    وحق المقتول ولا يمكن أن يسقط ولو عفا أولياؤه، وفي يوم القيامة؟ يطالب بحقه؛ لأن الميت لا يستفيد شيئاً من عفو الناس، فعلى ذلك له حق يطالب به يوم القيامة.

    وأما حق الله فظاهر الآية أنه مخلد في النار، حيث يقول تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [النساء:93]، ولكن جمهور العلماء يقولون: إن الآية تجري مجرى الوعيد، وإنه إذا مات على التوحيد، ولم يأت بناقض؛ فإن خلوده خلود مؤقت، وإنما ساقه الله بهذا الطريقة للزجر ولبيان حرمة الدماء، وإلا فإن شاء جل وعلا عفا عنه، وإن شاء عذبه، قال الله جل وعلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    الصنف الثاني: قاتل نفسه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر: (بأن من طعن نفسه فهو خالد في النار مخلد فيها أبداً، ومن احتسى سماً فهو خالد في النار مخلد فيها أبداً)، وفي الحديث الآخر: (عبد بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة).

    ولكن هذه الأحاديث تحمل على أنها أحاديث وعيد يراد بصياغتها زجر الناس عن هذا العمل، ولا تحمل على أن صاحبها يخلد خالداً في النار؛ لأن القرآن والسنة كلاهما لا يمكن أن يكون بينهما تعارض، وقبل أن يحكم الإنسان على حديث ويفقه معناه يجب أن يجمع قرائنه وأمثاله في نفس الباب، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم -كما عند مسلم في الصحيح-: أن رجلين من الصحابة كانا في سفر، فأجاب أحدهما مرض، فلم يصبر فقطع عروق يده، فنزف حتى مات، ثم إن صاحبه قبل أن يقدم إلى المدينة رآه في المنام وهو في هيئة حسنه إلا يديه، فقد رآهما مغلولتين، فقال له: يا ابن عم: ما فعل الله بك؟ قال: إن الله قد غفر لي كل شيء قال: فما بال يديك، قال: إن الله قد قال لي: إنا لن نصلح منك ما أفسدته من نفسك؛ لأنه قتل نفسه بقطع عروقه.

    فأخبر هذا الصاحب النبي صلى الله عليه وسلم بخبر القتل، وبخبر الرؤيا، فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر).

    قال العلماء: إن هذا يدل على أنه لا يخلد في النار؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يدعوا بالمغفرة لرجل كتب الله له الخلود في النار.

    استغاثة أهل النار

    إن أعظم ما يتمناه أهل النار -عياذاً بالله-: شربة الماء، قال الله جل وعلا بعد أن ذكر في الأعراف نداءات عدة: وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ [الأعراف:50].

    ومن هنا أخذ العلماء أن الصدقة إذا أطلقت فإنها أفضل ما تكون في الماء، وثمة أحاديث تؤيد هذا المعنى، فأعظم ما يطلبه أهل النار، وأول ما يطلبونه من أهل الجنة كما نصت الآية هو الماء، فيجيبهم أهل الجنة: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا [الأعراف:50] أي: الماء أو الطعام عَلَى الْكَافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الأعراف:50-51] إلى آخر الآية.

    ثم إنهم يستغيثون في النار نفسها، قال الله تعالى الكهف: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا [الكهف:29]واقعة في جواب الشرط وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا [الكهف:29].

    فهنا يغاثون بماء كالمهل، أي: في منتهى الحر كالزيت، فيقرب منهم ليشربوه، فقبل أن يرفعوه بأيديهم إلى أفواههم تسقط فروة جلودهم من حر هذا الحميم، فكيف إذا شربوه أعاذنا الله وإياكم من هذا.

    تكريم الله لمواضع السجود في ابن آدم

    وأهل المعاصي في الدنيا من المؤمنين يعذبون إن كتب الله جل وعلا لهم النار، فيعذبون فيها ما شاء الله لهم أن يعذبوا، وقد حرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أعضاء السجود؛ لكرامة هذا الفعل عند الله جل وعلا، فمن عذب كأكلة الربا، وأكلة أموال اليتامى ظلماً، والمصورين، وغيرهم ممن ورد في حقهم العذاب والوعيد؛ فإن النار تحرق منهم كل شيء إلا مواضع السجود.

    دوام الجنة والنار

    والنار والجنة مخلوقتان موجودتان الآن ولا تبيدان ولا تفنيان، وأهلهما لا يرتحلون عنهما، ولا يبيدون، فأما أهل الجنة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم).

    وقال الله: وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [هود:108].

    وكذلك أهل النار يخلدون فيها، قال الله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [هود:107].

    وأياً كان خلاف العلماء في الاستثناء هنا إلا أن أحداً لم يقل إن أهل الجنة يخرجون منها، أو: إن أهل النار يخرجون منها، وإنما اختلفوا في الاستثناء على معان عديدة، والله جل وعلا قال: لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا [فاطر:36]وأخبر بأنهم لا يخرجون منها وأنهم يقولون: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37].

    شفاعة رسول الله في عمه أبي طالب

    لقد أدرك الإسلام أربعة أعمام للنبي صلى الله عليه وسلم، فآمن منهم اثنان وكفر اثنان، فاللذان آمنا هما حمزة والعباس ، واللذان كفرا أبو لهب وأبو طالب ، فـأبو لهب كان عدوا وأمره مقضي.

    وأما أبو طالب فناصر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى ذكروا من شفقته أنه لما كانت قريش قد حاصرت النبي صلى الله عليه وسلم في شعب بني هاشم كان يأتي في الليل فيحمل النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم ويجعله ينام في مكان، ثم يأتي بأحد أبنائه ويجعله ينام في مكان النبي صلى الله عليه وسلم، حتى إذا بيت قرشي لم يستطع قتل النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه في تلك الأيام كان لا يوجد ضوء، فيعرف في أول الليل أين بات النبي صلى الله عليه وسلم فإذا أراد أن يقتله ليلاً قتل ابنه، ولا يقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56]ومحبة الكافر غير جائزة، فليست المحبة في قوله: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ [القصص:56] بمعنى: توده، ولكن المفعول به محذوف، أي: إنك لا تهدي من أحببت هدايته، أي: إنك لست قادراً على أن تهدي من تحب له الهداية، ومن تحب له الخير ومن تحب له أن يتبع صراطك المستقيم.

    وقريش قد صنعت كل شيء لآلهتها إلا السجود، فلم تضع جباهها لها لما فيها من أنفة، وكان أبو طالب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كلما في دينك حسن إلا أنني أضع جبهتي وأرفع عجيزتي، وكان يقول:

    ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية دينا

    لولا الملامة أو حذار مسبة لو جدتني سمحا بذاك يقينا

    في قصيدة طويلة يثبت فيها أنه مقتنع بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كانت قريش تأتيه من جانب الأنفة فيقولون: أترغب عن دين آباءك أترغب عن دين عبد المطلب ؟!حتى مات وهو يقول: هو على دين عبد المطلب . فهذا تنفعه شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم مع أن الشفاعة لأهل النار من الكفار منتفية؛ لأن الله تعالى يقول: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48].

    لكن استثني أبو طالب استثناء جزئياً، وهو يكون أهون أهل النار عذاباً بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم له.

    وليعلم أن النار مخلوقة خلقها الرب تبارك وتعالى، فالسبيل الأعظم للنجاة منها أن نسأل من خلقها أن يجيرنا منها.

    وقانا الله وإياكم لفح جهنم، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.