إسلام ويب

وقفة في حياة ابن الزبيرللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان مولد ابن الزبير خبراً ساراً قطعت به إشاعة اليهود بأن المهاجرين لن يولد لهم.

    وقد كانت له المواقف الخالدة، فمنها وهو صغير أنه شرب دم محاجم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه لم يخف من عمر ولم يفر كما فر غيره من الشباب.

    ومنها مشاركته في فتح أفريقيه مع عبد الله بن أبي السرح.

    وقصة استشهاده من أروع القصص في التاريخ يقف أمامها المرء مذهولاً.

    1.   

    رد كيد اليهود بمولد ابن الزبير

    الحمد لله القائل: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:32] والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها أرضاً طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب حبست الماء، فنفع الله بها الناس، فسقوا وشربوا وزرعوا، وكان منها أرض إنما هي قيعان، لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بما أرسلت به رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي جئت به) صلى الله عليه وسلم، رفع رءوسنا بعد أن كانت مخفوضة، وشرح الله به صدورنا بعد أن كانت ضيقة، وأنار به قلوبنا بعد أن كانت غلفاً، وفتح به أعيننا بعد أن كانت عمياً، وأسمع به آذاننا بعد أن كانت صماً، فعليه صلاة الله وسلامه، أغلق الله أبواب الجنة لمن بعده إلا لمن أتى من بابه، فمن استضاء بغير نوره أو ظن أو اعتقد أنه يهتدي بغير هداه، أو التمس هدى وسبيلاً غير سبيله، فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً ولا كلاماً، وأولئك من الخاسرين.

    إن البرية يوم مبعث أحمد      نظر الإله لها فبدل حالها

    بل كرَّم الإنسان حين اختار من      خير البرية نجمها وهلالها

    لبس المرقع وهو قائد أمة      جبت الكنوز فكسرت أغلالها

    لما رآها الله تمشي نحوه     لا تبتغي إلا رضاه سعى لها

    أمَّا بَعْد:

    أيها الناس! معنا شاب من شباب محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب من أصحابه رباه على سمعه وبصره، لنتربى كما تربوا، ولنتعلم كما تعلموا، ولنزهد كما زهدوا، هذا الشاب هو عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأرضاه.

    حملته أمه وهو جنين وهي مهاجرة، وهي أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين رضي الله عنها وأرضاها العابدة الأوابة المنيبة الزاهدة، حملته في بطنها مهاجرة من مكة إلى المدينة، وكان اليهود في المدينة قد حقدوا على رسالة الإسلام، وتعنفوا على محمد صلى الله عليه وسلم، واستخدموا الدعايات المشبوهة، والشائعات وحرب الأعصاب ضد المسلمين، فقالوا: إن كهنتنا -أي: اليهود- قد أعطبوا نساء المسلمين، فلا تلد امرأة مسلمة بعد اليوم، فلما أتت أسماء رضي الله عنها وأرضاها ووصلت بجوعها وتعبها وعطشها ولدت بهذا الابن المبارك الصالح في قباء، وتسامع المسلمون بهذا المولود المبارك، ففرحوا لأنه وثيقة رد على اليهود، وأتي به ووضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبسم صلى الله عليه وسلم، وانشرح صدره بهذا المولود، وقبَّله على جبينه ودعا له بالبركة، ثم أخذ ريقاً من ريقه المبارك صلى الله عليه وسلم، فحنّك هذا الطفل المبارك، وأخذ المسلمون هذا الطفل وداروا به في شوارع المدينة، ليغيظوا به أعداء الله اليهود الذين استخدموا الشائعات ضد المسلمين.

    1.   

    قصة توضيح علم اليهود بصحة الرسالة

    كان اليهود يعلمون أن رسول الله مرسل من عند الله، يقول أحد الأنصار: كان في المدينة شيخ كبير من اليهود قد بلغ من الكبر عتياً، يقوم فينا صباح مساء فيحدثنا عن أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما أتى صلى الله عليه وسلم رأينا الوصف والعلامات كما كان يحدثنا، فأسلمنا وكفر ذاك الشيخ، وصدقنا وكذب ذاك الشيخ اليهودي، فذهبنا إليه وقلنا: هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ليس هو، فأنزل الله تبارك وتعالى: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89].

    كان عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه من اليهود وقد أسلم؛ لأنه قرأ أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، قال: (انجفل الناس من المدينة، فانجفلت معهم إلى رجل، فإذا هو متوسطٌ الناس، وقد ازدحموا عليه، فأسرفت فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظرت وإذا وجهه كالقمر ليلة البدر، فقلت في نفسي: والله ما هذا الوجه بوجه كذاب، فقلت: يا رسول الله! بم جئت؟ قال: جئت بلا إله إلا الله وأني رسول الله، ثم قال صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام، فقال عبد الله بن سلام رضي الله عنه وأرضاه: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، وجدناك مكتوباً عندنا في التوراة، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم، ثم قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله! اليهود قوم بهت -أهل زور وكذب وخداع- فاسألهم عني ولا تخبرهم أني أسلمت، فخبأه صلى الله عليه وسلم في مكان، واستدعى اليهود، وقال: كيف عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا، وفقيهنا وابن فقيهنا، قال: فإنه قد أسلم، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عليهم ابن سلام، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، قالوا: شرنا وابن شرنا، وخبيثنا وابن خبيثنا، وجاهلنا وابن جاهلنا) فعندها كانوا يفترون المفتريات، ولما ولد ابن الزبير رضي الله عنه، كان رداً حاسماً عليهم.

    1.   

    نشأة ابن الزبير

    ولد هذا الشاب في بيتٍ من بيوت الإيمان، أبوه الزبير بن العوام رضي الله عنه وأرضاه، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، وصاحبه وخليله، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وأمه ذات النطاقين.

    كان هذا الشاب يترعرع فيسمع آيات الله صباح مساء، لا يسمع في بيته إلا قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحياته بين تسبيح وتكبير، لا يسمع الغناء الماجن، أو الفحش، ولا يسمع الغيبة والنميمة والزور، نشأ بعيداً عن معصية الله تبارك وتعالى، ولما شب وترعرع رضي الله عنه، كان دائماً يصلي في الصف الأول -وهو شاب- ورأى رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، فيتعلم الأدب والزهد والعبادة والتقوى والاتصال بالله تبارك وتعالى.

    قصة شرب ابن الزبير لدم النبي صلى الله عليه وسلم

    دخل ابن الزبير وعمره عشر سنوات على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجد الرسول صلى الله عليه وسلم يحتجم -كما صح في ذلك الحديث- فناوله صلى الله عليه وسلم دم الحجامة، وقال: {يا عبد الله! اذهب بهذا الدم واجعله في مكان لا يراه أحد، فأخذ ابن الزبير دم رسول الله صلى الله عليه وسلم -دم الحجامة، الدم المبارك الطاهر، الدم الذي عاش في ذاك الجسم الشريف، عليه أفضل الصلاة والسلام- وذهب به في إناء، فلما اختفى وراء بيوت المدينة شرب ذاك الدم الطاهر، حتى انتهى من الشرب، ثم لعق ما بقي في الصحن وعاد، فلما رآه صلى الله عليه وسلم تبسم، وعرف سر المسألة عليه أفضل الصلاة والسلام، وقال: يا عبد الله! أين وضعت الدم؟ قال: وضعته في مكان لا يراه فيه أحد، فقال عليه الصلاة والسلام: ويل لك من الناس وويل للناس منك، لا تمسك النار } وبدأ رضي الله عنه وأرضاه، يزداد قوة إلى قوته، لأن دم الرسول صلى الله عليه وسلم أصبح في جسمه فوصل إلى عروقه وشرايينه.

    وأما قوله: ويل لك من الناس، وويل للناس منك، فويل لك من الناس: سوف تجد ما وجدت من الناس.. من إعراض وتكذيب وشتم وغيبة، ومن حروب، وسوف يجد الناس منك قوة شخصية وشجاعة كما يجدونها مني أنا، وأما قوله: فلا تمسك النار، فكيف تمس النار جسماً أصبح دم الرسول صلى الله عليه وسلم في شرايينه؟!

    قال أهل العلم: اكتسب بذلك الدم قوة في جسمه رضي الله عنه وأرضاه، يقول الذهبي في سير أعلام النبلاء: فكان يصوم سبعة أيام متواصلة -ليل نهار- ويفطر في اليوم الثامن، لقوة جسمه رضي الله عنه وأرضاه، وكان أعبد الناس، والعبادة أشرف مقام في الإسلام؛ فجسم يمنحك الله إياه أو قوة يعطيك الله إياها، ثم لا تستخدمها في مرضاته سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فإنك سوف تحاسب عليها يوم القيامة.

    ووقت تمضيه في غير طاعة الله تسأل عنه يوم القيامة.

    {جاء شباب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! أعطنا مما أعطاك الله، فأعطاهم من اللباس والمال إلا شاباً واحداً قال: لا أريد اللباس ولا أريد المال، فقال صلى الله عليه وسلم: فماذا تريد إذاً؟ قال: أريد مرافقتك في الجنة، فقال صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك؟ قال: لا والله يا رسول الله! قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة}.

    وقد كان ابن الزبير ساجداً دائماً، يقول ابن أبي مليكة: والله، لقد رأيته قضى ليلة من الليالي راكعاً حتى أصبح، وليلة ساجداً حتى أصبح، وكان إذا وقف في صلاته كأنه سارية لا يتحرك، فيأتي الحمام والعصافير فتقف على رأسه ثم تطير: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون:2] هذا هو الاتصال بالحي القيوم، وهذه هي عظمة المسلم، وهذا هو الباقي عند الله تبارك وتعالى.

    وحدث في يوم من الأيام أن اقتحم سيل عارم الحرم المكي -بيت الله العتيق- حتى أصبح السيل عند مقام إبراهيم عليه السلام، فخرج أهل مكة يبكون خائفين على الكعبة أن تهدم، أما هو فخلع ثيابه وائتزر ونزل يطوف سبعة أشواط وهو يسبح في السيل، قال أهل العلم: ليس لنا أحد طاف بالسيل سابحاً إلا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وأرضاه.

    وبينما هو شاب خرج عمر بن الخطاب في خلافته فلما رآه الشباب فروا؛ لأن عمر رضي الله عنه كان مهاباً، كان يخاف منه الناس، لقوة إيمانه وشكيمته رضي الله عنه، ففر الشباب إلا ابن الزبير رضي الله عنه، فقد استمر واقفاً في مكانه، فرآه عمر فتبسم، وأراد أن يستجلي الخبر، فقال: ما وراءك يـا ابن الزبير؟ لماذا لم تفر مع الناس؟ قال: ليس الطريق ضيقاً فأوسع لك، وما فعلت ذنباً فأخافك، فقبَّله عمر رضي الله عنه، ودعا له، وحيا هذه البطولة، النادرة، والصرامة الفائقة، التي تعلن الرأي في حرية, وتقول الكلمة في صراحة، وتثبت مكانها ولو أزيحت الرءوس عن أكتافها.

    جهاد ابن الزبير في إفريقيا

    عاش ابن الزبير رضي الله عنه وأرضاه على هذا المستوى، وكان دائماً يطمح إلى الجهاد، ويحدث نفسه بالاستشهاد، ويتمنى أن يكون من خلَّص العباد، ودعا داعي الله إلى النفير في سبيل الله.

    وذلك يوم كنا لا نخضع رءوسنا للأمم.

    يوم كنا لا نطأطئ أعناقنا لأنذال البشرية.

    يوم كنا نرفع السيف، فمن أجابنا بلا إله إلا الله، عفونا عنه، ومن لم يفعل قطعنا رأسه كما تُقطع الزهرة في الحديقة.

    فنادى عثمان مع ابن أبي السرح إلى الجهاد في سبيل الله في إفريقيا، سلوا إفريقيا عنا ماذا فعلنا وفعل أجدادنا، وسلوا آسيا، وسلوا كل جبال الدنيا تشهد بشجاعة أجدادنا.

    لم تنس إفريقيا ولا صحراؤها      سجداتنا والأرض تقذف نارا

    كنا نقدم للرءوس سيوفنا      لم نخش يوماً غاشماً جبارا

    وكأن ظل السيف ظل حديقة      خضراء     تنبت حولنا الأزهارا

    فوصل رضي الله عنه وأرضاه إلى هناك، وهو في السابعة والعشرين من عمره، فلما اجتمع المسلمون والوثنيون الكفرة رأى ابن الزبير رضي الله عنه صفوف المسلمين تتهدم فلم يعجبه ذلك، ونظر في صفوف الأعداء فوجد أن مصدر القوة عند القيادة، فقال: يا معشر المسلمين! احموا ظهري فإني مصمم على الاستشهاد، وخرج يشق الصفوف وظهره محمي حتى بلغ القائد الوثني الأفريقي فقتله وقطع رأسه، وبدت الهزيمة تلحق بأولئك الخاسرين وانتصر الإسلام والمسلمون بهذا الشاب، بعد نصر الله وتوفيقه تبارك وتعالى، وعادوا إلى المدينة المنورة، فقبله عثمان رضي الله عنه وأرضاه.

    كم قدم ابن الزبير من بطولة، وكم أعلن من تضحية!! فهو مع الصوَّام في الهواجر صائماً، ومع الذاكرين لله ذاكراً، ومع المتهجدين في سبات الليل متهجداً، ومع الشجعان الأقوياء قوياً شجاعاً.

    هذا هو التكامل؛ أن تعطي ثمن القوة في كل مركز، وأن نغطي الشخصية المسلمة كل احتياج، ذلك لأن محمداً صلى الله عليه وسلم يريد من المسلم أن يكون عالمياً في تصوره لأن دعوته عالميه، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107] وللحديث بقية.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    قصة استشهاد ابن الزبير

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، صلى الله عليه وسلم منه نتعلم الأخلاق، ونتعلم الزهد، ومنه نتعلم البذل والتضحية، ما ترك خيراً إلا دلنا عليه، ولا شراً إلا حذرنا منه.

    ومع ابن الزبير في قافلة الحياة، مع ذلك العابد الذي زكاه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكل بداية نهاية: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30].

    وإذا لم يكن من الموت بدُّ      فمن العجز أن تموت جبانا!

    إذا كان الموت قضية مسلمة، وسنة من سنن الله في الحياة، فلماذا يموت المسلم على الفراش وهناك دعاء التضحية، ومواقف استبسال، وطلب الشهادة؟ فلما رأى الله من قلب ابن الزبير أنه يتوق إلى الشهادة، وكان رضي الله عنه يطالب بالحق للمستضعفين من اليتامى والأرامل.. يرفض الظلم والجور.. يرفض أن تؤخذ الحقوق جهاراً نهاراً من الضعفاء، فكان من جند المستضعفين بسيفه وقلبه وإيمانه رضي الله عنه وأرضاه، وقف في الحرم وأعلن الخلافة من هناك، وأخذ الخلافة ست سنوات، لكن بني أمية في الشام لم يعجبهم ذلك، فهم يريدون طريقاً وهو يريد طريقاً آخر، وعند الله يجتمع الخصوم، قال تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26] وزحف الحجاج إلى ابن الزبير رضي الله عنه وأرضاه وهو في الحرم، وقد لاذ وعاد ببيت الله، وهو ينادي برب الحي وأصحابه، وينادي برفع الظلم والجور عن المظلومين، ولم يهم الحجاج أن تستباح مكة والمدينة في غداة واحدة، ويصل والحجاج إلى مكة، فيطوق الحرم، ويرسل قذائفه النارية إلى بيت الله العتيق، وتلج القلوب، وتصيح الألسنة، لا حكم إلا لله، ولا بقاء إلا للا إله إلا الله، ولكن ذلك الجائر يرفض إلا حكم المعركة والسيف.

    وابن الزبير يستدعى من أقربائه ليسلم فيعلن القوة والصراحة والاستبسال رضي الله عنه وأرضاه، وفي آخر لحظاته كان يطارد وحده خمسمائة من الرجال بسيفه، فيهربون أمامه كما تهرب الماعز، ويعود إلى ذات النطاقين، إلى الأم الحنون والمدرسة الأولى.. إلى الجامعة القوية.. إلى مصدر الثروة والنماء والاستبسال.. إلى العزيزة بإيمانها والقوية بتضحيتها ويعرض عليها الأمر، ويأخذ منها الشورى، ويقول: أخاف أني إذا قتلت أن يمزق جسمي، فقالت: وماذا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها؟ لكن اثبت واحتسب أجرك على الله، فالسلام عليك من شهيد، وأستودعك الله من فقيد، ثم تقول له وهي تبكي: والله لقد كنت مطيعاً لربك، باراً بأبويك، مقيماً للصلاة في الليل، صائماً في الهواجر، ولقاؤنا معك عند الله تبارك وتعالى، وخرج رضي الله عنه وأرضاه، متكفناً في أكفانه البيضاء.. بياض إسلامه وقلبه ومنهجه في الحياة، وتحنط وتطيب ثم وقف عند مقام إبراهيم، ليودع الحياة وأهلها وطاغوتها، ووقف يصلي، فأتته قذيفة وهو في مكانه فما اهتز وما التوى ولا تغير، فوقعت في رأسه، فأوقعته في الأرض شهيداً، وحمل إلى الحجاج وهو مقتول، فقال: اصلبوه في الحجون، فصلبوه في الشمس وكأنه يخطب الناس أو كأنه قائم في صلاته لربه مناجياً الحي القيوم، شدوه بالحبال على الخشب، ومر أجيال وأطفال الناس ومرّ التابعون يبكون ويودعونه، ومر ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه فقال: السلام عليك، والله، ما علمت إلا أنك مقيماً لكتاب الله، مهتدياً بهدي رسول الله، صائماً للهواجر، قائماً الليل، فالسلام عليك من فارس لم يترجل، ثم مرت أمه وهي عمياء يقودونها، فقالت: إذا وازيته فأقيموني، ووقفت وهي تبكي وتقول: سلام عليك يابن حواري رسول الله! والله لقد كنت باراً في شبابك، مطيعاً في كدرك، عابداً في شيخوختك، فسلام الله عليك حتى ألقاك.

    سلام الله عليه يوم يلقى الله تبارك وتعالى، وسلام الله وصلاته على من علمه هذا المنهج، وعلى من أحيا قلبه بالرسالة.. الرسالة التي تستطيع دائماً وأبداً أن تستمر لتحيي ملايين القلوب، لمن أراد أن يحيا بنور الله، قال تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:122] أفمن كان ميتاً في الجاهلية، فأحيينا قلبه بنور الإيمان، فانتفض عليه حياً مؤمناً، وجعلنا له نوراً من هذا المنهج يمشي به في الناس ليوزعه بين الناس، ويهديه لهم، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، كمن مثله في ظلمات شهواته ونزواته ومرابعه، يبغث بطنه، ويعبد ثوبه ووظيفته، ويعبد سيارته وحذاءه، ولكنه لا يعبد الله.

    فهذا ابن الزبير يعلمنا كيف نعبد الله الحي القيوم، وعلى مثل ذلك المنهج نسير إلى الله، وبمثل حبهم نحب الله وقد وقف يودع الناس:

    علو في الحياة وفي الممات      بحق أنت إحدى المعجزات

    كأنك واقف فيهم خطيباً      وهم وقفوا قياماً للصلاة

    مددت يديك نحوهم احتفاءً      كمدك إليهم بالهبات

    عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمرنا الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله بها عليه عشراً) اللهم صلِّ على نبيك محمد، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، وارفع رايتهم، وارفع رءوسهم، وانصرهم على عدوهم، واشرح صدورهم بنورك الذي أنزلته على نبيك، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر عبادك الموحدين في أفغانستان وفلسطين وفي كل زمان وسقع من بلاد المسلمين، اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا.