إسلام ويب

الداعية المطاردللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو أعظم الخلق عند الله، وقد أخرجنا الله به من ظلمات الكفر والشرك إلى نور الإسلام، وإلى الطريق الصحيح ؟!

    وهو الذي كابد المشاق من أجل هذا المبدأ؟! وهو الذي ربى جيلاً عظيماً لا زالت الدنيا تتحدث عنهم وعن أمجادهم.

    1.   

    حديث الهجرة

    إن الحمد لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونستهديه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، أحمدك اللهم من اعتمد عليك نصرته، ومن فوض الأمر إليك كفيته، ومن تقرب إليك أحببته، ومن حاربك خذلته، ومن خاصمك أهنته، ومن ناوأك أبعدته وأقصيته.

    أيها الجيل الموحد! يا حملة المبادئ! أيتها الكتيبة المقدسة!

    نقف هذا اليوم نحيي بملء القلوب والأجفان والأسماع رسولنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نحييه في أول العام الهجري، وهو رجل الهجرة الأول، نعيش اليوم مع الأطفال في أيامٍ طرد هو من أطفاله، ونعيش اليوم منعمين في الدور والقصور في أيام شرد من دوره، ونعيش اليوم ناعمين سعيدين جذلين في أيام عاشها هو كلها أسىً، ولوعة، يقدم رأسه وروحه من أجل لا إله إلا الله، إنها الهجرة.

    وعنوان الدرس: الداعية المطارد، طارده أقاربه، وأرحامه، وأصهاره، فما سبب المطاردة؟ لماذا طورد؟ أمن أجل أنه أتى بنهب الأموال وسفك الدماء، واحتلال الأراضي، وابتزاز المعطيات؟ لا. إنه مطارد؛ من أجل أنه أتى لينقذ الإنسان ويخرجه من الظلمات إلى النور، فهذا هو حديث الهجرة.

    شجاعته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مواجهة المؤامرة

    أغلقت مكة أبوابها في وجه الابن البار، وأنذرته في خلال أربع وعشرين ساعة، أن يغادرها ولا يبقى في ساحها، عجيب! ولد في ربوعها، وترعرع في تلالها، شرب ماءها، واستنشق هواءها، وتقول له مكة اخرج! إلى أين؟!! لا ندري. وليتهم تركوه ليخرج سالماً معافى، لكن يريدون أن يخرجوه جثةً، أو يحبسوه، أو يبيدوه أو ينفوه من الأرض، وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]

    تخفيت من خصمي بظل جناحه     فعيني ترى خصمي وليس يراني

    فلو تسأل الأيام عنيَّ ما درت     وأين مكاني ما عرفن مكاني

    دخل في غرفة علي أو في بيته هو، وطوقه الكفرة الفجرة؛ لأنه يهدد مصالحهم التي بنيت على الظلم، ويصادر شهواتهم، ولا يطاوعهم في نزواتهم، إن أهل الباطل قديماً وحديثاً يرون في حملة المبادئ، وفي رواد الحق خصماء على طول الطريق؛ لأنهم يقولون لهم: لا. في كل معصية، وشهوة، ونزوة!!

    طوقوا بيته بالسيوف المصلته، وتحروا متى يخرج، وهنا تأتي الشجاعة، ليست الشجاعة التي يقدمها الناس من أجل أراضيهم، ومزارعهم، ومناصبهم.

    ليست الأنوف الحمراء التي تغضب للجيوب والبطون، والسيوف المسلولة من أجل التراب والطين.

    أما محمدٌ عليه الصلاة والسلام فيقدم رأسه من أجل مبدئه، يتحدى الشمس أن تهبط في يمينه والقمر أن ينزل في يساره، ولو نزلت الشمس والقمر، والله ما تهزه خطوة، حتى تعلن لا إله إلا الله أصالتها في الأرض!!

    طوقوه وأتاه جبريل فأخبره، قال: الخصوم خارج البيت يريدون قتلك، فيقول: إن الله معنا.

    لله درك، ولله در الشجاعة المتناهية، ولله در الروح العالية:

    يا قاتل الظلم ثارت هاهنا وهنا     فضائح أين منها زندك الواري

    الشمس والبدر في كفيك لو نزلت     ما أطفأت فيك ضوء النور والنار

    أنت اليتيم ولكن فيك ملحمة     يذوب في ساحها مليون جبارِ

    فخرج من البيت بلا سيف، وهم بالسيوف، وخرج بلا رمح وهم بالرماح!! وأخذ حفنة من التراب فألقى الله النوم عليهم، فناموا وسقطت سيوف الخزي والعار، ونثر التراب والغبار على رأس الفجار، وهو يقول: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9].

    1.   

    دروس من الهجرة النبوية

    نقف اليوم: بعد هذا الحدث بخمسة عشر قرناً، لنأخذ دروساً منها:

    التوكل على الله

    أولها: درس التوكل على الله، وتفويض الأمر له، وصدق اللجأ إليه، فلا كافي إلا الله، يقول سبحانه على لسان أحد أوليائه: وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا [غافر:44-45].

    ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَىَ لرسوله: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36] وكل من هو دون الله فهو تحته، ودونه، وأضعف منه، فلا مقارنة.

    الناس اليوم يحملون صدق التوكل والانتصار بالله في أذهانهم لا في حياتهم، إنهم يكونون أجبن ما يكون عندما تهدد لا إله إلا الله، إن قضية الوظائف، والمناصب والموائد، والجاهات والشارات استعبدت البشر، إنها تستعبد الحر الشجاع، فتجعله ذليلاً جباناً لا يقول كلمة الحق: {تعس عبد الدينار تعس عبد الخميلة تعس عبد الخميصة} إن محمداً عليه الصلاة والسلام، أراد أن يبني جيلاً قوياً شجاعاً، يقدم الواحد منهم رأسه لمبدئه، وروحه لمنهجه.

    ولكن: طال الأمد، وقست القلوب، وانطمس المنهج، وأصبحت الأمة تعيش خواءً عقدياً، أخوف ما تكون من البشر، انظر إليهم، والله إنهم يخافون من البشر أكثر من رب البشر!! فكم يخافون؟ وكم يجبنون؟ وكم تصيب أحدهم الزلزلة والرعدة من تهديد بسيط، يتعرض لوظيفته أو لمنصبه أو لدخله ورزقه، ولا يرزق ولا يخلق إلا الله!! وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَيَاةً وَلا نُشُوراً [الفرقان:3].

    إن قصة الهجرة يتجلى فيها التوكل كأحسن ما يتجلى في أي صورة، يدخل الغار، ويتكرر لنا حديث الغار، ونعيد دائماً حديث الغار، لأن أول التاريخ بدأ من الغار، والنور انفجر من الغار.

    فمن يمنعه عليه الصلاة والسلام؛ أين موكبه؟ أين أقواس النصر التي تحف بالناس؟ أين الجنود المسلحة التي تحمي جماجم الناس وأرواحهم وهم أقل خطراً وأقل شأناً منه، لا جنود معه ولا حراسة، لا سلاح، ولا مخابرات، ولا استطلاع!

    وإذا العناية لاحظتك عيونها     نم فالحوادث كلهن أمانُ

    فيقول أبو بكر: {يا رسول الله! والله لو نظر أحدهم إلى موطن قدميه لرآنا، فيتبسم عليه الصلاة والسلام -والتبسم في وجه الموت أمرٌ لا يجيده إلا العظماء، حتى يقول المتنبي يمدح عظيماً لا يستحق أن يكون جندياً في كتيبة محمد عليه الصلاة والسلام:

    وقفت وما في الموت شك لواقفٍ     كأنك في جفن الردى وهو نائمُ

    تمر بك الأبطال كلمى هزيمةً     ووجهك وضاحٌ وثغرك باسمُ

    يتبسم عليه الصلاة والسلام- ويقول: ما ظنك يا أبا بكر! باثنين الله ثالثهما} هل يغلب الثلاثة، أم تكون الدائرة على غير الثلاثة؟ إذا كان الله الثالث، فمن هو المغلوب؟ من هو خاسر الجولة؟ من هو المنهزم في آخر المعركة؟ ويقول: لا تحزن إن الله معنا، بعلمه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى وهي معية الحفظ والتأييد والتسديد لأوليائه، المعية التي صاحبت إبراهيم عليه السلام، وهو يهوي بين السماء والأرض، في قذيفة المنجنيق إلى النار، فيقول له جبريل: ألك إليَّ حاجة؟! قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فنعم: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمران:173] فصارت النار برداً وسلاماً.

    والمعية التي صاحبت موسى راعي الغنم، الذي يحمل عصاه، ولا يجيد أن ينطق اللغة، ويدخل إيوان الظالم السفاك المجرم فرعون، وحرس فرعون أكثر من ثلاثين ألفاً، الدماء تسيل في البلاط الملكي الظالم، موسى يلتفت ويقول: يا رب! إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، فيعطيه الله درساً في التوحيد والتوكل: قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه:46] نواصي العباد بيديه، ورءوس الطغاة في قبضته، ومقاليد الحكم بيمينه، لا يتصرف متصرف إلا بقدرته.

    ثم يأتي سراقة ويطارد محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فيقرأ القرآن ولا يلتفت؛ لأن الله معه، يدعو على سراقة، فيصبح سراقة مهدداً بالموت، فيقول: يا محمد! اكتب لي أماناً على حياتي.

    أنت الآن محمي وأنا مهدد، بالله لا تقتلني، فقد فر من الموت وفي الموت وقع، فيقول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن يتبسم: {يا سراقة! كيف بك إذا سورت بسواري كسرى؟} أين كسرى؟ إنه امبراطور فارس، ودكتاتوري الشمال، المجرم السفاك.

    فيضحك سراقة كأنه ضربٌ من الخيال، أهذا يستولي على إمبراطوريات الدنيا؟! أهذا يلغي مملكة العالم، وهو لا يستطيع أن ينجو بنفسه؟ وبالفعل تم ذلك، ودكدك الظلم، وفتح الشمال، ورفرفت لا إله إلا الله على الإيوان:

    وما أتت بقعةٌ إلا سمعت بها     الله أكبر تدوي في نواحيها

    وخالد في سبيل الله مشعلها     وخالد في سبيل الله مذكيها

    ما نازل الفرس إلا خاب نازلهم     ولا رمى الروم إلا طاش راميها

    حفظ الله لأوليائه

    ثانيها: أن الله يحفظ أولياءه، فهم يُؤذَون ويُضطهدون ويحبسون ويقدمون رءوسهم رخيصة لله، ولكن ينتصرون، والعاقبة للمتقين: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52].

    والنتيجة الحتمية أنهم هم المنتصرون في آخر المطاف، وأن الباطل مهما انتفش وعلا وكبر، فإنه كما قال سبحانه: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17] الباطل: له صولة، والحق: له جولة، والعاقبة للمتقين، وتكفل الله أن يحفظ دعائم هذا الدين والمتمسكين به، والمنضوين تحت لوائه، فمهما تعرض له من الإساءات والاضطهاد والإقصاء والاستخذاء، فإنه لا يزيدهم إلا إصراراً على مبادئهم، وشمماً وقوة.

    التضحية والبذل

    ثالثها: عالم التضحيات والبذل يتحقق فيه عليه الصلاة والسلام، فماذا فعلت أنا وأنت لهذا الدين؟ ماذا قدمنا؟ ومحمدٌ عليه الصلاة والسلام شغله الشاغل.. أنفاسه.. خواطره..أفكاره..أمواله..أهله..روحه لله!! يقول في إحدى مواقفه: {والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل} هاجر من مكة مطروداً، ووقف في حمراء الأسد يتكلم مع مكة، بينه وبين مكة كلامٌ رقيقٌ مشوق:

    يا من يعز علينا أن نفارقهم     وجداننا كل شيءٍ بعدكم عدمُ

    إذا ترحلت عن قومٍ وقد قدروا     ألا تفارقهم فالراحلون همُ

    يقول لـمكة: {والذي نفسي بيده إنك لمن أحب بلاد الله إلى قلبي، ولو لا أن أهلك أخرجوني ما خرجت} ثم تدمع عيناه، ويذهب، بناته أمامه يُضربن، فلا يستطيع أن يدفع، يوضع السلى على رأسه أمام الجماهير، ويضحكون عليه، ويمسح السلى ويقول: {اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون} تباع غرفه في مكة، بعقدٍ يتولاه عقيل بن أبي طالب.

    أعمامه يكذبونه أمام الناس، يحثى التراب عليه، ويطارد بعيداً بعيداً من مكة، ولكن الفجر حل، وهم يريدون إغلاق صوته، فيزداد الصوت قوة، وعظمة، وعمقاً، وأصالة! فيصل إلى المدينة فإذا الدنيا تتحدث به:

    وإذا أراد الله نشر فضيلة      طويت أتاح لها لسان حسودِ

    لولا اشتغال النار فيما جاورت     ما كان يعرف طيب نفح العودِ

    هكذا العظمة والريادة، فينصت العالم له، ويسمعون كلمته، ويقويه الله بجندٍ من عنده، وتحف به الملائكة:

    وقاتلت معنا الأملاك في أحدٍ      تحت العجاجة ما حادوا وما انكشفوا

    سعد وسلمان والقعقاع قد عبروا     إياك نعبد من سلسالها رشفوا

    إذاً التضحية هكذا: أن تقدم دمك ومالك ودموعك ووقتك للإسلام، ليس فقط الركعات والتسبيحات التي يمتن بها كثيرٌ من الناس، ولكنهم لا يستطيعون الحرقة على الدين، ولا الغضب على المحارم: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] ولا يستطيعون أن يتقدموا معك خطوة، لنصرة لا إله إلا الله، فإن هذا عالمٌ آخر.

    ماذا قدمنا في العام الهجري المنصرم؟

    رابعاً: ماذا قدمنا للعام الهجري المنصرم؟ ذهب من أعمارنا عام مات فيه قوم، وعاش آخرون، اغتنى فيه قوم وافتقر آخرون، وتولى قومٌ وخلع آخرون!! فماذا قدمنا للإسلام؟

    ولك أن تتعجب معي، وإن تعجب فعجبٌ فعلهم في هجرة محمد عليه الصلاة والسلام، أين هي الصحف الصباحية؟ أين هي الملاحق الفنية؟ أين هي الصفحات الرياضية؟ أين هي الشاشة؟ أين هو المذياع؟ ولم لا تحيي محمداً عليه الصلاة والسلام؟ لقد احتفل بأسبوع الشجرة، وبيوم الطفولة، وبيوم الأمومة، وبيوم الأرض، ولم يبق إلا يوم القطط والبط والوز! لم يبق إلا يومٌ من السنة، وأقترح أن يخصص للقطط احتفالاً بها!

    صحفٌ لا تحيي محمداً عليه الصلاة والسلام وكتابها حسنة من حسناته، ومتطفلون على مائدته، وأحرارٌ لما أخرجهم من رق الوثنية والعبودية لغير الله، فهذه بلادٌ ما أشرقت شمسها إلا من تحت قدمه، ثم لا نجد في الجرائد تحية ولا كلمة، ولا عموداً صغيراً، ولا زاوية، تحوي قصة المصلح العظيم، والله لقد قرأت أخباراً عن كلاب حدثت لها وقائع ومصائب في الغرب، وترجموا لها، لكن محمداً عليه الصلاة والسلام لا يجد من يترجم له، ونقول للكتبة وللمحررين وللنخبة المثقفة كما تزعم، ولأهل الكلمة ولأبناء الفكر: لا عليكم.. وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ [محمد:38].. وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً [هود:57].

    لا عليكم إن بخلتم بأقلامكم عن محمد عليه الصلاة والسلام، وجعلتم صفحاتكم الفنية لكواكب الفن، ولشموس الغناء، فعندنا جيلٌ الآن، أعلن توجهه إلى الله، جيلٌ كتب الهجرة بدموعه، وحفظ المسيرة بقلبه، وأصبح حب محمد عليه الصلاة والسلام يجري في دمه.

    فعندنا جيل كعدد الذر، كلهم يتمنى اليوم قبل غد أن يقتل في سبيل الله، من أجل مبادئ محمد عليه الصلاة والسلام.

    هذا أثره عليه الصلاة والسلام علينا، وهذا موقفنا من دعوته ومن رسالته.

    أما غيرنا فيدرس المناهج إلا منهجه، ويتكلم عن الشخصيات إلا شخصيته.

    ورأيت في صحيفة زاويةً خصصتها للأعلام والمشاهير ولوفياتهم، من هم؟ إنهم مشاهير السفك والنهب في العالم، والقتل والإبادة واستخذاء الشعوب.

    أما المحرر الأول، والرجل الذي أصلح الله به الأمة، فلا كلام عنه ولا ترجمة! فماذا يعتذر هؤلاء أمامه عليه الصلاة والسلام غداً؟ ولا يفهم فاهم، أو يزعم زاعم أنني أريد أن ننشئ له عيد هجرة، أو عيد ميلاد؛ فالإسلام لا يقر هذا، ولا يؤمن به، ولا يقر أن نجتمع في زوايا وخلايا وجوانب لنرقص كما يرقص المخذولون المتهوكون بالنشيد والتصفيق ونحييه، فتحيته أن نطهر بلاده مما طهرها منه هو صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فتكون بلاداً مقدسة، تحيته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن نسير على خطواته، وأن نفدي منهجه، وأن نضحي لمبدئه، أعظم مما يضحي الثوريون والماركسيون والاشتراكيون العرب للأقزام الملاعين، وللأوسمة المخذولة، وللأصنام المبعدة.

    تحيتنا له: أن نقف مع سنته وننشرها في الأرض: {بلغوا عني ولو آية}.. {نضر الله امرأً سمع مني مقالةً فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مُبلَّغٍ أوعى من سامع} إن عالم البادية الذي كان يسجد للحجر، ويجمع التمر ويصلي له، ويأتي للوثن الذي يبول عليه الثعلب، ويدعوه أن يشفي مريضه؛ وصمة عارٍ في هؤلاء القوميين العرب، فالذي حررهم من هذا هو محمد عليه الصلاة والسلام، وإن العجب العجاب أن تحتفل النوادي الأدبية، بنظافة البيئة، فتجد محاضرة في نظافة البيئة، وأخرى في فن السياحة، وأخرى في أدب الاصطياف، ولم يبق إلا محاضرة رابعة في بيطرة البقر! كيف تبيطر البقر؟ وما هو علاج البقر؟ ومن هم الأبطال الذي يعالجون البقر من أمراضها؟

    علي نحت القوافي من معادنها     وما علي إذا لم تفهم البقرُ

    لماذا لا تقام محاضرة بعنوان: أثر رسالته عليه الصلاة والسلام على العالم؟ لماذا لا يأتي هؤلاء البسطاء الوضعاء بمحاضرة عن (الإسلام وحاجة العالم إليه) أو القرآن وواجبنا في هذا القرن، أو أثر لا إله إلا الله في حياة الإنسان؟ أما هذه المحاضرات التي شبع منها الناس، ومجتها الآذان، وأصبحنا نصاب بغثيان من سماعها وتردادها، فوالله إنها شغلٌ للأوقات، وإنها تسويدٌ للصحف، ومجٌ للأسماع، وثقالةٌ ودرن على القلوب.

    هذا المهاجر الأول، وهذا الداعية المطارد من أجل مبدئه، وهذا عامنا وهذا ما قدمنا، وهذه النوادي، وهذه الصحف، وهذه الأقلام، ولكم أن تحكموا: بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة:14-15].. يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ [الانفطار:6-7].

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    موسى عليه السَّلامُ أمام فرعون

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وعلى قدوة الناس أجمعين، وحجة الله على الهالكين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    في مثل هذا الشهر، طورد داعية أول، زميلٌ له عليه الصلاة والسلام، نهجه نهجه، ومسيرته مسيرته، ودعوته دعوته، إنه موسى عليه السلام: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] لا يُبعث نبي إلا وقد هيأ الله طاغيةً هناك يرصد له، ولا يحمل رائدٌ من رواد الدعوة مبدأً إلا ويتهيأ له ظالمٌ يرصده، سنة الله: وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً [الأحزاب:62].. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة:251].

    في هذا الشهر، خرج موسى مطروداً من مصر، يطارده فرعون المجرم بستمائة ألف مقاتل فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ الزخرف:54] قطيع ضأن، الشعوب التي لا تفهم إلا الخبز والأكل، ولا تفهم إلا ثقافة القِدْر، والجيب والبطن تصفق للطاغية وتحثوا على رأس الداعية.

    الشعوب المهلهلة المهترية المتهالكة من الداخل طاردت موسى يريدون قتله، لأنه يريد أن يحررهم وهم يقولون: لا. يريد أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، وهم يقولون: لا. يريد أن يرفع رءوسهم، وهم يقولون: لا. اصطدم بالبحر، الجيش وراءه والموت، والبحر أمامه والموت، إلى أين؟ إلى الله، التفت ودعا، والله قريب: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    بنو إسرائيل الخونة الجبناء ولولوا وخافوا وارتعدوا، والكتائب حوله انهارت، يا موسى!: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61] ولكن موسى يتبسم، كما يتبسم محمد في الغار قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ الشعراء:62]

    فيقال له كما ذكر بعض أهل السير: أين يهديك وفرعون خلفك والبحر أمامك؟! هذه ورطة لا حل لها، هذا مضيقٌ لا مخرج منه في عرف البشر، قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62] ويتلقى المكالمة في الحال من الله، لا تتأخر عنه؛ لأنه كان كليماً: اضرب البحر بعصاك، فضرب باسم الله البحر فانفلق يبساً فمشى بنو إسرائيل، وأتى فرعون يريد أن يجرب آخر جولة له في عالم الضياع، وهي مصارع الطغاة، والطغاة لهم مصارع، إما أن تلعنهم القلوب وهم يسيرون على الأرض وهذا مصرع، وإما أن يشدخون كما شدخ هذا وهذا مصرع، وإما أن يدخر الله لهم ناراً تلظى، وهذا مصرع.

    إهلاك فرعون ونجاة موسى

    وصل فرعون ونجا موسى، وقال الله للبحر: اجتمع فاجتمع، وكان الضحية المجرم، دخل الطين في فمه، فلما أصبح في وقتٍ ضائع قال: قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:90] فيقول الله: آلْآنَ [يونس:91] في هذه اللحظة أيها المجرم الخسيس بعد أن فعلت من الأفاعيل ما تشيب له الرءوس؟!

    والشاهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام يشارك أخاه في فرحة الفلاح والانتصار، ويشارك زميله في هذا اليوم الأغر، يوم عاشوراء، ولذلك تضامن معه، وتكاتف هو وإياه، فقد وجد بني إسرائيل وهم اليهود الخونة الجبناء في خيبر والمدينة يصومون عاشوراء، قال: {ما هذا اليوم، قالوا: يومٌ نجا الله فيه موسى قال: نحن أولى بموسى منكم}

    موسى كليم ربنا، وحبيبنا، نحن حملة منهج موسى، ليس أنتم يا خونة العالم! ويا حثالة التاريخ! ويا أبناء القردة والخنازير! فصامه وقال عليه الصلاة والسلام عن هذا اليوم كما في صحيح مسلم: {إني أرجو من الله أن يكفر به السنة الماضية}.

    ومن السنة أن تصوم يوماً قبله، أو يوماً بعده -اليوم التاسع والعاشر، أو اليوم العاشر والحادي عشر من هذا الشهر- يقول عليه الصلاة والسلام: {لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع} فشكر الله لموسى دعوته ومنهجه وبذله وتضحيته، وشكر الله لمحمدٍ عليه الصلاة والسلام بذله وشجاعته وتضحيته من أجل هذه الأمة، وشكر الله لكل من سار على منهجه عليه الصلاة والسلام، وضحى من أجل مبادئه، وبذل من أجل دعوته، وساهم في رفع رسالته.

    أسأل الله أن يجمعنا بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام وبإبراهيم وموسى وعيسى وبالأخيار الطيبين، وبالشهداء الصالحين، وبالأبرار الصديقين، وبالشجعان الباذلين في مقعد صدقٍ عند رب العالمين.

    أيها الناس! صلوا على الداعية المطارد والمهاجر الأول والرسول الأعظم، والهمام الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما ترقرق الغمام، وما جنح الظلام، وما أُفشي السلام، وما كان في قلوبنا، وفي أذهاننا إمام، صلى الله عليه وسلم ما فاحت الأزهار، وما تمايلت الأشجار، وما تدفقت الأنهار، وما كور النهار على الليل، والليل على النهار، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما تألقت عينٌ لنظر، وما تحرقت أذنٌ لخبر، وما هتف وُرقٌ على الشجر، وعلى آله وصحبه.

    اللهم انصر دينك ومنهجك، اللهم اجعله عاماً مباركاً، وعاماً ينتصر فيه الدين، وترتفع فيه إياك نعبد وإياك نستعين، وعاماً يخسأ فيه الفجرة والمنافقون، وعاماً يغلب فيه المناوئون الظالمون، وعاماً يكون عائداً علينا بالحسنات والمكرمات، ورفعة الدرجات عند رب الأرض والسماوات.

    الله انصر الأمة وحقق لها أمانيها، وثبت أقدامها، وأيد شبابها، واحم حوزتها، وارفع رايتها، وأقم شامتها، واحم شريعتها، وأيد كلمتها.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.