إسلام ويب

رسالة إلى فنانللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الغناء بريد الزنا، والغناء ينبت النفاق في القلب.

    وهذه رسالة قصيرة إلى كل فنان ليسمعها ويقرأها، ويعرف حكم الغناء ومفاسده؛ ويعرف هل يستحق هؤلاء الفنانون كل هذا التلميع أم لا.

    1.   

    قضايا مع الفنانين

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الناس! هذه رسالة إلى فنان، يقول الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران:110] هذه الأمة كانت فيما مضى تُخرِّج للناس العلماء والزعماء، والشهداء، والأدباء، في حين كان الغرب يُخرِّج للناس قُطاع الطرق ومروجي الجرائم، ومهربي المخدرات، وسفكة الدماء، فتغير الحال، والحمد لله على كل حال.

    أصبحت هذه الأمة تخرج الفنانين والفنانات، والمغنين والمغنيات، وأصبح الغرب يخرج المخترعين، والمكتشفين، والأطباء، والمهندسين، فماذا فعل الفن بنا؟ وماذا فعلنا مع الفن؟

    أطل سهر العيون فكل نوم      لغيرك أيها المولى حرام

    وأسمعني حديث الوصل سبعاً      رضيت لك السرى والناس ناموا

    تغير الحال بهذه الأمة؛ فأصبحت في المؤخرة بعد أن كانت رائدة، وأصبحت في الحضيض بعد أن كانت في القمة، وأصبحت مقادة بعد أن كانت قائدة.

    كم صرفتنا يد كنا نصرفها      وبات يملكنا شعب ملكناه

    كفى تلميعاً للساقطين

    وهنا قضايا مع الفنانين:

    أولها: يسمون الفنان: الصاعد. لقد صعد لكن إلى أسفل، ويسمونهم: النجوم! النجوم اللامعة بلا نور، ويسمونهم: أساتذة الاختراع، وشيوخ الإبداع، تحييهم الوسائل صباح مساء وترحب بهم، وتعلن إنجازاتهم، في حين تطفئ أنوار العلماء وطلبة العلم والدعاة.

    ما هو مردود الفن على الأمة؟

    يا مسلمون!

    يا عقلاء!

    يا فطناء!

    هل رفع الفن عن العالم الإسلامي الفقر، والتخلف، والجوع، والبدع، والخرافات؟!

    هل علم الفن الجهلة في الضواحي وفي البوادي؟!

    هل أطعمهم من جوع وألبسهم من عري وسقاهم من ظمأ؟

    هل نفعت الملايين التي تهدر للفنانين والفنانات في بناء البرادات، والمساجد، والمدارس، والمستشفيات؟!

    هل رد الفن فلسطين، والألوف المؤلفة من العرب تتحلق على الفنان الواحد والفنانة الواحدة؟!

    هل أعاد لنا الفن أفغانستان؟!

    هل رد لنا الأندلس؟!

    ماذا فعل بنا الفن؟

    هل ملأ الفن مصانعنا بالطائرات؟

    وهل ملأها بالبرادات، والسخانات، والثلاجات؟

    كلها مستوردة، أكبرها الطائرة وأصغرها الطبشورة، إلا الفن فنصدره إلى غيرنا؛ لأن الأمم مشغولة بالمصانع والإنتاج، ما عندها فراغ لكي تغني، وترقص، وتطبل، ونحن عندنا فراغ ضيعناه في العزف، والرقص على الناي والعود وما يطلبه المستمعون.

    فعندنا من الفنانين ما يمكن أن نصدرهم على العالم ويبقى معنا احتياط!

    جيش من الفنانين ممن بلغ الثمانين، ولا يزال يعزف على الناي حتى يدخل القبر، وممن هو في الخامسة عشرة، وكل يوم تقول الوسائل: بشرى بالفنان الصاعد الذي خرج إلى النور بفنه وصوته الجميل!!

    الصوت الجميل من الذي وهبه؟ من الذي خلقه؟

    هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام:2] ويقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [غافر:64] قال مجاهد: [[الصوت الجميل]] فمن هو الذي منح الصوت الجميل؟ إنه الله.

    ولمن منحه؟

    للعاشقين!! للمسارح! للمغنين!! لا. بل لحكمة، والصوت منحة كقوة الجسم وقوة الذاكرة والمال والولد، وإذا لم يصرف في طاعة الله فلا خير فيه، وسوف يحاسب عليه العبد، يقول عليه الصلاة والسلام: {ليس منا من لم يتغن بالقرآن} والمقصد أن يصرف صوته الجميل في ترتيل القرآن.

    كان أبو موسى رضي الله عنه وأرضاه جميل الصوت، يسلب الألباب بصوته، فهل جعله عليه الصلاة والسلام يردد قصائد الغزل والمجون؟

    لا. بل جعله قارئاً للقرآن، مر عليه في الليل فسمع صوته، فوقف صلى الله عليه وسلم ليلاً طويلاً يستمع له، وقال: {يا أبا موسى! لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود، لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لصوتك. قال: يا رسول الله! أإنك كنت تستمع لقراءتي؟ قال: إي والذي نفسي بيده. قال أبو موسى: والله الذي لا إله إلا هو يا رسول الله! لو علمت أنك تستمع لصوتي، لحبرته لك تحبيراً} أي: حسنته، وجملته، وجعلته بديعاً.

    فالصوت الحسن يصرف في كلام رب الأرض والسموات، والصوت الحسن يرتل به القرآن، ويتغنى بكتاب الله ولا يتغنى بغيره.

    مهمة الفنان

    ماهي مهمة الفنان في الحياة؟

    هذا العمل الذي ما عرفنا أوله من آخره، ولا عرفنا مصدره ولا أثره.

    المهندس عرفنا جهده، والطبيب، والعالم، والتاجر، والفلاح، والجندي، إلا هذا الفنان الذي لا يعرف عمله أبداً إلا في هدم المجتمع، ولا يعرف شغله إلا في تدمير الأخلاق، هذه هي مهمة الفنان.. دغدغة المشاعر.. استثارة الغرائز.. تحطيم المجتمع.. تحبيب الفاحشة، فإن الغناء بريد الزنا، وكذلك غرس النفاق في القلوب، والتهجم على الأعراض، وتضييع شباب الأمة، وتهييج فتيات الأمة.. هذه هي مهمة الفنانين في الحياة.

    مات موسيقار قبل أيام؛ فقامت الدنيا وقعدت من أجل موته، وقام زعماء الأنظمة الأرضية يعزون في موته.. هؤلاء الزعماء الذين قتلوا العلماء، وحبسوا الدعاة، واضطهدوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومشى العالم في جنازته، وقامت الصحف الصباحية تقول: أصبح الفن الآن بلا أب، وأصبح يتيماً بلا أم!! أيتمهم الله، وقصم الله ظهور مروجي الفتنة في مجتمع الإسلام. وهل كان محمد عليه الصلاة والسلام مسئولاً عن إخراج جيل فنان لاهي لاعب لا يعرف أثره، ولا مهمته، ولا شغله في الحياة؟! لا والله، ما بعث إلا لإعزاز بلاد التوحيد ولنصب الفضيلة في العالم.

    بلاد أعزتها جنود محمد     فما عذرها ألا تعز محمدا

    دماء المسلمين في فلسطين وفي أفغانستان وفي كل بلد من بلاد الرحمن تُسال، والعزف والناي في البلاد الأخرى!

    دم المصلين في المحراب ينهمر      والمسلمون فلا رجع ولا خبر

    إذا تفاخر بالأهرام منهزم      فنحن أهرامنا سلمان أو عمر

    أهرامنا شادها طه دعائمها     وحي من الله لا طين ولا حجر

    هذه أهرامنا، وهذا فننا، وهذه نجومنا.. أبو بكر وعمر، ابن تيمية، مالك، أحمد، ابن القيم، أما هؤلاء السقطة فليسو نجوماً لأمة الإسلام، وإنما هم عملاء ومخربون في دار الإسلام.

    في العالم الإسلامي شيوخ فنانون، بلغوا الثمانين من العمر ويغنون، يقول الأول:

    ويقبح بالفتى فعل التصابي      وأقبح منه شيخ قد تفتى

    ويقول الآخر:

    هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها      ما بال أشيب يستهويه شيطان

    قدر أن الإنسان في العشرين يكون فناناً، فكيف يكون فناناً في الثمانين؟!

    وكثير من أهل العلم ومن الصالحين لبسوا الأكفان في الستين من عمرهم، قال سفيان الثوري: من بلغه الله ستين سنة فليلبس كفناً وليتهيأ لدخول القبر. وهذا في الثمانين ويغازل، ويصف الخدود والنهود، ويصف أيام الهجر والوصال، وهجر العاشقين ومحبة الوالعين، والليالي الحمراء، وقد أشرف على الثمانين!

    لماذا الآهات؟!

    اسمع الوسائل صباح مساء وإذا الصوت (آه) فلماذا (آه)؟ آهٍ على الحب، وعلى الهجر، وعلى عدم مراعاة الوداد، وعلى العشق والوله والغرام، فالآهات تصرف في هذا وإذا سمعته في الوسائل كأنه مطعون بخنجر.

    هل تذكر يوم تأوه يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]؟

    وهل تذكر إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:1-3] وهل تذكر فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى [النازعات:34-35] وهل تذكر القبر؟

    والقبر فاذكره وما وراءه      فمنه ما لأحد براءة

    وإنه للفيصل الذي به      ينكشف الحال فلا يشتبه

    إن يك خيراً فالذي من بعده      أفضل عند ربنا لعبده

    وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ      ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ

    هل تذكر الصراط؟ هل تذكر تطاير الصحف؟ هل تذكر الميزان؟

    هذا هو التأوه، والوله، واللوعة، والأسى الذي يعيشه الفنانون.

    أموال المسلمين تصب على الفن، فنان واحد في البلاد أحيا ليلة بل أماتها، ضيع بألوف المسلمين ليلةً صلاة العشاء وصلاة الفجر، يغني ويطبل، فحصل على شيك بخمسمائة ألف، من غير الهدايا التي انهالت عليه من الحاضرين، ولماذا هذا كله؟

    إنه أحيا قلوبهم أمات الله قلبه، قالوا: أحييت ليلتنا، والحقيقة أنه أماتها، أما كان أولى أن يدفع هذا الشيك إلى الذين يأكلون التراب، وإلى الذين يشترون كيس البر، والسكر، والأرز ديناً؟ ما يجد أحدهم ما يشتري به، فيبقى في ظهره سنة حتى يبيع تيسه في السوق ويقضي هذا الدين، ومن شك في كلامي فليجعل يده في يدي وأذهب به وأوقفه على ألوف من هؤلاء الذين لا يجدون كسرة الخبز، فالكماليات لا يريدونها، وزيادة الملابس لا يريدونها إنما يريدون خبزاً للبيت، والملايين والألوف تصب على هؤلاء الذين لا يخافون الله ولا يرجون لقاءه.

    فوا عجباً كم يدعي الفضل ناقص     ووا أسفاً كم يظهر النقص فاضل

    إذا عير الطائي بالبخل مادر      وعير قساً بالفهاهة باقل

    وقال السهى للشمس أنت كسيفة      وقال الدجى للبدر وجهك حائل

    فيا موت زر إن الحياة ذميمة      ويا نفس جدي إن دهرك هازل

    1.   

    العلماء هم الأحق بالتكريم والتمجيد

    من أولى الناس بالتكريم؟

    إنهم الذين يقدمون العلم، والإنتاج، والإبداع للناس، ويسعون في إراحتهم والذب عن مصالحهم، ويسعون في استقرار الأمن في البلاد، وطرد الجرائم والفواحش من حياة الأمة، هم أولى الناس بالإكرام والتبجيل، لا هؤلاء السقطة.

    إن الجموع الهادرة، والألوف التي تقف في المدرجات، وتحيي الفنانين وتصفق لهم، وتضيع الليالي والصلوات، ولا تحضر الدروس ولا المحاضرات، ولا الجمع ولا الجماعات، هذه الألوف تدعي نسبتها إلى محمد عليه الصلاة والسلام.

    والوسائل المختلفة تلمع السقطة، وتبرز المغمورين، وتطمس هوية الأمة، فإنك تجد أربعة ملاحق فنية للفن، وإذا طلبت منهم أن تنشر كلمة في السيرة في عمود صغير قالوا: لا مساحة لهذا.

    فلماذا هؤلاء لهم مساحة؟! ولماذا أربعة ملاحق فنية صباح مساء؟! لماذا وجد لهؤلاء أمكنة، وما وجد لشرح آية أو حديث، أو مشكلة اجتماعية، أو إصلاح أفكار الأمة، أو تعليم الناس أمور الدين مساحة؟!

    اشتغلوا بحياة الفنان، وأغنية الفنان، وماذا يأكل الفنان؟ وماذا يشرب؟ وماذا يلبس؟ ومتى ينام؟

    مقابلة مع الفنان، وكأنه ابتكر لنا واخترع مفاعلاً نووياً، أو طاقة، أو اكتشافاً ما عثر عليه الغرب، أو اكتشف لنا جهازاً يخدمنا، أو قدم كتاباً!! لا والله، إنما كانوا سبباً لإضعاف الأمة في اقتصادها، وقوتها، ومالها، ونموها.

    هذه كلمات، وهي رسائل علَّ الفنانين أن يسمعوها ويعوها، وأن يعلموا أنهم إذا أرادوا الانتساب لأمة إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ فليراجعوا حسابهم مع الله، وليعلموا أن أوقاتهم تحسب عليهم أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:115-116] سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].

    1.   

    حكم الفن في الإسلام

    الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين. أمَّا بَعْد:

    فالغناء والفجرة منذ القدم، منذ فجر التاريخ والفجرة يصاحبون الصالحين سواءً بسواء، والدين مناوى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً [الفرقان:31] ولد الفن والضياع مع إبليس، ورواه عنه فرعون، وانتقل إلى أبي جهل، ثم صحب الضيعة على مر التاريخ حتى وصل إلينا، وسوف يستمر إلى أن يصل إلى النار، فأول حباله في يد إبليس، وآخر حباله في نار تلظى.

    أقوال الفنانين قديماً وحديثاً

    اسمع إلى كلمة الفجرة في فجر التاريخ أو قبل مئات السنين وهم يعارضون الله في قدره ويستهزءون بشرعه، ويقفون في المناسك يتغزلون ببنات المسلمين.

    يقول أحدهم في أغنية ذكرها ابن الجوزي في صيد الخاطر اسمع الكلمات.

    أيا رب تخلق أغصان رند      وألحاظ حور وكثبان رمل

    وتنهى عبادك أن يعشقوا     أيا حاكم العدل لا حكم عدل

    ما معنى الكلام؟

    يقول: يا رب! لماذا تخلق أغصان الرند والشجر الجميل؟ ولماذا تخلق الألحاظ الجميلة والعيون الناعسة؟ ولماذا تخلق النهود والخدود ثم تنهانا أن ننظر إليها وأن نعشق؟!

    هذا ظلم وليس بعدل!

    قال أهل العلم: من قال هذا واعتقده فقد كفر وخرج من الإسلام. هذا نموذج للغناء من قديم.

    قيل لأحدهم وهو عند المقام يدعو: تب من الهوى. قال:

    أتوب إليك يا رحمن مما      جنت نفسي فقد كثرت ذنوب

    وإما من هوى ليلى وتركي      زيارتها فإني لا أتوب

    ما حكم من رفض أن يتوب وأعلن لله أنه لن يتوب؟

    قال أهل العلم: من حارب الله ولو بصغيرة وأصر عليها فهو ظالم وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11]. وعند المقام والبيت يتحدى الله، ويقول: وأما هوى ليلى وزيارتها ليلى فلا أتوب فافعل ما بدا لك!

    حج الناس في القرن الثاني، وأخذوا الناس يطوفون بالبيت، تتنـزل عليهم الرحمات، وتسكب دمعاتهم عند الحجر الأسود، وأتى رجل من الفنانين الذين يشكلون هذا الطراز الذي نعيش معهم اليوم، فترك مخافة الله، وخشيته، ومراقبته، ونظر إلى فتاة عند زمزم فقال:

    قف في الطواف ترى الغزال المحرما      حج الحجيج وعاد يقصد زمزما

    لو أن بيت الله كلم عاشقاً     من قبل هذا كاد أن يتكلما

    هذا يغنى، والكثير منكم سمعه، وأهل العلم استتابوا صاحب هذه الأبيات لكنه الآن يغنى في الوسائل، والبينة على من ادعى واليمين على من أنكر، وبينتي أنه بلغ درجة التواتر؛ أن يبث مثل هذا على الملايين من الأمة.

    أما كلمات المغنين الحادثة ففيها كفر وفسق ومعصية.

    من كلماتهم يقول أحدهم: "قسماً بمبسمك البهي"، والقسم بغير الله لا يجوز بل هو شرك، ويقول الثاني: "لنا الله"، والله يقول لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [البقرة:107] وهذا المطرب على مسرحية المعصية وعلى مسرح الجريمة يقول: لنا الله، وثالث يقول بلغته لا يعرف أن يذهب وهو موسيقار يقول: " ولا عاوزين إيه ولا عارفين إيه ولا رايحين إيه"، يقول الله: إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ [الأنعام:62] وهذا يقول: لا أدري أين أذهب؟

    ولأهل العلم ردود عليه، وهو الذي شهدت الملايين موته، وقامت الدنيا وقعدت من أجل موته، ويموت آلاف العلماء والصلحاء والزهاد ولا يقوم لهم بنت شفة ولا يتكلم عنهم.

    حكم الغناء

    أما حكم الغناء فقد نقل الشوكاني الإجماع على تحريمه، ونقل الآجري في كتاب الشريعة عن أهل العلم إجماعاً أنه محرم، وهذا مالا يمتري فيه مسلم إلا من في قلبه شبهة، ولا عبرة بمن حلله، فهؤلاء ليس لهم من العلم الشرعي قدم، وإنما هم أشبه بالمثقفين والمفكرين، والله يقول: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111].

    مفاسد الغناء

    أما مفاسده فقد ذكرها ابن تيمية وابن القيم، منها: هدم الأخلاق، وغرس النفاق، والوحشة بين العبد وبين الله، وقسوة القلب، وضياع العمر، وحرمان سماع غناء الجنة الذي هو ألذ من كل لذيذ -أسمعنا الله إياه- وهذا لمن لم يسمع الأوتار والعيدان في الدنيا، قال ابن القيم ناظماً:

    قال ابن عباس ويرسل ربنا      ريحاً تهز ذوائب الأغصان

    فتثير أصواتاً تلذ لمسمع الـإنسان كالنغمات بالأوزان

    يا خيبة الآذان لا تتعوضي      بلذاذة الأوتار والعيدان

    ومن أراد أن يستمع إلى تفصيل أقوال أهل العلم ونقولاتهم والأدلة فليرجع إلى شريط (رسالة إلى المغنين والمعنيات) وهو موجود.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يارب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحب وترضى.

    اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدهنا سبل السلام، اللهم رد شباب المسلمين إليك رداً جميلاً، وكفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم.

    اللهم رد لنا بلادنا المسلوبة وأراضينا المنهوبة، وانصر من جاهد لإعلاء كلمتك يارب العالمين.

    سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:180-182].