إسلام ويب

الاستغفارللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • شهر رمضان شهر التوبة والغفران، ومتى يتوب من لا يتوب في رمضان؟!

    ويلي رمضان عيد يفرح فيه الطائعون لله، ويسن في العيد التكبير وصلاة العيد ولبس الجديد والمعاودة للأهل والأقارب إلى غير ذلك من الأحكام في العيد.

    1.   

    شهر رمضان شهر الاستغفار

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، ومثلما ما نقول، وفوق ما نقول، لك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالصيام، ولك الحمد بالقيام، عز جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآياتك.

    من تقرب إليك قربته، ومن أحبك أحببته، ومن توسل إليك قَبِلته، ومن عصاك أدبته، ومن حاربك كبته.

    لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

    والصلاة والسلام على من رفعت به منار الإسلام، وحطمت به دولة الأصنام، وفرضت به الصلاة والصيام، والطواف بالبيت الحرام، خير من أفطر وصام، وخير من سجد وقام، رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    أيها الناس! فإنكم تعيشون الأيام الأخيرة من هذا الشهر المبارك.

    شهرٌ رضي الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى عمن صامه وقامه.

    شهرٌ فتح الله به أبواب الجنان، وأوصد فيه معامل الشيطان، شهرٌ أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتقٌ من النار.

    شهرٌ أنفاس الصائمين فيه خيرٌ عند الله من المسك.

    شهرٌ يعتق الله في كل ليلةٍ منه مائة ألفٍ ممن استوجبوا دخول النار.

    شهرٌ جعله الله عز وجل صلةً بين المذنبين وبينه تبارك وتعالى.

    والله عزوجل طلب من المكلفين أن يستغفروه بعد كل عمل صالح، فقال للرسول عليه الصلاة والسلام في آخر عمره: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً [النصر:1-3] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى للحجيج بعد أن قضوا مناسكهم، وانتهوا من أعمال حجهم: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:199].

    فواجبك في هذه الأيام والليالي، أن تعود إلى الملك العلام، وأن تختم هذه الساعات القريبة الوجيزة، التي بقيت من هذا الشهر الفضيل، ومن هذا الموسم الجليل، أن تختم هذا الشهر بالاستغفار والتوبة، علَّ الله أن يقبلك في من قبل، وأن يعفو عنك في من عفا عنهم، وأن يردك سُبحَانَهُ وَتَعَالى إليه.

    استغفار الأنبياء

    إن الأنبياء عليهم السلام سلفاً وخلفاً استغفروا الله عزوجل على حسناتهم وبرهم وصلاحهم، قال نوح عليه السلام لقومه: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً [نوح:10-12].

    وقال آدم وزوجه لما أذنبا: قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].

    وقال عز وجل: وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ [هود:3].

    وقال سليمان عليه السلام وقد رأى ملكه وجيشه: قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [صّ:35].

    وقال إبراهيم عليه السلام: وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ [الشعراء:82].

    الله الغفور الرحيم

    والله عزوجل وعد المستغفرين ألا يأخذهم بنقمة في الدنيا إذا استغفروا الله، فقال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    ونادى الله الناس جميعاً، فقال: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مادحاً من استغفر يوم يذنب، ومن تاب يوم يسيء, ومن راجع حسابه مع الحي القيوم، فقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].

    ومن صفات الله عزوجل الحسنى أنه تواب رحيم: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [الشورى:25].

    وقال لبني إسرائيل: أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [المائدة:74].

    وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى مخبراً أن من اجتنب الكبائر غفر الله له الصغائر، فقال: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31] وقال جلَّ ذكره: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء:64] وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً [النساء:110].

    فسبحان من بسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار! وسبحان من بسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها! والله يقول في الحديث القدسي: {يا عبادي! إنكم تذنبون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم}.

    رمضان والتوبة

    متى يتوب من لا يتوب في رمضان؟

    ومتى يعود إلى الرحمن من لا يعود في رمضان؟

    ومتى يراجع حسابه مع الواحد الديان من لا يراجع حسابه في رمضان؟

    ينسلخ الشهر ولا يمحى الذنب.

    ينسلخ الشهر ولا تسارع في فكاك رقبتك من النار.

    أليس من الحسرة والندامة أن يعفو الله عن مئات الألوف ثم لا يعفو عن البعيد؟!

    أليس من العار والخزي والخسار والتبار أن ينسلخ الشهر ثم لا تكون من الذين رضي الله عنهم -ونعوذ بالله من ذلك- والأعمال بالخواتيم؟!

    فسارع في فكاك رقبتك في هذه الليالي، واغتنم كثرة الصلاة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكثرة التوبة والاستغفار، وبادر بالحسنات؛ فمن يدري لعلك أذنبت ذنباً كبيراً لا يغفر إلا في هذه الليالي، ولعلك أسأت إساءة كبرى لا يمحوها إلا التوبة في هذه الأيام، فبادر في فكاك رقبتك، وارفع يديك إلى الله عزوجل فإنك لا تدري لعل رمضان لا يعود إليك مرة أخرى.

    فوداعاً يا شهر الصيام والصلاة! ووداعاً أيتها الأيام العطرة التي عشناها في ذكرٍ وتلاوة! لا ندري أتقبل منا فنخرج يوم العيد في فرح وسرور وحبور ونور، أم ردت أعمالنا علينا -والعياذ بالله- فنخرج في ويل وثبور، وفي حسرة وندامة.

    فإن السعيد من أسعده الله وكتبه في صحائف الخلود والسعادة، والشقي من أخزاه الله وغضب عليه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    إذا عُلم ذلك -يا عباد الله- فأوصي نفسي وإياكم بالتوبة النصوح، وكثرة الاستغفار في هذه الليالي، ورفع يدي الضراعة إلى الحي القيوم علَّ الله أن يغفرلنا؛ فوالله! ليس لنا من الأعمال ما نتقدم به إلى الله، كل أعمالنا خطيئة وذنب، كلنا فقرٌ ومسكنة، كلنا عجز وتقصير، نخشى من أعمالنا أن يشوبها الرياء والسمعة فيبطلها الله أولاً وآخراً.

    ليس منا شيء، إن فعلنا من الحسنات فقد قابلها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى بنعمٍ مدرارة ٍغزيرة لا نقوم بشكرها أبداً.

    يظن العبد يوم يصلي ساعة، أو يقرأ، أو يذكر الله؛ أنه فعل شيئاً عظيماً.

    وأين ساعات النعيم؟!

    وأين ساعات الأكل والشرب؟!

    وأين ساعات اللهو واللعب؟!

    وأين ساعات الترح والمرح والذهاب والمجيء؟!

    الله الله في بقية رمضان

    فيا أيها المسلمون! يا من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً.. الله الله في هذه الليالي! بقي ليلتان أو ثلاث وما أدراك ما يكتبك الله فيها، من يدري لعلك أن تكون شقياً فيمحوك الله ويكتبك سعيداً، لعلك أن تكون بعيداً فيقربك الله ويجعلك سعيداً، لعلك أن تكون من المغضوب عليهم -نعوذ بالله من ذلك- فيتولاك الله في من تولى.

    وإنما الأعمال بالخواتم      لا تحتقر شيئاً من المآثم

    ومن لقاء الله قد أحبا      كان له الله أشد حبا

    وعكسه الكاره فالله اسأل     رحمته فضلاً ولا تتكل

    ولتك بالخوف وبالرجا ولا      تيئس وللنفس فجاهد عجلا

    وإن فعلت سيئاً فاستغفرِ      وتب إلى الله بدار يغفرِ

    وبادرن بالتوبة النصوحِ      قبل احتضار وانتزاع الروحِ

    تالله لو علمت ما وراءكا      لما ضحكت ولأكثرت البكا

    قد حفت الجنة بالمكارهِ      والنار بالذي النفوس تشتهي

    مع كون كل منه ما لدينا      أدنى من الشراك في نعلينا

    فسبحان من بسط ميزان العدل للعادلين! وسبحان من نشر القبول للمقبولين! وسبحان من فتح باب التوبة للتائبين!

    فمن مقبل ومدبر، ومن سعيد وشقي، ومن تائب وخائب.

    فنسأل الذي بيده مفاتيح القلوب، أن يفتح على قلوبنا وقلوبكم، وأن يعتق رقابنا ورقابكم من النار، وأن ينقذنا من عذاب جهنم، وأن يجعلنا ممن قبل صيامه وقيامه وذكره وتلاوته.

    ربنا تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا: فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ [الأحقاف:16].

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه. إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    مع قدوم العيد

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً وشاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله! في صباح يوم العيد، يوم تطل شمس العيد، ويبزغ نورها، وترسل أشعتها، في ذاك الوقت الباكر السافر الساحر، تتنـزل الملائكة من السماء زرافات ووحداناً، تتنـزل ملائكة الرحمن في ثوبٍ مهيبٍ، جميلٍ بهيج، تتنزل الملائكة في صباح عيد المسلمين ومعها الصحف، فتقف على السكك والمنحنيات والطرقات ومداخل الشوراع تسجل الذاهبين والآيبين إلى المصلى، وترسل إليهم الهدايا المعنوية، والجوائز الرمزية التي كلفهم الله بإعطائها العباد، فمن آخذٍ جائزته بيمينه فمقبول ومدخول ومستأذن، ومن مطرود خائب خاسر نادم.

    والملائكة يوم ينصرف الناس من المصلى يشهدون للمقبولين بالقبول، وللمردودين بالرد، فلا إله إلا الله كم من مقبول يوم العيد فرح مسرور! ولا إله إلا الله كم من مطرود يوم العيد خائب مثبور!

    فمن قضى الشهر في الصيام والقيام والذكر والتلاوة والعبادة والخشوع؛ قبله الله يوم العيد، وألبسه جديد التوبة مع جديد الثياب، وجعله من أهل دار المغفرة والرضوان.

    ومن خيب أوقاته، وضيع عمره في رمضان، وعصى الله واجترأ على حرمة الشهر، وتعدى حدود الله وانتهك محارم الله، لا ينفعه -والله- لبس الجديد، بل يعود خائباً نادماً حاسراً فاشلاً.

    ماذا في يوم العيد؟!

    يوم العيد سرٌ من أسرار هذه الأمة، ففيه تخرج الأمة الإسلامية معلنة تضامنها وخلودها وانسجامها وتكافلها.

    يوم العيد يكون ترنيمنا ونشيدنا الخالد: الله أكبر كبيراً، والله أكبر من كل قوة، والله أكبر من كل هيئة، والله أكبر من كل كيان، الله أكبر له البقاء والرفعة، الله أكبر له الثناء والمجد، الله أكبر له البقاء أبداً سرمداً.

    والتكبير يوم العيد سنة سنها صلى الله عليه وسلم في المناسبات وغيرها، فكأننا نقول للناس: يا من تكبر وتجبر! الله أكبر منكم، ويا من عتا واستكبر! الله أكبر منكم، ويا من غفل وسها وتمرد على الله! الله أكبر منكم.

    ويوم العيد نلبس الجديد؛ ومعناه: أن نظهر النعمة التي أنعم الله بها علينا، فنقول بلسان الحال: يا رب! هذه نعمك علينا، يا رب! هذا اللباس الذي ألبستنا، ونقول للناس: انظروا لنعم الله علينا، وانظروا إلى فضله وكرمه فعند البيهقي بسند حسن قال صلى الله عليه وسلم: {إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده} وخرج صلى الله عليه وسلم يوم العيد ليصلي بالأمة الإسلامية، وليقود الجماهير لخطبة عاطرة رضية؛ فلبس حلة حمراء من أحسن الحلل؛ ليظهر جمال الإسلام.

    ويوم العيد نتوضأ ولا بد، ويغتسل من أراد منا، وبعض أهل العلم جعل الغسل سنة؛ لنخرج طيبين ونقول: يا رب! طهرنا الأعضاء فطهر المعنويات، طهرنا الظاهر فطهر الباطن، طهرنا ما كشف للناس فطهر ما خفي عنهم.

    ويوم العيد نخرج من طريق والأحسن أن نأتي مشاة؛ لنقول لكل عدو في الإسلام: ها نحن الأمة المسلمة خرجنا تائبين إلى الله، منيبين إليه، شاكرين نعماءه، ونمشي على الأرض وهو الأفضل؛ لنعلن التواضع لله عزوجل، ولنقول: عليك أيتها الأرض نمشي، وعلى ظهرك نأكل ونشرب، وفي باطنك نقبر، فنحن العباد من تراب.

    ونعود يوم العيد من طريق ليرانا الذين لم يرونا من الطريق الأولى، فكأننا حشود منظمة، أو كتائب منسجمة، أو أطلال من إطلالات الفجر، أو شعاعات من شعاع النور.

    وفي يوم العيد أمرنا صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر؛ لنغني الفقراء، فلا يصح أبداً أن نلبس الملابس الغالية، ونركب المراكب الضخمة، ونسكن القصور الشاهقة، والفقراء يموتون على الأرصفة جوعاً وعرياً وعطشاً.

    في أي ملة وأي دين؟! أن يسكن بعض المسلمين بالشقق العامرة الفخمة الفاخرة ويموت بعضهم عرياً وجوعاً وعطشاً.

    في أي ملة وأي مبدأ نأخذ ما لذ وطاب من الثياب والطعام والشراب، والأكباد تتمزق جوعاً وعرياً وعطشاً وندماً وبكاءً؟! فقال عليه الصلاة والسلام للفقراء: {أغنوهم في ذاك اليوم} لنظهر الشعائر.

    من معاني العيد وأسراره

    يا أمة العيد! يا من لبسوا الجديد لمولاهم وأعلنوا أنه أحق بعبادة العبيد! من أجلَّ سمات ومعاني العيد، وأسرار العيد؛ أن نعود للحي القيوم، فمن لا يعود إلى الله، ولا يعلن العودة إلى الله فليس له عيد.

    لماذا يفرح وقد ابتعد عن الله؟!

    لماذا يفرح وقد قطَّع حباله بينه وبين الله؟!

    لماذا يفرح وقد أوصد أبواب التوبة بينه وبين الله؟!

    فمعنى العيد: أن تعود إلى الله، وتعلن توبتك كما يأبق العبد فيعود إلى مولاه.

    ومن معاني العيد: أن نقف صفوفاً في المصلى، وكأننا نقول: يا رب! إن قبلت فزدنا قبولاً، وإن غضبت فأتنا رضاً، وإن أذنبنا فتب علينا.

    ومن أجلَّ أسرار العيد: أن نتعاود فيما بيننا ونتزاور، يأتي القاطع الذي قطع أرحامه السنوات المديدة، واستوجب اللعنة العتيدة، فيمحو لعنة الله بزيارة أرحامه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22-23].

    وقال تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [الرعد:25] فحينها تأتي يوم العيد فتزور أباك وأمك، وأخاك وأختك، وعمك وعمتك، وخالك وخالتك، وكل قريب يقرب منك ووصلك الله بوصيلة منه: {فإن الله لما خلق الرحم وتعلقت بالعرش قال: تكلمي، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك} فأنزل الله الرحم، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.

    فالذي لا يصل رحمه يوم العيد كأنه ما فعل شيئاً.

    فإن من أسرار العيد المعاودة؛ أن تدخل السرور على من جعل الله بينك وبينهم وشائج قربى، وأن تريهم نفسك، وأن يسمعوا حديثك وتسمع حديثهم؛ لأن الحياة قصيرة فلا تقطعها بالقطيعة.

    ومن أسرار العيد: أن تعود إلى صف المسلمين في الجمع والجماعات، والمناسبات، والأعطيات، والتبرعات، وأن تقف صفاً معهم واحداً، فأنت عضو حساسٌ من أعضائهم، وأنت مضغة من جسمهم، وأنت ذرةٌ من هذا الكيان الخالد.

    فمن أسرار العيد أن تعود مع المسلمين في صلاة الجماعة والجمعة، وأن تتوب إلى الله.

    بئس قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان.

    بئس عبدٍ أتى رمضان فصام وقام وتلا آيات الواحد العلام، فلما سمع إعلان يوم العيد رجع على ما كان عليه من الفرقة فإنه هو البعيد، لما سمع إعلان يوم العيد تمرد على رب العبيد، أليس رب رمضان رب شعبان وشوال؟!

    أليس رب رمضان هو الذي يدرك السر وما يدور في الخلدان؟!

    أليس رب رمضان هو المطلع على ما تخفيه الضمائر في الوجدان؟!

    فيا عباد الله! من عرف الله في رمضان فليواصل معرفته كل آن، ومن تاب إلى الله في رمضان فليواصل توبته إلى الله في كل زمان ومكان.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم      في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً      قد شبت في الرق فاعتقنا من النار

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً} اللهم صلِّ وسلم على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.وارض اللهم عن أصحابه الأطهار؛ من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بكرمك ومنِّك يا أكرم الأكرمين!