إسلام ويب

المعتدون على حرم اللهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى أنزل كتاباً مباركاً متضمناً للأحكام والعبر والعظات، فتارة يأتي عن طريق الترغيب، وتارة عن طريق الزجر والوعيد وذِكر أخبار الأمم الماضية وما حل بها من عذاب الله.

    واليوم أخي الحبيب هلم بنا لنعش مع القرآن ونتدبر بعض هذه الأخبار والقصص في سورة الفيل وما فعل الله بأصحابه.

    1.   

    وقفات مع سورة الفيل

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.

    الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير.

    الحمد لله الذي كسَّر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ظهور الأكاسرة، وقصّر بمبعثه آمال القياصرة، الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة.

    والصلاة والسلام على حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، المبعوث بالخُلق الجميل، وبالدين الجليل، الذي كان مولده يوم رد الله أصحاب الفيل، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْـد:

    نقف اليوم وقفةً مع سورة عظيمة، وهذه السورة تروي قصة تاريخية وحدثاً عظيماً يمتن الله بها على أهل الجزيرة العربية، وكأن لسان الحال يقول:" يا أهل الجزيرة! أما رددنا عنكم المعتدي وحميناكم من الظالم؟

    يا أهل الجزيرة! أما منعناكم من المستعمر الأجنبي فكيف تقابلون نعم الله، ودينه ورسالتة؟!

    وملخص القصة: أن أبرهة الأشرم -الملك الحبشي الذي تولى الملك في اليمن، وكانت عاصمته صنعاء - غضب من وجود بيت الله الحرام، فبنى في صنعاء كعبة عظيمة هائلة طويلة شاهقة، زخرفها وبناها وليته اكتفى -هذا العميل الضال المجرم- بهذا الفعل فقط، بل دعا الناس لحج هذا البيت الذي بناه، وصرف وجوه الناس إلى كعبته التي أسست على الظلم والفجور وعلى المكر والعناد، وكانت تسمى: القُلَّيس، إذا نظر إليها الناظر، سقطت قلنسوته من على رأسه، فلما دعا الناس لحجها؛ غضبت العرب قحطانية وعدنانية، وأرسلت قريش شباباً في ظلام الليل، فدخلوا كعبة أبرهة وأضرموا فيها النيران، فغضب وأرسل جواسيسه لأخذ الخبر، فأخبروه أن قريشاً هي التي أججت بيته وأحرقته، فأعلن الحرب على بيت الله، سبحان الله! يحارب الله!

    أيهـا المعتدي رويداً رويـداً      إن بطش الإله كان شديدا

    إن بطـش الإله أهلك فرعون      وعاداً من قبلكم وثمودا

    وتهيأ لهدم الكعبة، وسمعت العرب أنه سيخترق الجزيرة العربية من جنوبها إلى شمالها ليصل إلى مكة، وقامت قيامة العرب، لكن ماذا يستطيعون أن يقدموا؟

    خرج بجيش قوامه ستون ألفاً معهم اثنا عشر فيلاً أكبرها وبطلها وشجاعها: محمود، ومهمته أن يتقدم الجيش وعلى متنه أبرهة الأشرم الظالم الضال، وسمعت قبائل اليمن بذلك، فغاضهم هذا، وإلا فهم وثنيون مشركون لكن العرف العربي سرى في أجسادهم، فاستنفروا قبائلهم واعترضوه، ولكنه سحقهم وقطع دابرهم، وأخذ يخترق جبال السروات والصحيح أنه أتى من الجبال المطلة على تهامة، وسمعت خثعم بقدومه، فأعلنت الحرب عليه، وقاد قائدهم نفيل بن حبيب الخثعمي - كما قال أهل السير -ونازلوه في جبال خثعم وبالخصوص قبيلة شهدان وناهس، فسحقهم لأمر أراده الله، ليري الله أهل الجزيرة كيف حماهم ووقاهم ورعاهم، وأخذ يخترق الجبال حتى وصل إلى الطائف فاستقبله أهل الطائف وقدموا له الخدمات - وهذا شأن العميل الذنب، الذي يحب المستعمر الأجنبي ويقدم له الخدمات على دماء قومه وعلى شرفه وعرضه وملكه وملك أجداده- وما اكتفوا بذلك؛ بل قام أبو رغال أحدهم، فدل أبرهة على طريق مكة من الهدى، ولذلك لما مات أبو رغال كان العرب يرجمون قبره غضباً لبيتهم ولدين آبائهم، ونزل أبرهة الأشرم وأتى موعود الله ونصره فأخذه.

    وتمركز أبرهة في المغمّس قريباً من الحرم، وقريباً من وادي محسر وأخذ جيشه الظالم يغير على سوارح مكة وعلى إبلها وغنمها فيسبيها.

    ولما سمع عبد المطلب جد المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وكان رجلاً شهماً سيد مكة وابن سادتها، وكان له مائتان من الجمال أخذها أبرهة وجيشه، لبس لباسه وتوجه إلى أبرهة، وسمع بقدومه أبرهة، فلما رأى عبد المطلب وجلالته وسمته ووسامته نزل من على كرسيه وعانقه وأجلسه معه على البساط، فقال يا عبد المطلب!- بواسطة الترجمان-: ماذا تريد؟ قال: أريد جمالي التي أخذها جيشك، فقهقه أبرهة وضحك مستعلياً مستهزئاً، قال: لما أتيت ظننت أن فيك عقلاً، فأنا أتيت لآخذ بيتك وبيت أجدادك وآبائك، فلما كلمتني في الجمال احتقرتك واستصغرتك.

    قال عبد المطلب: أنا رب الجمال، وللبيت رب يحميه. أنا رب الجمال آخذها وأمنعها ولو أن ربها هو الله، لكن البيت لا نحميه، وإنما يحميه الذي أمر ببنائه، والذي أمر خليله أن يدعو الناس لحجه.. يحميه الذي سوّى سمكه ورفع بنيانه، فأخذ جماله وولى وترك المشهد هكذا.

    وفي الصباح أراد عدو الله أن يتقدم ليهدم الكعبة -أول بيتٍ أسس على التقوى.. على لا إله إلا الله، وبعثت منه الرسالة الخالدة، وانطلقت منه الأجيال، لترد أهل الطاغوت إلى الحق، وأهل الظلام إلى النور، وأهل الغي إلى الرشد- وأراد أبرهة أن يذهب بجيشه وفيلته فإذا أصبح عند الكعبة، ربط الجدران بالفيلة، ثم زجرها ليهوي البيت مرة واحدة، لكن الذي في السماء يرى ويبصر، والذي فوق سبع سماوات لا يغلبه غالب، قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ [غافر:51-52].

    أما عبد المطلب جد الرسول عليه الصلاة والسلام وكان مشركاً، وكانوا إذا اشتدت بهم الأزمات، هربوا إلى الله، وإذا حلقت بهم فزعوا إلى الله، وإذا أدركهم الخسف والموت والهلاك دعوا الله، قال تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65].

    أتى عبد المطلب في الصباح، فأخذ بحلق الكعبة وأخذ يهزها، ويقول:

    لاهم إن المرء يمنع     رحله فامـنع رحالك

    لا يغلبن صليبهم ومحالهم     أبداً محالك

    ثم ولَّى ودعا القرشيين إلى أن يخرجوا إلى الجبال، فأخذوا أطفالهم وقد اختلط صوت بكاء الرجال والنساء والأطفال، وأخذت المواشي تهرب من مكة، والحمام يهاجر ويفر خوفاً وهرباً من اعتداء الظالم، وأخذوا يستعصمون بالجبال، ولا عاصم من أمر الله إلا الله.

    حماية الله لبيته

    أعلن أبرهة القدوم إلى الكعبة، فلما أصبح في وادي محسر قال للجيش: وجهوا الفيل "محمود" إلى الكعبة، فكلما وجهوه رد رأسه إلى غير الكعبة، فيضربونه فيلزم مكانه، فيوجهونة يمنة ويسرة وخلفاً فيعود ويمشي، فإذا وجهوه إلى البيت العتيق برك مكانه، ضربوه ووخزوه بالسيوف والرماح فأبى، لأن الله أنزل في خَلَده أن هذا البيت بيته، وأن هذه كعبته لا يمكن أن يتجرأ عليها معتدٍ أو يهجم عليها غاشم، سبحان الله!

    وبينما هم يحاولون مع الفيل في وادي محسر في المغمس وإذا بالله عز وجل من فوق سبع سماوات لم يقاتل أبرهة بجنودٍ ولا بملائكة؛ فـأبرهة أقل وأذل وأضل من أن يقاتل بجنود، ولم يرسل عليه طوفاناً فهو ذليل خسيس حقير، ولم يأمر الجبال أن تصطدم عليه فهو حقيرٌ وصغيرٌ، ولم يزلزل عليه الأرض لأن سنة الله في الجبابرة والكفار أن يحاربهم بأصغر الحشرات، فقد حارب فرعون بالجراد والقمل والضفادع، وحارب النمرود بالبعوض، وأما أبرهة فأمر الله طيراً أتت من البحر كالخطاطيف واحدها أبيل، وهي طيور كثيرة خرجت من صباح ذاك اليوم الذي أعلن فيه أبرهة الهجوم على بيت الله، وأخذت ترسم طلعات على سماء مكة لترى مواقع العدو الفاجر وأعداء الله الخاسرين، وعادت لتقصف مواقع الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.

    قال ابن عباس: [[كانت طيراً خضراً يحمل كل طائر ثلاثة من الحجارة: حجرين في أرجلها وحجر في منقارها، فإذا أصبح فوق الجيش أطلق وصاح بصوت له أزيز في السماء فتقع الحجارة وعليها أسماء جنود أبرهة لئلا يأخذ أحد غير نصيبه]] كل بقسطه وحظه وجائزته التي ألحقت به العار والشنار واللعنة والمقت، وأخذت الطير من البحر تقف كالخطاطيف، وأهل مكة يصيحون مذهولين مما رأوا من العجب العجاب! وأخذت الطيور تغطي الشمس عن الناس حتى أصبحت كالسحب المتكاثفة أو كالغمام، وأما الحجارة فأخذت تنزل بعمق.

    يقول مجاهد: [[لا تنزل في رأس الكافر إلا نزلت من دبره، ولا تأتي من جنبه إلا نزلت من الجنب الآخر]].

    سبحان الله! ما أعظم الله وما أجله يا أهل الجزيرة! كيف منعكم وحماكم؟ كيف أعلى بيتكم ورد المعتدي على الكعبة فلماذا لا تشكرونه؟

    أبعد هذه المنة من منة؟! لاوالله.

    وقتل الجيش وأصبح بعضه على بعض كالعصيف -وهو الزرع إذا عصف وأكل وديس بالأرجل- أما أبرهة الأشرم فعاد وأصبح يتقطع في الطريق إصبعاً إصبعاً وقطعةً قطعةً حتى ما وصل اليمن إلا وهو كفرخ الطائر، ولما وصل صنعاء أخذ المرض ينخر قلبه حتى مات وهو كالعصفور.

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] ألم تر قوة الله وعظمته؟

    ألم تر يا محمد! ويا كل مكلف مسلم! ماذا فعل الله بالأعداء؟ كيف دمرهم وقطع دابرهم؟

    أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل:1] ولم يقل: أصحاب أبرهة، فـأبرهة حقير لا يذكر في مثل هذه المواطن، إنما جعلوا رئيسهم الفيل فهو صاحبهم وقائدهم، وقد ضل من كان قائده فيله وحماره وثوره؟ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ [الفيل:1-2]في تباب وضلال وخسار وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ [الفيل:4-5].

    هذه قصة من قصص التاريخ التي أثبتها القرآن وذكر الله بها المسلمين وأهل الجزيرة، وكأن الله يقول لهم:" الله هو الذي بنى لكم البيت، ورد عنكم المستعمر، وقتل الأجنبي الكافر، فلماذا لا تعبدونه؟! ولماذا لا توحدونه؟! ولماذا لا تشكرونه؟!

    فيا أهل البيت العتيق! ويا خدمة بيوت الله! ويا من عاش في مهبط الوحي! ويا جيرة بيت الله! اتقوا الله في أنفسكم، واذكروا نعم الله عليكم ولا تخافوا على هذه المقدسات فالله يحميها، لكن احموا أنفسكم بالطاعة، ووحدوا الله واشكروه فلا خوف على بيوت الله، فإنه يحميها، لكن الخوف عليكم أنتم من معاصيكم وتعديكم لحدود الله، واقترافكم لمحرمات الله.

    أسأل الله لي ولكم الهداية والثبات، والرشد والسداد، والتوفيق والعون.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    وقفة مع سورة قريش

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذِّكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسلمياً كثيراً.

    أمَّا بَعْـد:

    فإلحاقاً لهذه السورة يقول الله تبارك وتعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:1-4].

    يقول الله من أجل اجتماع قريش وائتلافهم واستيطانهم وأمنهم وعيشهم: جعلنا لهم رحلة الشتاء والصيف، وأمنَّاهم من العدو، وأشبعناهم من المجاعة، فلماذا يشركون بالله قاتلهم الله؟! ولماذا يريدون إلهاً غير الله أنى يؤفكون؟! كيف ينعم الله عليهم ويؤمنهم ويعبدون غيره؟! عجباً للإنسان ولعقله يوم ينعم الله عليه ويرزقه الأمن في الأوطان، والصحة في الأبدان، والعافية والشباب، والمكانة والرغد والسعادة، ثم يعبد غير الله!

    وقد ورد في كتاب الزهد للإمام أحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تبارك وتعالى: عجباً لك يابن آدم! خلقتك وتعبد غيري، ورزقتك وتشكر سواي، أتحبب إليك بالنعم وأنا غني عنك، وتتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إليَّ، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد) عجباً للإنسان الذي لا يذكر نعم الله عليه!

    ولذلك يقرر الله العباد بنعمه سُبحَانَهُ وَتَعَالى، فيقول: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ [قريش:1-2] لاجتماعهم وأمنهم ورغدهم جعلنا لهم رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ [قريش:3-4] ومكة خالية من الثمار والزروع، قاحلة جافة، لا بساتين ولا حدائق ولا أعناب ولا نخل، ولكن إبراهيم عليه السلام أخذ من الله سبحانه وتعالى عهداً أن يشبع جائعهم، ويطعم فقيرهم، ويكسو عاريهم: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].

    أما رأيتم يا أهل الجزيرة! نعم الله عليكم وبلادكم قاحلة جافة صحراوية؟! ولكن لدعوة إبراهيم أتت كل الثمار من أنحاء الدنيا، وكل الخضروات والفواكه تأتي طازجة تحملها الطائرات من مدن العالم لتغذيكم في جزيرتكم علَّكم تعرفون نعم الله وتشكرونه، وعلَّكم تعودون إلى أمر الله تبارك وتعالى.

    والحجيج ملايين مملينة ما شكى أحدهم قلة الخبز أو الفاكهة أو الماء، وهذا لدعوة إبراهيم، لكن يوم أن نترك أمر الله، ونتعدَّى حدوده، وننتهك حرماته، يسلب الله عنَّا النعم، ويزيل عنَّا الأمن، فليس عندنا عهد من الله ألا يأخذنا أخذ عزيز مقتدر.

    قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    إن معنى بقاء الأمن والعيش ورغد الحياة والستر والعافية هو أن نبقى مع الله عز وجل، وأن نقوم بأوامره، وأن نعرف بيوت الله ونتلو كتابه، ونكون على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة واحدةً، صلى الله عليه بها عشراً).

    اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه.

    اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم بعلمك الغيب، وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك.. يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم ردهم إليك رداً جميلاً، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، واهدهم سبل السلام.. يا رب العالمين.

    ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734302767

    عدد مرات الحفظ

    684426642