إسلام ويب

زلزال في أمريكاللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لله في خلقه شئون، وله سنن كونية لا تتبدل ولا تتغير في هذا الكون، فإنه ما كفرت القرى إلا وأصابها سنة الله في الأولين، كأمثال قوم سبأ، وعاد وثمود.

    ونحن اليوم نرى أمريكا وعلى ما فيها من جبروت وطغيان ومحاربة لله وكفر بأنعمه، أصابها تلك السنة ففي خلال اثنتي عشرة دقيقة يسلط الله على واحدة من مدنها زلزالاً يقلب عاليها سافلها بإذن الله: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)[هود:102].

    1.   

    قصة الزلزال

    الحمد لله رب العالمين الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فاطر:1].

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله؛ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الناس: إن في وقائع الله عبراً، وفي أيام الله عظات، وإن الذي لا يتدبر في الحوادث، ولا في الأيام، ولا في تصريف الأمور؛ لهو أحمق بليد.

    عقاب الله يحل بالأمريكان

    وقبل أيام ضرب زلزال عنيف أمريكا، ضربها على أنفها، من الله الواحد الأحد، زارها في الليل، أمست في ليلة هادئة، معها قوادها، وجيوشها، ومصانعها، وطائراتها، ولكن لم يخبرهم الله أنه سوف يدمرهم.

    أتاهم العذاب بغتة: أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ [الأعراف:97] أتاهم فيما يقارب الساعة الثامنة، وهذا موعدٌ (لمن يعرف ذاك التوقيت) بعد أن انتهوا من أعمالهم بساعة ونصف، فلما باتوا بيّتهم الله، لم يخبرهم جهاز الإنذار، ولا الرادار أن هناك جزاءً لهم موعوداً عند الواحد الأحد، بل وصل الموعود من الله بأمةٍ تهتكت في حدود الله، أتاهم في أكبر مدنهم؛ في سان فرانسيسكو، ومن يعرفها يعلم أنها من أكبر المدن، اكتظت بالسكان، وهدرت بالمصانع، فأرسل الله عليها زلزالاً، كم أخذ من مدة؟ اثنتي عشرة ثانية.

    ما بين غمضةِ عينٍ وانتباهتها     يقلب الله من حالٍ إلى حال

    أين القصور التي كانت مشيدة      أين العمارات من رئلٍ ورئبالِ

    صاروا هباءً منثوراً.

    مدته اثنتي عشرة ثانية، فتحولت الجسور إلى الأرض، والقصور إلى الساحات، وارتفعت أصوات النساء العاهرات في الفنادق، وكبكبت الخمور على رءوس المجرمين، وتحطمت السيارات، وتعطلت الطائرات، وفرقعت القطارات، وتوقف الناس يقولون: مالنا؟

    مالكم! أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الأعراف:97-99].

    ماذا فعلت أمريكا، أتدرون ماذا فعلت؟ صنعت الطائرة، قدمت الثلاجة، أنتجت البرادة، صنفت الصواريخ، لكنها أفسدت في عالم الروح: يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7] ما استعدوا للقاء الله، حياتهم نجاسة، وعهرٌ، وزناً، ورباً، وفحشٌ، ونهبٌ، وسلب.

    هذه أمريكا فسدت في عالم الروح: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل:66].

    أمريكا، يقول عالمهم كريسي موريسون مؤلف كتاب الإنسان لا يقوم وحده: إن أمريكا تسعى إلى الهاوية مائة في المائة؛ لأنها لم تعرف الله.

    وفي كتاب: الله يتجلى في عصر العلم؛ الذي معنا بين أيدينا، وقد ألفه نخبة من الأمريكان؛ الذين أسلموا يحذرون شعبهم العار، والدمار، والنار، ولكن من يعي؟!

    أمريكا في الحضيض

    أخبرنا مسلمٌ أمريكيٌ من ولاية أكلاهوما أنه ثبت في التقارير أن جامعة أكلاهوما فيها عشرون ألف فتاة كلهن حبلى من الزنا، عشرون ألف فتاة يدرسن في جامعة واحدة كلهن حبلن من الزنا، أي حضارة هذه!!

    في بلدٍ أفكاره منكوسه     تثقله بصائر مطموسه

    يقدسون الكلب والخنزير     ويبصرون غيرهم حقيرا

    ما عرفوا الله بطرف ساعه     وما أعدوا لقيام الساعه

    فهم قطيع كشويهات الغنم     جدٌ وهزلٌ وضياعٌ ونغم

    من دمر العمال في بولندا      ومن أتى بالرقِّ في أوغندا

    من الذي ناصر إسرائيلا     حتى تصب عنفها الوبيلا

    استيقظوا بالجد يوم نمنا     وبلغوا الفضاء يوم قمنا

    منهم أخذنا العود والسجاره      وما عرفنا نصنع السياره

    إننا مخطئون؛ لأننا لم نصنع كما صنعوا، وإنهم آثمون؛ لأنهم لم يسلموا كما أسلمنا، نقصوا في الإسلام ونقصنا في العمل، ولا يعفينا نقصنا، فأما هم فكفارٌ ملاحدةٌ زنادقة.

    في أمريكا تقدم قبل سنتين رجلٌ يشتكي رجلاً اعتدى على كلبه في كلورادو في المطار فضربه، والكلب عندهم آية من الآيات؛ يغسلونه في الصباح، ويقبلونه في المساء، ينام على السرير، ويستيقظ مبكراً على الإفطار، ويركب السيارة مع أكبر أمير أو مسئول منهم.

    ضُرب كلب، فقدمت عريضة فيه، قال العالَم: وأين شعب فلسطين؟! ضُربوا بالهراوات، كُسرت رءوس الأباء والأمهات، أُسقط الشيوخ على الأرصفة، هدمت المساجد، سحقت الدور، دمرت القصور؛ ولا احتجاج، تنصفون كلباً -يا أعداء الله- من أنفسكم، ولا تنصفون شعباً كاملاً؛ إن هذا درسٌ للمسلمين عام، ودرسٌ للفلسطينيين خاص، أنَّ هيئة الأمم لن تُصنع لهم، ولن تنتج لهم نصراً ولن تقدم لهم طائلاً.

    ولقد ظن الروس أن أفغانستان سوف يتقدمون إلى هيئة الأمم، لكن كفروا بهيئة الأمم، لم يقدموا شكوى، قدموا الصواريخ، لم يقدموا عريضة، حملوا الكلاشنكوف:

    يا مجلس الأمن هدَّ الله ركنك ما     تزل للظلم دوماً غلت مغتصبا

    أنت الذي حرم المسلوب دمعته     وأنت أرضيت أهل الفحش والغربا

    هذا لمن يحكم بالطاغوت.

    أخذ العبر من زلزال أمريكا

    درسنا اليوم كيف نأخذ عبراً من ذلك الزلزال الذي ضرب أمريكا على أنفها، قام جهاز ريختر فسجل سبعة وواحد من عشرة، ولو كان عشرة من عشرة لدمرت أمريكا، قوةٌ عظمى ولكن الله أعظم، صواريخ ولكن أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] قدرة الواحد الأحد! فمن الذي يعترض على الله؟! ومن الذي يريد أن يحارب الله؟! وكيف حاربوا الله؟

    حاربوا الله يوم كفروا.

    حاربوا الله يوم أخرجوا الفتاة عاهرةً، زانيةً، سافرةً في الجيش، في المصانع، في الوظائف.

    حاربوا الله يوم سيروا الدعارة، والخمر، والزنا، والربا في العالم.

    حاربوا الله يوم قاموا مع الأقوياء، فسلبوا حقوق الشعوب، وتراث الشعوب، وجاه الشعوب، قال سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    يقول أحد التقارير من هناك: خرج كبار الموظفين في المدينة، وأخبروا أهاليهم بالهاتف أنهم يصلون بعد دقائق، لكن الله لم يمكنهم، وكتب ألا يصلوا، وضربهم بالزلزال فدمر الآتي، ودمر المستقبل، فأصبحوا شذر مذر.

    وقف رئيسهم قبل أيام بوش، فنظر إلى العمارات وهي منكسة، وقال: لقد أخطأ علماء الهيئة يوم لم يقرءوا تقارير التربة والقشرة الأرضية، قلنا: يا ويلك من الله! الأمر أعظم من ذلك، القدرة من السماء إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] أنتم الذين تسببتم في هذا، وهذا قليلٌ من عقاب الله وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:16].

    وقال سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً [الطلاق:8-9] والله يقول وهو يصنف الأقوام على مسرح الحياة كما يقول بعض المفكرين: كلما كشفت ووقفت على المسرح أهلكها، ثم يرفع الستار عن أمة أخرى فيهلكها، ثم يقول الله في الأخير، استمعوا يا أمة محمد!

    يا أمة الإسلام!

    يا أيتها الأمة الخالدة!

    اسمعوا إلى العقوبات: وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ * وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ [إبراهيم:45-46].

    وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ [العنكبوت:38] انظروا إلى الأحقاف، انظروا إلى سواحل اليمن، انظروا إلى قرى قوم ثمود، انظروا إلى أراضي المؤتفكات وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ * وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ [العنكبوت:38-39].هذا موجز، وإليكم التفصيل: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

    يا مسلمون من ينجينا من الزلازل والفتن؟!

    من ينجينا من البراكين والمدلهمات؟!

    من ينجينا من عذاب الله، ومن لعنة الله؟! ومن عقاب الله؟! وأخذه، ومن ينجينا من نار تلظى؟!

    لا ينجينا إلا الإيمان، والمساجد، والصلوات الخمس، والقرآن، وسنة محمدٍ عليه الصلاة والسلام، والتواصي بالمعروف والنهي عن المنكر، فعل الخير؛ هذا النجاح، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً [الكهف:30].

    ولكن نسأل الذين ينهارون، وينهمرون، وينسحقون، ويسرعون إلى حضارة الغرب في أرواحهم، نقول لهم: أتريدون أن يتحول المجتمع المسلم إلى مجتمعٍ كمجتمع أمريكا؟! أو فرنسا؟! أو إسرائيل؟!

    أتريدون أن يبقى الإنسان نهباً، وسلباً، وخوفاً، وتمزقاً، والله لقد عاشوا الويلات في قلوبهم؛ فاضطربوا، ومرضوا، واهتّموا، واغتّموا، ومن أراد الوثائق فليراجع كتاب الأمريكي (دع القلق وابدأ الحياة) فوالله لقد عاشوا التوتر في أعصابهم، وعاشوا الانهيار الخلقي العجيب.

    امرأةٌ تستقبل رجلاً مع زوجها يفعل فيها الفاحشة في بيت زوجها، وهو يعلم ولا ينكر!

    فتاةٌ تسافر من عند أبيها، وتعود حبلى إلى أبيها بلا زواج!

    وخمرٌ يشرب كما يشرب الماء!

    وزناً يعلن، والفحش، والعهر في الصحف، والمجلات والمسلسلات!

    وأشرطة الفيديو، وأفلام الجنس تعرض على العالم! وبعض الناس طمس الله على قلبه:

    وقل للعيون الرمد للشمس أعينٌ     تراها بحقٍ في مغيبٍ ومطلع

    وسامح عيوناً أطفأ الله نورها     بأبصارها لا تستفيق ولا تعي

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124-126].

    يا من طالع الصحف وسمع الأحداث! يا من استمع إلى الأخبار! اعلم أن كل ما تم في العالم فبقضاءٍ وبقدرٍ من الواحد الأحد، وفيه عظاتٌ ودروس، ولكن (مِن الناس) كما قال الله: وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:37].

    1.   

    من أخبار الأمم الماضية

    الحمد لله رب العالمين ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.

    أمَّا بَعْــد:

    قصة قوم سبأ في القرآن الكريم

    عباد الله: إن الله يذكر لنا ما فعل بالقرى يوم كفرت بأنعم الله، ويوم عطلت حدوده، وتنكرت لشرعه! اسمع إلى قول الله تبارك وتعالى: لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [سبأ:15-19] سبأ: قبيلة تسكن في اليمن، معهم سدٌ عظيم، يملؤه الله كل سنة بالماء، أنبت لهم أنواع الثمرات؛ مثل ما أنبت لنا اليوم أنواع الخيرات.

    سلْ العالم كيف نعيش من رغد، سلوا الدنيا أي بلدٍ أسعد من بلادنا؛ أمنٌ ورخاء، سهولةٌ ويسر، فواكه الدنيا، وثمراتها، وملابسها، وأدواتها: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ [إبراهيم:37].

    عاشوا في سبأ كما عشنا جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ [سبأ:15] لكل رجلٍ من أهل سبأ بستانان عظيمان عن اليمين وعن الشمال، ذكر المفسرون أن عذق النخلة في سبأ كان لا يحمله إلا فرسان اثنان، النخلة تثمر في السنة مرتين، وكان الماء ينهمر كالسلسال تحت أرجلهم، وظلل الله عليهم الغمام، فلا يرون الشمس إلا نزهة، والمرأة تأخذ المكتل، وتضعه على رأسها، وتذهب من تحت الشجر فيمتلئ المكتل من كثرة ما يتساقط فيه، والطيور التي ترفرف على الرءوس، والعليل مع النسيم، والرخاء مع السعد.

    لكن ماذا فعلوا؟ عطلوا أمر الله، الله يقول: آمنوا بالله، فيقولون: كفرنا، يقول: واسمعوا، قالوا: سمعنا وعصينا؛ كما يفعل بعض الناس، له بيت فخم، وسيارة فاخرة، ومنصب مرتفع، ومالٌ وشيكات، وأولاد، جار للمسجد لا يصلي في المسجد، طبع الله على قلبه، مجرم، بل يعين على فساد قلبه بقلبه:

    يقال له: استمع القرآن، فيقول: لا، بل أستمع إلى شريط غنائي.

    يقال له: انظر إلى آيات الله في الكون، يقول: لا، بل انظر إلى الأفلام الماجنة.

    يقال له: استمع التلاوة؟ يقول: بل أستمع إلى أغنية ماجنة.

    يقال له: اقرأ في كتب الإسلام، يقول: بل أقرأ في مجلة هابطة.

    سبحان الله! لأنه لا يرى إلا بعينه التي يرى بها الحيوان، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] قال الله: آمنوا، قالوا: كفرنا، فماذا أرسل الله عليهم؟ أأرسل عليهم جيشاً من السماء؟ لا، هم أقل وأذل من ذلك، ماذا فعل الله بهم؟ أرسل عليهم فأرة.

    يقول المفسرون: أراد الله أن يخوف قوم فرعون؛ فأرسل عليهم قملاً وضفادع وجراداً.

    وأراد أن يهلك نمرود بن كنعان فأرسل عليه بعوضة فدخلت في دماغه فقتلته.

    وأراد أن يهلك سبأ فأرسل عليهم فأرة، ثم قال سبحانه: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الحج:73-74] نخرت الفأرة سدهم، وفي الصباح تدكدك السد، واجتاح الماء الهائل بأمواج كالجبال مزارعهم وبيوتهم، ومطارحهم وأشجارهم، وأصبحوا يولولون ويبكون في رءوس الجبال، لماذا؟ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ [سبأ:16] ويقول سبحانه: فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ:19].

    معظم القبائل من اليمن وأجدادكم الأزد كانوا في سبأ فتفرقوا أربعة أقسام؛ لأنهم عصوا الله، فلا نريد نحن أن نعصي ربنا، فمنهم أزدٌ في عمان، ومنهم الغساسنة في الشام، ومنهم أزد شنوءة وهم نحن في الجنوب، ومنهم الأوس والخزرج أنصار محمد صلى الله عليه وسلم.

    أنا ابن أنصارك الغرِّ الألى سحقوا      جيش الطغاة بجيشٍ منك جرار

    نحن اليمانيين يا طه تطير بنا      إلى روابي العلا أرواح أنصار

    نريد أن ننتسب إلى الأنصار، لا إلى جدنا الظالم الأول الكافر الذي كفر بنعم الله.

    نريد أن نكون مؤمنين مصلين، وصائمين صادقين؛ ليحشرنا الله مع أبناء عمومتنا؛ سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وحسان بن ثابت؛ لا أن يحشرنا الله مع الظلمة الذين حاربوا شريعة الله.

    فصلتنا بالله الواحد الأحد أيها المسلمون! وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112].

    اللهم صلِ على عبدك ورسولك محمد، وارض عن أصحابه الأطهار، وعنا معهم بمنك ورحمتك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم أصلح الملك، وولي العهد، والأمراء، والمسئولين، والقضاة!

    اللهم أصلح الطلبة والأساتذة! اللهم أصلح البيوت! اللهم أصلح القلوب، اللهم أصلح الشعوب، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، اللهم لا تعم أبصارنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك، واتقاك، واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.