إسلام ويب

فتية آمنوا بربهمللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنهم أصحاب الكهف، ما هو سبب انعزالهم عن قومهم في الكهف؟

    ولماذا بعثهم الله بعد نومتهم؟

    ولماذا ذكر الله هذه القصة؟

    تصفح وانظر الفوائد الجليلة من هذه القصة العظيمة.

    1.   

    أسئلة اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم

    اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بمحمد صلى الله عليه وسلم، عزَّ جاهك، وجلَّ ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، في السماء ملكك، وفي الأرض سلطانك، وفي البحر عظمتك، وفي الجنة رحمتك، وفي النار سطوتك، وفي كل شيء حكمتك وآيتك، أنت رب الطيبين لا إله إلا أنت، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا.

    والصلاة والسلام على صاحب الصراط الممدود، واللواء المعقود، والحوض المورود، صلى الله على أفضل من نطق بالضاد، فوعته أذن البشرية، وعلى من تكلم بالدعوة فهَّد بها كيان الوثنية، وعلى من فتح له باب الفتح، فهدى به الله الإنسانية.

    كسَّر الله به ظهور الأكاسرة، وقَصَّر الله به آمال القياصرة، وزلزل به عروش الظلمة الذين طغوا وبغوا حتى أرداهم ظلمهم في الحافرة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    سبب ذكر الله لقصة أصحاب الكهف

    أيها الناس: اجتمع كفار قريش -وقد أورد هذه القصة ابن إسحاق - في الحرم يوم بعث رسول الهداية صلى الله عليه وسلم، فقال قائلهم: ما ترون لهذا الرسول الذي يزعم أنه نبي؟

    قال النضر بن الحارث: ما نرى إلا أن نذهب إلى اليهود في المدينة، فنسألهم أسئلة نضعها بين يديه، فإن كان صادقاً اتبعناه، وإن كان كاذباً طردناه، قالوا له: اذهب أنت وعقبة بن أبي معيط.

    فذهب الرجلان الكاذبان الآثمان الغاشمان الظالمان إلى أحبار اليهود في المدينة، فعرضوا عليهم نبأ رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قالوا: اعطونا من كتبكم شيئاً، فأنتم أهل كتاب نسأله عنه، فإن كان صادقاً اتبعناه، وإن كان كاذباً طردناه، قال أحبار اليهود: إذا رجعتم إليه في مكة، فاسألوه عن ثلاث: سلوه عن شباب سلف بهم الدهر، وفتية مشوا في أول الزمان أين ذهبوا؟ وأين اختفوا؟ واسألوه عن ملك من الملوك ملك الدنيا من شرقها إلى غربها -ذهب إلى المشرق وإلى المغرب- واسألوه عن الروح.

    فرجعوا واجتمعوا بالرسول صلى الله عليه وسلم -بالأمي الذي لا قرأ ولا كتب: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:48-49].

    واستدعوه من بيته، وأتى الصادق الأمين الواضح المبين الوفي -عليه الصلاة والسلام- فجلس معهم، قالوا: نسألك عن ثلاث، قال: اسألوا ما بدا لكم. فسألوه عن الفتية، وعن الملك، وعن الروح.

    فقال: {أنظروني إلى غد، وفي الغد أخبركم} ولم يقل: إن شاء الله، ولو قال: "إن شاء الله" لنزل جبريل غداً بالوحي من السماء، فتعاليمه طاهرة قدسية.

    إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى [النجم:4-6] كلامه ومنهجه ومبدؤه وعقيدته تأتي من فوق سبع سماوات، لا من التراب والطين؛ والخرافات والخزعبلات؛ والكهنة والشعوذة، وإنما يأتي وحياً صادقاً واضحاً من السماء، لكنه ما قال: "إن شاء الله" وفي الغد اجتمعوا ودعوه وأتىصلى الله عليه وسلم خجولاً مستحياً متحسراً حزيناً، على أنه لم يأته الوحي، لأنه لم يقل: "إن شاء الله" قال: أنظروني، فاستهزءوا به خمسة عشر يوماً، وبعد خمسة عشر يوماً نزل جبريل بقول الحق من السماء، ولنستمع سوياً إلى الله عز وجل، وهو يخبرنا ويجيب على هذه الأسئلة الثلاثة.

    فالله يفتي فيها من فوق سبع سماوات، ويخبر عن الفتية، وعن الملك، وعن الروح.

    أولاً: يبتدئ القصة بأسلوب عجيب، وبنبأ غريب، يقول للرسول عليه الصلاة والسلام: أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً [الكهف:9-12].

    قال ابن كثير: هذا مختصر للقصة وسوف يأتي بسطها، أو هذا موجز وسوف يأتي تفصيل الأنباء فيما يأتي.

    1.   

    تفصيل قصة أصحاب الكهف

    يقول الله للرسول عليه الصلاة والسلام: نحن نخبرك بالحق، فاسمع إلى كلام هؤلاء الفتية، وإلى قصتهم ونبئهم.

    مجتمعهم يعبد الأصنام

    فتية عاشوا في زمن من الدهر مع ملك من الملوك، وهو ملك ملحد ظالم سفاك مجرم لا يعرف الله، وهؤلاء الفتية خرجوا معه يوم المهرجان، ورأوا قومهم يعبدون الأصنام، ويسجدون للأوثان، ويتقربون للحجارة التي لا تنفع ولا تضر، وأراد الله أن يحيي قلوب هؤلاء الشباب، وأن يدخل لا إله إلا الله في قلوبهم.

    أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122] فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ [الأنعام:125] فأتى شاب منهم عمره يقارب الاحتلام، قال: هذا دجل وكذب وافتراء على الله أن تعبد هذه من دونه، من رفع السماء؟ من بسط الأرض؟ من كوكب الكواكب؟ من جعل النجوم بهية إلا الله؟ فانزوى تحت ظل شجرة وأتاه زميله وقد ألقى الله في قلبه الإيمان كما ألقى في قلب خدنه ورفيقه، وأتى الثالث، والرابع حتى أتوا سبعة، فاجتمع رأيهم أن هذا ضلالة: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ [الكهف:15] أي: الحجج والبراهين التي تبين أن هؤلاء آلهة من دون الله.

    اعتزال أهل الباطل

    فلما اعتزلوهم وما يعبدون من دون الله، وهب الله لهم فتحاً مبيناً. وهم قد اعتزلوهم بأرواحهم، قال الله: وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً [الكهف:16].

    عجيب! أصبح الغار في الجبل أوسع من القصور، وأوسع من الدور، والبساتين، والساحات والميادين!! فقصور ليس فيها إيمان، وبساتين ليس فيها يقين وتوحيد؛ مظلمة خاوية ملعونة مسخوط ومغضوب عليها من الله.

    أما الغار والكهف والخيمة إذا دخله الإيمان فرحب ووسيع.

    سم الخياط مع الأحباب ميدان

    بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه      وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

    فقلت له لا تبك عينك إنما      نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا

    وأكبر محاولة وأعظم مطلوب عند أهل العقول من أهل الإسلام: أن تكون عبداً لله.

    فذهبوا ودخلوا الغار، ولما جلسوا، تبعهم كلب الملك، فالله يريد أن يعلي بصحبة هؤلاء الأخيار الكلب، فالكلب إذا صاحب الأخيار؛ أصبح شريفاً مذكوراً في القرآن، والشريف إذا صاحب الأشرار؛ أصبح كلباً، فدخل الكلب معهم، لكنه ما دخل الغار، ولكنه يحرسهم عند الباب: {والملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب} كما في الحديث الصحيح.

    فجلس من أدبه وسكينته عند الباب يحرس هؤلاء السبعة، أما السبعة فألقى الله عليهم النوم.

    نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ [الكهف:13] أسانيدنا موثوقة ليست من اليهود، ولا من النصارى، ولا من القوانين الأرضية إنما هي من السماء.

    سند كأن عليه من شمس الضحى     نوراً ومن فلق الصباح عمودا

    نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ [الكهف:13] شباب قلوبهم متفتحة للا إله إلا الله، وأرواحهم متطلعة للا إله إلا الله، ونفوسهم تحب لا إله إلا الله، ومن الذي رفع لا إله إلا الله في الإسلام إلا الشباب، ومن الذين رفعوا منائر الحق في سيبيريا وفي الأندلس والسند وطشقند إلا الشباب.

    أرواحنا يا رب فوق أكفنا      نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    كنا نرى الأصنام من ذهب     فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا

    لو كان غير المسلمين لحازها     كنزاً وصاغ الحلي والدينارا

    فـأبو بكر شاب وعمر وعلي شاب وعثمان والزبير وطلحة مزقوا في سبيل الله، إما صدِّيق أو شهيد وإما زاهد أو عابد.

    فاسألوا التاريخ عنا كيف كنا     نحن أسسنا بناءً أحمديا

    إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ [الكهف:13] ما هي مواصفاتهم؟

    آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً [الكهف:13] وأنت يوم تقبل على الله، يزيدك هدى، ويوم تدبر عنه؛ يزيدك ردى وبعداً عنه.

    ربط الله على قلوب الفتية

    وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ [الكهف:14] لا خوف على من ربط الله على قلبه، فارقوا الأولاد والإخوة والزوجات والأصدقاء والفرش الوفيرة واللحاف الدافئة، والطعام والشراب، لكن إذا ربط الله على القلب، فقد ربط.

    يا حافظ الآمال أنتت حميتني ورعيتني

    وعدا الظلوم علي كي يجتاحني فمنعتني

    فانقاد لي متخشعاً لما رآك نصرتني

    فالزم يديك بحبل الله معتصماً      فإنه الركن إن خانتك أركان

    فربط الله على قلوبهم: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً [الكهف:14].

    ثم التفتوا وهم في الغار يديرون حواراً وندوةً عن التوحيد: هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الكهف:15] إنه لا أظلم ممن اتخذ من دون الله إله يعبده.

    فلما انتهى حوارهم ألقى الله عليهم النوم: وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً * هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الكهف:14-15] وضرب الله على آذانهم النوم؛ فناموا.

    نائمون كأنهم أيقاظ

    وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ [الكهف:18] عيونهم مفتحة، قال أهل التفسير: لئلا يأكلها الدود. سبحانك يا رب! ثلاثمائة وتسع سنوات ما أغلقت عيونهم! كانت مفتحة حية تدور، لكن بلا نور: وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:18] لئلا تأكلهم الأرضة في الأرض، ولئلا تبلى أجسادهم وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ [الكهف:18] عند الباب، انظر إلى المشهد وإلى الصورة والروعة في الإبداع!!

    وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ [الكهف:18] ولم تنم عيونهم كما ينام الذئب:

    ينام بإحدى مقلتيه ويتقي     بأخرى المنايا فهو يقظان هاجع

    وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً [الكهف:18] لا يقترب منهم مقترب، فقد أخفى الله خبرهم عن الناس، كلما أتى راعي غنم فقرب من الغار؛ صرفه الله، وكلما أتى رجل من آبائهم أو إخوانهم يبحث عنهم؛ صرفه الله كما فعل سُبحَانَهُ وَتَعَالَى برسول البشرية وهادي الإنسانية وهو مع الصديق الأكبر سيد الأولياء أبي بكر في الغار.

    قال أهل العلم: قصة غارنا أعظم من قصة غارهم، وأصحابنا الذين في الغار أعظم من الأصحاب أولئك؛ لأن الله عز وجل حفظهم، فقصة غارنا أعظم وأعجب.

    إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التوبة:40].

    ما حدث بعد الاستيقاظ

    ناموا ثلاثمائة وتسع سنوات كما قال سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، وانتهت الفترة، وأذن الله أن يقوموا من منامهم، فاستيقظوا وجلسوا: وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ [الكهف:19].

    كان المكثر منهم يقول: لبثنا يوماً كاملاً، والمقل يقول: نصف يوم، لكن سوف يخبرهم سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فجلسوا، قال أهل العلم: لما ناموا في الصباح واستيقظوا بعد هذه الفترة مع العصر، فظنوا أنه يوم واحد

    .

    قالوا: فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ [الكهف:19] أي: بفضتكم يأخذ لنا طعاماً أو إفطاراً من السوق وليتلطف، وقد كانوا أذكياء، فقالوا: ليذهب بخلق حسن، فلا يخاصم الناس، فيأتون بنا مع هذا المجادل للناس، فذهب بالعملة وكانت مضروبة قبل ستة ملوك، فقد أخذ الزمن ستة ملوك وماتوا جميعاً، وتغيرت المدينة والطرقات والميادين والسكك والعملة والناس، فأتى هذا الرجل، فدخل المدينة، وقد تغيرت ملامحها قال أهل السير: كان يقول: أنا نائم أم أنا يقظان؟ فلما ذهب وجد جماعة يبيعون طعاماً، فقال: ائتوني بطعام وخذوا هذه العملة، قالوا: هذه في عهد الملك دقيانوس، وقد مضى عليه ثلاثمائة وتسع سنوات، من أين أتيت؟ قال: أنا في عهد الملك دقيانوس وأنا أعيش معه في مملكته ما مضى علي إلا يوم! قالوا: كذبت! أنت مجنون! فاجتمع الناس عليه حتى رفع إلى الملك، فلما رفعوا أمره، أتى بهم وذهب برعيته إلى الغار، ولما أشرف على الغار، قال صاحب الطعام: انتظروني قليلاً، لأدخل الغار، لأرى أصحابي يتهيئوا لاستقبال الملك، فدخل عليهم، فلما وصل الغار، ألقى الله عليهم الموت فماتوا، ودخل الملك ورعيته، فوجدوهم أمواتاً لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً [الكهف:21].

    فهؤلاء قوم اهتدوا بهداية الله، ووجدوا الهداية في الغار عندما لم يجدوها في الدور والقصور، ولم يجدوها في المناصب والثروة والأولاد، ووجدوها في الغار يوم أنزلها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى عليهم، وللحديث بقية.

    وأتى عليه الصلاة والسلام ليقص هذا النبأ على قريش فمن مؤمن ومن كافر، ومن مصدق ومن مكذب.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    الغار وعدد الفتية

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    العلم لا يؤخذ إلا من الأتقياء

    كم عدد أهل الكهف؟

    سيقولون: ثلاثة، أي: أحبار اليهود، -يا محمد- سوف يتعاطون بين يديك ويكذبون عليك، فاسمع إلى الأسانيد الصحيحة والكلام الظاهر الباهر.

    سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ [الكهف:22] وهذان القولان ضعيفان وليس عليهما حجة: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ [الكهف:22] وهذا الصحيح.

    وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ [الكهف:22] قال ابن عباس: [[أنا من القليل الذين يعلمون ذلك، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم]].

    قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً [الكهف:22] أي: لا تسأل اليهود عن هذه الأخبار، فإن اليهود قوم كذبة مردة فسقة فجرة لا يؤخذ عنهم علم، ولذلك قال أهل العلم: لا يؤخذ العلم إلا عن الأتقياء الأبرار الأخيار، الذين يخافون الواحد القهار، ويريدون عقبى الدار، أما الفجار فلا يؤخذ منهم العلم، فالفسقة لا يترك لهم التربية في المجتمع، ولا يسيرون أجيال المسلمين، ولا يقررون المناهج، ولا يشرفون على المبادئ، ولا يقومون على تربية النسل والجيل؛ لأنهم فسقة.

    تعليق الأمور بمشيئة الله تعالى

    قال سبحانه تعالى: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً [الكهف:23] يوم قالوا لك: أخبرنا، قلت: غداً، لماذا لم تقل: إن شاء الله؟

    وهل الأمور إلا بيد الله، إذا يسرها تيسرت وإذا عسرها تعسرت؟!

    فإذا وعدت الناس، أو أردت أن تقول أو تفعل أو تحدث شيئاً، فعلق أمرك بمشيئة الله، فإن الأمور مقاليدها بيد الله: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:23-24] في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم قال: {قال سليمان: لأطوفن الليلة على مائة امرأة كلهن يلدن رجالاً يجاهدون في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فطاف عليهن، فما ولدن إلا امرأة ولدت نصف إنسان، والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لولدن جميعاً رجالاً يجاهدون في سبيل الله}.

    وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ [الكهف:23-24].

    قال بعض أهل العلم: إذا غضبت فقل: "إن شاء الله" واذكره، وقال بعضهم: إذا نسيت شيئاً؛ فتذكره سُبحَانَهُ وَتَعَالَى لتذكره.

    وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً [الكهف:24] واستمع إلى النهاية: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً [الكهف:25] ثلاثمائة بالشمسية وثلاثمائة وتسع سنوات بالقمرية.

    قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ [الكهف:26] أي: ما أبصره بكل ما يبصر! وما أبصره بكل موجود! وما أعلمه سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً [الكهف:26] جل الله عن الأنداد والأولاد.

    ما يستفاد من قصة أهل الكهف

    ومن هذه القصة تؤخذ دروس:

    الدرس الأول: أن ضيق الدنيا وسعتها لا تقارن بالدور، والقصور، والأموال، والأولاد، ولكن السعة بالإيمان الذي يجعله الله في صدر من يشاء، فمن رزقه الله الإيمان، فقد وسع عليه، ومن حرمه الإيمان، فقد ضيق عليه وسخط عليه ولعنه وأذله وبكته وخذله وحرمه.

    الدرس الثاني: أن الإيمان يطلب، ومن طلبه وجده، وأنه لا يعلق بملك أو تجارة، أو بولد: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69] يعطى الإيمان لـبلال وهو عبد حبشي من أثيوبيا قدم رقيقاً، ويحرم الإيمان أبو طالب وهو سيد قرشي كان بين الركن والحطيم.

    ويعطى لـسلمان وهو من فارس.

    أبي الإسلام لا أب لي سواه     إذا افتخروا بقيس أو تميم

    الدرس الثالث: أن ضيق الدنيا وسعتها أمر نسبي وإضافي، فمن وجد السعادة في الإيمان، ولو كان في كهف أو في غار، ولو كان على كسرة خبز وينام على الرصيف فهو السعيد.

    ولست أرى السعادة جمع مال      ولكن التقي هو السعيد

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته     أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها      فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    ومن لم يجد الإيمان، فإن الله يضيق عليه ويحييه حياة ضنكاً، ولو جمع الملاذَّ والمطاعم والمشارب.

    الدرس الرابع: أن الفرار بالدين من الفتن سنة، وأمر شرعي مطلوب كما فعل أهل الكهف، ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {يوشك أن يكون خير مال المرء المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن} فمن وجد فتنة، فليركب رجله وليفر وليذهب في الأرض الواسعة ولا يبقى في القرى الظالم أهلها الذين ينشرون الجريمة والمعصية، ويعينون على المنكر.

    الدرس الخامس: أن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى إذا تولى حفظ، وإذا سدد هدى، ومن استكفى بالله كفاه، ومن احتمى بالله حماه، ومن توقى بالله وقاه، ومن استرعى الله رعاه، ومن ضيع الله ضيعه الله.

    الدرس السادس: أن فيها نبأ عجيباً! وهو أن هذا الدين يتلقى بالوحي السماوي فليس بخزعبلات ولا ضلالات، وليس بتقليد وتبعية وإنشاء، إنما هو وحي يوحى، آية أو حديث، كتاب أو سنة، ويرد العلم إلى الله ثم إلى رسوله.

    الدرس السابع: أن الرسول عليه الصلاة والسلام ما أتى بعلم من لدنه، وإنما أتى بعلمه ورسالته من عند الواحد الأحد. إلى غير تلك القضايا الكبرى التي من تدبر القرآن وجدها وأبصرها وعرفها واهتدى بهدى الله الذي هدى به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدةً صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ على حبيبك ونبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، اللهم وفقنا لاتباع سنته، والسير على هديه، والاستفادة بمنهجه، وتعلم العلم الذي ورّثه، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم اهدهم سبل السلام، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور يا رب العالمين!

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، واجعلهم من الراشدين، اللهم حبب إليهم الكتاب والسنة،واجعلهم خدماً لهما، متشرفين بخدمتهما، رافعين لعلمهما يا رب العالمين.

    اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم وفقهم لما تحبه وترضاه، اللهم كفِّر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، واهدهم سبل السلام يا رب العالمين.

    ربنا إننا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً، وإن لم تغفر لنا وترحمنا؛ لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.