إسلام ويب

عائد إلى اللهللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • باب التوبة مفتوح إلى أن تطلع الشمس من مغربها أو إلى أن يغرغر العبد، والتوبة واجبة من كل الذنوب والمعاصي، والتائبون إلى الله كثير، فكل من أذنب ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، وقد ذكر الشيخ حفظه الله قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم تاب إلى الله، وذكر بعض العبر من هذه القصة، وذكر قصة أخرى عن رجل تاب الله عليه من بني إسرائيل.

    1.   

    باب التوبة مفتوح

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    أمَّا بَعْد:

    عباد الله: فتح الله باب التوبة، فلن يغلق إلى أن تطلع الشمس من مغربها، فباب التوبة مفتوح كلما أذنب عبد، وكلما عصى وأخطأ وأساء، قال الله في الحديث القدسي: (إلي يا عبدي! تب أتب عليك).

    قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [ الزمر:53].. وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135].

    من يستر العيوب إلا الله؟

    من يتجاوز عن السيئات إلا الله؟

    من يغفر الخطأ إلا الله؟ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].

    1.   

    توبة الله على الرجل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً

    تعال معي -أيها المسلم الوقور التائب المنيب- إلى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وهو يحدثنا عن رجل سلف به الدهر، أذنب ذنباًً بيناً، وأخطأ خطأً فاحشاً، وارتكب جريمة من أكبر الجرائم في تاريخ البشرية، يقول عليه الصلاة والسلام فيما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم: (كان فيمن كان قبلكم -أي: من بني إسرائيل- رجل قتل تسعاً وتسعين نفساً). فهذا رجل تلطخ بالدماء، لطخ أصابعه وثيابه وأياديه وسيفه بقتل تسع وتسعين نفساً، والنفس الواحدة المعصومة لو اجتمع أهل الأرض والسماوات على قتل رجل مسلم؛ لكبهم الله على وجوههم في النار، فكيف من أتى بسيفه باطشاً فتَّاكاً مجرماً ليقتل تسعاً وتسعين نفساً؟

    فهذا الرجل فعل هذه الجريمة وتلطخ بالدم، وأباد هذه الأرواح المعصومة التي عصمها الله، وأزهق هذه النفوس، وبعد أن تلطخ بالجريمة وأخطأ راجع حسابه مع الله، وتَفكَّر في لقاء الله، وتذكر القدوم على الله، وعلم أنه لا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ولا يحاسب على الذنب، ولا يوقف العبد على الذنب إلا الله.

    إن الملوك إذا شابت عبيدهم     في رقهم عتقوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً     قد شبت في الرق فاعتقني من النار

    ذهابه إلى الراهب

    فخرج وثيابه ملطخة بالدماء، وسيفه وأصابعه تقطر، وأتى كالمذهول المدهوش يقول للناس: هل لي من توبة؟

    فقال الناس: ندلك على راهب في صومعة، اذهب إليه واسأله هل لك من توبة؟ -لأن المعروف عند الناس أنه لا يفتي إلا مفت، ولا يتكلم في مسائل العلم إلا عالم، ولا يتحدث إلى الناس إلا فقيه- اذهب إلى ذاك الراهب في تلك الصومعة في الكهف، فاسأله: هل لك من توبة؟

    فذهب إلى ذاك الراهب -والراهب عابد من عباد بني إسرائيل- ما عبد الله على بصيرة: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا [الحديد:27] وهذا الدين لا بد له من دليل، لا بد له من علم وتفقه، من جلوس في الحلقات وسؤال أهل العلم، فالدين لا يبنى على الجهل.

    ذهب هذا المخطئ المذنب الباكي الحاسر، الذي راجع حسابه مع الله وندم على ما فعل، ذهب بخطايـاه وأسفه وذنوبـه، فطرق باب الغار، فخرج له هذا العابد الذي حرم على نفسه اللحم، والله لم يحرم عليه اللحم، وحرم على نفسه الزواج، والله لم يحرم عليه الزواج، وحرم على نفسه الراحة، والله لم يحرم عليه الراحة، فتح له الباب فدخل الرجل وإذا ثيابه تقطر بالدماء، فقال الراهب: أعوذ بالله منك!

    وهل يفعل العالم هذا؟

    وهل يفعل الداعية للمذنبين هذا الفعل؟

    باب الله مفتوح، وعطاؤه يغدو ويروح، ونواله ممنوح.. {إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها} فقال هذا التائب: يا أيها الراهب العابد! أنا قتلت تسعاً وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟

    أنا راجعت حسابي مع الله، وقد أسأت مع الحي القيوم، فلما تذكرت القبر وما بعد القبر والصراط والميزان والجنة والنار تبت إلى الله، فهل لي من توبة؟

    أيهذا الشاكي وما بك داءٌ     كيف تغدو إذا غدوت عليلا

    أترى الشوك في الورود وتعمى     أن ترى فوقه الندى إكليلا

    والذي نفسه بغير جمالٍ     لا يرى في الوجود شيئاً جميلا

    فقال: هل لي من توبة؟ قال: لا توبة لك. سبحان الله! أتغلق باباً فتحه الله؟! أتسد طريقاً أمضاه الله؟! أتقطع حبلاً أرسله الله؟! أتكف قطراً بعثه الله؟! أتسد أنبوباً فتحه الله؟! الله الذي خلق وقدر، والله الذي يغفر ويحاسب، والله الذي يناجي العبد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. فما دخلك بين العباد وبين الله؟ أأنت تفتي في هذه المسائل؟!

    قال: لا توبة لك فيئس هذا المجرم من الحياة، وأظلمت في عينيه الحياة، وصغرت في عينه الإرادة والعزيمة، وأصبح الجمال في وجهه ليلاً مظلماً، قطع حبل الله الذي بينه وبين عباده، وأغلق باب الله الذي فتحه بينه وبين عباده، فحمل سيفه فقتل هذا المفتي الراهب، فوفى به المائة جزاءً نكالاً. وانظر إلى فساد الفتوى، الذي يتصدر للفتوى وهو لا يجيدها يهدم أكثر مما يبني، ويخرب المجتمعات، ويفسد القلوب، ويعطل الإرادات، ويغلق الهمم، ويهدم حصون العزائم.

    سؤاله للعالم

    قتله ثم خرج والتفت إلى الناس، بالأمس قتل تسعة وتسعين واليوم قتل مائة، فقال للناس: هل لي من توبة؟ قالوا: ندلك على فلان بن فلان عالم من العلماء، ليس راهباً، لكن عالم فقيه مصداق، كلامه نهل من وحي السماء، قال تعالى: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ [آل عمران:18] وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [طه:114] وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ [القصص:80] فهو فقيه متبصر عبد الله على بصيرة.

    وبالمناسبة يا أيها الناس! إن من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود -كما يقول ابن تيمية - ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، يقول الله في اليهود: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً [المائدة:13] وقال في النصارى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ [الحديد:27] إذا أخذت شهادة ومستوىً علمياً ثم لم تظهر آثار العلم عليك، فكأنك من بني إسرائيل، وإذا انزويت في كهف تعبد وتصلي وتصوم وما تعلمت وما تفقهت، فكأنك من النصارى.

    فديننا علم وعمل، فقه وإرادة، تقنين واستقراء، تجربة وأخلاق، تعامل وشورى، دين وسع كل شيء، ولذلك دل على العالم، فأتى إلى العالم وهو في حلقة التدريس يربي الأجيال، ويرفع الأرواح، وينمي الأنفس، ويفقه في دين الله.

    ما بنى جملة من اللفظ إلا     وابتنى اللفظ أمةً من عفاء

    والعلم:

    هو العضب المهند ليس ينبو     تصيب به مقاتل من أردتا

    وكنزٌ لا تخاف عليه لصاً     خفيف الحمل يوجد حيث كنتا

    يزيد بكثرة الإنفاق منه     وينقص إن به كفاً شددتا

    فطرق عليه بابه، فخرج وهش وبش في وجهه -وهذه عادة أطباء القلوب الدعاة إلى الله- تبسم وأجلسه بجانبه، وعانقه وحياه وقال: ما عندك؟ قال: أنا أذنبت، قتلت مائة نفس معصومة، فهل لي من توبة؟ قال: نعم. لك توبة، ومن يغلق عليك باب التوبة؟ باب الله لك مفتوح، أبشر بالمغفرة، أبشر بالسعود، أبشر بالتوبة النصوح، سوف يرضى الله عليك إذا تبت، فحيهلاً بك، فقال: أتوب إلى الله وأستغفر الله، قال: أسأل الله أن يتوب عليك.

    وانظر إلى حل هذه المشكلة والعقدة، ثم قال له العالم: إنك كنت تقيم في قرية سوء، إنها قرية ظالم أهلها -وبعض القرى والمدن، وبعض الأحياء والحارات والقبائل تعينك على المعصية والجريمة، لا يعينونك على الطاعة، فيحملونك على الغيبة، وعلى شهادة الزور، وعلى القتل، وعلى الزنا؛ لأن هذه البقعة خبيث منتداها، خبيث قوامتها، خبيثة مصداقيتها وعطاؤها- قال: قريتك ظالم أهلها، فاخرج إلى قرية صالحة هي تلك القرية، فأخذ جهازه وتطهر بماء التوبة، وخلع ثيابه الملطخة بالدماء، ووضع سيفه، وأخذ عصاه، وأخذ يستغفر الله ويتوب إلى الله، وأقبل على الله.

    وفاة هذا الرجل

    وبينما هو في أثناء الطريق أتته سكرة الموت، قال الله: ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ [ق:19] يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] فلما أتته سكرات الموت وحضره اليقين قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قبضت روحه، ما صلى ولا صام ولا تصدق ولا زكى وما فعل خيراً قط، إنما تاب إلى الله، وأتت الملائكة من السماء بسرعة، ملائكة الرحمة معها السجلات، وملائكة العذاب معها السجلات، وقفت عند رأس الميت، تقول ملائكة الرحمة: هذا عبد مصيره الجنة، هذا تاب إلى الله وأناب، ورجع إلى الله، وتوضأ بماء التوبة.

    وقل لـبلال العزم من قلب صادقٍ     أرحنا بها إن كنت حقاً مصليا

    توضأ بماء التوبة اليوم مخلصاً      به ترق أبواب الجنان الثمانيا

    قالوا: مصيره الجنة، قالت ملائكة العذاب: لا. هذا مجرم قتل مائة نفس، تلطخ بالدماء، ارتكب جريمة لا تغتفر، ولكن ما فعل خيراً قط، ما صلى ولا زكى ولا تصدق وما فعل خيراً قط، فكيف يدخل الجنة؟ ووقف الجدل والحوار الساخن بين الطائفتين، فأوحى الله من فوق سبع سماوات إلى ملائكته في شأن هذا العبد، قال لهم: قيسوا ما بين المسافتين وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49] من المكان الذي توفي فيه إلى القرية التي خرج منها، ومن المكان الذي توفي فيه إلى القرية التي خرج إليها، فإن وجدتموه أقرب إلى إحدى القريتين فهو منها، فقاموا يذرعون بالأشبار ما بين القريتين، فأوحى الله إلى تلك القرية الصالحة أن تقاربي.

    يا لرحمة الله! وعطائه وفضله وغفرانه! يوم أن يتلطخ العاصي، ويوم أن يجرم المجرم، ويوم أن يقتل القاتل، ويوم أن يسرق السارق، ويشرب الشارب، ويفجر الفاجر، فلا يغفر له الناس، ولا يسامحون ولا يقبلونه، ولكن يقبله ربهم، ويغفر له، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى تلك القرية، وأخذوه وهو في سكرات الموت -كما في الروايات الصحيحة- ينوء بصدره ويقترب عله أن يقرب ولو شبراً من القرية الصالحة، لأن قلبه تاق إلى التوبة وإلى العمل الصالح.

    فقاسوا ما بين المسافتين فوجدوه أقرب إلى تلك القرية، فغفر الله له وأدخله الجنة. فيا لرحمة الله! وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [آل عمران:135] هكذا نكرة، فاحشة كبرى تحت أستار الظلام، أو بين الحيطان، لا يراهم إلا الرحمن.

    وإذا خلوت بريبةٍ في ظلمةٍ     والنفس داعيةٌ إلى العصيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يرانيِ

    وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ [آل عمران:135] والعبد تمر به فترات ينسى عقله وإرادته، وينسى صدقه وأمانته، بل ينزع عنه الإيمان فترة من الفترات.

    يقول عليه الصلاة والسلام: {لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الشارب الخمر حين يشربها وهو مؤمن} قال أهل العلم: يرتفع إيمانه كالظلة على رأسه في وقت مزاولة الجريمة، وبعد أن ينتهي يراجع حسابه مع الله، يتذكر القبر حفرة من الحفر يدس فيها كقطعة الطين، أو كقطعة من الحجر، لا أنيس ولا حبيب ولا قريب ولا مال ولا ولد، يتذكر الصراط، ويتذكر موعود الله، ولقاء الله، فيقول: أستغفر الله.

    وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:135] ثم يقول سُبحَانَهُ وَتَعَالَى متحدياً كبراء ورؤساء الأرض، يقول: وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران:135] هل هناك أحد يغفر الذنب إلا الله؟ الناس لا يغفرون، ولا يسترون، ولا يسامحون، ولكن الله يسامح ويغفر ويستر.

    وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136].

    إلهـي لا تعذبنـي فإني     مقـرٌ بالذي قد كـان منـي

    فما لي حيلةٌ إلا رجائـي     وعفوك إن عفوت وحسن ظني

    يظن الناس بي خيراً وإني     لشر الناس إن لم تعـف عنـي

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم، وارجوا لقاءه، وتوبوا إليه من الجرائم والفواحش، فقد فتح بابه لكم، وقد رفع حجابه لكم، وقد مد يده وبسطها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، غفرانك ربي أسأنا وأخطأنا وأذنبنا وأجرمنا، فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    1.   

    قصة أخرى لرجل من بني إسرائيل

    الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وقدوة الناس إلى الله رب العالمين , وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الناس! يلاحظ رسول الهدى صلى الله عليه وسلم القصص الحق، قصص التائبين، قصص الذين أذنبوا وأخطئوا وأجرموا ثم عادوا إلى الله.

    وفي قصة أخرى يتحدث رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة، يتحدث إليهم عن رجل كذلك من بني إسرائيل-والحديث صحيح سنده كنجوم السماء- يتحدث إليهم عن رجل أذنب ذنباً عظيماً، وهو موحد لم يشرك بالله، ولكن أخطأ وعصـى الله وأساء فيما بينه وبين الله، ونحن أهل السنة والجماعة لا نكفر الناس بالذنوب، إنما يكفرهم الخوارج الذين لا يفقهون إلا قليلاً ولا يفقهون.

    أذنب هذا الرجل، وما ترك معصية إلا ارتكبها، شرب الخمر وزنى وقتل وسرق، كذب وغش ونم واغتاب، أساء كل الإساءة، ضيع عمره، أعجب بنفسه فتكبر واغتر، فلما حضرته ساعة الصفر، سكرة الموت الذي كنت منه وكان العبد منه يحيد بالطب وبالاستشفاء، حضرته هذه السكرة والجلسة والمصرع -الذي نسأل الله أن يعيننا وإياكم عليه- ساعة الموت يذل فيها المتكـبر، ويذعن فيها الجبار، ويستسلم فيها القوي، ويفتقر فيها الغني، ساعة الموت تذهب فيها العزيمة والإرادة، ساعة الموت تتفتت الصخور والعزائم، وتتقطع الحبال ولو كانت من حديد، ساعة الموت ينسى الحبيب حبيبه، وينسى القريب قريبه، والصاحب صاحبه، والولد أباه، والأب ولده، والأم ابنها، ساعة الموت ما أعفي منها أحد، أخذت رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أخشى الناس، وأصدقهم وأعلمهم وأبرهم وأكرمهم وأكرم الناس، فأخذ يقول وهو في سكرات الموت: (لا إله إلا الله إن للموت لسكرات، لا إله إلا الله، اللهم هون علي سكرات الموت، لا إله إلا الله، اللهم خفف علي سكرات الموت).

    فلما حضرت الوفاة ذاك الرجل جمع أبناءه، وأصبحوا أمامه في ساعة لا ينفع فيها الولد، ولا ينفع فيها المال ولو كانت قناطير مقنطرة، ولا ينفع فيها المنصب ولو كان منصب فرعون، يأتي ويدس الملك كالفقير في قطعة قماش، والحساب عند الله تعالى، يأتي الغني الذي ملك القناطير المقنطرة ويحمل على أكتاف الرجال، لا يحمل درهماً ولا ديناراً ولا خميصةً ولا قطيفةً.

    فجمع أبناءه وقال: أي أبٍ لكم أنا؟ قالوا: من خيرة الآباء، قال: فوالذي نفسي بيده، ما فعلت مع الله جميلاً أبداً، عصيت، وتعديت حدود الله، واقترفت معاصي الله، وتطاولت على حرمات الله، فإذا أنا مت، فاجمعـوا لي حطباً، ثم أشعلـوا هذا الحطب، فإذا أصبحت ناراً عظيمةً فاجعلوني في النار. هذا على دين الهندوس أهل الهند، حرق الجثث وتذريتها والتبرك بآثارها، فسحقوه، وذروه في الريح، لكنه موحد، إنما اقترح هذا الاقتراح لأنه ظن أنه سوف يفوت على الله.

    سبحان الله! أين يفلت من حساب الله؟ الذي أتى بالإنسان من نطفة فجمعه ثم كونه ثم خلقه، ثم أسمعه وبصَّره، ثم رزقه، ثم يحاسبه يوم القيامة، قال الله تعالى: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:2] وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    فلما توفي أخذوا جثمانه وجمعوا الحطب وأشعلوا له ناراً مدلهمة، ووضعوه في النار، فأكلت جسمه حتى أصبح فحماً حمماً فسحقـوه ثم اعترضوا به الريح، فأخذته الريح الهوجاء، فتفرقت به في كل مكان ووزعته على الأنهار وعلى رءوس الأشجار وفي الجبال وفي السهول، لكن الذي بدأه أول مرة أمره في قول: كن فيكون إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40] فقال الله: كن رجلاً، فكان رجلاً في لحظة، في أقل من طرف العين، جمع وأصبح رجلاً بعيونه وآذانه وسمعه وبصره، بشحمه ودمه وعظامه وأعصابه، وجمع الله ملائكته للحساب، وقال: يا عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ لماذا أوصيت بنيك بهذه الوصية؟ لماذا فعلت بنفسك هذا الفعل؟ أما علمت أني أغفر الذنب وأستر العيب وأتجاوز عن المسيء؟ قال: يا ربي -ما أحسن الكلمة! اسمع- قال: يا ربي خفتك وخشيت ذنوبي. فقال الله: يا ملائكتي! أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة. ما دام أنه خاف موعودي ولقائي والحساب بين يدي ونكالي وناري، فقد غفرت له وأدخلته الجنة، فدخل الجنة.

    وهذا يعرض لكل الناس، شريعة تبلغ في المجالس وفي الأنديـة، لأننا في عصر كثرت فيه المعاصي والجرائـم، كثر التخلف والإعراض عن رحمة الله، فإذا وقفنا بباب التشاؤم أمام الناس، وقلنا لهم: ويلكم من الله فحسب، وعرضنا لهم النار فقط، ولم نعرض لهم الجنة، يئسوا من رحمة الله، وتمردوا على الله وأعرضوا عن باب التوبة إلى الله، لكن حقاً علينا أن نخبرهم برحمة الله ولطفه ورعايته وحفظه، ولا ننسى أن الله شديد العقاب، ولا ننسى أن الله أعد ناراً وجحيماً، وأعد نكالاً وسلاسل وأغلالاً.

    نعم. إنه رحمان ورحيم، لكنه شديد العقاب.

    عباد الله: يقول المتكلم والسامع: من اقترف منا ذنباً فليتب إلى الله، اللهم إنا نشهدك في هذه الساعة الفضيلة المباركة النبيلة أننا تبنا إليك، أسأنا وأخطأنا وتعدينا حدودك وانتهكنا حرماتك، أكلنا رزقك وما شكرناك، وأكلنا عطاءك وما استخدمناه في طاعتك، وأسأنا كثيراً، وضيعنا أوقاتنا، أذنبنا كل الذنب، وأخطأنا كل الخطأ، وأسأنا كل الإساءة، ومن يغفر الذنوب إلا أنت، ومن يستر العيوب إلا أنت، اللهم فاغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتقبلنا فيمن تقبلت، اللهم تقبل منا أحسن ما عملنا، وتجاوز عن سيئاتنا في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.

    من يفتح لنا الباب إذا أغلقته؟ ومن يرفع لنا الحجاب إذا أسدلته؟ ومن يعطينا من العطاء إذا منعته؟ اللهم فارفع لنا باب التوبة واجعله لنا مفتوحاً، وأسدل علينا من منِّك وكرمك واجعل لنا منه عطاءً ممنوحاً، اللهم صل على نبيك وحبيبك الذي بعثته رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أيها الناس! صلوا وسلموا عليه، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً) اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.