إسلام ويب

طبت حيا وميتاللشيخ : صالح بن عواد المغامسي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد رفع الله قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، وأنزله منزلة عظيمة لم تكن ولا تنبغي لأحد من خلقه سواه، وجعل حياته سيرة عطرة ضمَّنها كل إشراقة في جوانب الحياة، ثم جعله أسوة حسنة لمتبعيه يتأسون به في خصال الخير كلها، ومن جملتها تفريغ القلوب لمحبة الله تعالى، والشفقة والرحمة بالمؤمنين، ودعوة الناس إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وبيان عظمة الوقوف بين يدي الله تعالى، وزينه تعالى بكل حميد من الأعمال والأقوال والصفات الخلقية والخُلقية، فطاب صلى الله عليه وسلم حياً وميتاً.

    1.   

    عظيم منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ربه

    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق فسوى وقدر فهدى وأخرج المرعى فجعله غثاءً أحوى، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن مما صح خبره من السيرة العطرة والأيام النضرة ممن طابت حياته ومماته صلوات الله وسلامه عليه حديث أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن زاهراً كان رجلاً من البادية، وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من البادية هدية، وكان عليه الصلاة والسلام يعطيه قبل أن يذهب إلى البادية ويقول: إن زاهراً باديتنا ونحن حاضروه، وكان زاهر رجلاً دميماً، وكان صلى الله عليه وسلم يحبه، فأتاه ذات يوم وهو يبيع متاعه في السوق، فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال: من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل زاهر لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلوات الله وسلامه عليه: من يشتري هذا العبد؟ فقال: يا رسول الله! إذاً -والله- تجدني كاسداً -أي: لا يشتريني أحد- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله غال).

    إن هذه منزلة رجل من بادية أمة محمد، فكيف بمنزلة محمد صلى الله عليه وسلم عند ربه؟

    يقول الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29] جعلني الله وإياكم ممن يقتدي بهديه.

    1.   

    قبسات مضيئة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    هذه قبسات وجوانب مضيئة، وكل حياته صلى الله عليه وسلم مضيئة، ولكن من عظمة سيرته صلوات الله وسلامه عليه أنه يمكن أن تتناول بمختلف الطرق، فيمكن أن تلقى كأخبار، ويمكن أن تدرس باستنباط لما في طيات السنن من عظيم الآثار، ويمكن أن تدرس وتتناول بغير ذلك، وهذا كله يدل على عظيم تلك الحياة التي عاشها نبينا صلى الله عليه وسلم.

    وخير ما يقدمه طالب العلم للناس أن يقدم إليهم محاولة جديدة في فهم سيرة نبيهم صلى الله عليه وسلم على غير ما يألفونه، وإن كان لا يستطيع أن يحلق بعيداً عما ذكره الأخيار وصدره الأبرار من العلماء والمشايخ وطلبة العلم في الماضي والحاضر نفع الله بنا وبهم الإسلام والمسلمين.

    القلوب محل حب الله وتعظيمه وإجلاله

    أولى القبسات هي أن القلوب هي الأوعية التي يحب فيها الله ويعظم ويجل، ومن خلال عظيم محبة الله جل وعلا في قلب أي عبد ينجم العمل والقرب من الطاعات والازدلاف إلى الله بالحسنات، وينجم عن ذلك البعد عن المعاصي والفرار من الذنوب والإحجام عن الموبقات.

    وقد جعل الله قلب نبينا صلى الله عليه وسلم له تبارك وتعالى، فولد عليه الصلاة والسلام دون أن تكتحل عيناه برؤية أبيه، فنشأ يتيم الأب منذ ولادته، فتعلق بقلب أمه وحنانها وشفقتها ورقتها عليه، فما أن أتم ست سنوات حتى حجبت عنه رحمة الأم فماتت أمه.

    فأخذ -صلوات الله وسلامه عليه- يوم ذاك يدب نحو جده ويتشبث به، فما هي إلا سنتان ويموت ذلك الجد، فيصبح ذلك النبي المنتظر الذي سيختم الله به النبوات ويتم به الرسالات لا أب ولا أم ولا جد له؛ لأن الله جل وعلا وحده تكفل به كما قال تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8] .

    ولما بعث صلوات الله وسلامه عليه جعل الله له نصيرين: عمه أبا طالب وزوجته خديجة ، فلما تفاقمت عليه مصائب أعدائه ورموه عن قوس واحدة توفي العم وتوفيت الزوجة في شهر واحد؛ ليطمئن صلى الله عليه وسلم بأن الله وحده هو الذي سينجيه ويظهره ويعلي شأنه صلوات الله وسلامه عليه.

    ثم يهاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة وكان قد مات ولداه القاسم وعبد الله قبل أن ينبأ، فما بقي له إلا البنات، فتعلق بهن صلوات الله وسلامه عليه كأي أب، ثم ما إن تعلق بـعائشة وأحبها حتى رميت في عرضها رضي الله عنها وأرضاها.

    ثم بشر صلى الله عليه وسلم بقدوم جعفر ، فقال: (والله لا أدري بأيهما أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ؟!) وما هي إلا شهور معدودات ويموت جعفر ويبقى صلى الله عليه وسلم من غير حبيبه جعفر .

    ثم آنس الله وحشته فيرزق صلى الله عليه وسلم بابنه إبراهيم، فما إن يظهر الود في قلبه عليه الصلاة والسلام ويتردد إلى عوالي المدينة كي يرى إبراهيم كل يوم فيقبله ويرفعه ويشمه ثمانية عشر شهراً فقط حتى يموت إبراهيم ، لئلا يبقى في قلبه صلى الله عليه وسلم أحد إلا الله.

    ولهذا ما قضى صلى الله عليه وسلم عمره إلا فيما قضاه الأنبياء من قبله، ألا وهو التعريف بربهم جل وعلا، وإن أعظم نصرة له -صلوات الله وسلامه عليه- أن يؤخذ عنه الدين وأن يؤخذ عنه في المقام الأول عظيم توحيده لربه تبارك وتعالى، فإن القلوب لا يستحق أن يتربع على عرشها أحد تحبه وتوالي وتبغض فيه إلا الرب تبارك وتعالى.

    ولهذا كانت أعظم آيات القرآن تترى في أمكنة متعددة وأزمنة متباينة كلها تبين هذا المنهج العظيم الذي بعث الله من أجله الرسل وأنزل الله جل وعلا من أجله الكتب.

    جاءه العاص بن وائل وهو بمكة صلوات الله وسلامه عليه، وفي يد العاص عظام قد أرمت، فنفخ فيها وقال: يا محمد! أتزعم أن ربك يحيي هذه بعد موتها؟! فأنزل الله جل وعلا: أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ [يس:77-80].

    والخضرة لا تكون إلا من ماء، والماء لا يتفق مع النار، فهما خصمان، ومع ذلك يجعل الله جل وعلا من الشجر الأخضر ناراً، ولا يقدر على هذا إلا الله.

    والمقصود أن قلبه صلى الله عليه وسلم ملئ محبة وتوحيداً وإجلالاً لله، فنشأت دعوته كلها على هذا المبدأ العظيم الذي من أجله بعثت الرسل وأنزلت الكتب، وهذا أعظم ما يمكن أن ينصر به العبد نبيه صلى الله عليه وسلم.

    عظيم شفقة رسول الله ورحمته بأمته في الدنيا

    ومن القبسات المضيئة في حياته صلى الله عليه وسلم: عظيم شفقته ورحمته بأمته، ولهذا حق على كل مسلم أن يعرف لهذا النبي قدره وعظيم حقه لعظيم ما كان صلى الله عليه وسلم يحمله من المحبة والشفقة والرأفة بأمته.

    ففي رحلة الإسراء والمعراج فرض الله عليه في السماوات السبع الصلوات الخمس خمسين صلاة في اليوم والليلة، فلما عاد صلى الله عليه وسلم لقي أخاه موسى، فقال له موسى: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإني قد بلوت الناس قبلك، وإن أمتك لن تطيق ذلك) ومن هنا أخذ العلماء أن العلم ينقسم إلى قسمين: علم عاد عن التجربة، وعلم مقرون بالتجربة.

    والعلم المقرون بالتجربة مقدم على العلم العاري عنها، فإن موسى عليه السلام ليس أفضل من نبينا صلى الله عليه وسلم، ولكن التجربة علمته أن الأمم لا تطيق مثل هذا، فرجع صلى الله عليه وسلم إلى ربه يسأله التخفيف، وما زال يتردد صلوات الله وسلامه عليه حتى عاد إلى موسى وأخبره أن الله جعلها خمس صلوات، فقال له موسى كذلك: (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف) فقال صلى الله عليه وسلم يعتذر إلى موسى: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).

    فلما حفظ صلى الله عليه وسلم مقام الله حفظ الله له جل وعلا مقام أمته التي وكل إليه أن ينافح عنها، فسمع منادياً يقول: (إنني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) فأبقاها الله جل وعلا خمس صلوات بأجر خمسين صلاة في اليوم والليلة.

    ومن هنا أخذ العلماء فائدة، وهي أن من قدم حق الله على حق غيره أكرمه الله وأكرم غيره، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم في المرة الأخيرة ازدحم عنده أمران: حق أمته وحق الله، وهو أدبه مع ربه، فاختار أن يعتذر إلى موسى ويقدم حق الله تأدباً مع ربه، فلما تأدب مع ربه صلوات الله وسلامه عليه أكرمه الله بأن جعلها خمس صلوات وجعلها تجري على هذه الأمة بأجر خمسين صلاة، والحسنة بعشرة أمثالها.

    وهذا من مقامه الرفيع صلوات الله وسلامه عليه في أدبه مع ربه تبارك وتعالى، والمقصود منه الإخبار بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من أدب تام وحرص عظيم على الشفقة والرحمة بأمته في آن واحد.

    ومن شفقته بأمته صلى الله عليه وسلم في الدنيا أنه ضحى بكبشين أملحين أقرنين، فسمى الله وكبر وقال في الأول: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد)، ثم قال في الآخر: (اللهم هذا عمن لم يضح من أمة محمد) شفقة بمن يأتي بعده صلوات الله وسلامه عليه.

    ومن شفقته بأمته -أمة الإجابة عليه الصلاة والسلام- أنه زار المقبرة فقال: (وددت لو أني رأيت إخواني، فقالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، ولكن إخواني لم يأتوا بعد، وأنا سابقهم إلى الحوض، فقالوا: يا رسول الله! وكيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ قال: أرأيت لو لأن لأحدكم خيلاً غراً محجلة في خيل بهم أكان يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإن إخواني يأتون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض) جعلني الله وإياكم منهم.

    وكان يقوم الليل عليه الصلاة والسلام وما قام الليل أحد أكرم على الله منه، فلما تأسى به الناس وصلوا بصلاته في رمضان -وهي قربة إلى الله ورفع للدرجات وتكفير للخطايا- اعتزلها وتركها وقال: (لقد علمت الذي صنعتم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم) .

    فخوفه على الأمة أن يفرض عليها ما لا تطيق له حملاً جعله صلى الله عليه وسلم يمتنع عن القيام جهرة في تلك الليالي، وإلا فمن عظيم قرباته وجليل مناقبه عند ربه عظم قيامه بالليل بين يدي الله جل وعلا.

    ومن أعظم أسباب التوفيق وأجل العطايا وأعظم المنح أن يختار الله عبداً من عباده يقف بين يديه في ظلمات الأسحار يسأل الله ويرجوه ويدعوه ويناجيه.

    لما أتتك قم الليل استجبت لها تنام عينك أما القلب لم ينم

    الليل تسهره بالوحي تعمره وشيبتك بهود آية استقم

    صلوات الله وسلامه عليه.

    وفي ليلة تفقده عائشة فتقول: (ظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فوجدته في المسجد قد انتصبت قدماه يقول في سجوده: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك).

    وهذه النماذج من دلائل شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته في الدنيا.

    عظيم شفقة رسول الله ورحمته بأمته في الآخرة

    ومن شفقته على أمته في الآخرة أن الناس يحشرون عراة أحوج ما يكونون إلى الكسوة، ويحشرون عطشى أحوج ما يكونون إلى الماء، ويحشرون تحرقهم الشمس أحوج ما يكونون إلى الظل، وهناك يموج الخلق بعضهم في بعض، فيأتون أباهم آدم فيعتذر ويقول: نفسي نفسي، إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله.

    ثم يأتون إلى نوح فيثنون عليه رجاءً يستجيب لهم، فيقولون: أنت أول رسل الله إلى أهل الأرض، سماك الله في القرآن عبداً شكوراً، فيقول: نفسي نفسي، ويحيلهم إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقول: نفسي نفسي، ثم يأتون موسى فيثنون عليه فيقول: نفسي نفسي، ثم يأتون إلى عيسى -ولا يذكر ذنباً- فيقول: نفسي نفسي، فإذا أتوا إليه صلوات الله وسلامه عليه قال: أمتي أمتي. جعلني الله وإياكم ممن ينتفع بشفاعته يوم العرض الأكبر.

    فهذه نماذج من رحمته صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته، أفليس من هذه صفاته ومحبته لنا وشفقته علينا ورحمته بنا جديراً بأن يحب، وأن نتقرب إلى الله جل وعلا بحبه واتباع هديه واقتفاء أثره صلوات الله وسلامه عليه؟!

    الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة

    ومن الجوانب العطرة والنضرة في سيرته صلى الله عليه وسلم: ما أكرمه الله جل وعلا به من الدعوة إلى الله جل وعلا بالأسلوب الأمثل وكمال الحسن والرفق في الخطاب حتى يبين دين الله جل وعلا على الوجه الأمثل والطريق الأقوم، فلا تبقى لأحد حجة على الله بعد بعثته صلوات الله وسلامه عليه.

    وضع على ظهره سلا الجزور وهو يوم ذاك -وما زال صلى الله عليه وسلم- أعظم الخلق كرامة عند الله.

    والدرس العلمي المأخوذ من هذه الحادثة أن تعلم أن مقام العبد لا يعرف بحاله عند الناس، فالناس لا يرون منك إلا الظاهر، لكن الأمر العظيم هو مقامك عند ربك جل وعلا.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم ساجد عند الكعبة وسلا الجزور على كتفيه، وزعماء قريش ينظرون إليه ويتضاحكون، وهو صلى الله عليه وسلم عند ربه في أعلى المقامات وأرفع الدرجات.

    والدنيا لم يجعلها الله جل وعلا دار مكافأة، ومن أعظم ما يدلك على حقارة الدنيا أن الله جل وعلا أذن قدراً أن يعصى فيها، ولو كانت للدنيا كرامة عند الله لما أذن الله قدراً لأحد أن يعصيه فيها.

    وهذا أمر ينبغي لكل من يحيا في هذه الحياة الدنيا أن يستصحبه في كل شأن؛ لأن الإنسان إذا كان ينتظر من الناس مدحاً أو ثناءً أو رفيع قدر فسيتعب تعباً كبيراً، وأول طرائق العظمة أن تبدأ بنفسك، ولن تكون عظيماً حتى تكون عظيم العبودية لله جل وعلا.

    واعلم -يا أخي- أن لله جل وعلا صفات، كلما ازدت عنها بعداً كنت من الله أقرب، ولله جل وعلا صفات كلما التصقت بها كنت من الله أقرب، وهذه الصفات لا تعرف بضابط أو قاعدة، وإنما تعرف بحيثيات الشرع.

    فلا يوجد حال ذلة يكون فيه ابن آدم أعظم من أن يضع جبهته على الأرض، فهذا موضع ذلة بلا شك، ولما كان هذا أعظم حال ذلة يفعله بنو آدم وجب ألا يصرف إلا للرب تبارك وتعالى.

    قال الله لنبيه: كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19] فلما سجد صلى الله عليه وسلم حيث أمره الله كان أقرب إلى ربه جل وعلا، فكلما ازدت عبودية للرب تبارك وتعالى وانكساراً بين يديه كنت إلى الله جل وعلا أقرب، فإن العظمة من شأنه وحده جل وعلا لا ينازعه فيها أحد.

    والأمر الآخر: الكبر، فإن العظمة والكبرياء رداءان للحق تبارك وتعالى، فكلما تلبس الإنسان - عياذاً بالله - برداء الكبر كان من الله جل وعلا أبعد؛ لأنه ينازع الرب تبارك وتعالى في ما هو من صفاته وخصائصه التي لا ينبغي أن ينازعه فيها أحد جل جلاله.

    ومن صفات الله جل وعلا الرحمة، فمن كان رحيماً بالخلق طمعاً في أن يرحمه الله كان قريباً من رحمة الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] .

    وقال صلوات الله وسلامه عليه لأحد الصحابة: (والشاة إن رحمتها يرحمك الله)، وقال: (من لا يرحم لا يرحم).

    وكلما كان الإنسان عفواً غفوراً عمن حوله ممن يخطئون عليه كان أدنى إلى عفو الله جل وعلا ورحمته وغفرانه، وهذا الذي ينبغي أن تحكم فيه آيات الكتاب المبين وأخبار سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

    العبرة بمقام العبد عند ربه

    وعظمة القدر كلما جحدها الناس بينها الله جل وعلا بجلاء من حيث لا يشعرون، فنبينا صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية جرى الصلح بينه وبين القرشيين، فأخذ المبعوثون يترددون بينه وبين قريش، وفي كل مرة تبعث قريش رجلاً منها، حتى بعثت سهيل بن عمرو ، فقال صلى الله عليه وسلم: (لقد سهل أمركم، لقد أراد القوم صلحاً منذ أن بعثوا هذا الرجل).

    فلما وضع الكتاب ليكتب واتفق الطرفان على الصلح وكان علي رضي الله عنه كاتب نبينا صلى الله عليه وسلم قال له صلى الله عليه وسلم: (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم) فاعترض سهيل وقال: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، اكتب كما كنا نكتب في الجاهلية: باسمك اللهم. فرضي صلى الله عليه وسلم وكتب: (باسمك اللهم)، ثم قال لـعلي : (اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو)، فقال له سهيل : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فرفض علي رضي الله عنه أن يمحو ما قد كتب، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن موضع الكتابة؛ لأنه لا يقرأ لا يكتب، وعلم الله به الجن والإنس.

    فبين له علي موضعها فمحاها صلى الله عليه وسلم بيده، ثم أمر علياً أن يكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو .

    فالذي جحد الرسالة هنا هو سهيل بن عمرو ، فأنزل الله جل وعلا خاتمة سورة الفتح: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29] ثم قال: وَالَّذِينَ مَعَهُ [الفتح:29] ولهذا فإن الحاذق من القراء الذي يريد أن يربط في تدبره القرآن بين الآيات يقرأ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29] ثم يقف، ثم يأتي بالواو استئنافية ويقرأ: وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ [الفتح:29] لأن في قول الله جل وعلا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ [الفتح:29] رد على من أنكر رسالته وبعثته صلوات الله وسلامه عليه.

    وفيما بعده إخبار بأنصاره في الرسالة والمؤمنين الذين آووه ونصروه وجاهدوا ومعه وهاجروا من المهاجرين والأنصار وثناء الله جل وعلا عليهم من قبل في التوراة والإنجيل.

    والغاية من هذا كله أن تعلم أن الله جل وعلا لا يضيع عنده عمل عامل كائناً من كان، وأن العبرة بمقامك عند الله جل وعلا، وأنت ترى في طيات حياة نبيك صلى الله عليه وسلم ما يدلك على أن العبرة التامة لرفيع مقامك عند الله، ألا ترى أن الخضر وموسى عليهما السلام استطعما أهل قرية فقال الله: فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا [الكهف:77] فامتنع أهل القرية عن إطعام عبدين صالحين من عباد الله، ولكن هذين العبدين لم يغير ذلك من منزلتهما عند ربهم تبارك وتعالى شيئاً.

    وكيف تعرف قربك من ربك وعلو منزلتك عنده؟

    اعرض نفسك على كتاب الله، يقول الله: إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ [الانفطار:13-14] وكل امرئ حسيب نفسه.

    طيب خلق رسول الله وخُلُقه

    ومن القبسات المضيئة في حياته صلى الله عليه وسلم ما أجمله الصديق رضي الله عنه في خبر الوفاة، فإن الأمة لم تفجع بأعظم من فجيعتها بوفاة نبيها صلوات الله وسلامه عليه.

    وكان أبو بكر في السنح، وهو عوالي المدينة، والذي دفع أبا بكر أن يخرج إلى السنح - رغم أن النبي كان شديد المرض - أن النبي عليه الصلاة والسلام أطل عليهم في ذلك اليوم، فلما أطل عليهم استبشر الناس خيراً، فعمد أبو بكر إلى فذهب إلى أهله بالسنح، فلما توفي عليه الصلاة والسلام وقبض وشاع ذلك في الناس ما بين مصدق ومكذب قدم أبو بكر من بيته بالسنح فدخل بيت عائشة ابنته، ولا يحتاج إلى إذن، فلما دخل حجرة عائشة إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم مسجىً على فراشه، فلما كشف الفراش عرف أنه ميت فقبله بين عينيه واغرورقت عيناه بالدموع رضي الله عنه وأرضاه، وقال كلمة تختصر الكثير من العبارات، قال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله.

    فهو عليه الصلاة والسلام قد طابت حياته وطاب مماته؛ لأن حياته وصلاته ونسكه ومماته كل ذلك كان لله رب العالمين، كما أمره الله جل وعلا فقال: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163] صلوات الله وسلامه عليه.

    أما طيب حياته عليه الصلاة والسلام فقد طاب خلقاً وطاب خلقاً، فطاب خَلْقاً لأن الله جل وعلا جعله في أتم هيئة خَلقية، فكان عليه الصلاة والسلام سبط الشعر لا بالمسترسل ولا بالجعد، في جبهته عرق يجره الغضب إذا غضب لله، أزج الحواجب -أي: دقيق الحواجب- في غير قرن، أي: حاجباه غير مقترنين، أشم الأنف، طويل أهداب العينين، أبيض مشرباً بحمرة، كث اللحية، الشيب فيه ندرة ومتفرق، وأكثر شيبه في عنفقته أسفل شفته السفلى، وجملة ما فيه من الشيب لا تكاد تتجاوز عشرين شعرة.

    كأن عنقه إبريق فضة، في صدره خيط شعر ممتد شعر على هيئة خيط دقيق، وعبر عنه الرواة بأنه دقيق المشربة، بين كتفيه من الخلف شعيرات سود اجتمع بعضهن إلى بعض قد ارتفعن عن الجسد قليلاً كأنهن بيضة حمامة، عريض ما بين المنكبين، سواء الصدر والبطن، إذا أشار أشار بيده كلها، وإذا تعجب من شيء قال: سبحان الله، وعند البخاري في الأدب المفرد أنه كان إذا تعجب من شيء عض على شفتيه صلوات الله وسلامه عليه.

    إذا مشى فكأنما ينحدر من مكان عال، من رآه من بعيد أهابه، ومن رآه من قريب أحبه، يقول جابر بن سمرة : (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاته الأولى - أي صلاة الظهر - فطفق ولدان أهل المدينة يسلمون عليه، فصافحته فوجدت لكفه برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار) صلوات الله وسلامه عليه.

    وقال محمد بن عمار والربيع بنت معوذ : يا أماه! صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا بني! لو رأيته لرأيت الشمس طالعة.

    وقال جابر بن سمرة : (خرجت في ليلة أضحيان -أي: ليلة البدر فيها مكتمل- فرأيت القمر ورأيت النبي صلى الله عليه وسلم عليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إلى القمر وأنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهو عندي أجمل من القمر) صلوات الله وسلامه عليه.

    وطيبه عليه الصلاة والسلام الخُلُقي كان مقروناً بطيبه الخَلْقي، فلم يكن لعاناً ولا فحاشاً ولا متفحشاً ولا سباباً، قال الله جل وعلا يزكي لسانه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]، وزكى الله بصره فقال: مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النجم:17]، وزكى الله جل وعلا قلبه فقال: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النجم:11]، وزكاه الله جل وعلا جملة فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] .

    ومن الله جل عليه بأن جعله خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وأخذ الله جل وعلا العهد والميثاق على الأنبياء من قبله أنه إذا بعث فيهم وهم أحياء أن يتبعوه، قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].

    طيب مماته صلى الله عليه وسلم

    وكما طابت حياته وطاب خَلْقه وطاب خُلُقه طاب مماته صلى الله عليه وسلم، فكان آخر عهده بالدنيا أن استاك فتطيب فاه قبل أن يلقى ربه جل وعلا.

    وبقدر الله يدخل عبد الرحمن بن أبي بكر إلى بيت عائشة ، وبقدر الله ينظر صلى الله عليه وسلم إلى السواك ولا يستطيع -وهو نبي الأمة ورسول الأمة وسيد الفصحاء- أن يقول: أعطوني السواك.

    ثم تأخذ عائشة السواك من أخيها فتقضمه وتطيبه فيتطيب به عليه الصلاة والسلام.

    وقد جرى عليه ما جرى على الأنبياء من قبله، وجميع الأنبياء تجري عليهم خمسة أحكام:

    الأول: أنهم يرعون الغنم.

    الثاني: أنهم يخيرون عند الموت.

    الثالث: أنهم يدفنون في الموضع الذي ماتوا فيه.

    الرابع: أن الأرض لا تأكل أجسادهم.

    الخامس: تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم.

    فجرى عليه في تلك اللحظات الثالثة من هذه الأمور، وهي أن الملك أخذ يخيره بين الخلد في الدنيا ثم الجنة وبين لقاء الله ثم الجنة، وقلب كقلب محمد صلى الله عليه وسلم لا يشتاق إلى شيء أعظم من شوقه إلى لقاء الله، فلما خيره الملك سمعته عائشة وهو يقول: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69] اللهم اغفر لي، بل الرفيق الأعلى) قالها ثلاثاً، ومالت يده وفاضت روحه صلى الله عليه وسلم إلى أعلى عليين في المحل الأسمى والملكوت الأعلى.

    وتوفي صلى الله عليه وسلم ضحى يوم الإثنين، ودفن ليلة الأربعاء بعد مغرب يوم الثلاثاء، ومع ذلك لم يزدد صلى الله عليه وسلم بعد موته إلا طيباً.

    لقد نظر إلى أصحابه قبيل وفاته في يوم مرضه فتهلل وجهه كأنه ورقة مصحف، وهذا ما عناه أبو بكر بقوله: طبت حياً وميتاً يا رسول الله.

    ثم غسلوه صلى الله عليه وسلم، ومراعاة لحرمته عليه الصلاة والسلام لم ينزعوا عنه ثيابه، ولم تكشف له عورة، وإنما باشروا الغسل من فوق الثياب، فعليه الصلاة والسلام.

    ثم لعظيم حرمته عند الله ولطيب مماته عليه الصلاة والسلام هدى الله أولئك الأخيار إلى ألا يقدموا إماماً يصلي بهم على نبيهم، فلكي تصل صلاة كل أحد إليه، ولكي يشعر كل فرد بأنه باشر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم صلوا عليه أرسالاً، حتى لا يقول أحدهم: صليت خلف أبي بكر على رسول الله، وإنما يقول: صليت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.

    ثم يكرمه الله بأن يدفن - وهذا من خصائص الأنبياء - في الموضع الذي مات فيه، فدفن صلى الله عليه وسلم في حجرة عائشة في الجهة الجنوبية الغربية من الحجرة مكان فراشه صلوات الله وسلامه عليه، وفي تلك الحجرة كان يناجي ربه، وفي تلك الحجرة كان يقوم الليل، وفي تلك الحجرة كان يتنزل عليه الوحي، وفي تلك الحجرة كان يجيب السائلين، وفي تلك الحجرة كان يطعم الأضياف، وفي تلك الحجرة أسلم الروح، وفي تلك الحجرة دفن، ومن تلك الحجرة يبعث صلوات الله وسلامه عليه.

    وبقدر الله ترى عائشة قبل مماته أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها، فتذهب إلى أبيها -وهو من المعبرين- فتخبره بالرؤيا، وكان الصديق أعلم الناس بنبينا صلى الله عليه وسلم وأكملهم أدباً، فاستحيا أن يعبرها حتى لا يخبرها بقرب موت نبينا صلى الله عليه وسلم مع أن الموت حق، فلما وقع ما وقع ومات رسول الله ودفن في الحجرة جاء الصديق رضي الله عنه إلى ابنته وقال: يا بنية! هذا أول أقماركِ. والاثنان الآخران كانا الصديق رضي الله عنه وعمر رضي الله عنه وأرضاه.

    وفي يوم موت عمر رضي الله عنه وأرضاه كانت عائشة رضي الله عنها أحق الناس بالحجرة؛ لأنها حجرتها، وكان الناس يعلمون أنه لم يبق إلا موضع قبر واحد، فلما طعن عمر رضي الله عنه وأرضاه كان لا يهمه إلا أمران، فقال لـابن عباس : اذهب فانظر من طعنني. فذهب ابن عباس أو ابنه عبد الله فعرف أن الطاعن هو أبو لؤلؤة المجوسي ، فقال: يا أمير المؤمنين! أبشر بالذي يسرك، الطاعن أبو لؤلؤة المجوسي . فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على رجل سجد لله سجدة.

    فالمؤمن الذي يخشى الله حقاً لا يحب أن يأثم أحد بسببه، ولو كان ذلك الآثم قد فعل ذلك عدواناً وظلماً، كما فعل عثمان رضي الله عنه لما منع الناس أن يحموه حتى لا يراق دم بسببه.

    فـعمر رضي الله عنه استبشر وفرح بأن من طعنه لم يكن مؤمناً، ثم قال لابنه عبد الله : اذهب إلى عائشة فقل لها: أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه. فذهب عبد الله واستأذن على عائشة فقالت وهي تبكي: والله لقد كنت أدخره لنفسي - أي المكان - ولأوثرنه اليوم على نفسي. فذهب عبد الله فدخل على أبيه قائلاً: يا أبتاه! أبشر بالذي يسرك. فخاف عمر أن تكون عائشة قد فعلت ذلك حياءً لأنه حي، فأوصى ابنه قائلاً: يا بني، إذا أنا مت وغسلتني وكفنتني فاحملني وقل: عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه؛ ولا تقل: أمير المؤمنين يستأذن أن يدفن مع صاحبيه؛ فإني يوم ذاك لست للناس بأمير.

    فإذا أرادت عائشة أن تعتذر فإنها ستعتذر ليكون فعلها عن طيب نفس منها.

    فحمل بعد غسله وتكفينه على أعناق الرجال، ثم نودي أن عمر بن الخطاب يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فأذنت ودفن.

    يقول بعض الرواة -والعلم عند الله-: إن عائشة رضي الله عنها وأرضاها بعد أن دفن عمر في حجرتها بنت جداراً بينها وبين القبور حياءً من عمر وهو ميت، وقالت: لم يكن إلا زوجي ووالدي، أما الآن فزوجي ووالدي ورجل آخر. تقصد عمر رضي الله عنه وأرضاه.

    فإن صحت هذه الرواية -وليس ببعيد أن تصح- فإن المرأة لا ترزق شيئاً أعظم من أن ترزق الحياء مع غيرها من الرجال.

    قال الله جل وعلا عن إحدى ابنتي العبد الصالح: فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا [القصص:25] .

    والمقصود من هذا الأخبار كلها -رغم تشعب الحديث- بيان كيف طاب مماته صلى الله عليه وسلم. ومن هذه الحجرة يخرج صلى الله عليه وسلم، وهو أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة، فيجد أخاه موسى آخذاً بقوائم العرش، وانظر لعظيم تمسكه صلى الله عليه وسلم بالقرآن، فالله يقول له: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36] فيطبقها عملياً، يقول عليه الصلاة والسلام: (فإذا بموسى آخذاً بقوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور؟).

    فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله وبدين الله وبالأخبار الشرعية كلها، ويقول: (لا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) صلوات الله وسلامه عليه.

    دعوته إلى التراحم

    ومما يمكن أن يدرس في سيرته العطرة وأيامه النضرة صلوات الله وسلامه عليه: أنه بين لأمته بلسان حاله ومقاله أن يكون التراحم بينهم، وهذا أمر قرره القرآن في الثناء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بقوله جل وعلا: رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [الفتح:29] والتراحم بين المؤمنين من أعظم الغايات وأجل المطالب والمقاصد الشرعية التي جاء بها الدين ونزل بها القرآن ونطق بها رسولنا صلى الله عليه وسلم.

    وهذا المبدأ العظيم كان صلى الله عليه وسلم يحرص على أن يغرسه في أمته بطرائق متعددة، حيث يدخل علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه في مجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمجلس ممتلئ بمن فيه، فيتنحى الصديق رضي الله عنه قليلاً وينادي علياً ويقول: هاهنا يا أبا الحسن . فيجلسه بجواره، فيقول عليه الصلاة والسلام يقرر مبدأ التراحم ومعرفة منازل الناس بينهم: (إنما يعرف الفضل لأولي الفضل أولوا الفضل)، فهو ثناء على الصديق وثناء على علي وتعليم للأمة.

    وهذه الرحمة تكون فيك -أيها المحب لمحمد صلى الله عليه وسلم- إن علمت قواعد شرعية، أعظمها: أن الله جل وعلا يحب من عباده الرحماء.

    والأمر الثاني: أن تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الأنبياء قبله، ثم قال: (وإني لأرجو الله أن أكون أكثرهم تابعاً) فهو عليه الصلاة والسلام يحب أن يكثر سواد أمته، ولكي يكثر سواد أمته ينبغي أن نحرص على الدعوة إلى دينه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الأمر من أعظم أسسه وأجل مقوماته أن نتراحم فيما بيننا، فالإنسان إذا كان شفيقاً رحيماً بزوجته وأولاده وأبويه في المقام الأول وسائر المؤمنين كان قريباً من الله محققاً ما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمته، ولما نشره فيها من الفضائل، ولما دعاهم إليه صلوات الله وسلامه عليه من كريم الطباع وجميل الأخلاق.

    حرصه صلى الله عليه وسلم على بيان عظمة الموقف بين يدي الله

    ومن الجوانب التي نحاول أن نتأملها في هذا الدرس المبارك: أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على أن يبين لأمته عظيم الموقف بين يدي الله جل وعلا.

    ومن أعظم ما يعين على الطاعة أن يستحضر العبد وقوفه بين يدي الله، قال الله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ [الانشقاق:6]، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم ذات يوم الميزان، وأنه لا يكون مثقال حبة من خردل إلا توزن، فجاءه رجل فقال: يا نبي الله! إن لي أجراء يظلموني وأظلمهم، فقال صلى الله عليه وسلم يبين له أن الأمر يوم القيامة قصاص: (يؤخذ ما عليك ويعطى ما لك) وبعد أن قرر الرجل أن يتخلص من هؤلاء الأجراء تلا صلى الله عليه وسلم قول الله جل وعلا: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ [الأنبياء:47].

    وبين صلوات الله وسلامه عليه أن الأمر يوم القيامة عظيم جليل الخطب يحتاج كل امرئ إلى أن يتقي الله جل وعلا فيه. فهذا ما تيسر إيراده وتهيأ إعداده.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية معرفة تعلق القلب بغير الله

    السؤال: كيف يعرف الإنسان أن قلبه لم يتعلق بغير الله؟

    الجواب: كل ما صرفك عن طاعة الله فقد تعلق قلبك به، ولكن يختلف الأمر في مقدار ذلك بحسب التعلق.

    مصير أبوي رسول الله صلى الله عليه وسلم

    السؤال: لقد سمعت أنكم رجحتم أن أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الفترة، فأرجو من فضيلتكم بيان ذلك؟

    الجواب: هذه مسألة خلافية مشهورة جداً، ونحن إلى الآن نقول: إن الأقرب أن أبوي الرسول صلى الله عليه وسلم - والعلم عند الله - من أهل الفترة، وبيان ذلك علمياً من وجوه:

    أولها: أن الله جل وعلا قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] .

    وقال جل وعلا عن أهل النار: كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ [الملك:8-9] .

    ومن قواعد العلم أن نصوص القرآن حاكمة وتفهم عن طريق السنة، فهنا إخبار من العلي الكبير أن أهل النار يلقون فيها فوجاً فوجاً، وأنهم يقررون عند إلقائهم فيها ويقال لهم: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ [الملك:8] فيقرون ويقولون: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ [الملك:9] يقول الله: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15] .

    ويبقى السؤال هنا: هل والد الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه نبي أم لا؟ فإن قلنا: جاءه نبي فلا حجة له، وإن قلنا: لم يأته نبي فلا يدخل في أهل النار بحسب الآية؛ لأن الله قال عن أهل النار وهم يقرون: بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ [الملك:9]، ولا ريب في أن والد النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان معه آنذاك من قبل البعثة لم يأتهم نذير بنص القرآن، حيث قال الله جل وعلا: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ [القصص:46]، وقال جل وعلا: وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ:44]، فالله جل وعلا في آية محكمة يقول: إنه لم يأتهم نذير.

    وأما الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: (إن أبي وأباك في النار) فإنه من حيث القاعدة العلمية يقول فيه بعض العلماء: إنه مخصص لعموم ما قاله الله جل وعلا في كتابه. ولكن يبعد أن يخبر الله جل وعلا نبيه بأن أهل الفترة كلهم تحت المشيئة، ويكون أبوه وحده في النار.

    وقد جاء في صحيح مسلم أن الله جل وعلا خلق السماوات والأرض في سبعة أيام، والعلماء لم يقبلوا هذا الحديث؛ لأنه معلوم قطعاً بنص القرآن أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام.

    والمقصود أن هذه مسألة لا يحسن نشرها بين الناس بكثرة، حتى الذين يقولون: إن والد الرسول في النار بناءً على حديث مسلم يقولون: لا يحسن نشر ذلك بين الناس.

    وأنا أقول -والعلم عند الله-: إن التوقف أفضل من القطع بأن والد الرسول صلى الله عليه وسلم في النار؛ لأن نصوص القرآن لا توحي بهذا.

    بيان درجة الكافر والمسلم المتهاون في إيذاء رسول الله

    السؤال: أيهما أكثر إيذاءً لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتباعه المتهاونون بسنته أم الكفار والمنافقون الذين يسخرون من ذلك؟

    الجواب: هم الكفار والمنافقون لا يمكن أن يكونوا في درجة من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه وإن عصاه، ولا شك في ذلك.

    ولكن ينبغي للمؤمن أن يعلم أن من دلائل محبته لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يحرص على اتباع سنته وألا يتهاون فيها، وأن يقيم الدين جملة، وأن يتقرب إلى الله بحب رسوله صلى الله عليه وسلم والسير على هديه، ولا يقارن كافر منافق مع مسلم وإن كان متهاوناً.

    عاقبة المستهزئ برسول الله في الدنيا

    السؤال: هل في تاريخ هذه الأمة أن أحداً استهزأ بنبينا صلى الله عليه وسلم فعجل الله له عقوبة في الدنيا قبل الآخرة؟

    الجواب: قد يوجد هذا وإن كنت لا أحفظه، ولكن الذي ينبغي أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما هو معلوم- في المقام الأعلى، فهو عليه الصلاة والسلام كفاه ربه فقال: إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ [الحجر:95] .

    الطريق إلى خشية الله

    السؤال: ما هو الطريق إلى خشية الله تعالى؟

    الجواب: هذا أمر طويل جداً، ولكن نقول من حيث الجملة: إن الله جل وعلا غني كل الغنى عن طاعة أحد، وإن من أعظم طرائق الوصول إلى خشية الله أن يستقر في قلبك أن الله جل وعلا غني كل الغنى عن طاعتك، وأنك في ذات الوقت مفتقر كل الفقر من جميع وجوهه إلى ربك تبارك وتعالى.

    فإذا رزق الإنسان قناعة ويقيناً تاماً بهذا الأمر -نسأل الله لي ولكم التوفيق- فإنه يرجى بعد ذلك أن يعرف الطريق إلى خشية الله جل وعلا، فلابد من أن يكون هناك يقين بأن الله جل وعلا خالق وما سواه مخلوق، وأن الله جل وعلا رب وما سواه مربوب، وأن الله جل وعلا وحده رازق وما سواه مرزوق، وأن الخلق مهما عظمت منازلهم وكثر مالهم وساد جاههم وجل ملكهم هم خلق من خلق الله لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فضلاً على أن يملكوه لغيرهم، وأن الله جل وعلا لا تضره معصية أحد كائناً من كان، ولا يبلغ مدحه قول مادح كائناً من كان، ولا تنفعه طاعة أحد كائناً من كان.

    فإذا عرفت أن ربك جل وعلا عظيم جليل رزقت بعد ذلك الخشية منه جل جلاله.

    ومن جملة ما نقوله ونكرره دائماً أن تحاول أن تعظم الله عند خلقه حين يمن الله عليك بالمنبر تصعده، أو بكلمة تلقيها في جامع، أو تلقيها لزوجتك وأولادك، أو لطلاب في المدرسة، أو بملعب كرة تلعب فيه مع زملائك، أو بمجلس احتفال مع زملائك.

    فادخل مثل هذه الأمكنة ولا يكون لك إلا هم واحد، وهو أن يحب الناس ربك ويعظموه، أياً كان نوع المجلس، حتى لو كان في ملعب كرة، فإن ابتليت بحب الكرة وكان حولك اثنان أو ثلاثة أو أربعة فإن أي فرصة تعرف فيها أنك تغرس عظمة الله جل وعلا فيها فيمن حولك عليك أن تنتهزها.

    فليكن همك أن يخرج من حولك معظمين لله، وقد ذكرت الملعب كحد أدنى، وقس عليه الأماكن الفاضلة كالمساجد، فأي مكان تدخل ينبغي أن يكون همك الأول أن يعظم الله جل وعلا وأن يحب، فتذكر فضل الله جل وعلا على خلقه ومنته عليهم، وتجعل من حولك يحبون الرب تبارك وتعالى، حتى لو غلب على ظنك أن الناس سيظنون بك الرياء، فثق بأن الله جل وعلا يعاملك على ما في قلبك لا على نظرة الناس إليك.

    وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة، فالله جل وعلا لا يحاسبنا على نظرة الناس إلينا، فهم يحكمون على ما يرون، والله جل وعلا وحده يتولى السرائر، ولكن محال أن يحاسب الله أحداً على نظرة خلقه إليه، بل يحاسب عبده على ما علمه منه، قال الله جل وعلا: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق:9].

    فلو أن الناس اجتمعوا على ذم أحد وهو عند الله عظيم فإن الله جل وعلا يقبله، ولو أن الناس اجتمعوا على حب أحد وهو عند الله حقير فإن الله جل وعلا لا يقبله أبداً؛ لأن العبرة بما انطوى عليه القلب من محبة الله وإجلاله وإعظامه.

    وغاية الأمر أن تعلم أنه لا يوجد منزلة أعظم ولا أجل من أن تجلس مجلساً تعظم الرب تبارك وتعالى فيه، فإن فعلت فثق بأن الله جل وعلا سيجعل لك حظاً ونصيباً كبيراً من أمور شتى لا يحسن التفصيل فيها، نسأل الله لنا ولكم من فضله العظيم.

    حكم التقصير في طاعة رسول الله مع ثبوت محبته في القلب

    السؤال: إن من علامات محبة الرسول صلى الله عليه وسلم اتباع أمره واجتناب نهيه، ولكننا نقصر كثيراً في طاعته ونقع في المعاصي، ويعلم الله أننا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما توجيهكم؟

    الجواب: أصل المحبة لا ينافيها مثل هذه المعاصي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لشارب الخمر بأنه يحب الله ورسوله، ولكن اتباع هديه عليه الصلاة والسلام والبعد عن المعاصي من دلائل كمال محبة العبد لنبيه صلى الله عليه وسلم.

    وعلى الإنسان أن يكون من الله على وجل، فلا يدري أي الذنوب يكون بسببها حرمانه من الشفاعة، فلذلك يجتنب المعاصي والذنوب كلها، فإذا وقع منه الذنب توجه إلى الله جل وعلا واستغفر وتاب إليه وأناب.

    أفضل الكتب في أسماء الله وصفاته وزيادة محبته

    السؤال: ما هي أفضل الكتب التي تتحدث عن أسماء الله وصفاته وتزيد من حبه جل وعلا؟

    الجواب: لا ينبغي أن يتردد أحد في الجواب، بأن أعظم كتاب يعرف بالله هو القرآن، فلا أحد أعلم بالله من الله، والله جل وعلا قد عرف بذاته العلية في كتابه المبين، فمن رزق تدبر القرآن تدبراً حقيقياً ومعرفة المواطن التي أثنى الله جل وعلا فيها على نفسه عرف ما لله جل وعلا من كمال الأسماء وجليل الصفات، ووالله ثم والله إن الإنسان ليقرأ في كتب أخيار وأئمة أجلاء في أسماء الله وصفاته فيزداد من الله قرباً ويعرف شيئاً، ثم إذا طواها وقرأ القرآن بتمعن وما أخبر الله به عن نفسه شعر أنه يرتقي درجات لا يبلغ أن يرقاها بتلك الكتب من الفهم والعلم بالله جل وعلا؛ لأنه لا أحد أعلم بالله من الله.

    فيثنى على الله جل وعلا بما أثنى الله به على نفسه وبما سمى به نفسه وبما وصف به نفسه، لقد كان جبريل يتردد على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له عليه الصلاة والسلام: (ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فأنزل الله جل وعلا قوله: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ [مريم:64-65] ثم ختم الله الآية بقوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65]).

    ومنذ أن مرت عشرة قرون على آدم من زمن بعثة نوح إلى أن تقوم الساعة يوجد كفار يحاربون الله جهاراً عياناً، ولا يوجد طاغوت ولا كافر تسمى باسم الله، ولهذا قال الله لنبيه: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

    ويقولون: إن سيبويه مؤلف (الكتاب) النحوي المشهور قسم المعرفة إلى ستة أقسام:

    العلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، والضمائر، والمعرف بأل، والمعرف بالإضافة، وبدأ بالعلم، ثم جعل لفظ الجلالة أعرف المعارف.

    فيقولون: إنه لما مات ورئي في المنام قيل له: ما فعل بك ربك؟ فقال: قد غفر لي لأني جعلت اسمه أعرف المعارف.

    فلا ريب في أن اسم الله جل وعلا أعظم علم على الإطلاق، بل كما قال ربنا: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [مريم:65].

    لا نهاية لصفات الله

    السؤال: ما تفسير قول الله عز وجل: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ [لقمان:27] وهل ذكرت السبعة على وجه المبالغة؟

    الجواب: هذه الآية من خواتيم سورة لقمان، ونظيرها في القرآن قول الله جل وعلا في آخر الكهف: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الكهف:109].

    وتفسير هاتين الآيتين مرتبط بعضه ببعض، وجملة معناهما أن كلمات الله جل وعلا صفة من صفاته، وأما البحر والأقلام فخلق من خلقه، والمعنى: أن كلمات الله جل وعلا وصفة من صفاته تبارك وتعالى لا يمكن أن تكون محدودة بالقلم والحبر؛ لأن القلم والحبر مخلوقان، فلا يمكن أن ينتهي كلام الله بنهايتهما، ولكن المخلوق له نفاد.

    فالبحر المقصود في الآية اسم جنس، وأما قول الله جل وعلا: سَبْعَةُ أَبْحُرٍ [لقمان:27] في آية لقمان فالمقصود به منتهى العدد، فالعرب كانت تجعل السبعة نموذجاً لنهاية العدد، والمقصود من الآيتين: أن كلام الله جل وعلا لا نهاية له، وأن الله جل وعلا لم يزل يتكلم بما شاء إذا شاء.

    وأما البحر فهو مخلوق سينتهي يوماً، والأقلام المقصودة التي تؤخذ من الأشجار ستنتهي يوماً، ولو كانت تلك الأشجار عديدة أو كان ذلك البحر مديداً، والعلم عند الله.

    نصيحة للمتعرض للفتن

    السؤال: أنا شاب ملتزم منذ سنتين تقريباً، وفي الفترة الأخيرة تعرضت لفتن وضعف فيَّ الإيمان، فأرجو أن تدعو الله لي، وأن تنصحني وأمثالي؟

    الجواب: الأفضل أن يدعو الإنسان لنفسه، وأن يتقرب إلى الله جل وعلا بعمل صالح وبدعاء خير من أن يطلب من الناس أن يدعوا له.

    وأما النصيحة فإنه -يا أخي- لا يوجد لذة أعظم من لذة الإيمان والقرب من الله والاستقامة على هديه، ومن وجد هذه اللذة فلا يحسن له أن يبدلها بما هو أدنى منها، فتفقد نفسك وابحث عن السبب الذي جعلك تحرم من هذه اللذة، ومن كان له والدان فليعلم أن من أعظم ما يعينه على الثبات بره بوالديه.

    دور المرأة في نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ما دورنا النساء في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم؟

    الجواب: إن حضور النساء المحاضرات وترددهن على بيوت الله من المناقب الحميدة في عصرنا، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاتها في بيتها خير لها) لأنه يكثر في هذا الزمان تردد كثير من النساء على مواطن الفتن كالأسواق، خاصة عندما لا تكون لها حاجة، أو ترددها على بعض الأماكن غير المحمودة، كالأماكن التي يختلط فيها الرجال والنساء.

    فإذا وجد نساء من أمهاتنا وأخواتنا وخالاتنا وعماتنا وغيرهن يترددن على المساجد فإنه يحسن بنا أن نأخذ بأيديهن إلى الخير، وأن نسأل لهن الله التوفيق والسداد.

    وأما دور المرأة في النصرة فهو أن تغرس حب النبي صلى الله عليه وسلم في قلوب أبنائها، وأن تربط تصرفاتها بتصرفات النبي عليه الصلاة والسلام فيما تقتدي به المرأة بنبيها، وتخبر بأن هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فتضع المرأة يدها على رأس ابنها أو ابنتها وهي خارجة إلى المدرسة تعوذها قائلة: أعيذك بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة.

    وتخبر الأم ابنتها بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يده على رأس الحسن والحسين ويقول هذه الكلمات، وأمثال ذلك من غرس الهدي النبوي القويم في صدور الأبناء والبنات.

    الأسباب المعينة على قيام الليل

    السؤال: ما الأسباب المعينة على قيام الليل؟ فإني أحاول كثيراً أن أقوم الليل قبل الفجر فأقوم أحياناً ولا أقوم كثيراً؟

    الجواب: كلنا يشكو إلى الله جل وعلا هذا الأمر، والله المستعان، إلا أن مما يعين على قيام الليل أن الإنسان إذا أصبح ولم يكن قد قام تلك الليلة يستحيي من ربه جل وعلا أن يغدو ويروح وهو في ليلته كلها التي فاتت لم يقم فيها لخالقه ومولاه، والله جل وعلا قد قال لنبيه: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6] ثم قال له: إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا [المزمل:7] فليس لك عذر، فإن كان لديك مشاغل ومهمات وطلب معيشة ففي النهار، وأما الليل فاجعله لربك.

    والإنسان في الدنيا في النهار يكد لنفسه ولذويه، وأما الليل فحق لرب الأرباب جل جلاله، فتصلي فيه ولو ثلاث ركعات تقف فيها بين يدي الله تسأله وترجوه وتحمده وتثني عليه وتدعوه، إنا لله وإنا إليه راجعون.

    حكم التضحية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ذكرت أن من شفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته أنه ضحى عمن لم يضح عن أمته، فهل يؤخذ من ذلك أنه يشرع لنا أن نضحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأننا نحبه؟

    الجواب: لم يقل بهذا أحد من أهل العلم، فليس من الفقه أن يأتي الإنسان إلى مسألة أجمع الناس عليها ثم يحاول أن يخرم ذلك الإجماع.

    والكمال كل الكمال في اتباع ما كان عليه سلف الأمة، فلا نعلم أنه نقل عن أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي أو عن غيرهم من الأجلاء من الصحابة أنهم ضحوا عن رسولهم صلى الله عليه وسلم مع قدرتهم على ذلك وهم أحب له منا وأعظم اتباعاً منا.

    نظرة في شارات نصرة رسول الله رداً على الدنمركيين

    السؤال: بعض الناس يضع على سيارته الملصقات التي تحمل العبارات الآتية: (إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم)، (فداك أبي وأمي) وغيرها من العبارات التي انتشرت في هذه الأيام؛ فهل في هذا الأمر توجيه؟

    الجواب: هذا أمر محمود لا بأس به، ولكنني أعترض على عبارة: (إلا رسول الله)، كما قلت في قناة المجد، فالعبارة غير صحيحة، فأنت عندما تقول: (لا إله إلا الله) يفهم منها أنه لا يعبد أحد إلا الله، وهذا حق، فأي معبود غير الله باطل، لكن عندما تقول: (إلا رسول الله)، فإنه يصبح المعنى أنه يجوز لهؤلاء الدنمركيين أن يتعرضوا لفلان ويتعرضوا لفلان ويتعرضوا لأي شيء غير رسول الله، وهذا غير مقبول. نعم هي من حيث اللغة العامية سائغة، حيث يقال في العامية: إلا فلان، ولكن في اللغة الفصحى لا ينبغي أن يقال: (إلا رسول الله)، وإنما يدافع عنه صلى الله عليه وسلم بعبارات أخرى، وهي مشكلة منتشرة في بعض القنوات وبعض المواقع في الإنترنت.

    حمق الدنمركيين في استهزائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم

    السؤال: ما هو دور الشاب الملتزم وغير الملتزم في الحملة الشرسة ضد الإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، سواء مع نفسه أو مع أهله أو مع أقاربه؟

    الجواب: الله يقول: فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] وقال: لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [النور:11] فهؤلاء أشباه بقر، فلم يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء مما قالوه، ومن ناحية دنيوية محضة يدل هذا التصرف -بصرف النظر عن كونه حراماً- على أنه ليس عندهم عقول؛ لأنهم بفعلهم هذا جمعوا أعداءهم الذين هم المسلمون، وانظر إلى اليهود، فإننا نحاربهم منذ عام (1948م) وإلى اليوم ما تعرض اليهود لشخص النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم يدركون أبعاد السياسة. فهؤلاء حمقى، فكل أموالهم وتجارتهم في أرضنا، وليس بيننا وبينهم حرب، فتركوا هذا كله وأتوا لنبينا صلى الله عليه وسلم وتعرضوا له، وكان بإمكان حكومتهم من أول الأمر أن تعتذر اعتذاراً رسمياً فينتهي الموضوع، ولكن لأمر قدره الله اجتمعت الأمة كلها، فيخرج في جاكرتا وفي إندونيسيا وفي تركيا قوم ليسوا عرباً، ولا يجمعهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نسب، ويرفعون الشعارات التي تعادي من يعادي رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى يعلم الناس أنه لا يوجد رابطة ولا سبب أعظم من رابطة العقيدة.

    فأنت حين تصلي على طفل ميت تقول في دعائك: وألحقه بكفالة أبيه إبراهيم في الصالحين، فكل طفل مسلم يموت دون البلوغ إلى قيام الساعة في كفالة إبراهيم عليه السلام، مع أن إبراهيم ليس جده ولا أباه، ووالد إبراهيم -وهو آزر - لا ينتفع بأي شيء من إبراهيم، فما الذي ربط بين إبراهيم وهؤلاء الأبناء وفصل بين إبراهيم وأبيه؟ إنه الإيمان، فالعلاقة بين إبراهيم وأبناء المسلمين علاقة أخوة في الدين، ولا توجد علاقة بين إبراهيم وأبيه آزر.

    فهذه الحملة التي فعلها هؤلاء الدنمركيون بينت للناس عموماً أنه لا يوجد رابطة أعظم من رابطة العقيدة، والذي يتأمل بوجه إنصاف سيجد أن الأمة قلما اجتمعت على شيء من مائة سنة كاجتماعها على نصرة نبيها صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن، نسأل الله أن ينصر دينه وكتابه وعباده الصالحين.