إسلام ويب

الجريمة الكبرىللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذنوب خراب الشعوب، وفساد الأمم، وضياع الأخلاق، والصلاة عمود الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، فلذا أعظم الجرم تركها، ومن أفجر الذنوب التكاسل عنها، وأداؤها في جماعة مطلب شرعي ملح.

    والإنسان خطاء وخير الخطائين التوابون، ومما يكفر الذنوب عشر خصال ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    1.   

    خطر الذنوب والمعاصي على الفرد والمجتمع

    الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا.

    والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.

    صلى الله وسلم على صاحب اللواء المعقود، والحوض المورود، والصراط الممدود.

    صلى الله وسلم على صاحب الرسالة الخالدة، والشريعة الرائدة، والقيادة الحكيمة.

    صلى الله وسلم على من شرح الله به صدور البشرية، وأنار به أفكار الإنسانية، وزعزع به كيان الوثنية، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله: انقطعت الأمطار، وجفت الآبار، ويبست الأشجار، وذبلت الأزهار، وغضب الواحد الجبار، من كثرة الذنوب والسيئات والأوزار.

    عباد الله! الذنوب والخطايا قطيعة بين العبد وربه، ووحشة بين الإنسان ومولاه.

    عباد الله! الذنوب والخطايا هدم للحضارات، وضرب لثقافة الإنسان ومعرفته، وغضب من الواحد الديان.

    عباد الله! الذنوب والخطايا محق للأرزاق، وفساد للأبناء والأخلاق، وتدمير للبيوت.

    فلا إله إلا الله، كم دمرت الذنوب والخطايا من شعوب! ولا إله إلا الله كم أفسدت من قلوب! ولا إله إلا الله كم شتتت من أُسر! ولا إله إلا الله، كم أوجبت من لعنة وغضب على أصحابها ومقترفيها!

    وقد نعى الله -تبارك وتعالى- على أهل الذنوب والخطايا خطاياهم وذنوبهم، فأخبر أن سبب تدمير قوم نوح؛ هو الخطايا والذنوب، فقال جلَّ ذكره: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً [نوح:25] فإغراقهم في الدنيا، وإدخالهم على وجوههم في النار؛ سببه الخطايا والذنوب، وقال سُبحَانَهُ وَتَعَالى عن اليهود وصانعي الصهيونية العالمية، وأهل اللعنة الخالدة الأبدية، والذين نشروا الزنا والدعارة في العالم، قال عنهم: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13].

    وقال عنهم في موطن آخر: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً [النساء:160] حرم الله عليهم الطيبات، وجعلهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى يبوءُون باللعنات، وأغلق عليهم أبواب الرحمات، بسبب الذنوب والسيئات.

    وقال الله عنهم في موطن ثالث: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [ المائدة:66] فباءوا بغضب من الله على غضب.

    ولما أفنى الله الأمم، ودمر الشعوب الملعونة البغيضة التي لم تعرف الله، ولا عرفت الطريق إلى الله؛ صنفهم في العذاب: فقوم هددهم بالطغيان، وقوم أبادهم بالريح، وقوم زلزلهم بالمحق، وقوم أغرقهم بالماء، وقال في آخر المسيرة المبكية المحزنة، مسيرة الدمار، والعار، والشنار: فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

    تتوسل الملائكة إلى الله في السماء، أن يغفر للمؤمنين، وأن يقيهم السيئات والذنوب، يقول جلَّ ذكره عنهم: وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [غافر:9].

    أعظم السيئات المنتشرة ترك الصلاة وحكم تركها

    عباد الله: إن من أعظم السيئات التي انتشرت في أمتنا، والتي هي سبب لهزائمنا وفشلنا أمام العالم، وسبب لتكدير قلوبنا، وضياع أرواحنا، وهدم نفوسنا، وفساد أبنائنا، وخراب شعوبنا، وسوء معاملة حكامنا لمحكومينا، ومحكومينا لحكامنا: ترك الصلاة، وتضييعها، وإفساد أدائها، وعدم الاهتمام بها.

    ومعنى ترك الصلاة عباد الله: الكفر البواح، والنفاق الصراح، والقطيعة بين العبد ومولاه، ومعناها: اللعنة وقطع الميثاق، وتردية هذا العبد في الشقاء، فلا يسعد بعدها أبداً.

    ترك الصلاة -يا عباد الله- معناه: الخروج جملة وتفصيلاً عن الإسلام.

    ومعناه: خلع ثوب الهداية، وإعلان الكفر البواح الصراح أمام العالم.

    ومعناه المناداة على النفس بالنفاق، والوثنية، والشرك، والعناد، والزندقة.

    ومعناه كتابة اللعنة على هذا التارك إلا أن يتوب ويعود إلى الله تبارك وتعالى.

    كتب الله على تارك الصلاة اللعنة حتى يتوب، فهو ملعون في السماء، ملعون في الأرض، ملعون مع الماء والهواء، ملعون في الكتب، ملعون على ألسنة الرسل، ملعون على أيادي الملائكة البررة الكرام.

    تارك الصلاة -يا عباد الله- مقترف لأكبر جريمة في تاريخ الإسلام، ولذلك لما وصف الله المشركين وتوبتهم، قال: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [التوبة:5] أي: فإذا لم يقيموا الصلاة فلا تخلّوا سبيلهم.

    ولذلك يقول عليه الصلاة والسلام: {أُمِرتُ أن أقاتل الناس...} يعني: أمرت أن أسل السيف، وأقطع الأعناق، وأضرب الرءوس، وأندر الأكتاف عن المناكب: {... أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله} ولا يكفيهم ولا يخلصهم ذلك، حتى -ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله}.

    وقد جعل الله عزَّ وجلَّ تارك الصلاة خارجاً عن الإسلام وإن ادعاه، ولو تجلبب بجلبابه، وتقمص بقميص الهداية، ولو تتوج بتاج الرسالة، فإنه كاذب والله! ومُفْتَرٍ على الله.

    أيُّ إسلام بلا صلاة؟!

    أيُّ توحيد بلا صلاة؟!

    أيُّ رسالة بلا صلاة؟!

    يوم تركنا الصلاة ضعنا والله، وأصبحنا على موائد الشعوب، وأصبحنا في فشل، ومذلة، وخزي، وعار لا يعلمه إلا الله.

    لما تركنا الصلاة دُخِلَت جيوشنا فسُحقت بقنابل اليهود، وضُربت مدننا بطائرات اليهود، ودمرت كياناتنا ومنتجاتنا بصواريخ اليهود، أرذلُ العالمِ.. خنازيرُ الدنيا.. قردة المعمورة.. ضربونا بالهراوات لما تركنا الصلاة، دخلنا المعركة بلا صلاة فانهزمنا ونحن ملايين مُمَلْيَنَة؛ لأننا ما دخلنا بالصلاة.

    لما تركنا الصلاة؛ فسدت مؤسساتنا العلمية، وفسد مدرسونا، ومربونا، وفسد الذين يقولون: "أنهم ينقذون العالم".

    يقول صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة كما في صحيح مسلم: {بين المسلم والكافر ترك الصلاة} فهي مرتبة واحدة إذا زل منها الإنسان فقد كفر، ووازِه بما شئت من كفرة الدنيا: بإبليس، أو فرعون، أو قارون، أو هامان، بـريغن، أو شامير، أو رابين، بكل لعين في الدنيا.

    ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه أبو داود: {العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر}.

    1.   

    صلاة الجماعة

    وجوب أداء الصلاة في المساجد والأدلة على ذلك

    ولا يقبل الله الصلاة إلا في المساجد يا أمة المساجد! ولا تؤدى الصلاة إلا: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ [النور:36-37] إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة:18] وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ [النساء:102].

    فلا صلاة إلا في المسجد، يقول رسول الهداية، ومنقذ الإنسان، ومعلم البشرية، المحرر للإنسان من رق التبعية صلى الله عليه وسلم: {أثقل الصلاة على المنافقين: صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، ثم أخالف إلى أناس لا يشهدون الصلاة معنا، ومعي رجال معهم حزم من حطب، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقاً سميناً، أو مِرْماتَين حسنتين لشهد الصلاة معنا} وعند أحمد: {والذي نفسي بيده لولا ما في البيوت من النساء والذرية لحرقت عليهم بيوتهم بالنار} يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البيهقي، وصححه عبد الحق الإشبيلي: {من سمع النداء للصلاة فلم يأت، فلا صلاة له إلا من عذر} وعند البيهقي عن علي: [[لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد]].

    ويأتي أعمى إلى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، قيل: هو ابن أم مكتوم الأعمى الذي سماه الله في القرآن: أعمى كما في سورة عبس، لكنه والله ليس بأعمى، والذي لا يعرف هدايته، إن الأعمى الذي لا يعرف مستقبله، إن الأعمى الذي لا يتبع كتاب ربه، ويقطع الصلة بينه وبين الله لكن ابن أم مكتوم أعمى البصر، وليس أعمى البصيرة، أما أعمى البصيرة فهو الذي يقول الله فيه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الرعد:19].. {أتى ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله! أنا أعمى، بعيد الدار، ليس لي قائد يلائمني، وبيني وبين المسجد وادٍ مسيل وظلمة، فهل تجد لي من رخصة؟ فأرخص له، ثم تذكر صلى الله عليه وسلم عهد الله وميثاقه وفريضته، فدعاه، فقال: هل تسمع حي على الصلاة، حي على الفلاح، قال: نعم، قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة} أي: من أين أرخص لك وهذه فريضة الله، والترخيص لا يصدر إلا من الله، أما أنا فلا أجد لك رخصة أبداً، ولذلك:

    مَن خان (حيَّ على الصلاة)     يَخون (حيَّ على الكفاحْ)

    مَن خان (حيَّ على الصلاة)     يَخون (حيَّ على الفلاحْ)

    هاتوا مِن المليار مليوناً      صِحاحاً مِن صحاحْ

    لما خنّا حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، خنّا حيّ على الكفاح، وحيّ على الجهاد والتضحية.

    اهتمام السلف بصلاة الجماعة

    وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم لم يَعُدُّوا عملاً، ولم يُجْمِعوا على عمل أن تركه كفر إلا الصلاة.

    قال شقيق بن عبد الله العقيلي: [[أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من ترك الصلاة فقد كفر]] ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يشتاق للصلاة دائماً وأبداً في المسجد، تقول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: { كان صلى الله عليه وسلم يكون في مهنة أهله -في خدمة أهله- يقطع اللحم، ويخصف النعل، ويرقع الثوب فإذا سمع الله أكبر، قام إلى الصلاة كأننا لا نعرفه ولا يعرفنا}.

    هذا معنى لا إله إلا الله، هذا معنى التوجه إلى الله، ليس الإسلام افتراءً ودجلاً وكذباً، ليس الإسلام نفاقاً وخنوعاً في البيوت والناس يصلون في المساجد، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: [[والله لقد رأيتُنا مع رسول صلى الله عليه وسلم وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتي بالرجل يهادى به بين الرجلين، حتى يقام في الصف]].

    لذلك كان السلف الصالح رضي الله عن السلف، وسلام على السلف الصالح لا يفتئون إذا سمعوا: الله أكبر، إلا أن يقوموا مباشرة إلى المسجد.

    يقول سعيد بن المسيب رحمه الله وهو في سكرات الموت، وبناته يبكين عليه، قال: [[لا تبكين عليَّ فوالله ما فاتتني تكبيرة الإحرام مع الإمام أربعين سنة]] وقال الأعمش سليمان بن مهران؛ الزاهد العابد، العلامة النحرير، وهو في سكرات الموت، وابنه يبكي عليه، قال: [[يا بني لا تبكِِ عليَّ، فوالله ما فاتتني صلاة الجماعة ستين سنة]] وكان ثابت بن عبد الله بن الزبير كلما أصبح بعد الفجر يرفع يديه، ويقول: [[اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، اللهم إني أسألك الميتة الحسنة، فقال له أبناؤه: ما هي الميتة الحسنة يا أبتاه؟ فقال: أن يتوفاني ربي وأنا ساجد في الصلاة. ومضى عمره، فلما حضرته سكرات الموت سمع التكبير لصلاة المغرب، فقال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، فقالوا: يا سبحان الله! أنت في سكرات الموت والله عذَرك، قال: لا والله! لا أسمع حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح وأبقى في بيتي، فحملوه على أكتافهم، فلما صلى صلاة المغرب، وكان في السجدة الأخيرة توفاه الله في سجوده]] هذه هي الميتة الحسنة، هذا هو المصير المحمود، هذا هو المستقبل الرائع.

    الحض على صلاة الجماعة

    يا شيوخ الإسلام! ويا شباب الإسلام! أي إيمان بالله لمن يصلي بالبيت ويسمع داعي الله وليس له عذر، وأي إسلام لمن يتخلف عن المساجد، إنه منافق معلوم النفاق، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي: {من رأيتموه يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان} فإن الله يقول: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [التوبة:18] وهذا هو الرسول عليه الصلاة والسلام في لحظات حياته الأخيرة، وفي أنفاسه الأخيرة في سكرات الموت يلفظ الشهادة، ويقول: {الصلاة، الصلاة، وما ملكت أيمانكم}.

    الله الله في الصلاة، الله الله في الصلاة.

    وطُعن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وأرضاه فأصبحت عيونه تهراق بالدموع، وهو لم يكمل الصلاة، فأعانه الله على إكمالها، فأخذ يقول: [[الله الله في الصلاة، لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة]].

    وقد قال بوجوب الصلاة في الجماعة جمهرةٌ مِن أهل العلم، منهم: عمر ومعاذ وعلي وعائشة وابن عباس والأوزاعي وأبو ثور والشافعي، وحقق ذلك ابن حزم في المحلى، واشترطها ابن تيمية شيخ الإسلام، قال: "هي شرط في صحة الصلاة" أي: الجماعة، فكأنها إذا صُلِّيت فُرادى لا تصح عند هذا الإمام العملاق، ولا تُقبل إلا من عذر.

    فالله، الله، يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الصلاة جماعة، إن كنتم تريدون وجهَ الله، إن كنتم تريدون المستقبلَ الرائع الطيب، إن كنتم تريدون الثباتَ والخاتمةَ الحسنة، والرزقَ الحلال، والولدَ الصالح، والسعةَ في الرزق، والراحةَ في البال، واليقينَ، والاتصالَ بالحي القيوم، والأمنَ، والسكينةَ فالصلاة في الجماعة.

    وإنه -والله- لا تعمر بيوتكم، ولا يصلح أبناؤكم، ولا يبارك الله في رزقكم، إلا إذا عبدتموه في المساجد خمس مرات، فمن صلى معنا خمس مرات شهدنا له بالله العظيم أنه مؤمن، ومن تخلف عنا بلا عذر شهدنا عليه أنه منافق: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143] فنحن شهداء الله في أرضه، من شهد له المسلمون بخير فهو خيِّر، ومن شهدوا عليه بشر فهو شرير.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    مكفرات الذنوب

    الحمد لله، الحمد لله ولي الصالحين، رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، وقدوة الناس أجمعين، وحجة الله على العالمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

    عباد الله: علمنا ما للذنوب من نكبات، وما لها من خلفيات، وما لها من نتائج، فما هو الحل من هذه الورطات؟ وما هو الحل للخروج من هذه النكبات؟ وما هو الدواء لهذا البلاء؟ وما هو البلسم لهذا الشقاء؟

    المكفرات العشر للذنوب والخطايا

    إن الدواء من الذنوب والخطايا، والحل من السيئات والذنوب يكمن في عشرة أمور، من أدركه واحدٌ من هذه العشرة، أنجاه الله، ورحمه وغفر له، ومن لم يدركه واحد من هذه العشرة فقد خسر الدنيا والآخرة، وقد شرد على الله، وتفلت على حدود الله، كما يتفلت الجمل الشارد على أهله، وهذه العشرة، اسمها: الكفارات العشر، أو المكفرات العشر للذنوب والخطايا، فيجب على المسلم أن يعتني بها، وأن يبادر بها، وأن يحققها، وأن يحاول أن يتشبث بواحدة منها حتى ينقذه الله، وحتى يسلمه الله، وحتى يعافيه الله من البلاء، ومن الضنى، والضنك، والردى.

    أول هذه العشر: التوبة:-

    فإنها واجبة على عموم الناس، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [التحريم:8].. قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر:53] وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء:64].

    فالتوبة يا عباد الله!

    وثانيها: الاستغفار:

    قال ابن تيمية شيخ الإسلام في المجلد العاشر من فتاويه وكرر ذلك في الحادي عشر، وفي رسالة رفع الملام عن الأئمة الإعلام: "قد ينفع الاستغفار بلا توبة" والله قد أمر بالاستغفار، فهو العامل الثاني، وهو مطهر من الذنوب.

    فأوصيكم بكثرة الاستغفار، فإنه مكفر للخطايا والذنوب.

    وثالثها: دعوات المؤمنين لك:-

    والتي اكتسبتها بحسن خُلُقِك، وتعاملك معهم، فدعاؤهم لك بظهر الغيب، يكفر الله به عنك الذنوب والخطايا.

    ورابعها: ما تجده في الحياة الدنيا من مصائب:

    من زلازل، ومحن، وكوارث، فهذه المصائب يكفر الله بها من سيئاتك، كما تَحُتُّ الشجرةُ ورقَها، حتى تخرج نقياً من الذنوب، بشرط أن تكون قائماً بفرائض الله.

    وخامسها: الحسنات التي تفعلها:

    من الصدقات، والنوافل، وحسن الخلق، وصلة الرحم، وحسن التعامل مع الناس، من الأذكار، من أعمال البر جملةً وتفصيلاً قال تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114].

    سادسها: ما تجده عند سكرات الموت، يوم يأتي الوعد الحق، يوم تأتي ساعة الصفر، يوم يأتي اليقين، يوم يتخلى عنك الأحباب، والأصحاب، والولد، والزوجة، والرحم والقريب، يوم لا يقف معك إلا الواحد الأحد: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] فما يأتيك من سكرات فهي من المكفرات بإذن الله.

    سابعها: ما تجده في القبر من منكر ونكير:

    من فتنة الفتان أعاذنا الله وإياكم من تلك الفتنة وثبتنا الله وإياكم يوم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27].

    والقبر روضةٌ من الجنانِ      أو حفرةٌ من حُفَر النيرانِ

    إن يكُ خيراً فالذي مِن بعدِهِ      أفضلُ عند ربنا لعبدِهِ

    وإن يكن شراً فما بعد أشدّْ      ويلٌ لعبدٍ عن سبيل الله صدّْ

    ثامنها: ما يجده المسلم من أهوال يوم القيامة:-

    من المنظر الرهيب الرعيب البهيت، المدهش المذهل، من الصراط، ورؤية تطاير الصحف، ورؤية الشمس وقد دنت، والعرش وقد اقترب من الناس، وكثرة الخلائق، وكثرة الهلع والخوف والفزع، هذا كله مكفر للذنوب.

    والمكفر التاسع: شفاعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم:

    لا أحرمنا الله وإياكم شفاعته، ونسأل الله أن يدخلنا في شفاعته:

    واستشفعَ الناسُ بأهل العزم في      إراحة العباد من ذا الموقف

    وليس فيهم من رسول نالها      حتى يقول المصطفى أنا لها

    فهذا مكفر تاسع: يدخل فيه أهل الكبائر، مَن شاء الله أن يرحمه من أهل الكبائر أدخله في شفاعة سيد الخلق، ومَن شاء أن يعذبه منهم كبَّه الله على وجهه في النار، لكن لا يُخلَّد في النار إذا كان موحداً.

    والعاشر: رحمة أرحم الراحمين:

    يوم تنتهي التسعة الأسباب، وتتقطع الجبال، وتُوصَد الأبواب، وتنتهي هذه التسعة، يبقى السبب العاشر، تأتي رحمة أرحم الراحمين.

    فنسأل الله أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يتولانا بولايته، فمن فاتته هذه العشر فلا يلومَنَّ إلا نفسه، ولا يبكي إلا على حظه ونصيبه، ولا يندم إلا على كسبه، ولا يعود باللائمة إلا على ذاته، فهو الذي أساء كل الإساءة، وفرط كل التفريط، وضيع كل الإضاعة.

    عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم:{من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، اللهم اعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة.

    يا رب العالمين، اللهم اجزه خير الجزاء، جزاء ما قدم للبشرية، وما أهدى للإنسانية، وما دفع به في نحر الوثنية.

    اللهم ارفع مقامه، واكتب له الوسيلة، وارفع درجته عندك يا رب العالمين.

    وارضَ اللهم عن أصحابه الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تَبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنِّك وكرمك، يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم أخرجهم من الظلمات إلى النور، واهدهم سبل السلام، وأيدهم بتأييد منك، يا رب العالمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الرحمين.

    اللهم من أراد للإسلام عزاً ونصرةً وتمكيناً فمكنه في الأرض يا رب العالمين، وأصلح باله، واشرح حاله، ووفقه لكل خير، وأيده بتأييد منك، يا رب العالمين.

    اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين والصالحين بشرٍ فاشغله بنفسه، واجعله كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2734648947

    عدد مرات الحفظ

    684436467