إسلام ويب

يا حبذا الجنة!للشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هل نرى ربنا يوم القيامة؟

    هذا السؤال طرح قبل ألف وأربعمائة سنة، وأجاب عليه أفضل الخلق الذي لا ينطق عن الهوى، محمد صلى الله عليه وسلم، وأكده في غير ما موضع من كلامه ليزيد من إيمان الصحابة وشوقهم إلى الدار الآخرة، فلماذا لا نتأسى بهم، ونعد أنفسنا بالأعمال الصالحة، كي نرى ربنا سبحانه وتعالى؟!

    1.   

    رؤية المؤمن لربه يوم القيامة

    اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد صلى الله عليه وسلم حق.

    اللهم لك أسلمنا وبك آمنا، وعليك توكلنا وبك خاصمنا، وإليك حاكمنا، فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.

    أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، شهادة ندخرها للعرض الأكبر على الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، شهادة نعدها لذاك اليوم يوم الأهوال والنكال، يوم لا ينفع من الأقوال والأعمال إلا ما كان لوجه ذي الجلال والإكرام.

    اللهم إنه ليس عندنا من الأعمال ما نعده إلا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    أيها المسلمون: لنستمع إلى أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه وهو يروي لنا حديثاً يصل إلى القلوب مباشرة، حديثاً يخاطب أهل القلوب ولا يفهمه إلا من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

    يقول رضي الله عنه وأرضاه: قال الناس للرسول عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: أما إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وكما ترون الشمس ليس دونها سحاب -ثم استطرد عليه الصلاة والسلام قائلاً- يجمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه، فيأتيهم تبارك وتعالى، فيقول لهم: من كان يعبد شيئاً فليتبعه -وهذا في العرصات- فمن كان يعبد الشمس اتبع الشمس، ومن كان يعبد القمر اتبع القمر، ومن كان يعبد الطواغيت اتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم سُبحَانَهُ وَتَعَالى فيقول: أنا ربكم، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فيأتيهم ربهم -وفي صحيح مسلم: على صورته تبارك وتعالى- فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيوضع الصراط -نسأل الله السلامة والعافية- ويقف الملائكة بجنبة الصراط فلا يتكلم أحد إلا الأنبياء والرسل، يرددون: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم، ويقول عليه الصلاة والسلام: وعلى جنبتي الصراط كلاليب مثل شوك السعدان، قال: ألا تعرفون شوك السعدان، قالوا: بلى يا رسول الله! -وفي صحيح مسلم: كأنك رعيت الغنم يا رسول الله! يوم عرفت شوك السعدان، قال: نعم، وما من نبي إلا رعى الغنم- قال: فإنها مثل شوك السعدان غير أنه لا يعلم عظمها إلا الله الواحد القهار، فتتخطف الناس فناج مسلَّم -يسلم من شوك السعدان الكلاليب- فذلك الذي لا خوف عليه -نسأل الله العافية- ورجل مخدوش منها ثم يسلم، ورجل مكردس على وجهه في النار- ولا تزال أصوات الأنبياء تردد: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم- فيأمر الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الملائكة أن تخرج من النار من كان يعبد الله لا يشرك به شيئاً، فيخرجون وقد امتحشوا -أحرقوا وصهروا -وهم موحدون لله، ولا يخرج من النار مشرك أبداً- وقد أكلتهم النار إلا مواضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكل موضع السجود لفضل السجود، فيخرجون وقد امتحشوا كالحِبة - بالكسر- في حميل السيل، تخرج صفراء ملتوية، فيغمسون في نهر الحياة، ثم يدخلون الجنة -وفي الصحيح: على جباههم، أسماء هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار) ثم أخذ عليه الصلاة والسلام ينتقل إلى حديث الرجل الذي أضحك الله تبارك وتعالى، يقول الأعرابي: لا نعدم من رب يضحك خيراً، هذا الرجل هو آخر من يدخل الجنة من أهل النار، يخرجه سُبحَانَهُ وَتَعَالى من النار فيقف ووجهه مقابل للنار، فيقول: (يا رب! اصرف وجهي عن النار فقد أحرقني ذكاؤها وقشبني ريحها، فيقول الله له: يا ابن آدم! هل عسيت إن صرفت وجهك عن النار أن تسأل غير ذلك؟ قال: لا وعزتك وجلالك لا أسأل غير ذلك، فيصرف الله وجهه عن النار قبل الجنة) نسأل الله الجنة.

    يا حبـذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    فاعمل لدارٍ غداً رضوان خازنها     الجار أحمد والرحمن بانيها

    قصورها ذهب والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    يا من أتعب نفسه في عمارة القصور وفي رفع الدور:

    يا متعب الجسم كم تسعى لراحته     أتعبت جسمك فيما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

    (فلما رأى زهرة ونعيمها وسرورها قال: يا رب! قدمني إلى باب الجنة، قال الله: ويلك يا ابن آدم! ما أغدرك وما أظلمك، لئن قدمتك إلى باب الجنة لا تسألني غير ذلك؟ قال: لا، وعزتك وجلالك! لا أسألك غير ذلك، فيقدمه تبارك وتعالى إلى باب الجنة، غير أنه لم يدخل الجنة، فلما رأى أنهارها ودورها، وقصورها، ونعيمها وسرورها، قال: يا رب! أدخلني الجنة، فيقول الله له: ويلك يابن آدم! ما أغدرك وما أظلمك أما أعطيتني العهود والمواثيق ألا تسألني غير ذاك؟! فيقول: يا رب! بعزتك وجلالك لا أكون أشقى الناس بك هذا اليوم، فيدخله الله الجنة، فلما وصل الجنة، قال الله له: تمن) ما أكرم الله وأحلمه وأرحمه، يا من رحمته وسعت كل شيء! ارحمنا برحمتك، يا من فضله عمّ البار والفاجر! تفضل علينا بفضلك، فإنه ليس لنا أعمال ولا صلوات ولا صدقات، ولا أقوال ولا شيء نتقرب بها إليك:

    إن لم تجرني برشــد منك في سفري      فسوف أبقى ضليلاً في الفلا تيهاً

    إن الملوك إذا شـابت عبيدهم      في رقهم عتقــوهم عتق أبرار

    وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً      قد شبت في الرق فاعتقني من النار

    (فيدخله الله الجنة، فيقول الله: تمن، قال: أتمنى كذا وكذا) وفي صحيح البخاري: (فيذكره الله بالأشياء، يذكره بالقصور والأنهار والدور وبالحور العين، ولا يزال ربه يذكره حتى تنقطع أمانيه، فيقول: ألا تتذكر شيئاً، فيقول: لا يا رب قال: فإن لك ذلك ومثله معه، ومثله معه، ومثله معه ومثله معه) وفي رواية أبي سعيد الخدري (لك مثل أعظم ملك من ملوك الدنيا، وعشرة أمثاله معه -وفي رواية صحيحة- لك مثل الدنيا وعشرة أمثال ملك الدنيا) لا إله إلا الله كل الدنيا، ذهبها وفضتها وقصورها ودورها، وعشرة أمثالها معها، بلا مرض أو خوف ولا حرب أو هم، أو حزن.

    ولما قال: (يا رب! أدخلني الجنة، ضحك الله تبارك وتعالى) ضحك يليق بجلاله، له حقيقة لا نكيفه ولا نمثله ولا نشبهه ولا نعطله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] فضحك عليه الصلاة والسلام وفي الصحيح فضحك ابن مسعود لضحكه صلى الله عليه وسلم من تذمر هذا العبد وهذا الحديث صحيح رواه البخاري في باب فضل السجود في كتاب الأذان، وفي كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار، ورواه مسلم في الفتن، وفي صفة الجنة، وفيه قضـايـا:

    فوائد الحديث

    أولاً: شوق الصحابة وإيمانهم ويقينهم الذي جعلهم يتركون الدنيا وملذاتها وشهواتها، وأتوا يتذكرون ذلك اليوم ويقولون: {يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟} ما أعظم السؤال وما أعظم الإيمان! إننا أصبحنا في مهلة وغفلة وبعد عن الله حتى أصبحنا لا نتذكر هذه القضايا.

    هل تساءل أحد منا في مجلس هل نرى الله؟

    هل تكلم بعضنا مع بعض في رؤيتنا لربنا وهي أفضل النعيم وأجل القربات؟

    وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23].

    ورؤية الله تتحقق للمؤمنين في الآخرة ولا يراه المشركون: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:15] موسى عليه السلام لما أعطاه الله التكليم وكلمه تبارك وتعالى وجد من الإيمان والسرور والحبور ومن اللذة ما لا يعلمه إلا الله، فقال الله عنه: قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً [الأعراف:143] ورؤية الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى للمؤمنين ثابتة لمن حافظ على صلاتين، ولا يفهم منه ألا يحافظ على الثلاث، من حافظ على هاتين الصلاتين وهي صلاة الفجر وهي قبل طلوع الشمس، وصلاة العصر وهي قبل غروب الشمس وهما صلاة البردين، فالمحافظ عليهما يدخل الجنة ويرى ربه يوم القيامة.

    يقول الصحابة: كيف نرى الله؟ يقول عليه الصلاة والسلام: {أترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب} ليس المرئي كالمرئي تبارك وتعالى الله، لكن المقصود تشبيه الرؤية بالرؤية: {أترون الشمس في يوم صحو ليس دونها سحاب؟ قالوا: نعم. قال: سترون ربكم كما ترون الشمس ليس دونها سحاب} فهنا شبه الرؤية بالرؤية قال تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

    ثانياً: أن عصاة الموحدين لا يخلدون في النار، خلافاً لمن ذهب لذلك من أهل البدع، فمن كان موحداً فإنه لا يخلد في النار.

    ثالثاً: أن من المصلين من يدخل النار، منهم من يصلي الصلوات الخمس ويدخل النار، كأن يكون عاقاً أو قاطع رحم أو آكل ربا، أو زان أو فاجر أو منتهك لحرمات الله، فهو من الساجدين على جبينه ولكن تصهره النار غير أن الله حرم على النار أن تأكل مواضع السجود.

    رابعاً: فضل الله وكرمه وأن الدنيا لا تساوي شيئاً، وإذا كان أقل الناس في الدنيا يملك في الجنة أعظم مما يملكه ملوك الدنيا ومثله عشر مرات، فقل لي بالله يا من امتلك قصراً أو داراً أو ثياباً ما امتلكت مع مرض وخوف وهم وحزن.

    ستنقلك المنايا من ديارك      ويبدلك البلى داراً بدارك

    فدود القبر في عينيك يرعى     وترعى عين غيرك في ديارك

    فيا من أعد لذاك الموقف إن كنت تريد أن ترى الله وهي أعظم لذة عند أهل السنة والجماعة، وهو يوم الزيادة فعليك أن تكون مستقيماً على أمر الله، ليسكنك الله داراً لا يفنى شبابها ولا تبلى ثيابها، دار غرس الله أشجارها بيده، وبنى قصورها بيده، فقال لها: {تكلمي -والحديث عند البزار بسند حسن- فقالت: قد أفلح المؤمنون} فيا سعدكم أيها المصلون وهنيئاً لكم أيها التائبون العابدون، وتباً وخساراً لمن أنكر ذاك اليوم ونعيمه، وألحد وكفر به.

    أيها الناس: إننا نسأل الله ألا يعجل لنا طيباتنا في الحياة الدنيا فنكون من المحرومين، ألا إننا نستجير بالله أن نكون من أناس أكلوا وشربوا وتمتعوا في الحياة، فلما أتوا إلى الله أفلسوا وخسروا، قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ*أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].. كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:20-21]... وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33-35].

    أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    الشوق إلى الآخرة

    الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون.

    الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحةٍ مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيءٍ قدير.

    أشهد أ ن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد:

    زهد السلف في الدنيا والتنافس على الآخرة

    أيها المسلمون: أتى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الناس فدعاهم إلى جنة عرضها السماوات والأرض، لم يمنهم بملك في الدنيا، أو يعدهم أنهم سوف يجدون مالاً أو نعيماً أو رغداً فيها، ولم يبن لهم قصوراً ولم يهيئ لهم دوراً أو يلبسهم لباساً، إنما يأتي أحدهم ببردته الممزقة لا يجد ما يشبع بطنه من خبز الشعير، ويأتي عليه الصلاة والسلام بحجرين يربطهما على بطنه في حفر الخندق من شدة الجوع، ولكنه يعلم الناس حب الجنة، ويصف لهم الطريق إليها، وأن هذه الدار ليست دار قرار، إنما هي دار عبور، وليست دار للمكث فيها ولا الرضا بها، ومن رضي بها واتخذها سكناً وأخلد إليها فذاك ملعون شقي مبعد عن الله.

    وقف عليه الصلاة والسلام يتحدث إلى الجوعى من الصحابة الذين تركوا الدور والقصور والجيران والإخوان والخلان، وباعوا أنفسهم من الواحد الديان، وقف إليهم قبل معركة بدر، والمشركون أمامهم وسيوفهم بأيديهم، لم يخرجوا رياءً ولا سمعة، وقف يتحدث إليهم وهم الذين قال فيهم بعد ذلك: {إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم} فيقول لهم قبل المعركة: {والله! ما بينكم وبين الجنة إلا أن يقتلكم هؤلاء فتدخلون الجنة} فيأتي عمير بن الحمام -صحابي فقير من الفقراء وزاهد من الزهاد لا يملك إلا ثوبه وسيفه -فيقول: يا رسول الله! أسألك بالله ما بيني وبين الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء فأدخل الجنة، قال: إيه والذي نفسي بيده، ومع عمير تمرات يأكلها من الجوع- لكنه ما استصاغ أكل التمرات- فرمى التمرات وأخذ غمد سيفه فكسره على ركبته واستقبل الجنة، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى، والله إنها لحياة طويلة إذا بقيت حتى آكل هذه التمرات ثم أخذ درعه فأنزله عن منكبيه- وهذا علامة الخطر والفداء، والشجاعة النادرة- وتقدم فقتل حتى قال عليه الصلاة والسلام: {لقي عمير بن الحمام ربه وهو يضحك إليه} ويأتي مالك بن عامر من الأنصار فيقول: يا رسول الله! وذلك في يوم أحد، والرسول عليه الصلاة والسلام يقول للصحابة: نقاتل الأعداء هنا داخل المدينة، لأن من الخطة الحربية الرائعة أن يدخل العدو في المدينة فيقصف في زقاق المدينة وفي سككها، لكن قام هذا الشاب وهو في الثانية والعشرين من عمره من الأنصار، من الذين أرادوا الله والدار الآخرة، فقال: يا رسول الله! لا تحرمني دخول الجنة، اخرج بنا إلى أحد ولا تحرمني دخول الجنة، والله لا إله إلا هو لأدخلن الجنة، فتبسم عليه الصلاة والسلام وهو على المنبر وقال: -والناس يستمعون والأبطال لبسوا دروعهم في المسجد، والمهاجرون والأنصار صامتون ساكتون يستمعون إلى الحوار الحار بين المصطفى وبين جندي من جنوده -فقال: بم تدخل الجنة؟ قال: بخصلتين: أني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف، فدمعت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال: إن تصدق الله يصدقك -إن كنت صادقاً فأبشر ثم أبشر- وبدأت المعركة في الصباح وأتى هذا الشاب فوضع درعه وأخذ غمد سيفه فكسره على ركبته، وقال: اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى.

    يجود بالنفس إن ضن البخيل بها      والجود بالنفس أغلى غاية الجود

    فقتل وأتى عليه الصلاة والسلام وإذا هذا الرجل وجهه معفر في التراب فمسح الغبار عن وجهه وقبله وبكى، وقال له: {صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله، صدقت الله فصدقك الله} هؤلاء أهل الإيمان والحب والطموح شهداء في الأرض وليسوا شهداء الفن والغناء الماجن والمسرح الذي يموت على أغنية، أو ينزل من المسرح فتنكسر رقبته فيسمى شهيد المسرح، بل شهيد الكذب والرجعية، وشهيد الفكر العفن والتخلف.

    يقف جعفرالطيار يوم مؤتة وهو في أرض الأردن وقد ترك زوجته وأطفاله وماله وداره وخرج إلى الله الواحد الأحد، فأتى في مؤتة والصحابة ثلاثة آلاف بينما الروم مائة وثمانون ألف، فوقف جعفر وأخذ يلتفت إلى المسلمين وهم يقولون: كيف نقاتل مائة وثمانين ألفاً ونحن ثلاثة آلاف فقال: أما أنا فقد بعت نفسي يوم أن خرجت من المدينة:

    ومن الذي باع الحياة رخيصة      ورأى رضاك أعز شيء فاشترى

    أم من رمى نار المجوس فأطفئت      وأبان وجه الصبح أبيض نيرا

    ومن الألى دكوا بعزم أكفهم      باب المدينة يوم غزوة خيبرا

    أتى جعفر وقال: [[اللهم اشهد، اللهم خذ من دمي هذا اليوم حتى ترضى]] الدم ليس المال ولا الدار ولا العقار، فأقبل على العدو كالأسد الهصور، فقطعت يمينه في أول النهار، فأخذ الراية في يسراه وأعلن لا إله إلا الله محمد ورسول الله صلى الله عليه وسلم، فقطعت اليسرى، فأخذ الراية بساعديه على صدره، فأقبل الروم بالرماح فدكوا الرماح في صدره حتى وقع شهيداً على الأرض، والرسول عليه الصلاة والسلام يتابع جعفر من المدينة وجعفر في مؤتة قريباً من أرض معان في الأردن وراءها مئات الأميال، فلما قتل جعفر نحب عليه الصلاة والسلام بكاءً عليه، فهذا شوق الحبيب لحبيبه، وجعفر لم يبك يوم قطعت يمينه؛ لأن العظماء لا يبكون في وقت العظمة، وإنما أخذ يتبسم ويقول:

    يا حبـذا الجنة واقترابها     طيبة وبارد شرابها

    والروم روم قد دنا عذابها      كافرة بعيدة أنسابها

    عليَّ إن لاقيتها ضرابها

    ويأتي القائد الثالث ابن رواحة فإنه تقدم في المعركة زيد بن حارثة فقتل فتقدم جعفر فقتل فتقدم ابن رواحة، وقام عليه الصلاة والسلام يلقي خطبة تأبين وتعزية على الناس ويخبرهم بمصير القواد العظماء الثلاثة فيقول: {والذي نفسي بيده لقد عرضوا عليَّ على ثلاثة أسرة من ذهب وقد دخلوا الجنة، أما جعفر فكلمه الله كفاحاً بلا ترجمان} جعفر الطيار بن أبي طالب كلمه الله، وأبدله بيديه جناحين اثنين يطير بهما في الجنة حيث شاء، من شجرة إلى شجرة، ومن روضة إلى روضة، ومن قصر إلى قصر، سلام عليك يا جعفر! سلام عليك يا من بعت الحياة لأجل أن ترفع لا إله إلا الله في الحياة، سلام عليك يوم نلقاك ونسأل الله أن يجلسنا معك، فلسنا من الشهداء وما قدمنا وما فعلنا للإسلام شيئاً ما قمنا الليل ولا نهكت منا الأعراض، لكن يا جعفر! نحبك والمرء يحشر مع من أحب:

    أحب الصـالحين ولست منهم     لعلي أن أنال بهم شفاعة

    وأكـره من تجارته المعـاصي     ولو كنا سواءً في البضاعة

    أيهـا المسلمون: هبت نسائم الجنة وظلالها وهواؤها، فهل من مستنشق للجنة؟ يقول أنس بن النضر في معركة أحد -قبل المعركة- وسعد يقول: لا تقدم يا أنس! -أحد شباب الصحابة- قال أنس: [[يا سعد! إليك عني، والله الذي لا إله إلا هو إني أجد ريح الجنة دون جبل أحد]] وفي الضحى قتل أنس وضرب ثمانين ضربة حتى ما عرفته أخته إلا ببنانه وأصابعه وحارثة بن الربيع وأتت أمه تبكي وتقول للنبي صلى الله عليه وسلم: {ابني في الجنة فأصبر وأحتسب، أم هو في غير ذلك؟ قال: أهبلتِ -أجننتي- أهي جنة واحدة والذي نفسي بيده إنها لجنان كثيرة وإن ابنك في الفردوس الأعلى}

    أيها الناس: صلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدة صلّى الله عليه بها عشراً} اللهم صلِّ على نبيك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين! اللهم ارض عن الصحابة الأطهار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان واجعلهم من الراشدين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين الأفغان، اللهم انصرهم في أرض أفغانستان، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم من قتلته منهم فاجعله شهيداً مع جعفر وزيد، وابن رواحة، اللهم ارفع كلمة الإسلام بجهادهم وثبتهم على الإسلام، اللهم انصر المسلمين في فلسطين، اللهم رد إلينا مقدساتنا وحرماتنا ومجدنا وكرامتنا يا رب العالمين! اللهم أذل اليهود ومن شايعهم وسار في ركبهم، إنهم لا يعجزونك يا رب العالمين!

    اللهم رد شباب المسلمين إليك، اللهم حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد.