إسلام ويب

عمر بن عبد العزيزللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا ينقطع فيها الخير، فهي كالسيل لا يدرى الخير في أوله أم في آخره، والله سبحانه وتعالى يبعث على كل رأس قرن مجدداً يجدد لهذه الأمة معالم دينها ويحيي مبادئها ومن أمثال هؤلاء، بل هو أعظمهم على الإطلاق، عمر بن عبد العزيز، وهو ممن عرفوا الله حق المعرفة، فأطاعوه حق الطاعة، ولم تأخذهم في الله لومة لائم.

    1.   

    صفات عمر بن عبد العزيز

    الحمد لله، الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً.

    أحمده الحمد كله، وأشكره الشكر كله، اللهم لك الحمد خيراً مما نقول، وفوق ما نقول، ومثلما نقول، لك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا في قديم أو حديث، عز جاهك، وجل ثناؤك، وتقدست أسماؤك، ولا إله إلا أنت، أشهد أن لا إله إلا الله شهادة أدخرها ليوم العرض على الله، شهادة مبرأة من الشكوك والشرك، شهادة من أنار بالتوحيد قلبه، وأرضى بالشهادة ربه، وشرح بها لبه.

    وأصلي وأسلم على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، صلى الله وسلم على كاشف الغمة، وهادي الأمة، ما تألقت عين لنظرٍ، وما اتصلت أذن بخبر، وما هتف حمام على شجر، وعلى آله بدور الدجى، وليوث الردى، وغيوث الندى، وسلم تسليماً كثيراً، أمَّا بَعْد:

    السلام عليكم يا أبناء الأمة المجيدة، التي اختارها الله واسطة العقد في التاريخ، أنار بها حضارة القرون، ورفع بها كيان الأمجاد، وجعلها خير أمة أخرجت للناس، الأمة التي تمرض ولكنها لا تموت، وتغفو ولكنها لا تنام، وتغلب ولكنها لا تسحق أبداً، فقد أخرج الله من أجدادكم وأسلافكم منائر التوحيد، ومشاعل الحضارة، ورسل الإنسانية وهداة البشر.

    سنقف في هذا الدرس مع علم من الأعلام، ومجدد من المجددين، وعابد من العباد، وزاهد من الزهاد، يجب أن يكون حديث الشيوخ في السمر، وأن يكون قصة تقص للأطفال، وأن يكون حديث البيوت، إنه عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه، إنه أبو عبد الملك الذي أطاع الملك سبحانه وخافه، وخشيه.

    فسلام عليك يا عمر بن عبد العزيز يوم توليت الخلافة فخشيت الله في الخلافة، وسلام عليك يوم خفت الله، فلم يكن أحد من الناس أخوف منك من الله، وسلام عليك يوم لقيت الله راضيًا مرضياً، هذا الرجل بشر به صلى الله عليه وسلم أن يكون مجدداً في القرن الأول على رأس المائة الأولى، تولى الخلافة فكانت خلافته ثلاثين شهراً لكنها خير عند الله من ثلاثين قرناً، أول يوم بويع فيه بالخلافة مضى إلى المنبر، فتعثر من الخوف والوجل من الله:

    حياءً من إلهي أن يراني     وقد ودعت دارك واصطفاكا

    أروح وقد ختمت على فؤادي      بحبك أن يحل به سواكا

    وقف على المنبر ليتحدث إلى من في المسجد من الوزراء والعلماء والعباد والفقهاء، والجنود المجندة والجيوش المجيشة، فقال: [[يا أيها الناس! بويعت بالخلافة على غير رغبة مني، فخذوا خلافتكم لا أريدها، فضج الناس بالبكاء، وقالوا: لا نريد إلا أنت، فقال: الله المستعان وعليه التكلان، وحسبي الله ونعم الوكيل]] ولما انتهت الصلاة عرضت له الدواب والبغال ليركبها فأعرض عنها، وقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83] مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    زهد عمر بن عبد العزيز

    عاد عمر إلى بيته، وترك قصر الخلافة الشاهق في دمشق، ونزل إلى غرفته، وجلس على الحصير وقال: هذا حظي من الخلافة، ثم استدعى زوجته الزاهدة فاطمة زوجة الخليفة وبنت الخليفة وأخت الخلفاء، وقال لها: [[إني بعت نفسي من الله عز وجل، فإن كنت تريدين العيش معي فحيهلاً وسهلاً وإلا فالحقي بأهلك]] فبكت وقالت: الحياة حياتك والموت موتك، ثم سلمت له ذهبها وفضتها وحليها إلى بيت المال، وعاد رضي الله عنه وأرضاه ليرد الأمة إلى الله الواحد القهار، عاد ليربيها من جديد مع ربها سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، فكان يصدق قوله فعله، وكان لا يشغله عن الله شاغل.

    أما ليله فبكاء وسجود وتبتل وخشوع مع الله، وأما نهاره فتعليم للناس وعدل وإنصاف وبذل وعطاء، كان بعد كل صلاة ينادي المنادي: أين الفقراء؟ أين المساكين؟ أين المحتاجون؟ أين الذين يريدون الله؟ أين الذين لم يأخذوا من الدنيا شيئاً؟ فيبذل لهم المال، فتقام به قلوب حية وتحيا بهم أرواح كانت ميتة.

    رزقه الله الخشية، والذي يجعل الله نصب عينيه دائماً؛ يفتح الله عليه فتحاً لا يدور بالخيال، ولا يخطر بالبال؛ فكان من أخشى الناس لله.

    دخل عليه أحد العباد من أهل المدينة، واسم هذا العابد زياد مولى ابن عياش، فقال لـعمر بن عبد العزيز: "ما دهاك؟ ماذا أصابك؟ قال: وماذا تقول؟ قال: والله لقد رأيتك وأنت من أجمل الفتيان في قريش، تلبس اللباس اللين، وأصبحت في هذه الحالة، والله لو دخلت عليك في غير هذا المكان لما عرفتك، فبكى عمر وقال: والله لو رأيتني بعد ثلاثة أيام من دفني لأنكرتني شديداً، حين تسقط عيناي على وجنتي، وتخلع أذناي من رأسي، ويتغير خدي، وينهش بطني، إذاً لرأيت منظراً فظيعاً؛ فبكى ذاك العابد".

    عمر بن عبد العزيز يذاكر العلماء

    ولما تولى الخلافة أرسل إلى علماء الأقاليم فقال: [[أوصوني فإني قد توليت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم]] فكتب له محمد بن كعب: " يا أمير المؤمنين! والله الذي لا إله إلا هو ما بقي من الخلفاء على قيد الحياة إلا أنت، فاتق الله أن تصرع كما صرعوا ".

    وكتب له سالم بن عبد الله من أخواله: " يا أمير المؤمنين! صم هذا اليوم، حتى تلقى الله فتفطر عنده يوم يستبشر الصائمون بفطرهم "، وكتب له مطرف بن عبد الله الشخير: " يا أمير المؤمنين! لو كان لك خصم لديد لأعجزك، فكيف بخصمين؟! فكيف بثلاثة؟! وكيف بك وكل واحد من رعيتك خصم لك يوم القيامة عند الله؟!!

    فأخذ هذه الرسائل وطواها ينظر فيها كل يوم، وجمع سبعة من الصلحاء ومن الزهاد والعباد وقال: أنتم جُلَّاسي وسُمَّاري كل ليلة، أشترط عليكم ثلاثة شروط، الأول: ألا تغتابوا في مجلسي أحداً، والأمر الثاني: ألا تتحدثوا في الدنيا أبداً، والأمر الثالث: ألا تمزحوا وأنا جالس، فكانوا يجتمعون بعد صلاة العشاء، فيتحدثون في الموت -وما أدراك ما الموت؟!- وما قبل الموت وما بعده، ثم ينفضون من مجلسهم كأنهم قاموا عن جنازة.

    وفي أثناء الخلافة كتب له سالم بن عبد الله بن عمر كتاباً فظيعاً شديداً مدهشاً، يقول: " يا أمير المؤمنين! والله لقد تولى الملك قبلك أناس ثم صرعوا، فها هنا مصارعهم في القبور فانظر إليها لترى، كانوا ينظرون بعيون إلى اللذات فأكلت، وكانوا يأكلوا في بطون فنهشت، وكانوا يمسون بخدود أكلها الدود، فاحذر أن تكون مع المحبوسين يوم القيامة يوم يطلق العادلون ".

    عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه تولى الخلافة فنام بعد صلاة الظهر في ذاك اليوم، فقال له ابنه الصالح العابد المجاهد عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز -وعمره آنذاك تسعة عشر سنة- قال له: يا أبتاه! أتنام وقد توليت أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يسألك الفقير ويشكو إليك المسكين، ويتحاكم إليك المظلوم، فمن لك بهؤلاء إذا أتوا خصومك يوم القيامة.

    عمر بن عبد العزيز وخوفه من الله

    ولما تولى رضي الله عنه وأرضاه خلع كل لباس كان يلبسه، وأبقى ثوباً واحداً، فكان إذا أراد أن يغتسل يوم الجمعة نشف له ثوبه هذا بعد أن يغسل، واغتسل ثم لبسه وصعد المنبر، لم يبق قليلاً ولا كثيراً، يقول رضي الله عنه وأرضاه للناس: أيها الناس! وهو يخطب: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [التكوير:1] قال: ما للشمس تكور؟ ثم قال: وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ [التكوير:2] قال: ما للنجوم تنكدر؟ ثم بكى حتى صرع على المنبر.

    وحج بالناس فوقف في عرفة فأخذ الناس يتسابقون مع الغروب إلى مزدلفة فقال: [[لا والله. ليس السابق اليوم من سبق جواده وبعيره، ولكن السابق من غفر له هذا اليوم]] ونزل هو والأمراء في منتزه وبستان من البساتين، فلما جلسوا استأنسوا واستراحوا إلا هو جلس يبكي، قالوا: مالك؟ قال: هذه دنيانا وبساتيننا، فكيف بنا يوم العرض على الله إذا دخل الناس بساتينهم ولا بساتين لنا؟! فبكى الناس.

    عـليك سـلام الله وقفاً فإنني     رأيت الكـريم الحر ليس لـه عمـر

    إذا شجرات العرف جذت أصولها      ففي أي غصن يوجد الورق النضر

    لما تولى الخلافة قال لأهله: إني قد آنست عقبة كؤداً لا يجوزها إلا المخف.

    تقول امرأته: والله ما كان يأوي إلى فراشه إلا كما يأوي العصفور إلى عشه، وإنه ليرتجف صدره كل ليلة، فأقول: مالك؟ قال: أريد أن أنام فأتذكر قوله تعالى: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ [الشورى:7] فلا يأتيني النوم.

    وكان الخطباء في عهده يسبون أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه وأرضاه، فنسخ هذا وأبدل الخطباء بقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90].

    ميزان التقوى هو الحكم عند عمر بن عبد العزيز

    كانت موازينه عنده التقوى، يقول: " والله ما رأيت متقياً لله إلا وددت أنني في جلده ".

    استدعى يوم تولى الخلافة مولاه مزاحماً، وقال له: يا مزاحم! -وهو مولى- رأيتك تصلي الضحى في شعب من الشعاب، حيث لا يراك إلا الله فأحببتك والله، فإذا رأيتني ظلمت فخذني بتلابيب ثوبي وقل: اتق الله يا عمر بن عبد العزيز. بينما هو جالس للناس إذا بثلاثة من الشباب عليهم ثياب جميلة، ومنظر بهي، دخلوا عليه في ديوان الحكم، فجلسوا بجانبه، فالتفت إليهم وقال لهم: من أنتم؟ قال أولهم: أنا ابن شريك بن سحماء تولى أبي ولاية كذا وكذا، فأعرض عنه عمر بن عبد العزيز كالمغضب، وقال للثاني: وأنت من أبوك؟ قال: أبي كان والي دار الحسبة في دمشق فأعرض عنه، وأتى إلى الرجل الثالث وقال: أنت ابن من؟ قال له:

    أنا ابن الذي سالت على الخد عينه     فردت بكف المصطفى أحسن الرد

    هذا الرجل أبوه قتادة بن النعمان من الأنصار، شارك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في معركة أحد، فلما قاتل ضرب بالسيف على عينه، فنزلت عينه حتى أصبحت على خده، فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها بيده الشريفة إلى مكانها، فكانت أجمل من أختها، فيقول هذا الابن:

    أنا ابن الذي سالت على الخد عينه     فردت بكف المصطفى أحسن الرد

    فدمعت عينا عمر بن عبد العزيز، وقال:

    تلك المكارم لا قعبان من لبن      وهكذا السيف لا سيف ابن ذي يزن

    فلذلك رضي عن هذا وغضب عن أولئك؛ لأنهم انتسبوا إلى الدنيا وانتسب هذا إلى الآخرة، والذي ينتسب إلى الآخرة أعظم عند الله من الذي ينتسب إلى الدنيا.

    كان رضي الله عنه وأرضاه لا يرضى مظلمة، لما تولى دخل عليه الأمراء يبايعونه بالخلافة، فمدوا أيديهم، فقبض يده إلى حضنه رضي الله عنه وأرضاه، فقال أولهم وهو شريك: بايعني، قال: اغرب عني غرب الله بك، والله لا تتولى لي عملاً أبداً، قال: ولماذا؟ قال: جلست أنت وأبناؤك في خيمة في الغزو والشمس تصيب الناس، وجلست تتظلل وتركت الناس في الشمس، والله لا تتولى لي، ثم تقدم له عدي بن أرطأة، فقال: اغرب عني! والله لا تتولى لي، قال: ولم؟ قال: جلدت فلاناً سبعين جلدة؛ لأنه آذى ابنك، فما غضبت لله ولا غضبت لرسول الله، ثم ولى العباد والزهاد فقامت الدنيا.

    يقول ميمون بن مهران رضي الله عنه وأرضاه: والله لقد أخبرنا رعاة الأغنام أن الذئب في خلافة عمر بن عبد العزيز ما كان يعدو على الغنم، فلما توفي عمر في ذاك اليوم عدا الذئب على الغنم فعرفوا أنه مات، فسألوا الناس، فقالوا: مات في ذاك اليوم.

    وقال ابن كثير: لما توفي رضي الله عنه وأرضاه نزلت في قبره صحيفة من السماء مكتوب فيها: براءة لـعمر بن عبد العزيز من النار، قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [فصلت:30-32].

    عمر بن عبد العزيز قدوة لمن بعده

    ذلك هو عمر بن عبد العزيز

    لمن أراد أن يقتدي به، وليس هناك حاجب يحجب المسلم عن الحسنات ولا عن المناقب، وإنما يحجبه الهوى والشهوات والمعاصي، وهذا عمر بن عبد العزيز

    الذي جلس للناس معلماً ومربياً وموجهاً أنفق كل الأموال في طاعة الله، وما أخذ من الدنيا لا قليلاً ولا كثيراً، وكان من أشظف الناس عيشاً، ومن أشعثهم رأساً، دخل عليه ابن سلام

    فقال: يا أمير المؤمنين! قال: لبيك، قال: حدثني ثوبان

    مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وما حدثك ثوبان

    ؟ قال: حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: {إن حوضي طوله كما بين أيلة، وصنعاء}. فبكى عمر بن عبد العزيز

    حتى سقط من كرسي له من خشب، ثم أجلسوه فقال: لمن هذا الحوض؟ ومن يشرب منه؟ قال ابن سلام

    : يشرب منه الذي لا يتزوج المتنعمات، ولا يجلس على الديباج، ولا يعدد الأصناف ولا يظلم الناس، فجلس وتربع، وقال: لا جرم، والله لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا أغسل ثوبي حتى يتسخ، ولا أجلس على ديباج حتى ألقى الله، علَّ الله أن يسقيني شربة من الحوض لا أظمأ بعدها أبداً. ولما توفي حلت المصيبة بالمسلمين كافة، وأغلقت الحوانيت، وأغلقت القلوب بحزنها، والعيون بدموعها: لعمرك ما المصيبة فقد مال ولا شاة تموت ولا بعيرُ ولكن المصيبة فقد شهم يموت بموته بشرٌ كثير أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    وفاة عمر بن عبد العزيز

    الحمد لله ولي الصالحين، رب العالمين، عضد المهضومين، التائب على التائبين، محب المنيبين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وحجة الله على الناس أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، صلى الله على من ربى هؤلاء الأخيار الأبرار وأخرجهم هداة للناس، فهم ورقات من دوحته، وقطرات من بحره:

    المصلحون أصابع جمعت يداً     هي أنت بل أنت اليد البيضاء

    أخوك عيسى دعا ميتاً فقام له     وأنت أحييت أجيالاً من الرمم

    ولكل حي وفاة، ولكل بقاء نهاية إلا الله؛ فإنه الباقي سُبحَانَهُ وَتَعَالى بقاءً أبدياً سرمدياً قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88] وقال عز من قائل:كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:26-27].

    وتنتهي حياة الأخيار بنهاية حميدة بروضة من رياض الجنة، وتنتهي حياة الفجار بحفرة من حفر النار، فكأن الأخيار ما بئسوا مع من بئس، وما كأنهم سهروا في طاعة الله ولا تعبوا، ولا كأنهم جاعوا بعد أن تنعموا؛ لأنهم صبغوا في الجنة صبغة، فزال كل ألم، وما كأن الفجار تنعموا مع من تنعم، ولا أكلوا مع من أكل، ولا شربوا مع من شرب؛ لأنهم صبغوا في النار صبغة، فزال كل نعيم.

    تأتي الوفاة لهذا الإمام والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وكان أعظم ما قاده إلى طاعة الله ذكر الموت، والموت مصيبة كما سماه الله في كتابه حين قال: فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [المائدة:106] وكان الحسن البصري يقول: [[والله ما في الدنيا مصيبة أعظم من الموت]] وكان يقول: [[فضح الموت الدنيا، فلم يدع فيها لذي لب فرحاً]].

    فلما حضرت سكرات الموت عمر دخل عليه الأطباء، فقال: هيهات.. هيهات! لقد تعالج قوم هود وعاد فماتوا بأطبائهم، فجلس حوله الأطباء، وقال: ما هو مرضي؟ قالوا: نرى أنك أصبت بسم -وضع له سم في طعامه- فقال: ما هو علاجي؟ فوصفوا له العلاج، قال: والله لو كان دوائي في أن أرفع يدي اليمنى إلى أذني ما فعلت، والله ما أنا بحريص على الحياة وقد مللتها، ثم استدعى خادمه وقال: أسألك بالله، أسألك بمن شق البحر لموسى، أسألك بمن يجمع الناس ليوم لا ريب فيه، أأنت وضعت السم لي في الطعام؟ قال الخادم: إي والله، قال: فكم أعطوك من المال؟ قال: أعطوني ألف دينار، قال: اذهب على وجهك أنت عتيق لوجه الله والله لا أمسك بسوء، فذهب الخادم ومرض عمر رضي الله عنه وأرضاه، ودخل عليه الناس يعودونه، فكلما عاده أحد، قال له عمر: اعف عني عفا الله عنك، ثم أدخل عليه الأطفال في آخر يوم من رمضان وهو مريض، فقبَّلهم ومسح على رءوسهم وبكى، وفي عيد الفطر يوم يخرج الناس في ثيابهم الجميلة، يوم يخرجون يتعايدون ويتزاورون، يوم تمد المواكب والسرادقات جلس في بيته، وأرسل إلى رجاء بن حيوة أحد العلماء الصالحين، قال: صلِّ بالناس فإني مرتهن اليوم وإني محبوس إن لم يطلقني الله، وخرج رجاء بن حيوة وخرج الناس، لكن ليس معهم الخليفة أمير المؤمنين، بقي في بيته مع ملائكة الرحمن: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30] فلما كان الضحى من يوم العيد قال لامرأته: اخرجي من بيتي؛ فإني أرى قوماً ليسوا بإنس ولا جن، أظنهم ملائكة، فخرجت وفاضت روحه إلى الحي القيوم، وكان يقول قبل وفاته لأهله: إذا غسلتموني وكفنتموني ووضعتموني في القبر فاكشفوا عن وجهي فإن ابيضَّ فاهنئوا وامرءوا، وإن اسودَّ فويل لي وويل لأمي، قالوا: ولم؟ قال: والله ما دفنت خليفة إلا كشفت عن وجهه فوجدت وجوههم مسودة.

    يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [آل عمران:106-107].

    وصرع ذاك المصرع الذي لا بد لكل حي أن يصرعه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89].. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94] يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر:27-30].

    كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر     فليس لعين لم يفض مـاؤها عذرُ

    تردى ثياب الموت حمراً فما دجا      لها الليل إلا وهي من سندس خضرُ

    لقد مات بين الضرب والطعن ميتة     تقوم مقام النصر إن فاته النصرُ

    وما مات حتى مات كل موحدٍ     من الهمِّ واستولت عليه القنا السمر

    عليك سلام الله وقفاً فإنني     رأيت الكريم الحر ليس له عمر

    خاتمة

    اللهم أخرج من أصلاب هذه الأمة الموحدة أمثال عمر بن عبد العزيز، اللهم رد شبابنا ليقتدوا بـعمر بن عبد العزيز، اللهم وفق كهولنا ليعرفوا زهد عمر بن عبد العزيز، وردنا إليك رداً حميداً يا عزيز؛ إنك على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى عليَّ صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأخيار، عن الصديق السباق الرفيق في الغار، الخائف من الواحد القهار، وعن فاروق الإسلام أبي حفص المنصف العادل، وعن ذي النورين، جامع القرآن، المخضب بدماء الشهداء عثمان بن عفان، وعن الإمام المرتضى سيف الله المنتضى الزاهد في كل شيء إلا في رضا الواحد القهار علي بن أبي طالب، وعن بقية العشرة، وعمن بايع رسولك تحت الشجرة، وعن كل صالح وعابد، وعن كل مجاهد وزاهد، وعن كل خيِّرٍ وعالم، وعنا معهم بفضلك وكرمك ومَنِّك يا رب العالمين.

    اللهم بعلمك الغيب وبقدرتك على الخلق، أحينا ما كانت الحياة خيراً لنا، وتوفنا ما كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم ثبت المجاهدين في أفغانستان وفي فلسطين اللهم أنزل عليهم السكينة، وثبت أقدامهم، واربط على قلوبهم، ووحد صفوفهم، واجمع كلمتهم، وسدد سهامهم في نحور أعدائهم.

    اللهم العن كل من حادك وحاربك ونازل أولياءك، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أبدهم كل إبادة، ومزقهم كل ممزق، ودمرهم تدميراً، واجعلهم هم وأطفالهم وأموالهم غنيمة للمسلمين يا رب العالمين.

    ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكون من الخاسرين.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.