إسلام ويب

الإنسان المبتلىللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الخطاب الرباني يصاحب الإنسان وهو لم يزل في عالم الذر في ظهر أبيه آدم، ثم يصحبه هذا الخطاب جنيناً ووليداً وطفلاً، فإذا ما بلغ السابعة من العمر أمر بالصلاة، فإذا بلغ العاشرة ضرب على تركها، فإذا بلغ الأربعين فإنه غالباً ما يستمر على ما وصل إليه من الهداية والضلال، ثم بعد فراقه للدنيا يبقى الجزاء، فليس الموت نهاية كل حي، بل هناك اليوم الآخر حيث يستمر الخطاب الرباني الذي يتضح به مصير هذا الإنسان.

    1.   

    شمول الخطاب الرباني للحياة الإنسانية

    الحمد لله ملء الأرض والسماوات، وعدد أنفاس الكائنات، الحمد لله ما وقف الحجيج بـعرفات، وما باتوا بـالمزدلفة أحسن مبات، والحمد لله ما رموا الجمرات، وسكبوا عند البيت العبرات، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه ربه هادياً ومربياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً [الإنسان:1-2].

    الله عز وجل يلاحق حياة الإنسان قبل أن تحمل به أمه، وقبل أن يكون نطفة، وقبل أن تضعه أمه على الأرض ناشئاً وصبياً، ثم طفلاً، ثم شاباً، ثم فتياً، ثم رجلاً،ثم كهلاً، ثم شيبة، ثم ينتقل إلى الله.

    رعاية الله للإنسان وهو جنين

    قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى [الأعراف:172] هذا هو الميثاق الغليظ، أخذه الله على الناس وهم في أصلاب أبيهم آدم، فدلهم على التوحيد، من هو ربكم؟ من هو إلهكم؟ من القادر الذي يخلقكم؟ من الذي يستحق العبادة؟

    تحمل أم الإنسان بالإنسان، فإذا الله يتحدث عنه وهو في بطن أمه، فتضعه على الأرض لا ضاحكاً أو صامتاً أو ساكتاً أو نائماً أو مستيقظاً، إنما تضعه باكياً، ولم نسمع في تاريخ الإنسان أن رجلاً أو أنثى ولدوا وهم ساكتون، إلا عيسى بن مريم فما بكى، أما نحن جميعاً فقد بكينا يوم أن أتت بنا أمهاتنا، قال بعض الفلاسفة: بكى الإنسان لأنه خرج من السعة إلى الضيق.

    وقال آخر: بكى الإنسان من هول الابتلاء، ومن عظم المشقة التي سوف يجدها من الضيق والهم والحزن.

    وقال آخر: بكى الإنسان لأنه سوف يرى التكاليف أمام عينه والله أعلم، وقد قال: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [النحل:78].

    كان أبكماً أصم أعمى، لا يأكل ولا يشرب ولا ينطق، فتولاه الله، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون.

    ولدتك أمك يابن آدم باكياً     والناس حولك يضحكون سرورا

    فاعمل لنفسك أن تكون إذا بكوا     في يوم موتك ضاحكاً مسرورا

    يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيح: {كل مولود يولد على الفطرة} ما هي الفطرة؟ أيولد مغنياً مطبلاً؟! أيولد ماجناً ممثلاً؟! أيولد مسرحياً معربداً؟! أيولد كروياً لاهياً؟! أيولد وبيده الكأس في الليالي الحمراء؟! لا. بل يولد على لا إله إلا الله، يقع رأسه على لا إله إلا الله ومحمد رسول الله، يقول سبحانه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ [الروم:30].

    لكن من بدل خلق الله؟ إنهم العملاء، إنهم الخونة، إنهم أعداء الإسلام، بدلوا الإنسان من إنسان إلى كلب، ومن مؤمن إلى خنزير، ومن عبد صالح إلى بهيمة: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا [الأعراف:179] كقلوب الحيوانات تماماً، يحفظون ويدرسون ويقرءون كل شيء إلا الدين، ويفهمون كل شيء إلا الإسلام، ويعرفون كل شيء إلا القرآن والسنة، قال تعالى: وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ [الأعراف:179] ويؤذن لهذا الطفل كما أذن عليه الصلاة والسلام، في أذن الحسن أول ما أتت به فاطمة الزهراء رضي الله عنها، لماذا؟ لينشأ على التوحيد والإيمان، أخذ أذنه الرقيقة الضعيفة فاقترب منها عليه الصلاة والسلام وقال: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر... حتى أكمل الأذان ليقع الأذان في قلبه، لينشأ عبداً مصلياً وعابداً ذاكراً.

    لكن لما أتت التربية المعكوسة، وولد الابن على الموسيقى الإيطالية، أصبح لا يعرف إلا المجلة الخليعة، والسهرة الماجنة، ينشأ ويشب وهو يحفظ من الأغنيات العشرات، ولا يحفظ من الآيات البينات شيئاً.

    ثم يقول الله للإنسان: يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [الانفطار:6]. من الذي خدعك؟ من هذه الطغمة الفاسدة والجلساء السيئون الذين حرموك من منهج الله؟ من المسئول عنك؟

    يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ [الانفطار:6-8] لكنه يوم شب وقوي، وكبر كاهله، ونسي القرآن، أصبح معربداً لا يعرف الله.

    العاص ينكر إعادة الله للخلق

    أتى العاص بن وائل السهمي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، والعاص هذا -على اسمه- عاص لله، تاجر رعديد عدو للإسلام، ليله خمر، ونهاره فسوق وإلحاد وزندقة وانحراف، وعداوة أكيدة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أتى بعظم قديم وفتته في يده وحتحته، وقال:يا محمد! أتزعم أن ربك يعيد هذا العظم؟

    لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أتى للناس يقول: إن هناك حساباً وعقاباً، وإن هناك يوماً آخر ومصيراً محتوماً نقف كلنا أمام الله فيه، قال: أتزعم أن ربك يعيد هذا العظم؟ ثم حتحته، ونفخه أمام الرسول عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: {نعم. يعيده الله ويدخلك النار} وفي الجواب زيادة "ويدخلك النار" لأنه عدو لله.

    واسمع إلى رد الله يقول: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:79] ونلاحظ أنه الله لم يسمه لأنه حقير.

    إنك أيها المجرم! لو نظرت إلى خلقك وأنت نطفة، ثم نزلت ثم اعتمدت ثم اعتمرت، ثم أصبحت كهلاً، لاعتبرت أن الله هو الخالق، هذه هي مرحلة الإنسان.

    تسمية المولود

    يطالب عليه الصلاة والسلام بحسن الاسم، فإننا ندعى يوم القيامة بأسمائنا وأسماء آبائنا، عبد الرحمن، أحمد، محمد، ليست الأسماء الدخيلة التي حولت أجيالنا إلى جيل رخيص، إلى جيل -إلا من رحم ربك- يأكل وينشأ في أرضنا، ثم يحمل عداوة الإسلام، باسم غربي، أتى اسمه من لندن أو من باريس ولم يأتِ من بلاد الإسلام، من بلاد المصطفى عليه الصلاة والسلام:

    من بلادي يطلب الفهم ولا     يطلب العلم من الغرب الغبي

    وبها مهبط وحي الله بل     أرسل الله بها خير نبي

    قل هو الرحمن آمنا به     واتبعنا هادياً من يثرب

    وحينما يصل الطفل إلى السابعة، يقول عليه الصلاة والسلام: {مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع}.

    سن الأربعين وما بعدها

    ثم يصل الإنسان إلى الأربعين، فإذا الله يقول: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [الأحقاف:15].

    الأربعون تمام العقل، وتمام القوة والإرادة والعزيمة، الأربعون رقي في الفهم، ونضوج في الإدراك والمعرفة، يقول بعض العلماء: إذا بلغ ابنك الأربعين ولم يهتد فاغسل يديك منه، لأن الله يقول: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي [الأحقاف:15] لكن بعد أن يصل الأربعين ثم لم يهتد، ولم يتعرف على بيوت الله، ولم يسجد لله، ولم يكن عبداً لله، ولم يخلص لله، فاعلم أنه مجرم إلا أن يتداركه الله، ما بعد الأربعين شيء، ويصل القرآن مع الإنسان، فإذا شيبه قد أنذره، قال ابن عباس: وهو يقرأ قوله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37] قال: النذير هو الشيب، من شاب رأسه أو شابت لحيته ثم لم يكن له رادع، ولم يكن له منذر وواعظ، فاعلم أنه رجل مخذول أصابه خذلان.

    يقول الإمام أحمد إمام أهل السنة لما رأى الشيب في لحيته في المرآة: والله ما وصفت الشباب إلا كشيء كان في يدي ثم سقط، يقول أبو العتاهية:

    بكيت على الشباب بدمع عيني      فلم يغن البكاء ولا النحيبُ

    ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيبُ

    أتدرون ماذا فعل المشيب؟! الآن الذين هم منا في السبعين والثمانين كلت أظفارهم، وضعفت أسماعهم، واحدودبت ظهورهم، وملوا الحياة، لا نوم ولا هدوء ولا لذة للطعام، قال تعالى: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ [يس:68] ومن نعمره في الحياة نعيده، فيصبح أكله كأكل الطفل، وإدراكه كإدراك الطفل، أفلا يعقلون؟ يقول أحد الشعراء:

    إذا الرجال ولدت أولادُها     وأخذت أسقامها تعتادُها

    وكثرت من مرض عوادُها     فهي زروع قد دنا حصادُها

    (إذا الرجال ولدت أولادها) إذا أتى لأولادك أولاد وأصبحت جداً، فانتظر الموت، وانتظر لقاء الله، قال سفيان الثوري: من بلغ الستين فليشتر كفناً.

    (وكثرت من مرض عوادها) يعاد في المستشفى وفي البيت وفي الطريق، سعال، وسهر وزفرات، وشكوى من السبعين والثمانين.

    نام قيس بن عاصم المنقري وعنده عشرة أبناء، وكان أغنى العرب، لكن كل شيء له دواء إلا الهرم، وكل شيء له علاج إلا كبر السن، كان عنده عشرة من الأبناء، وهو سيد قبيلة بني تميم، وعنده من الذهب والفضة والإبل والبقر والغنم ما الله بها عليم، لكن ما كان ينام الليل، وكان عمره ثمانين، إذا أتى لينام أتاه السعال والزفرات والهم والغم، فيقول له أبناؤه أزعجتنا، ما تركتنا ننام، فنظم قصيدة:

    قالوا أنينك طول الليل يزعجنا     فما الذي تشتكي قلتُ الثمانينا

    أشتكي الثمانين، وأبكي من ثمانين سنة.

    لكن ما هو الختام؟ وما هو التاج الذي يمكن أن يتوجه الإنسان لحياته؟ إنه العمل الصالح، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الأنعام:94].

    سكرات الموت

    يأتي الإسلام فيقول للإنسان: إذا أتتك سكرات الموت، فاحرص على أن تموت على (لا إله إلا الله) يقول عليه الصلاة والسلام: {من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة} وهو حديث صحيح، لكن كيف؟ لا يثبت على لا إله إلا الله إلا مؤمن، ولا يقولها في سكرات الموت إلا مؤمن، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    ذكر الذهبي المحدث الكبير: أن أبا زرعة المحدث رحمه الله حضرته سكرات الموت فأغمي عليه، فأراد تلاميذه أن يذكروه بلا إله إلا الله وهو مغمى عليه، ولكن استحيوا أن يقولوا له: قل: لا إله إلا الله، لأنه شيخ المسلمين.

    قالوا: نتذاكر سند حديث لا إله إلا الله، فلو ذكرناه بالسند فسوف يتذكر المتن هو، فقال أحد التلاميذ: حدثنا فلان عن فلان -وهذا أبو زرعة يحفظ ألف ألف حديث مليون حديث- فاستيقظ وسمع السند، ولكنهم من هول المصيبة ومن هول الكارثة نسوا السند، فأخذوا يقولون: حدثنا فلان، فيقول الثاني: لا. بل فلان، فاستيقظ وقال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا فلان، حدثنا فلان، عن معاذ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة} ثم مات بعد ذكر الحديث.

    وأما ابن القيم فيلوم المارقين العابثين الماجنين السفهاء المغنين في سكرات الموت، يقول: قيل لسفيه معربد وهو في سكرات الموت: قل: لا إله إلا الله، قال: أين الطريق إلى حمام منجاب، قال: فمات عليها لأنه عاش عليها، ومن شب على شيء مات عليه، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    يقول أحد العلماء -وذكره ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل وشكر هذه الأبيات- يقول يخاطب الله:

    وحقك لو أدخلتني النار قلت     للذين بها قد كنت ممن أحبهُ

    وأفنيت عمري في علوم كثيرة     وما منيتي إلا رضاه وقربهُ

    أما قلتم من كان فينا مجاهداً     سيحمد مثواه ويحسن شربهُ

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم

    1.   

    الإيمان باليوم الآخر

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    في بعض المقررات الدراسية كلمة هي من الإلحاد فهي كلمة زندقة تؤخذ من مذكرة استالين ولينين والإسلام منها بريء، وهي تصادم العقيدة مصادمة كاملة مطلقة عامة، وهي قولهم في عبارتهم التي يحفظونها ويدرسونها: "المادة لا تستحدث ولا تفنى"، ويقيمون عليها قانون الكيمياء ويؤصلونه على هذا المبدأ، وهذه تعارض قول أهل السنة، بل قول أهل الإسلام قاطبة بما فيهم المبتدعة.

    ومعنى أنها لا تستحدث: أنها قديمة وأنه لم يخلقها أحد، ولكن الله يقول: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ [الصافات:96].

    قالوا: لا تفنى وقال تعالى: وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:27] وقال: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص:88] ومقصودهم من هذا أن الإنسان إذا مات فقد انتهى، أرحام تدفع وأرض تبلع، وقالوا: إذا انتهى الإنسان عفا عليه النسيان، ولكن الله يقول: لا. والقرآن يقول: لا. ومحمد عليه الصلاة والسلام يقول: لا. قال تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً [طه:102] وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94] يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ [الحاقة:18] وقال تعالى: قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ [يس:52].

    قصر الحياة الدنيا في نظر أهل الآخرة

    إنها الحياة الآخرة، وإنها مرحلة ومسألة حياة الإنسان في الآخرة، يقول سبحانه وهو يسأل الناس يوم القيامة خاصة الغافلين: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] كم مكثتم من فترة؟ يا أهل الثمانين ويا أهل المائة! كم لبثتم من فترة؟

    بعض الصحف وبعض المجلات تجري مقابلة مع بعض الناس، قالوا: بلغ مائة وأربعين سنة، لكن تعال وابحث ما هو المحصول بعد مائة وأربعين سنة؟ لا شيء، يسألونهم ماذا يفطر في الصباح؟ وما هي وجبة الغداء؟ وماذا يجيد من العرضات الشعبية والقصائد النبطية؟ ولكن لا آية ولا حديث ولا نافلة ولا صيام ولا ذكر ولا قيام ليل ولا صلة رحم، كل هذه لا تعرض في الأسئلة، ولا يسألونه ما هو أثره على أسرته؟ أو على نفسه؟ ولا يسألونه ما هي آماله عن اليوم الآخر؟ وما هي تطلعاته؟ إنما هي هذه الأسئلة، فيقول لسان الحال: ليت هذا العمر الطويل لشيخ الإسلام ابن تيمية أو الإمام أحمد قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] والله يدري والله يعلم بما لبثوا قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] يقولون: لبثنا يوماً واحداً في الحياة، فأدركهم الورع، وخافوا أن يكذبوا، فقالوا: أو بعض يوم، وليس يوماً كاملاً، ويقولون لله: اسأل الملائكة والكتبة، نحن لا ندري.

    قال الغزالي: من هول الموقف لا يدرون كم لبثوا!

    لا إله إلا الله! إذا بلغ بك الحال يوم القيامة ألا تعرف عمرك، فكيف هذا اليوم؟! يا له من يوم ما أهوله! قال سبحانه: قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه:114-116].

    الإنسان بين النسيان والجحود

    يقول عليه الصلاة والسلام: {نسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته} والسبب أن آدم عليه السلام نثر الله ذريته أمامه كصورة الذر، فرأى داود عليه السلام وهو يزهو أمامه كالدر، قال: يا رب! من هذا؟ قال: ابنك داود، قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة، قال: يا رب! زده من عمري أربعين، فزاده الله: يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ [الرعد:39] فلما حضرت آدم الوفاة عجل الله وفاته قبل أربعين، قال: يا رب! بقي من عمري أربعين، قال: قد أعطيتها ابنك داود، فجحد آدم ذلك، قال: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته، قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه:114-116] ولكن أمام نسيان الإنسان وجحود الإنسان يخرج الله له كتاباً منذ أن أتت به أمه إلى أن مات، اقرأ كتابك ولا يقرؤه غيره، يستوي الأمي والمتعلم والجامعي والتاجر والفلاح وراعي الغنم كلهم يقرءون، قال تعالى: اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14].

    فيقرأ الإنسان: يوم كذا فعلت كذا وكذا، ويوم كذا قلت كذا وكذا، فيطوي الإنسان كتابه ويقول: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً [الكهف:49].

    1.   

    دروس وفوائد

    من هذه المقالة وهذه الخطبة نأخذ دروساً:

    أولها: أن الإسلام معك وأنت في بطن أمك، حتى تدخل الجنة أو تدخل النار.

    ثانيها: أنك لست متروكاً هملاً ولا سدى، بل إنه وحي من الله لا ترفع خطوة ولا تنام ولا تستيقظ ولا تأكل ولا تشرب ولا تتحدث إلا والوحي معك: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162].

    ثالثها: أن الذي لا يضبط حركاته ولا سكناته مع الوحي، فهو سفيه قد سفه نفسه، وهذا الرجل الذي لا يتجه إلى الرسالة الخالدة.

    رابعها: أننا لسنا في حاجة لأي مبدأ، أو أي قانون، أو رسالة أو أطروحة غير رسالة محمد عليه الصلاة والسلام.

    فإما حياة نظَّم الوحي سيرها     وإلا فموت لا يسر الأعاديا

    إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا     كفى بالمطايا طيب ذكراك حاديا

    أيها المسلمون! فلنعد إلى القرآن والسنة، ولنستهد بهدى الله الذي أُرسل به عليه الصلاة والسلام، فإن كل قلبٍ ملعون إلا قلباً أشرقت عليه شمس الرسالة، وكل أرض مغضوب عليها إلا أرضاً رأت شمس هذا الدين، ومن اعتقد أنه سوف يهتدي بهدى غير هدى الله الذي أُرسل به محمد عليه الصلاة والسلام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    أيها الناس! صلوا وسلموا على رسول الهداية ومعلم البشرية، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم ارض عن أصحابه الأطهار، وعن المهاجرين والأنصار، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، اللهم وحد صفوفهم، اللهم خذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله في نفسه، واجعل تدبيره تدميره، واخذله يا رب العالمين!

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح سرائرنا وظواهرنا وبيوتنا وشبابنا يا رب العالمين!

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.