إسلام ويب

معاني وبدع الأعيادللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن خاف يوم الوعيد .. وللعيد آداب وسنن فصل فيها الشيخ في هذه المادة، ونبه قبل ذلك إلى الأعياد البدعية؛ كأعياد الميلاد ويوم المرأة والمولد النبوي وعيد الشجرة، وأكد أنه لا عيد للمسلمين إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، وبين ما فيهما من المعاني الدالة على الأخوة والتكاتف والتآلف بين المسلمين، وختمت هذه المادة بذكر هديه صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر من رمضان، وبين آداب المعتكف، وتطرق لزكاة الفطر مبيناً بعض أحكامها.

    1.   

    الأعياد البدعية

    الحمد لله القائل: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157].

    والصلاة والسلام على رسول الله القائل: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

    وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْــد:

    أيها الناس: قبل أيام استقبلنا شهر رمضان المبارك وبعد أيام سوف نودعه ليختم حياةً عشناها معاً، ترفع فيها صحفنا إلى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى بحسنات وسيئات، وبعد أيام سوف نستقبل ويستقبلنا العيد وسوف نعيش لحظاته.

    ونحن معشر أهل الإسلام: لنا عيدان اثنان فحسب؛ عيد فطرنا يوم أن نفطر من صيامنا، ويوم أن نضحي نسكنا لله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، ولا نحتاج إلى غيرهما من الأعياد؛ لأن أيامنا كلها أعياد، وليالينا كلها أفراح، وساعاتنا كلها سرور وحبور.

    عيد الميلاد

    ليس عندنا عيد ميلاد؛ لأن عيد الميلاد أضحوكة يضحك بها الإنسان على نفسه، وسخرية يسخر بها الرشيد إذا سفه وضحل عقله على كيانه، كيف يحتفل بميلاده!! وهو لم يولد بعد في عالم الحياة!!

    إن المولود حقيقة من ولد لله، وعاش ومات لله، أما هؤلاء الدجالون الخرافيون الذين عندهم عيد ميلاد فلم يولدوا بعد؛ لأن من ولد إنما ولد لله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، قال الله: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] إنهم لم يخرجوا من الظلمات ولم يولدوا بعد، فكيف يحتفلون بعيد الميلاد!!

    يوم المرأة

    وليس عندنا معشر أهل الإسلام! عيد المرأة، ولا يوم المرأة؛ لأن عيد المرأة عندنا كل يوم، نحن الذين جعلوا للمرأة أعيادها كل يوم وكل ليلة، كرمناها وأهانها غيرنا، وقدمناها وأخرها غيرنا، وحفظناها وضيعها غيرنا، وسترناها كما تستر الشمس بين السماكين، والعين بين الحاجبين، والدر في الصدف، وأخرجها غيرنا وزعموا أنهم هم الذين كرموها، وكذبوا لعمرو الله، فليس لها عندهم عيد ميلاد بعد أن هتكوا كرامتها وحجابها وسترها وديانتها، يهتمون بها إذا بلغت الخامسة عشرة حتى تبلغ الثلاثين، وقبل الخامسة عشرة وبعد الثلاثين لا يهتمون بها؛ لأنهم سفكوا كرامتها، ودعكوا حرمتها وسترها، فأي عيد ميلاد لها؟! نحن أهل عيد المرأة ويوم المرأة، يوم جعلنا ابنها يتقرب إلى الله بحبها، كلما سمع قوله صلى الله عليه وسلم: {الجنة تحت أقدام الأمهات} ونحن الذين جعلنا زوجها يكد ويتعب ويكدح، كلما سمع قوله صلى الله عليه وسلم: {الله الله في النساء، خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي} أو كما قال صلى الله عليه وسلم؛ فمن المظلومة إذن، المرأة عندهم أو عندنا؟!

    تقول كاتبة ساخرة، ماحقة، ماكرة: المرأة المظلومة، ونقول: من هي المظلومة يا ظالمة! أهي عندكم يوم أن ظلمتموها، وعطلتم أهميتها في بيتها، وهتكتم حجابها وسترها، أم هي عندنا يوم كرمناها، ورفعناها، وشرفناها؟

    عيد الشجرة

    ليس عندنا معشر أهل الإسلام: عيد للشجرة، لأننا نهتم بالإنسان أكثر مما نهتم بالشجرة، نحن أهل دين جاء للإنسان، وجاء لتربية الإنسان لا لتربية الكلاب والشجر، نربي الشجرة ونزرعها ونسقيها، ثم نقتل الإنسان، ونجلده ونسجنه، ففي أي كتاب هذا؟!! وفي أي أسطورة؟!! قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:111]

    المولد النبوي

    ليس عندنا معشر أهل الإسلام! عيد المولد النبوي للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن أهل عيد المولد عندنا خرافيون، دجالون، سفهاء، جهلة، لا علم عندهم، ولا عقل، ولا دين؛ لأنهم أحيوا مولده صلى الله عليه وسلم وذبحوا تعاليمه بسكين الدجل والخرافة.

    أعيد ميلاده صلى الله عليه وسلم أن نجتمع ونرقص وقد عطلنا تعاليمه في الحياة، ومنهجه في الواقع، وسنته في دنيا الناس؟!!

    أعيد ميلاده صلى الله عليه وسلم أن يتراقص الناس كما يتراقص الحمير، وينشدون ثم تتساقط عمائمهم كما تتساقط مبادؤهم من رءوسهم؟!! أهذا عيد ميلاد له صلى الله عليه وسلم؟!

    ما هذه الخرافات!! وما هذه الطقوس!! وما هذه التماثيل التي عكف عليها الجهلة!!

    أحسبت ديني سبحةً وعمامة     وقصائداً أطري بها المختارَا

    كلا فديني دعوةٌ أبديةٌ     قد أنبتت في العالمين منارَا

    رُكزت بصحراء الحنيف وأرضعت     بدماء من قد بايعوا المختارَا

    1.   

    سنن العيد

    من سننا أيها الناس يوم العيد:

    أن نخرج إلى الصحراء، والسر في هذا الخروج بعد أن نترك العمارات، والفلل، أن الصحراء تعرفنا ونعرفها، وتحبنا ونحبها، يوم سجدنا على ترابها آلاف السجدات لله، ويوم بنينا عليها آلاف المساجد للحي القيوم، ويوم أدخلنا في ترابها آلاف الشهداء، فحق علينا أن نعود إلى الصحراء مرة ثانية.

    ونخرج يوم العيد يا أيها الناس! مهللين مكبرين، نقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، نكبر يوم العيد لتكون العظمة والقداسة والاحترام كل الاحترام لله؛ ولئلا يشعر بعض الناس أننا لا نعظمه ولا نحتفل به في مثل هذا اليوم، فنقول له: لا. لا كبير، ولا عظيم، ولا كريم إلا الله، فنقول: الله أكبر من كل كبير، وأعظم من كل عظيم، وأكرم من كل كريم.

    ونخرج يوم العيد: فنلبس ثيابنا الجديدة الجميلة؛ لأننا أهل الجمال، زرعنا الجمال، وسقيناه، وأنبتناه، وقطفناه، فلا جمال إلا في ديننا، والله ربنا جميل يحب الجمال، طيب يحب الطيب، لا نعترف بالدروشة، ولا نقر بالخرافة، ولا نتحاكم إلى التزمت.

    نظهر بالجمال في المبادئ والأفكار، ونظهر بالجمال في العقائد والمنقولات والأخبار، ونظهر بالجمال في الشعار والدثار، فنحن أهل الجمال، ولا يسبقنا إليه حي.

    نلبس وقت الفاقة ووقت المجاعة: الصبر والرضا، ونلبس وقت الغنى ووقت الحبور والسرور: الشكر والثناء، ووقت الأعياد: الجمال والحبرات والمظاهر الحسنة، ونلبس وقت الجهاد: الدروع والرماح والسيوف على مبدئنا:

    البس لكل حالة لبوسها     إما نعيمها وإما بوسها

    ونخرج يوم العيد فنصلي ركعتين، ويخطب إمامنا يوم العيد ليعلن مبادئنا في الصحراء؛ لا أسرار فيها ولا ألغاز، بل هي واضحة وضوح السماء، صريحة صراحة الصحراء، صافية صفاء الفضاء، فمن أراد أن يسمع مبادئنا فليسمعها في هذا اليوم، ومن أراد أن يستقرئ أخبارنا فليستقرئها يوم العيد وليسمع ماذا سوف يقول الخطيب.

    ونخرج يوم العيد جماعات؛ لنعلن المحبة والتآلف والتناصر والتعاون، ونشجب الخلاف والفرقة، فمهما اختلفنا في الفرعيات، فإننا نتفق في الأصول، والمبادئ، والأسس والقواعد، فكأننا نقول لأعداء الإسلام، ولمن يريد الكيد للإسلام: هانحن عدنا مرةً ثانيةً متآلفين، متآخين، متحابين:

    إذا اقتتلت يوماً ففاضت دماؤها     تذكرت القربى ففاضت دموعها

    ونخرج يوم العيد من طريق ونعود من طريق أخرى؛ لنقول للفقراء: هانحن نلاحقكم في كل طريق، ونتابعكم في كل مكان؛ لنرفع من جوعكم؛ لأن ديننا لا يقر مبدأ التمايز، بأن يسكن إنسان في الطابق العاشر يطاف عليه بصحافٍ من ذهب، ولحم طير مما يشتهون، وفاكهة مما يتخيرون، وينام صنف آخر على التراب لا يجد كسرة الخبز، ففي أي شريعة هذه؟!! أفي شريعة حمورابي! أم في قوانين نابليون! أم في خزعبلات هتلر!

    إن محمداً صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يخرجون يوم العيد ومعهم الفقراء، ويعودون ومعهم الفقراء، ويشبعون ويشبع معهم الفقراء، ويجوعون ويجوع معهم الفقراء.

    ونحن في يوم العيد: لنا أن نروح عن أنفسنا بشيء من الدعابات، والأشعار، ومن طيِّب الأخبار، ومن نكات السمر مع الإخوان والسمار؛ بشرط أن تكون في حدود الوقار، لا نثلم فيها عرضاً، ولا ننتهك فيها كرامة، ولا نفضح فيها مستوراً.

    1.   

    فرق بين عيدنا وعيدهم

    هذا عيدنا، أما عيد غيرنا فهم يرقصون على الهزائم، ويفرحون بالفشل، ويصفقون على الخيبة في عالم لم ننصر فيه بعد أن تولينا عن لا إله إلا الله.

    أيرقص الذين خرموا حرمة شهر رمضان، وأكلوا فيه، وهزموا فيه، وأسقطوا لا إله إلا الله في رمضان وفي غيره أيرقصون فيه؟! فلماذا يرقصون؟!! أللخيبة أم للفشل!

    إن أقواس النصر ورفع الأعلام والعيد أن تنتصر الأمة، وأن يعود كيانها ووحدتها وقوتها ومركزها العالمي، وأن يتأخر كل ذنب متأخر، وأن يتقدم كل صنديد متقدم، فهذا هو مفهوم العيد، لا نقول للعيد كما قال المتشائم الأول:

    عيدٌ بأية حال عدت يا عيد     بما مضى أم بأمرٍ فيه تجديد

    أما الأحبة فالبيداء دونهم     فليت دونك بيدٌ دونها بيد

    ولكن نقول: مرحباً بالعيد، وأهلاً وسهلاً به، ففيه يعود الصفاء إلى قلوبنا، والرحمة إلى أرواحنا، والودُّ إلى نفوسنا.

    عيدٌ بأية حال عدت يا عيد     بما مضى أم بأمرٍ فيه تجديد

    نحن الأشاوس ما شجت أرومتنا     وفي حظيرتنا نجبٌ صناديد

    نعم. نحن وإن غفلنا فلن نموت، وإن سكتنا فلن ننتهي، وإن ظن الناس أن هذا الدين قد تأخر فسوف يتقدم، لأنه دين عالميٌ أيها الناس! يعيش في المواسم، وفي الصيام والأعياد وفي الليل والنهار.

    1.   

    لمن العيد..؟!

    فهذا عيدنا إخوة الإسلام! فلمن العيد إذاً؟!

    العيد لمن احترم وصام رمضان، وعرف الله فيه وفي غيره

    العيد لمن عادت على قلبه أنسام التوبة، وراجع حسابه مع الله.

    العيد لمن صفَّى معاملته مع الله، وتاب من الزلل.

    نخرج يوم العيد أيها الناس! فنتهم أنفسنا قبل اتهام الناس، ونبش للناس، ونبتسم لهم، ونعانقهم؛ لأن بيننا وبين الأحبة غيوماً تحدث من نقص البشر، ومن ذنوبهم وخطاياهم فنتهم أنفسنا بحدتنا وغضبنا ونقصنا وتقصيرنا، ونعذر إخواننا بصبرهم وإخلاصهم وتضحيتهم فنعود متفوقين ناجحين، فهذا هو عيدنا.

    إذاً فإن أعيادنا إنما هي عيد الفطر وعيد الأضحى ويوم الجمعة، وأما أعياد الذي لا يعقلون، الذين أخذ الله سمعهم وأبصارهم وختم على قلوبهم، فعيد الشجرة ينبتونها ويسقونها، ثم يقتلون من يسقي الشجرة.

    وعيد المرأة؛ وهم الذين كفنوها ودفنوها وأقاموا على جثتها مآتم.

    وعيد ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهم الذين أماتوا سنته، وذبحوا تعاليمه، وعطلوا شرائعه في الأرض.

    وأعياد كثيرة تفوق الحصر؛ لا يمكن أن تقال، يفهمها اللبيب، ويعرفها الأريب، ويدركها الأديب.

    يا عباد الله! ننتظر العيد بكل فرحة، ونأمل من الله أن يعيد لنا كرامتنا ومجدنا وعظمتنا وسؤددنا؛ حتى نكون دعاة خير، ورسل هداية، ومشاعل حق، وقادة ركب، وأساتذة عالم، ولا نكون متأخرين، ولا فاشلين، ولا ضالين مضلين.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو التواب الرحيم

    1.   

    العشر الأواخر من رمضان وأحكامها

    الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْد، أيها الناس: (كان من هديه صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر أن يشد مئزره ويوقظ أهله ويحيى ليله) عليه الصلاة والسلام.

    فهو دائبٌ في العبادة أبداً، ولكن إذا دخلت العشر اغتنمها، فهي فرصةٌ لا تعوض؛ لأن فيها ليلة هي خير من ألف شهر.

    وكان عليه الصلاة والسلام يعتكف في هذه العشر الأواخر من شهر رمضان؛ فكان ينقطع عن العالم الخارجي، ويجلس مع الله في مناجاة وتبتل وذكر ودموع وخشوع؛ ليعيد لقلبه عليه الصلاة والسلام -وهو المعمور دائماً وأبداً- يعيد له أنسه المعهود، الذي ربما تغير من خلطة الناس، وكلامهم، ومن ممارسة مشاكلهم، فهذه العشر كان يعتكف فيها صلى الله عليه وسلم في مسجده؛ فلا يخرج إلا لحاجة لا بد منها.

    آداب المعتكف

    والمعتكف له آداب منها:

    1- أن يبقى في مسجد تجمع فيه الصلاة.

    2- أن لا يخرج من المسجد إلا لحاجة لا بد منها.

    3- أن يعتزل الجماع وما يدعو إليه.

    4- أن يكثر من قراءة القرآن، والصلاة، ومن الذكر مطلقاً.

    فهذا هو هديه صلى الله عليه وسلم في العشر الأواخر.

    زكاة الفطر

    وهنا مسألة أيها المسلمون! ينبه عليها لأهميتها وهي زكاة الفطر التي أمر صلى الله عليه وسلم بإخراجها.

    قال ابن عمر رضي الله عنهما: {أمرنا صلى الله عليه وسلم أن نخرج زكاة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من بر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب عن الذكر والأنثى، والحر والعبد، والكبير والصغير} فهذا الصاع يخرج يوم العيد قبل الصلاة بعد الفجر من يوم العيد، ومن أخرجه قبل يومين أو ثلاثة أيام من يوم العيد فحسنٌ جميل.

    يقول ابن عباس رضي الله عنهما: {فرض صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طعمةً للمساكين، وطهرةً للصائم من اللغو والرفث، فمن أخرجها قبل الصلاة فهي زكاة متقبلة، ومن أخرجها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات}.

    أيها الناس: هذه الصدقة تخرج طعاماً ولا تخرج دراهم ودنانير؛ لأن الحكمة من إخراج الطعام هي إطعام الجائع والمسكين في الحال، فكأن العالم الإسلامي بعدده الضخم الذي يربو على البليون، أو على ألف مليون، إذا أخرج كل واحدٍ منهم -الكبير والصغير، والذكر والأنثى- صاعاً يوم العيد فتصير بليون صاع، ألف مليون صاع؛ فيا لهذه العظمة، ويا لهذه الكثرة الكاثرة، وهو تعليم من الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم لئلا تنسينا فرحة العيد جوع الجائعين، وظمأ الظامئين، ومسكنة المساكين.

    نخرج يوم العيد لئلا يبقى فقير ولا مسكين، فادفعوا زكاتكم زكى الله عنكم أعمالكم، وطهروا لغوكم ورفثكم طهركم الله؛ فإنها صدقة سنها صلى الله عليه وسلم، تخرج كما قالها في النص عليه الصلاة والسلام، ومن اضطر، أو رأى الحاجة في أن تكون دراهم فلا بأس بذلك؛ نص على ذلك شيخ الإسلام، الجهبذ النحرير ابن تيمية.

    عباد الله! صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلَّى عليَّ صلاةً واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صلِّ على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة.

    اللهم ارض عن آله الأخيار، وصحبه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين!

    اللهم اجمع كلمة المسلمين، ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين!

    اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم ثبت أقدامهم، اللهم أنزل السكينة عليهم، اللهم اجعل عيدهم نصراً أكيداً يا رب العالمين! وتفوقاً باهراً يا أكرم الأكرمين!

    اللهم اخز كل عدوٍ للإسلام، اللهم اشغله في نفسه، اللهم فتت كيده، واعم بصيرته، ومزق قلبه، والعنه لعنة فوق الأرض، وتحت الأرض، ويوم العرض يا رب العالمين!

    اللهم اجمع كلمتنا، ووحد صفوفنا، وسدد آراءنا، وصوب سهامنا في نحور أعدائنا يا رب العالمين!

    اللهم لا تشغلنا بالتوافه في حياتنا، اللهم لا تجعل الفرقة أساسنا ومبدأنا، اللهم لا تمزق صفوفنا يا رب العالمين! واجمع قلوبنا على ما تحبه وترضاه يا أكرم الأكرمين!

    اللهم أخرجنا من الظلمات إلى النور، واهدنا سبل السلام، ووفقنا لما تحبه وترضاه.

    اللهم أصلح شباب المسلمين؛ اللهم تب عليهم، وكفر عنهم سيئاتهم، وأصلح بالهم، ووفقهم لما تحبه وترضاه يا رب العالمين!

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك، واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين!

    ربنا إننا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة، حسنة وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.