إسلام ويب

المفسدون في الأرضللشيخ : عائض القرني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى حين خلق آدم وأخرجه من الجنة، قدر أنه لا بد من صراع بين الحق والباطل، لحكم كثيرة ومنافع عظيمة تعود على أهل الإسلام والإيمان.

    وأوجب سبحانه على أهل الحق أن يجاهدوا لإعلائه، وأن يقمعوا الباطل وحزبه، وقد بعث الله الرسل وأقام المجددين لدحر أهل الباطل من أهل الشرك والبدعة والفسق والمحادة لأمر الله.

    1.   

    صور من الطعن في حدود الإسلام

    الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

    أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، حامل لواء العز في بني لؤي، وصاحب الطود المنيف في بني عبد مناف بن قصي، صاحب الغرة والتحجيل، المذكور في التوراة والإنجيل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْــد:

    أيها الناس: لقد واجه الإسلام تهماً فظيعةً، وطعوناً شنيعةً من أعدائه سلفاً وخلفاً، اتهموه بالرجعية والتأخر، واتهموه بالهمجية في تطبيق الحدود وسن الشرائع وتنفيذ الفرائض.

    فلنأتِ لنستقرئ أحوال هؤلاء الطاعنين، وموقف الإسلام من هذا الطعن الفضيع.

    عباد الله: إن الحدود نعمة من نعم الله تبارك وتعالى، سنها لحفظ الإنسان، ولحمايته ورعايته، واعتبر الله عز وجل من عطل حدوده في الأرض كافراً ظالماً فاسقاً، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، وعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    يقول جل ذكره: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:44-45]...وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

    وعندما أتى القرن الثالث، قامت هناك نعرةٌ عدائيةٌ للإسلام، أسسها المذهب الباطني الذي امتد اليوم إلى المذهب الخميني، وما يبثه في الأرض من عداء ضد هذا الدين، واشتركت معه اليهودية والصهيونية العالميـة في العـداء للإسلام، لكنه لم يظهر العداء كما أظهروه، فإن مذهبه التقية، يتقي ويظهر أنه ناسك عابد وهو الذئب العادي على الاسلام، وهو المنفذ الوحيد للصهيونية، وهو العميل الإرهابي والمدمر للإسلام.

    أبو العلاء المعري واستهزاؤه بالدين

    وكان من أجداد المذهب الباطني، الزنديق أبو العلاء المعري الشاعر الفيلسوف المحسوب على الإسلام، الذي امتهن دين الله، وضحك على شريعته، واستهزأ بآياته في أبياته التي يقول من ضمنها، وهو يعترض على قطع يد السارق:

    يدٌ بخمس مئينِ عسجدٍ وديت     ما بالها قطعت في ربع دينار

    يقول: هذه اليد ديتها في الإسلام خمس من المئين العسجد الذهب -فإذا سرقت ربع دينار قطعت، فكيف تقطع؟

    تناقض ما لنا إلا السكوت له      ونستعيذ بمولانا من النار

    يقول: هذا تناقض في دين الله. وما التناقض إلا في عقله وقلبه يوم طبع الله عليه، وفضحه وأخزاه، فاعترض على شريعة الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولذلك رد عليه جهابذة الإسلام، وقال أحدهم:

    عز الأمانة أغلاها وأرخصها     ذل الخيانة فافهم حكمة الباري

    وقال له عبد الوهاب المالكي العالم الكبير وهو يحاكمه عند الله، ويقول له:

    قل للمعري عار أيما عار     جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عاري

    لا تقدحن بنود الشرع عن شبهٍ     شرائع الدين لم تُقدح بأشعار

    فابتلاه الله بعمى القلب والبصر وأخزاه الله، حتى قال المؤرخون: ما دفن أبو العلاء ووضع في قبره إلا والتقمت لسانه حية لها ذنبان اثنان كما قال ابن كثير وغيره، وهذا خزي الدنيا، وللآخرة أشد خزياً وعاراً ونكالاً.

    موقف ابن سينا وابن الراوندي من الدين

    إن الملاحدة الذين طعنوا في دين الله كثر، فمنهم ابن سينا المحسوب على الإسلام، والذي سُمي في بعض الأقسام العلمية في جامعتنا: الأسطول، ويسمى: الذكي الفاره، والعبقري المدره، وسميت به كتب وله أقسام، والإسلام منه -إن لم يكن تاب- بريء؛ لأنه اعترض في بعض الأمور على الشرائع وأنكر بعض الأسس اليقينية من دين الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ومعه ابن الراوندي الكلب المعفر الذي ألف كتاب الدامغ على القرآن يقول: أدمغ به القرآن والسنة، قال ابن تيمية: إن كان ثبت ذلك عنه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

    1.   

    عداء الغرب للإسلام وأهله

    ثم أتت الدعوات المغرضة تترى حتى وصلنا اليوم إلى أعداء الإسلام، فألفوا الكتب، وعقدوا المؤتمرات، وصرحوا بالرسائل والفتيا، وانتقدوا على الإسلام، وقالوا: دين همجية.

    كيف يسرق السارق سرقة فتقطع يمينه؟! أهذا من العقل والنقل؟! كيف يقتل القاتل؟ ونقول لهم: يا سبحان الله! نسيتم الشعوب التي دمرتموها، والشيوخ الذين قتلتموهم، والأطفال الذين أبدتموهم، واعترضتم على قتل مجرم بقتله تحيا الأنفس، والله يقول: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) [البقرة:179].

    قتل مجرم واحد يحيا به شعب يدين لله عز وجل، وقطع يد سارق واحد، تبقى أموال الناس مأمونة مخزونة محفوظة، ويبقى الناس بسلام، وجلد زانٍ واحد، تبقى أعراض الناس سليمة معافاة محماة، فما لكم أنتم لا تفتشون عن أخباركم وصحفكم السود؟ راجعوا سجلاتكم ماذا فعلتم بالشعوب؟

    قالوا: هم البشر الأرقى، وما أكلوا شيئاً كما أكل الإنسان أو شربوا، من الذي قتل شعب فلسطين شعباً كاملاً بأطفاله ورجاله ونسائه؟! من الذي هدم مساجده؟! من الذي لعب بأعراض نسائه؟! من الذي مزق كتبه وضيع معالمه وشتت أهله شذر مذر في الأرض؟! أليست هي الصهيونية العالمية ومن ورائها أمريكا التي تدَّعي حقوق الإنسان وحفظه ومناعته وهي عدوة الإنسان؟

    من ضرب العمال في بولندا ومن أتى بالرق من يوغندا

    من دمر البيوت في نزاكي من ضرب اليونان من أتراك

    من الذي ناصر إسرائيل      حتى تصب عنفها الوبيلا؟

    إنهم يقتلون الملايين ولكنهم لا يسألون أنفسهم، وأما الإسلام فيتهمونه إذا قتل مجرماً واحداً: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] يستخدمون حق الفيتو إذا وقف بعض الناس بحماسة ورحمة الإنسانية للشعب المضطهد، ولا يأخذون حق الفيتو ضد من قتل الناس وأرهبهم ودمر بيوتهم.

    أخرج شعب أفغانستان -وهو ثمانية مليون- إلى باكستان لاجئين يموتون جوعاً، لا يجدون ورق الشجر، ولم يستخدموا حق الفيتو، وأخرج شعب فلسطين من خمس وعشرين سنة، وفرق بين الابن وأبيه، وبين الأخ وأخيه، وبين الأم وولدها، فما استخدموا حق الفيتو.

    فإذا شخص مجرم انتهك أعراض المسلمين على أنه زانٍ، قالوا: همجية وبشاعة وأنه لا يناسب رحمة الإنسان. ما هذا الورع المظلم؟!! وما هذه اللعنة العمياء التي أصيبوا بها في سمعهم وأبصارهم؟ ونرد عليهم أيضاً بواقعهم، فانظروا إلى بلادهم، وانظروا إلى ولاياتهم كيف تعيش الدمار والعار.

    إن عيد الكرسمس في الولايات المتحدة تغلق فيه الكهرباء وتطفأ لمدة عشر دقائق، وأحصي في بعض الولايات في الشمال كولاية أوكلاهوما أن بعض السرقات بلغت في عشر دقائق ألف سرقة، أما في الإسلام فإننا -والحمد لله- نعيش في أمان، يذهب الذاهب بماله، فلا تتعرض له عصابة ولا مجرمون، ولا يتعرض له قطاع طريق، لأنهم علموا أن الحد سوف يصيبهم، ولذلك وقف عليه الصلاة والسلام بقوةٍ أمام كل من عطل الحدود، وبين أن من عطلها فهو ملعون في الدنيا والآخرة، وأن من عطلها فقد غضب الله عليه، لا يقبل الله من صرفاً ولا عدلاً، ولا كلاماً، ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.

    1.   

    صور من إقامة الحدود في عهد النبوة.

    قصة المرأة المخزومية

    سرقت امرأة مخزومية كانت تجحد العارية وبنو مخزوم أسرة فارهة ضخمة من أسر قريش المشهورة، فلما جحدت هذه المرأة الحلي، رفع أمرها إلى رسول الهداية صلى الله عليه وسلم، فقال: حكم الله عز وجل؛ قطع يدها، فقامت قيامة بني مخزوم، وقالوا: توسمنا العرب بأن امرأة منا سرقت، لا. والله لا يكون هذا، واجتمعوا وسهروا الليالي الطويلة، وأداروا الرأي، وفي الأخير من الذي يشفع لهم عند الرسول عليه الصلاة والسلام، من الذي ينشر القضية؟ ارتبكوا أيما ارتباك، وفي الأخير قالوا: نذهب إلى أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه، ونعرض عليه القضية؛ عله أن يرفعها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

    أتوا إلى علي بن أبي طالب فغضب ورفض واحمر وجهه، وقال: ويلكم أتشفعون في حد من حدود الله، فأتوا إلى فاطمة الزهراء بنت المصطفى صلى الله عليه وسلم، فأخبروها الخبر، فقالت: ويلكم وغضبت وتحرك إيمانها في قلبها، وقالت: من يشفع في حدود الله؟!

    وفي الأخير ذهبوا إلى أسامة رضي الله عنه وأرضاه، وهو شاب غر فطن في الثالثة عشر من عمره، فعرضوا عليه الرأي، فاستحسن الفكرة وذهب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فجلس أمامه، فقال له صلى الله عليه وسلم وأسامة خجول لا يستطيع أن يتكلم بما في صدره، فقال له صلى الله عليه وسلم: ماذا في صدرك؟ قال: يا رسول الله! المرأة المخزومية التي حكمت عليها بقطع يدها نريد أن تعفو عنها، فغضب عليه الصلاة والسلام وقام على ركبتيه ورفع صوته على أسامة، وقال: ويحك! وجئت تشفع في حد من حدود الله.

    وفي أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إذا بلغت الحدود الإمام فلعن الله الشافع والمشفع} إذا بلغت السلطان أو القاضي الحدود كحد الزنا، أو حد شرب الخمر، أو حد القتل، أو حد السرقة، فأتى أناس يتشفعون من الوجهاء والمسئولين، فلعن الله هذا الشافع الذي تشفع ولعن الله من قبل الشفاعة، ثم قام عليه الصلاة والسلام فجمع الناس، وأتى الصوت يدوي في المدينة " الصلاة جامعة، الصلاة جامعة"، ولا يجتمع الناس إلا لأمر فظيع خطير في الإسلام، فلما اجتمعوا قام عليه الصلاة والسلام على المنبر ليبين أن هذا حكم الله، وأن هذه فريضة الله، وأن هذه شريعة الله، وقال: {يا أيها الناس! إنما أهلك الذين كانوا من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله ووالله وتالله وبالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقة، لقطعت يدها}.

    نعم. ليفهم من يفهم، لو أنها فاطمة الزهراء بنت المصطفى صلى الله عليه وسلم، سيدة نساء العالمين:

    هي بنت من؟ هي أم من؟ هي زوج من؟      ماذا يساوي في الأنام علاها

    أما أبوها فهو أشرف مرسل      جبريل بالتوحيد قد رباها

    لو سرقت -والله- لقطع رسول الهدى صلى الله عليه وسلم يدها.

    قال الزهري: وحاشاها أن تسرق، ولكن أراد صلى الله عليه وسلم أن يبين للناس أنه لا تأخذه هوادةٌ في دين الله، وأن الوساطات والشفاعات في تغيير الحدود، أو إرباكها، أو تعطيلها معناها اللعنة والغضب من الله تبارك وتعالى، ومعناه السخط، والخروج عن شريعته.

    إقامة الحد على اليهوديين

    وبنو إسرائيل واليهود يعلمون أن الله فرض عليهم ذلك، لكنهم نقضوا عهد الله: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ [المائدة:13] أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول عليه الصلاة والسلام مخير بين أن يحكم بينهم في دين الله، أو أن يعرض عنهم، يقول سبحانه: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة:42] فلما أتوا بالزانيين- الرجل والمرأة- فقال اليهود: يا رسول الله! هذا الرجل زنا بهذه المرأة، فقال عليه الصلاة والسلام: {ماذا تجدون في كتابكم} في التوراة، والرسول عليه الصلاة والسلام يعلم أن في التوراة حكم الله وأنه جلد الزاني البكر ورجم الزاني المحصن، فقالوا: نجد في التوراة، أن نحمم وجه الزاني بالفحم، وأن نركبه على حمار ونوجه رأسه إلى دبر الحمار، وأن نعرضه على الناس، فقال الله عز وجل لرسوله: قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] تعالوا بالتوراة نقرؤها سوياً هل نجد هذا الحكم في توراتكم وكتابكم، فأتوا بها، وهم حيات أخدع وأمكر خلق الله، وهم أساس كل جريمة وكذب ودجل وخيانة في العالم، فأتوا بالتوراة وجاءوا برجل اسمه ابن صوريا منهم، أعور لا يقرأ إلا بعين واحدة، فقالوا: إذا استدعاك محمد لتقرأ عليه التوراة، فاقفز من هذه الآية -آية الرجم- اقرأ ما قبلها وما بعدها واتركها، فأتى فلما رأى الرسول صلى الله عليه وسلم التوراة قام حفياً لها؛ لأن فيها شيئاً من الحق، ولأنها أنزلت على موسى عليه السلام، وجعلها صلى الله عليه وسلم على وسادة عنده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب لكنه أعلم خلق الله بشرع الله، فقال للقارئ: اقرأ، وحوله اليهود يتناخرون كالخنازير والقردة، فبدأ القارئ يقرأ وقفز من هذه الآية وقرأ ما قبلها وما بعدها وجعل يده عليها، فقال عبد الله بن سلام اليهودي الذي أسلم وهو من أهل الجنة، والذي قال الله فيه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ [الأحقاف:10] فالشاهد عبد الله بن سلام فقال: {يا رسول الله! والذي بعثك بالحق نبياً إن فيها الرجم، ولكنه غطى بيده عليها، فكشف صلى الله عليه وسلم عن الآية وقرأت، فقام عليه الصلاة والسلام فرجم هذا الرجل ورجم هذه المرأة} قال ابن عمر رضي الله عنهما: [[لقد رأيت الرجل وهو يجنأ على المرأة يحميها من الحجارة، فعلمنا أنه زنا بها]] وهذا حكم الله عز وجل وشريعته في الأرض فلابد أن تنفذ، ومن عطلها فهو أساس تعطيل الرزق من السماء، والقطر من الفضاء، والغيث الذي يصب على القلوب، يقول تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] والعجب ممن يعترض على دين الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ثم يقتل عباد الله في الأرض ويسعى في الأرض فساداً ويؤيد الطغيان والاستبداد واستحلال الشعوب وقتل الأرواح والضمائر.

    قتل امرئ في غابة      جريمةٌ لا تغتفر

    وقتل شعبٍ كاملٍ      مسألةٌ فيها نظر

    ولكننا نرجع حكمهم إلى الله، ونعتز بهذا الدين الذي جعله الله حفظاً للأرواح وللأنفس وللأعراض وللأنساب وللأموال، فالحمد لله الذي شرح صدورنا للإسلام يوم ضيق صدور الآخرين وجعلها كأنما يصعدون في السماء، والحمد لله الذي هدانا لهذا الدين وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، رب زدنا فقهاً في ديننا وثبتنا على ملة رسولنا حتى نلقاك، وافتح قلوبنا لهداك، ولا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتها وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو التواب الرحيم.

    1.   

    فوائد إقامة الحدود

    الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين وقدوة الناس إلى الله أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    أمَّا بَعْــد:

    عباد الله: إن من النعم الجليلة أن يطبق حكم الله عز وجل في البلاد، وأن تنفذ حدوده، ولا يعطل منها شيء، فإن معنى ذلك الاستقرار والأمن والازدهار، ورضى الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى، وإنزال سكينته على عباده.

    والحدود في الإسلام لم تشرع ولم تسن عبثاً، وإنما لها حِكُم وفوائد ومنافع:

    طهارة من الذنوب

    أنها مطهرة لمن اقترف هذه الذنوب والخطايا: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:135-136] ويوم يذنب العبد ويطوف به طائف من الشيطان فينسى ربه فيقع في الجريمة حينها يطبق عليه الحد، فيكون مطهراً له من الذنوب فيُقبل على الله عز وجل طاهراً مغفوراً له ذنبه مع توبته مع الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى، ولقد بلغ هناك من المشاهد والنماذج في حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ما يعجب له قلب المؤمن.

    زنت امرأة في عهده صلى الله عليه وسلم فلما ارتكبت الفاحشة تذكرت ذنبها وخطيئتها وإجرامها، وتذكرت القدوم على الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] فأتت إلى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم فاعترفت بالزنا، وطلبت منه أن يطهرها فأعرض عنها؛ لأنه لا يريد أن يستجلي أخبار من استتر بستر الله، أتت عن ميسرته فشهدت بالزنا، فأعرض عنها حتى شهدت على نفسها أربع شهادات، حينها رأى صلى الله عليه وسلم أنها حامل، فقال: {اذهبي حتى تضعي ثم تعالي} فذهبت وهي صابرة محتسبة تتفكر في يوم العرض على الله وتريد الحد في الدنيا، فوضعت طفلها.

    قال سهل بن سعد: والله لا أنسى يوم أتت بطفلها في لفائف من قماش، وهي تطلب التطهير منه صلى الله عليه وسلم، فيقول رسول الله عليه الصلاة والسلام: {اذهبي حتى ترضعيه وتفطميه، ثم تعالي} وانظر إلى صبرها طول هذه المدة واحتسابها الأجر والمثوبة في تنفيذ الحق، فتذهب فتفطمه بعد سنتين، وتأتي به وفي يده كسرة من الخبز، فيقول عليه الصلاة والسلام: من يكفل هذا الطفل؟ فأخذه أحد الأنصار وذهبوا بالمرأة وهي مقبلة على الله متوضأة بوضوء التوبة وقد فتحت لها أبواب الجنة الثمانية يقول سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] واجتمع عليها المؤمنون ليقيموا شريعة الله، وليظهروا تطبيق حدود الله وانهالت عليها الحجارة، وهي صابرة محتسبة مقدمة روحها إلى الله.

    يجود بالروح إن ضن البخيل بها     والجود بالروح أغلى غاية الجود

    وتنتثر دماؤها على الناس، فيسبها أحد الصحابة، فيقول له صلى الله عليه وسلم: { مهلاً يا فلان، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم} وفي لفظ: {والذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس، لوسعته أو لو وزعت على سبعين بيتاً من بيوت أهل المدينة، لوسعتهم} وهل رأيتم أجود منها يوم جادت بنفسها، ثم يقول عليه الصلاة والسلام: {والذي نفسي بيده لقد رأيتها تنغمس في أنهار الجنة} فأول هذا أنه طهارة لمن أقيم عليه الحد، وقد تاب ما بينه وبين الله، فإن الحدود كفارات وجوابر وزاجر.

    استقرار الأمن في البلاد

    والمنفعة الثانية من تطبيق الحدود: أنه استتباب للأمن في البلاد، وقطع لدابر المجرمين والمفسدين في الأرض، وقطاع الطرق وعصابات الإفساد، وعصابات الإرهاب التي تفسد في الأرض، وتعرض الأمة للدمار وللنار، وتزعزع البيوت الآمنة والآهلة بالسكان، فإن الأمن في تطبيق الحدود، وهذا معنى قوله تبارك وتعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) [البقرة:179] ونكّر (حياة) ولم يقل (الحياة) لتكون حياة بمعنى مفهوم الحياة العامة الشاملة الثابتة.

    زاجر للمعتدين

    والمنفعة الثالثة: أنها زواجر للمعتدين، وأنها دواحض للمرتابين، وأنها موانع لمن يريد أن ينتهك حرمة عباد الله عز وجل، فإن من مقاصد الإسلام حفظ النفس، والمال، والعرض، وحفظ النسب، والعقل، فجعل الله عز وجل لهذه الأمور الخمسة موانع وحواجز تحفظها من كل من يريد أن يعتدي عليها.

    رضا الله وتنزل نعمائه

    والمنفعة الرابعة: أنها إرضاءٌ لله عز وجل، والله عز وجل يرضى يوم يرى حدوده تطبق في الأرض، ويوم يرى شريعته تنتشر في الناس، ويوم يرى القائمين بالحدود من سلطان وأمير وقاض ومسئول ينفذ حد الله، حينها ينزل الله القطر من السماء، ويؤلف بين القلوب، ويحمي البلاد من اعتداء المعتدي، ويرد عنها كيد الكائدين وضغينة الضاغنين، وما اعتدي على كثير من البلاد، وما أرهبت كثير من الشعوب إلا بمعاملتها مع الله عز وجل يقول سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل:112]... وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً [الطلاق:8-9] فانظروا إلى جيراننا والشعوب التي تلينا كيف عاشت الدمار والحروب والمجاعة، وكيف عاشت الاختلاف، وكيف عاشت التمزق يوم أعرضت عن شرع الله عز وجل، وأخذت قوانين نابليون وجعلتها مكان القرآن، وادعت أن شريعة الله لا تسير العصر، فأصابهم الله بلعنة وخزي في الدنيا ونار تلظى في الآخرة.

    فنسأل الله عز وجل لنا ولكم الفقه في دينه، والثبات على أمره، والرشد فيما يعنينا، وأن يؤلف بين قلوبنا، ويصلح ذات أنفسنا، وأن يهدينا سواء السبيل.

    عباد الله: صلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] وقد قال صلى الله عليه وسلم: {من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشراً}.

    اللهم صل على نبيك وحبيبك محمد، واعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين، وارض اللهم عن أصحابه الأطهار من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بمنك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

    اللهم اجمع كلمة المسلمين ووحد صفوفهم، وخذ بأيديهم لما تحبه وترضاه، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وأرهم الحق حقاً وارزقهم اتباعه، وأرهم الباطل باطلاً وارزقهم اجتنابه.

    اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينا ما علمت الحياة خيراً لنا، وتوفنا إذا كانت الوفاة خيراً لنا، اللهم إنا نسألك خشيتك في الغيب والشهادة، ونسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، ونسألك القصد في الغنى والفقر، ونسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة برحمتك يا أرحم الراحمين.

    اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا في عهد من خافك واتقاك واتبع رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم انصر كل من جاهد لإعلاء كلمتك، اللهم انصر المجاهدين في أفغانستان وثبت أقدامهم وأقم علم الجهاد بهم ووحد كلمتهم، واجمع صفهم يا رب العالمين!

    اللهم انصر المجاهدين المسلمين في فلسطين على أعدائك أعداء الدين، أبناء القردة والخنازير، الذين قتلوا رسلك، وكذبوا بشريعتك، وآذوا أنبياءك، اللهم رد لنا أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين يا رب العالمين.

    ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا، لنكونن من الخاسرين.

    ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.